بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين



القوي الآسيوية بين مجتمع الأمن والإقليمية الأمنية
بقلم : محمد فايز فرحات
مقالات أسبوعية
________________________________________
شهدت العلاقات الآسيوية‏-‏ الآسيوية خلال العامين الأخيرين عددا من المؤشرات والتطورات السلبية‏,‏ قادت في بعض الحالات إلي نشوب أزمات سياسية بين القوي الآسيوية الكبري‏.‏ وعلي الرغم من انتهاء تلك الأزمات‏,‏ إلا أن هذا لا ينفي استمرار التحولات الاستراتيجية التي شكلت البنية الأساسية‏-‏ أو البيئة المولدة‏-‏ لتلك الأزمات‏,‏ والتي يرجح عودتها من جديد في مراحل قادمة‏.‏ وقد أدت تلك التحولات وما ارتبط بها من أزمات إلي إعادة إثارة التساؤلات حول مفاهيم مثل‏'‏ الجماعة الآسيوية‏'AsianCommunity‏ أو مفهوم‏'‏ مجتمع الأمن الآسيوي‏'AsianSecurityCommunity,‏ فقد عكس استخدام تلك المفاهيم من جانب السياسيين والأكاديميين وجود إدراك عام بأن حالة الاعتماد المتبادل والعلاقات الآسيوية‏-‏ الآسيوية قد حققت درجة كبيرة من التقدم والنضج تكفل غياب الآليات العنيفة لإدارة وتسوية الصراعات علي النحو الذي طرحه كارل دويتش من خلال مفهومه لمجتمع الأمن‏.‏

غيرر أن العامين الأخيرين قد شهدا عددا من التحولات السلبية علي صعيد العلاقات الآسيوية‏,‏ سواء الآسيوية‏-‏ الآسيوية أو العلاقات الإقليمية وعبر الإقليمية داخل منطقة آسيا‏-‏ المحيط الهادي‏.‏ وقد تمثلت أهم تلك التحولات في تحول السياسة اليابانية تجاه قضية تايوان منذ منتصف التسعينيات‏,‏

تحت تأثير تنامي الارتباط الشديد بين الأمن القومي الياباني ومنطقة بحر جنوب الصين وتصاعد الأهمية النسبية للمتغير الاقتصادي في العلاقات اليابانية التايوانية وتراجع مصداقية المنهج السلمي لتوحيد تايوان مع الصين الأم بما يعني ضرورة استعداد اليابان للجوء الصين إلي المنهج العسكري‏.‏ التحول الثاني هو إعادة بناء التحالف الأمني الياباني‏-‏ الأمريكي‏,‏ كجزء من سياسة احتواء الصعود الصيني والحفاظ علي فاعلية هذا التحالف في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وظهور أنماط جديدة من التهديدات‏(‏ تأمين مصادر الطاقة‏,‏ تأمين طرق التجارة الدولية‏,‏ التهديدات النووية‏..‏الخ‏),‏ وكجزء من إعادة توزيع المسئوليات الأمنية في منطقة آسيا المحيط الهادي بين طرفي التحالف‏.‏ كان أهم محطات تلك العملية مراجعة اتفاق‏'‏ المبادئ العامة للتعاون الأمني الأمريكي الياباني‏'‏ الموقع في عام‏.1978‏ وقد تعاملت التعديلات الجديدة مع الصين باعتبارها ليس فقط أحد مصادر التهديد المشترك ولكن جزءا من المجال الحيوي للتحالف‏,‏ فقد نصت التعديلات الجديدة علي التزام اليابان بتقديم المساعدات الفنية واللوجيستية للعمليات العسكرية الأمريكية التي تجري في‏'‏ المناطق المحيطة باليابان‏',‏
وتم تفسير التعبير الأخير باعتباره‏'‏ مفهوما موقفيا‏'‏ وليس مفهوما جغرافيا يتعلق بخريطة محددة‏,‏ الأمر الذي عمق من قناعة الصين بوقوعها‏-‏ بالإضافة إلي تايوان‏-‏ في نطاق هذا التحالف‏,‏ وهو ما أكده عدد من التصريحات الأمريكية التي صدرت في عام‏1997‏ بمناسبة الانتهاء من مراجعة الاتفاق‏.‏ وهكذا‏,‏ اصبحت تايوان بموجب تلك التعديلات جزء مهما من المجال الحيوي للتحالف الأمني الياباني‏-‏ الأمريكي‏,‏ الأمر الذي يعني أن حربا صينية ضد تايوان هي حرب ضد الولايات المتحدة واليابان أيضا‏.‏ ورغم محاولة اليابان التخفيف من الإدراك السلبي الصيني لهذا التطور‏,‏ إلا أنها لم تنجح في ذلك خاصة مع رفض اليابان الاعتراف صراحة بعدم تأييدها لانضمام تايوان إلي الأمم المتحدة‏,‏ وتواتر استقبال اليابان لعدد من المسئولين السياسيين التايوانيين‏,‏ وصدور بعض التقارير حول وضع سيناريوهات عملية للدور الياباني في حالة نشوب حرب صينية ضد تايوان‏.‏

