العلاجات الست: فيما يتعلق بالنظرية وبصيغ الممارسة الثلاث.

الوصفة العلاجية الأولى:

بعد عرض ملخص لسبعة تشخيصات حول وضعية حقل العلاقات الدولية، حان الوقت للتفكير في توصيف العلاجات الممكنة. وبينما سأتعاطى مع قضية العلاج سيكون تركيزي منصبا على العلاقات القائمة بين النظرية والممارسة. في سياق ذلك تفترض الكثير من الإسهامات في هذا الحقل المعرفي أن العلاقة تخص النظرية (الأكاديمية) وممارسة الدولة (التي تتجسد في سياساتها). في هذا الاتجاه، وفي معرض ثناءه على آرنولد وولفرز قدم لنا طومسن فكرة شائعة قائلا: "لقد كان [آرنولد] بارعا في جعل النظرية توافق الممارسة وفي جعل تحليل السياسة يثمر استبصارات تساهم في تنقيح النظرية" (طومسن 1992، ص 48). من المؤكد، أن العلاقة التفاعلية جيدة قياسا مع العلاقة غير التفاعلية، لكن مع ذلك، هل يجب أن تكون النظرية متوافقة مع السياسة، ذلك يقودنا لسؤال آخر في السياق ذاته وهو: أية سياسة نتحدث عنها؟ وفي هذا الصدد هل هذه العلاقة لعبة صفرية بالضرورة (والاس 1996)؟ فيما يلي، أود تفادي هكذا مشكلات كلاسيكية. وعليه، أسعى إلى التمييز بين ثلاث أشكال من الممارسة. يتعلق الأول بممارسات الدول، وهي معروفة جيدا (رسم السياسة)؛ أما الشكل الثاني فيخص تلك الممارسات التي تحصل في المجتمع والتي لها صلة بالشؤون الدولية (على سبيل المثال، العمل السياسي والفكر [السياسي] الدولي)؛ أما الشكل الثالث فيتعلق بالممارسة الأكاديمية، سواء أكان الباحثون بصدد التنظير أو تحليل قضايا إمبريقية، أم أنهم بصدد القيام بالنقد الذاتي. مثل هذا التصور الواسع للممارسة من المنطقي أن يمكن من الاحتكاكات بين النظرية والممارسة. بل وأرى أن تقديم تصور أوسع يجعل الاحتكاكات الممكنة مثمرة أكثر.

تبدو الوصفة العلاجية المقدمة بالنسبة للكثير من القراء قاسية نوعا ما، كونها تذكر ببعض مفاهيم الفوضى المرتبطة بالعصرنة، والتي تقول بأنه: من أجل الشروع في بناء جديد، يجب أن يتم هدم كل شيء. على أية حال، فقد قدم براون (2001، ص 218) الوصفة التالية: "إذا ما أردنا حقا ترقية التنوع الفكري على المستوى الدولي، فستكون الخطوة الأولى الحاسمة هي العمل على تفكيك العلاقات الدولية "كحقل أكاديمي".

المبرر الذي تستند إليه الوصفة المقترحة من طرف براون هو أن: "الفكرة التي نحن بحاجة إليها حاليا في حقل العلاقات الدولية قد تكون متضمنة في هذا المنظور" (نفس المرجع). ومع ذلك فإن مثل هذه الفكرة لا تعتبر حكرا على براون. ففي سياق ذلك يرى كل قريفيثس و أوكالاهان (2001، ص 188) "أن فكرة حقل العلاقات الدولية ليست سوى ضيق أفق في التفكير تنَكَّر بقناع حقل عالمي للبحث، مما جعلهم يحبذون "نهاية حقل العلاقات الدولية". ومن وجهة نظري، تعد هذه الوصفة قاسية لكنها تبدو كعلاج مناسب. فبالموازاة مع ذلك فهي تساهم في التخفيف من تأثير مشكلتين. من جهة، تقلل هذه الوصفة العلاجية من النزعة العالمية التي تسببت في تنكر الحقل وراء قناع زائف [أي قناع ادعائها العالمية في حين أنها ليست كذلك]، وهذه النقطة بالذات كانت موضوع الانتقادات الموجهة للحقل. ومن جهة أخرى، يمكن أيضا للعلاج أن يزيد من فرص الاعتراف بالحقل خارج النطاق الأنجلو-أمريكي. سيكون لهذا العلاج أولا وقبل كل شيء أثر على الجانب النظري، غير أنه من المحتمل أن تحسن التصورات الجديدة من فهمنا لممارسات الدولة والمجتمع كونها تساعدنا على تحديد ما نسعى إليه.

