لن نفهم القرآن دون أن نعرف أسباب نزوله:
بقلم: رجب عبد الله

من علوم القرآن الهامة العلم بأسباب النزول, وهو علم هام جداً ولا غنى لأي مفسر عنه, بل ولكل من أراد أن يفهم معاني القرآن الكريم...
وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية( رحمه الله): " معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب" ا.هـ
وقد كان عثمان بن مظعون وعمرو بن معد كرب يقولان بحل الخمر ويحتجان بقوله تعالى { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ ...... } المائدة.
ولو كانوا يعلمون سبب نزولها لم يقولوا ذلك, وسبب النزول هو: أن ناسا قالوا عند تحريم الخمر كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس, فنزلت الآية.
والقرآن الكريم الذي هو كتاب الله تعالى المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام, قد نزل على قسمين: قسم نزل ابتداءً, وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال..
وأسباب النزول إنما تعني القسم الثاني الذي نزل عقب واقعة أو سؤال, لأنه لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهد التنزيل ووقف على الأسباب وبحث عن علمها. قاله الواحدي.
ومعرفة أسباب النزول مهم للمفسر , قال الزركشي في كتاب البرهان عن علم التفسير: " هو علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم , وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه , واستمداد ذلك من : علم اللغة والنحو , والتصريف , وعلم البيان , وأصول الفقه , والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول , والناسخ والمنسوخ " ا.هـ
وكثيرا من المفسرين من يبدأ بذكر أسباب النزول قبل تفسير معنى الآية..
فما هي فوائد أسباب النزول ؟
1-معرفة الحكمة الباعثة على تشريع الحكم .
2-تعين على فهم الآيات . قال ابن دقيق العيد: " بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن " ا.هـ
3-لدفع توهم الحصر, كما في قوله تعالى { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً... } الأنعام فقد يفهم من الآية أنها حصرت المحرمات في ذلك فقط, ولأن الكفار كما قال الشافعي( رحمه الله): " كما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله جاءت الآيات مناقضة لغرضهم " ا.هـ
فهم كانوا يحلون الميتة والدم , ويحرمون البحيرة الوصيلة والحام , فنزلت الآية توضح بعض المحرمات في الشريعة الإسلامية ولم تحصر كل المحرمات في ذلك .
وكما في قصة الظهار التي كانت في سلمة بن صخر وآيات اللعان التي كانت في هلال بن أمية, وحد القذف الذي كان في رماة عائشة ( رضي الله عنها). ولم يحصر تطبيق هذه الأحكام في أسباب نزولها فقط , بل هناك إجماعاً على أن هذه الأحكام عامة لكل المسلمين وأنها تتعدى إلى غيرها ولا تختص بمن نزلت فيهم فقط..
قال ابن تيمية (رحمه الله): " قد يجئ كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيّما إن كان المذكور شخصا لقولهم إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس, وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله وأن قوله { وأن احكم بينهم } نزلت في بني قريظة والنضير. ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين, فالذين قالوا لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم, فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل علي الإطلاق والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه, فلم يقل أحد أن عموميات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين, وإنما غاية ما يقال أنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبه, ولا يكون العموم فيما بحسب اللفظ والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره إن كان بمنزلته وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته " ا.ه
4- تخصيص الحكم به , عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب ..
5- إزالة الإشكال.. كما في قصة مروان بن الحكم حين سأل ابن عباس عن قوله تعالى{ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ .... } آل عمران. وقال لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبنّ أجمعون ؟ فقال ابن عباس: " هذه الآية نزلت في أهل الكتاب ثم تلا قوله تعالى { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ .... إلى قوله تعالى لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ... } آل عمران , ثم قال ابن عباس:سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه " ا.هـ
ومن ذلك قوله تعالى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } الأنعام , فقد أشكل على الصحابة معنى الظلم فقد روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال لما نزلت { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إنه ليس بذلك ألا تسمع إلى قولة لقمان { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لقمان.
6- معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم .. ومن ذلك قوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } البقرة , نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي .. وقوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ .... } البقرة , نزلت في صهيب بن سنان الرومي ..
فائدة
1- كثيرا ما يذكر المفسرون أسبابا متعددة للسورة أو الآية الواحدة.
فقد يذكر المفسرون أسبابا للسورة أو الآية ويكون المراد من ذلك أن هناك سببا لنزول الآية, والأسباب الأخرى داخلة في الآية وإن لم يكن هو سبب النزول.. قال ابن تيمية: " قولهم نزلت في كذا يراد به تارة سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب " ا.ه
وقد يراد بذكر الأسباب تفسيراً للآية وليس المقصود سبب النزول ولا منافة في ذلك ما دام أن اللفظ يتناولهما .
2- وقد ينزل في الواقعة الواحدة العديد من الآيات.
روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة " رضي الله عنها " أنها قالت " يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ .....} آل عمران.
وفي رواية لما قالت ذلك نزل قوله تعالى { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ.... } الأحزاب
ما نزل مكرراً



قد تنزل الآية مرتين, فما فوائد تكرار النزول في القرآن الكريم ؟
1- نزول الشيء مرتين قد يكون تعظيما لشأنه, وتذكيراً به عند حدوثه وسببه, ولخوف نسيانه. فسورة الفاتحة نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة تعظيما لشأنها.
2- قد يتكرر السبب , فتنزل الآية في سبب معين ثم يتكرر ذلك السبب مرة أخرى فيتكرر النزول لذلك السبب سواء كان ذلك السبب سؤالاً أو حادثة ,فقد روى البخاري في قصة وفاة أبي طالب حين رفض النطق بالشهادتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك " فنزلت الآية مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } التوبة. وقد روى الترمذي وحسنه عن علي " رضي الله عنه " قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان , فقلت تستغفر لأبويك وهما مشركان , فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك , فذكرت ذلك لرسول الله فنزلت الآية.
تقدم الآية على الحكم
من القرآن كما ذكرنا أنه نزل ابتداءً ولم يكن له سبب, ومن ذلك النوع الذي نزل فيه آيات قبل وقوعه أو حكمه ما يلي:
- قوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى } الأعلى, قال ابن عمر (رضي الله عنهما): أنها نزلت في زكاة رمضان, والآية مكية ولم يكن في مكة زكاة, فهي متقدمة النزول على حكمها.
- قوله تعالى: { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } البلد, السورة مكية ولم يظهر معنى الآية إلا في فتح مكة حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحلت لي ساعة من نهار " رواة البخاري ومسلم.
- قوله تعالى: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } القمر, قال ابن عمر ( رضي الله عنهما ): " كنت لا أدري أي الجمع يهزم, فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } القمر...
وفقنا الله لمرضاته وفهم كتابه والعمل به ... اللهم آمين .
والله أعلم

til hgrvNk ftil Hsfhf hgk.,g >>