التحول الثالث هو التحول الذي طال العقيدة العسكرية اليابانية خلال السنوات الأخيرة ونمو اتجاه قوي داخل اليابان وداخل المؤسسات الأكاديمية والسياسية والمؤسسة العسكرية اليابانية يدعو إلي إعادة النظر في العقيدة العسكرية اليابانية والدور العسكري الخارجي لليابان‏.‏ ونجح هذا الاتجاه في توظيف البيئة الأمنية الدولية في مرحلة ما بعد سبتمبر‏2001‏ لادخال تعديلات مهمة كان أبرزها صدور قانون‏'‏ الإجراءات الخاصة لمكافحة الإرهاب‏'‏ في أكتوبر‏2001‏ الذي مثل الأساس القانوني للدعم اللوجيستي الياباني للعمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان‏,‏ وقانون‏'‏ الإجراءات الخاصة بالمساعدة الإنسانية وإعادة بناء العراق‏'‏ في يوليو‏2003‏ الذي سمح بنشر قوات غير مقاتلة في العراق خارج نطاق الأمم المتحدة‏,‏ حيث مثل القانون نكوصا عن القيود التي وضعها قانون‏'‏ دعم عمليات حفظ السلام‏'‏ الذي صدر في عام‏1992,‏ خاصة وجود اتفاق لوقف إطلاق النار‏,‏ وقبول الأطراف المتحاربة‏.‏ إلا أن التطور الأهم الذي طال العقيدة العسكرية اليابانية قد تمثل في صدور التعيل الثاني‏'‏ للخطة العامة لبرنامج الدفاع الوطني‏'‏ في ديسمبر‏2004,‏

والتي تمثل الوثيقة العسكرية الرسمية لوكالة الدفاع الذاتي اليابانية‏.‏ ويعد هذا التعديل هو التعديل الثاني منذ وضع الخطة في عام‏.1976‏ فقد تضمن هذا التعديل‏,‏ الذي يمثل الخطة الدفاعية لليابان خلال السنوات العشر القادمة‏,‏ عددا من النقاط المهمة‏,‏ عكست إدراكا يابانيا سلبيا للصين والقدرات العسكرية الصينية وعلاقتها بالأمن القومي الياباني‏.‏ فقد تضمنت الوثيقة لأول مرة الحديث عن الصين‏-‏ بجانب كوريا الشمالية‏-‏ كمصدر رئيسي لتهديد الأمن القومي الياباني‏,‏ وهو ما تجنبته الوثيقة الأساسية سنة‏1976‏ وتعديل سنة‏.1995‏ وأشارت الوثيقة في هذا الإطار إلي تنامي القدرات العسكرية البحرية والصاروخية للصين ودور الصين في الانتشار النووي‏,‏ وهو ما أثار حفيظة الصين‏.‏ واللافت للنظر أيضا أن الخطة في تحديدها لأولويات حماية الأمن القومي الياباني قد ركزت علي ثلاث آليات لم تكن بعيدة عن التركيز علي الصين كمصدر رئيسي لتهديد الأمن القومي الياباني‏.‏ شملت تلك الآليات المشاركة اليابانية الفعالة في الأنشطة التعاوينة الدولية لحماية الأمن والسلم الدوليين وخلق بيئة أمنية دولية تحول دون تطور تهديد مباشر أو غير مباشر للأمن القومي الياباني‏,‏ الأمر الذي يعني توسيع المجال الحيوي الياباني ليشمل قضايا نوعية‏-‏ غير محددة جغرافيا‏-‏ مثل العمل علي نزع أسلحة الدمار الشامل والانتشار النووي والإرهاب الدولي وحماية حقوق الإنسان‏..‏الخ‏.‏ ولاشك أن استناد المجال الحيوي لليابان إلي هذا المفهوم الواسع‏,‏ يتسع بهذا المجال ليتقاطع مع المجال الحيوي للصين خاصة في منطقة بحر جنوب الصين‏,‏ بل إنه يجعل من تايوان وبحر جنوب الصين‏-‏ الذي تسعي الصين إلي تحويله إلي بحيرة صينية داخلية‏-‏ إلي جزء مهم من هذا المجال‏.‏

كما شملت تلك الأولويات العمل علي إعادة هيكلة وكالة الدفاع الذاتي بدءا من تغيير اسم الوكالة لتأخذ مسما جديدا يتناسب وطبيعة المؤسسات العسكرية في الدول‏'‏ الطبيعية‏',‏ وانتهاء بإعادة هيكلة وظائف تلك المؤسسة‏,‏ والتركيز علي تحديث تلك المؤسسة بشكل يسمح لها بمواجهة مصادر التهديد الجديدة‏,‏ خاصة التهديدات النووية والبيولوجية والكيماوية والصواريخ الباليستية‏.‏ فقد أولت الميزانية العسكرية اليابانية لعام‏2005/2004‏ اهتماما أساسيا بالإنفاق علي نظام الدفاع الصاروخي وبرنامج تنمية الصواريخ بعيدة المدي‏,‏ الأمر الذي يعني اهتماما يابانيا بمصادر التهديد الإقليمي في هذا المجال‏(‏ الصين وكوريا الشمالية‏).‏