الوصفة العلاجية الثانية:

العلاج الثاني يعتبر أقل قسوة، مع ذلك يتطلب وقتا معتبرا وموارد بشرية. بعبارة أخرى، يقتضي الحصول على تمويلات ضخمة. يمكن التعبير عن هذه الوصفة "بإعادة اعتبار شاملة لتاريخ الحقل". في سياق ذلك تعتبر "المطارحة السياسية للفوضى" لـ شميدت (1998) واحدة من الإنجازات الأساسية كونه أورد أدلة مقنعة تثبت أن تواريخ الحقل صبغت بما أطلق عليه شميدت الاتجاه الحضوري، على سبيل المثال "التأريخات" أو عمليات التأريخ تم القيام بها من موقع ما (الوقت الحاضر) عند استعراض تطورات مطردة (حينها يضع الباحث نصب عينيه أنه في أفضل العوالم الممكنة). في هذا الصدد، ينظر للنزعة الحضوري كحالة مرضية يمكن علاجها بوصفة خاصة (المقاربة الداخلية التوجه التي يؤيدها شميدت). في اعتقادي يعتبر نقد شميدت مقنعا وأن روايته تمثل "دليلا جيدا". لكن هناك مشكل، فحسب شميدت، لا توجد وجهة نظر تأتي من فراغ " (2003) إذ وفق هولدن (2004)، لا يمكن تجنب النزعة الحضورية، "كون الروايات يتم سردها من موقع ما" [بمعنى تكون قراءة المؤرخ السياسي للأحداث متأثرة بالسياق الحالي، أن أنه يرى الماضي بعيون الحاضر]. ولأن كلتا الحجتين مقنعتين فإننا إذا في ورطة. إحدى الحلول هي أن نعترف بأننا في حقل يتسم بتنازع الرؤى بالضرورة، وبأننا إزاء روايات مختلفة حول أصول، وتطور، ومستقبل الحقل. لكن هذا الحل يطلب منا أن نحتفي بالاختلاف من أجل الاختلاف وبالتالي فهو غير مقنع. الحل الأكثر إقناعا هو أن "نتفق" مع تحليل شميدت على أن "نختلف" مع استنتاجاته. بعبارة أخرى، أن نوافق على سرديات يغلب عليها الاتجاه الحضوري (الذي لا يمكن تفاديه) ولكن ألا نوافق على إمكانية تطوير مقاربة محايدة. ومن أجل ذلك يجب تشجيع شميدت على التفكير بعمق في وجهة نظره الأرخميدسية (اتجاهه الحضوري)، فضلا عن ذلك، يجب تشجيع كل من سميث و هولدن في التفكير في المعيار الذي يحدد بواسطته أي الاتجاهات الحضورية هي الأفضل؟ على سبيل المثال، يبدو أن كلا من سميث وهولدن يوافقان شميدت على أن النقاش النظري الأول (المثالية مقابل الواقعية) ليس سوى نقاش مصطنع بهدف خدمة أغراض محددة.

الوصفة العلاجية الثالثة:

وحالما نجد حلا للمشكل، سيكون بمقدورنا المرور إلى الخطوة التالية. في سياق ذلك طور شميدت منهجية لتاريخانية العلاقات الدولية ثم قام بتطبيق هذه المقاربة على حقل العلاقات الدولية الأمريكي (1998)، بل ورأى أن مقاربته صالحة على المستوى العالمي: "قد تساعد الرؤية من الداخل في حال مقارنتها بالرؤية من الخارج –وذلك في إطار الكيفية تطور بها الحقل- في توضيح الاختلافات الوطنية حول كيفية تطور الحقل (2002، ص 16). تمثل مقاربة شميدت- عند مقارنتها بمقاربة ويقيش الشائعة في مجال تاريخ الحقل- أهم أداة تحليلية مكملة، حتى وإن كان هولدن (2004) يرى أنه يمكن جعلها أكثر دقة من الناحية المنهجية. أيضا تبدو دعوته إلى تدوين السرديات داخليا دعوة جذابة في حالة الرغبة باستكشاف الفروقات الداخلية في أوروبا، وآسيا، أوفي أي مكان آخر. ليس ثمة حاجة للقول بأن مشروعا كهذا يعتبر ضخما. لنأخذ مثلا حالة أوروبا، حيث أكثر من 30 بلدا والعديد من الجماعات المتحدثة بلغات مختلفة، فلنا أن نتصور تاريخ حقل العلاقات الدولية في ألمانيا مدون بالاعتماد على المصادر المشار إليها في كتاب بليك (2001) المعنون: "تاريخ علم السياسة في ألمانيا"Geschichte der Politikwissenschaft in Deutschland أو دراسة مماثلة حول ميدان العلاقات الدولية، منجزة على أساس المصادر المشار إليها في مؤلف هايوورد، باري و كتاب براون: "دراسة بريطانية للسياسة في القرن القرن" (1999). بل لنتصور أيضا مهمة شاقة أكثر تتمثل في كتابة الروايات الخاصة بتاريخ الحقل في روسيا المطورة في ظل الثقافات السياسية السائدة في عهد القياصرة، والسوفييت، وفي مرحلة ما بعد السوفييت وهي مهمة أكثر صعوبة من سابقاتها. ففي هذا السياق، من المهم الإشارة لحقيقة أن بحث العلاقة بين علم السياسة والعلاقات الدولية يكون غالبا غير كاف كون أن معظم ممارسي العلاقات الدولية يعملون في أقسام غير أقسام علم السياسة، بل في أقسام القانون، وعلم الاجتماع، والفلسفة والتاريخ. لذلك تعتبر هذه الوصفة موجهة للاستهلاك المحلي، لاسيما وأنها معنية بالعلاقة بين النظرية والتفكير-الذاتي النقدي.

