تعريف الأمين العمودي
ولد الأمين العمودي بوادي سوف سنة 1891. وفي مسقط رأسه دخل المدرسة القرآنية، ثم دخل إلى المدرسة الابتدائية الفرنسية، وعندما أنهى تعليمه الابتدائي انتقل إلى مدرسة قسنطينة. وكان في مرحلة الدراسة من نبهاء الطلاب وأحرارهم، وكان لديه إحساس حاد بالتفاوت الطبقي بين الطلاب ولم يستطع إكمال دراسته لإقصائه عن الدراسة. وعين في وظيفة متواضعة بمحكمة "فج مزالة" غير أنه لم يستمر فيها طويلاً وتركها ليعمل في مجال الترجمة.
ثم راح ينتقل من بلدة لأخرى من مدن الجزائر وكانت مواهبه قد بدأت تتجلى وبلغت شهرته أوجها في نهاية الحرب العالمية الأولى. عندما تنادى علماء الجزائر المسلمون لإقامة تنظيمهم الذي أطلق عليه "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" كان في طليعة المتحمسين للدعوة. وفي الاجتماع الأول وقع عليه الاختيار ليكون الأمين العام للجمعية، وترتب على ذلك انتقاله إلى العاصمة تاركاً كل شيء في بسكرة.
وفي العاصمة مارس عمله الخاص كوكيل شرعي ومهمته ككاتب لجمعية العلماء وتعزز من مركزه في العاصمة واختير رئيساً للوكلاء الشرعيين فضاقت به سلطات الاحتلال وأوقفته عن العمل ستة أشهر وحرضّت زملاءه الوكلاء على إبعاده عن رئاسة تنظيمهم، وأبعدته عن العاصمة فاستقال من الوكالة وأسس جريدة الدفاع باللغة الفرنسية فدافعت عن القضية الوطنية بكل حزم وثبات. ورغم ما تعرض له من مضايقات استمر في إصدارها ومع أن ذلك كلفه كل ما يملك من عقارات في بسكرة غير أن علاقته بجمعية العلماء لم تستمر طويلاً ولكنه بقي وفياً لمبادئها.
ويروي الأستاذ حمزة بوكوشة: أن العمودي هو الذي أوحى لابن باديس بفكرة الدعوة لعقد المؤتمر الإسلامي، وفتحَ له صدر جريدته، ولما انعقد المؤتمر اختير عضواً في وفد المؤتمر ومترجماً له.
وبعد فترة ترأس مجموعة من الشباب لمتابعة وملاحقة مطالب المؤتمر، وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية اعتُقِل مخلفاً وراءه زوجته وأبناءه بدون معيل. فلم يخرج من السجن إلا بعد تعهد بعدم الوقوف موقفاً معادياً من السلطة. وفي آخر أيامه توالت عليه العلل، ولكن وضعه المادي لم يتحْ له البقاء في منزله فكان يخرج للعمل حتى في الأيام العصيبة.
وفي يناير 1957 عندما كان يمر في أحد الشوارع العاصمة اغتالته عصابات الغدر الفرنسية رغم كبر سنه ومرضه. لكننا نجد في كتاب الأستاذ "شريبط" حول حادثة استشهاده ما يرويه ابنه أحمد العمودي الذي قال: "إن ذلك اليوم – أي يوم اختطافه – كان صبيحة خميس، وأن والده كان متجهاً لعمله بمحكمة الجزائر، وأنهم أخبروا من الغد بواسطة الجندرمة، والسبب في ذلك أن شيخ بلدية البويرة كان من الفرنسيين الرافضين للحرب على الشعب الجزائري، وكان يعرف النشاط الصحفي للشيخ العمودي، فبينما كان مقرراً أن يلقى به ضمن مجموعة الأبرياء الذي اغتالتهم الأيدي الآثمة من الاستعماريين على الطريقة البشعة المتمثلة في حفرة كبيرة تلقى فيها جميع الجثث، فلما عرف شيخ البلدية المذكور بأن الأمين العمودي من بين حصيلة حفير ذلك اليوم رفض التصريح للجندرمة بالدفن الجماعي وأمرهم بالاتصال بأسرته".
في حين أكد الشاعر الجزائري الطاهر بوشوشي للشاعر محمد الأخضر السائحي أن سبب اغتياله من طرف السلطات الاستعمارية على يد عصابة "اليد الحمراء" يعود إلى هذا السبب: إن اغتياله يعود لتحريره وترجمة التقرير الذي قدم في ملف القضية الجزائرية للأمم المتحدة عن التعذيب الجهنمي والأساليب الوحشية التي كانت السلطات الاستعمارية تستعملها ضد الشعب الجزائري، وصورة القضية تعود إلى الملف الذي قدمه الأخ عبد القادر شندرلي إلى لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة سنة 1957 والمتضمن لحقائق دامغة كشفت الستار عن مخازي التعذيب في مراكز الكوت التي كانت القوات الفرنسية تستعملها للاستنطاق مدعمة بأسماء المعذبين ولأسماء الضباط القائمين بالإبادة والتصفية الجسدية لمناضلي جبهة التحرير الوطني وغيرهم من المواطنين؛ والسجون والمحتشدات وكل ما يثبت مخازي الاستعمار ويزيح الستار عن جرائمه النكراء وأساليبه المتوحشة التي فاقت أعمال البرابرة.
فقد كان المعلومات تجمع من قبل مناضلي جبهة التحرير الوطني ويقدمها الشيخ الصديق مصباح للشيخ الأمين العمودي ليصوغها في تقرير.



لقد توزع نشاطه الفكري بين الشعر والنثر والترجمة، وكانت مواضيع شعره اجتماعية ووجداينة، وأحياناً ساخرة. وأسلوبه يجمع بين الطرافة إلى السلاسة والعذوبة. أما في النثر فقد كانت كتابته تعمر بروح الثورة على الأوضاع بدءاً بالمدرسة وحتى الأوضاع المعيشية معتبراً أن الاستعمار وحده مسؤولاً عن تردي الأوضاع، وكان أحياناً يوقع مقالاته باسم مستعار، كما كان يكتب في جريدته وفي جرائد الأخرى منها: "النجاح" و"الإصلاح" و"الشهاب".
أما بالفرنسية فإنه كان يحرر افتتاحيات جريدته التي كانت منبراً من منابر الحركة الوطنية تخاطب الفرنسيين بلغتهم وتفضحهم بلسانهم. ويغلب على كتاباته بشكل عام الطابع الوطني الإسلامي، لأن كل ما يهمه هو أن يدافع عن الإسلام والجزائر وأن يتصدى لمن يتجنَّونَ عليهما ويسيئون إليهما.

juvdt hgHldk hgul,]d