وقد أدت تلك التحولات إلي تنامي الإدراكات السلبية المتبادلة بين الصين واليابان‏,‏ أدت بدورها إلي ظهور أزمة سياسة بين البلدين خلال شهر أبريل الماضي‏,‏ لجأ فيها الطرفان إلي استدعاء الخبرة التاريخية السلبية لتدعيم تلك الإدراكات‏.‏ ويصبح التساؤل الرئيسي الذي تثيره تلك التحولات‏:‏ هل تراجعت الدول آسيا المحيط الهادي عن فكرة‏'‏ مجتمع الأمن الآسيوي‏'‏

والواقع أن تفسير تلك الإشكالية يكمن في مستوي وطبيعة حالة‏'‏الجماعة الآسيوية‏'‏ التي تطورت حتي الآن أو ما يمكن أن نطلق المفهوم الإقليمي للأمن الآسيوي‏.‏ فعلي الرغم من أهمية المستوي الذي حققته العلاقات البينية الإقليمية الآسيوية علي مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية إلا أنها لم تصل إلي تحقيق شروط‏'‏ مجتمع الأمن‏'‏ الذي تحدث عنه كارل دويتش والت تعني غياب اللجوء إلي الأدوات العنيفة في تسوية وإدارة الصراعات الإقليمية البينية‏.‏ وتقع الحالة الآسيوية فيما نطاق ما يعرف بـ‏'‏ الإقليمية الأمنية‏'‏ التي تمثل ربما المرحلة قبل الأخيرة قبل الوصول إلي‏'‏ مجتمع الأمن‏',‏ فهي أقل وضوحا وتماسكا من‏'‏ مجتمع الأمن‏',‏ كما أنها لا تعني بحال من الأحوال الغياب الكامل لأدوات العنف‏,‏ بما في ذلك الحرب‏,‏ لإدارة وتسوية الصراعات الثنائية والإقليمية‏.‏ وفي المقابل‏,‏ تتضمن الإقليمية الأمنية درجة كبيرة من التشاور علي المستويين الإقليمي والمتعدد الأطراف‏,‏ بالإضافة إلي المستوي الثنائي‏.‏ كما تتميز‏'‏ الإقليمية الأمنية‏'‏ في آسيا بارتكازها إلي المفهوم الواسع متعدد الأبعاد للأمن الذي يتجاوز أمن الدولة ليشمل أمن الأقاليم الفرعية
والجماعات انتهاء بالمستوي الفردي‏,‏ علي نحو ما عكسه التعاطي الآسيوي الإيجابي مع مفهوم‏'‏ الأمن الإنساني‏',‏ كما يتجاوز الأبعاد الأمنية والعسكرية ليشمل الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية‏..‏الخ‏,‏ خاصة مع تطور مصادر التهديد غير التقليدية‏(‏ ألازمات المالية‏,‏ حرائق الغابات‏,‏ تأمين مصادر الطاقة‏,‏ الزلازل والبراكين‏,‏ المد البحري‏..‏الخ‏).‏

وبالإضافة إلي المستوي المفاهيمي والإدراكي السابق للإقليمية الأمنية في آسيا‏,‏ فقد أخذ هذا المفهوم بعدا مؤسسيا من خلال تأسيس عدد من المؤسسات الأمنية المهمة‏,‏ تفاوتت فيما بينها سواء من حيث طبيعتها الأمنية أو نطاقها الجغرافي‏,‏ بدءا من المنتدي الإقليمي للآسيان إلي الآبك‏,‏ ومرورا بالآسيان و‏'‏الآسيان‏+3'(‏ الآسيان والصين واليابان وكوريا‏),‏ ومنتدي جنوب الباسيفيك‏.‏ كما يلاحظ من ناحية أخري‏,‏ أن تطور الإقليمية الأمنية لا يتم بمعزل عن شكل من أشكال ربط القوي الكبري غير الآسيوية‏,‏ خاصة الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي‏,‏ بتلك الأطر‏,‏ وهو ما يثير تساؤلا مهما حول العلاقة بين الأمن الإقليمي وتلك القوي‏,‏ فكثيرا ما تم التعويل علي اختراق القوي الكبري للنظم الإقليمية كعامل هدم لمشروعات الأمن الإقليمي‏,‏ علي نحو ما حدث في العالم العربي‏,‏ دون أن ينفي ذلك مسئولية الفاعلين الإقليميين ذاتهم‏.‏ فهل جاءت المقولات العربية هنا نتيجة خصوصية حالة مشروع الأمن الإقليمي العربي أو بالأحري الأمن القومي العربي‏,‏ أم جاء نتيجة خصوصية الدور الأمريكي في المنطقة‏,‏ وأخيرا أم نتيجة فشل الدول العربية في التعاطي الإيجابي مع دور للقوي العظمي في هذا المشروع‏.‏ وتزداد أهمية الإجابة علي هذه التساؤلات في المرحلة الراهنة‏. ‏
http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/.../1/week500.htm

hgr,d hgNsd,dm fdk l[jlu hgHlk ,hgYrgdldm hgHlkdm