يقتضي تتبع الوصفة العلاجية الثالثة وضع برنامج نظمي للمقارنة بين الجماعات العلمية العاملة في حقل العلاقات الدولية. لقد تم في السابق إنجاز مثل هذا العمل على مستوى حقول علمية معينة، على سبيل المثال في إطار أدبيات علم اجتماع العلم (مؤسسة فورد 1976، دراير و مارقازاريان 1989، ويفر 1998، فريدريكس 2002). ولقد أثمر مثل هذا العمل، في إطار البحث عن الكيفية التي تطور بها الحقل في سياقاته الوطنية المختلفة، الحصول على معرفة علمية صلبة بخصوص التنوع والاختلاف، وفي السياق ذاته فقد كانت المقارنات الثنائية شائعة جدا. وبذلك تمت مقارنة الولايات المتحدة الأمريكية ببريطانيا (سميث 1985، 2000؛ كراوفورد و جارفيس 2001) وأيضا مع ألمانيا (تسورن 1996). مع ذلك، يمكن البحث بعمق في الاختلافات. ولقد أوضح براون (2001) جيدا كيف حصل فهم وحدة التحليل في النظام الدولي (أي الدولة) بشكل مختلف في القارة الأوروبية وفي السياق الأنجلو-سكسوني. ففي السياق الأول (الأوربي)، "تعتبر الدولة مؤسسة تمنح مدلولا لحياة الأفراد، تمنحهم قيمة كمواطنين متساوين، وهي وظيفة لا تستطيع مؤسسات المجتمع المدني منفردة الوفاء بها " (براون، 2001، ص 209). أما في السياق الأنجلو-سكسوني فينظر للدولة في إطار النمط الذرائعي كمؤسسة لحل المشكلات. ولقد حلل هولدن (2004) وظيفة نظرية هابرماس النقدية وكيفية استيعابها من قبل الجماعات العلمية الألمانية والبريطانية لحقل العلاقات الدولية، وخلص إلى أن وظيفة النظرية وفهم الجماعات العلمية لها تظهر أن ثمة اختلافات جوهرية بشأنها. وبناء على ذلك، افترض وجود صعوبات جمة في انتقال البناءات الفكرية عبر الحدود الوطنية واللغوية. ولقد أبرز براون وهولدن كيف يمكن البحث حول تصورات مفتاحية وأطر نظرية. إذا ما قامت هذه الدراسات بأكثر من مجرد مقارنات متلصصة وذهبت بعيدا في تطوير تصورات وأطر، فحينذاك سوف تثبت على أنها الوصفة العلاجية المجدية. بالمقابل يمكن لهذه الوصفة العلاجية أن تزيد من حظوظ الاتصال بين الجماعات العلمية في حقل العلاقات الدولية. إن الوصفة العلاجية التي تعتمد على المقارنة لا يجب أن تكتفي بمقارنة وحدات في فترة زمنية واحدة بل تتعداه إلى فترات متعددة زمنيا. يمكنها أيضا علاج مشكل الاتجاه الحضوري، وهو الجانب الذي عبر عنه هوفمان بالكلمات التالية: "لأننا نملك قاعدة غير مناسبة لإجراء المقارنة، فقد بالغنا في التأكيد على أن هناك استمرارية مع ماض لا نعرفه جيدا، أو في التأكيد على أصالة جذرية في الحاضر بحسب ميلنا للانبهار بمظاهر الاستمرارية أي الخصائص التي نعتبرها دائمة، أو خصائص لا نعتقد بوجودها سلفا (هوفمان 1977، ص 57). من المحتمل أن تؤدي الدراسات المقارنة المنجزة من قبل الجماعات العلمية العاملة ضمن حقل العلاقات الدولية إلى إنجاز علبة- أدوات مفهوماتية غنية تمكننا من فهم السياسة العالمية بكيفية دقيقة.

الوصفة العلاجية الرابعة:

تتوجه الوصفة الرابعة للعلاقة بين نظرية العلاقات الدولية وبين الممارسة السياسية والفكرية للمجتمع المدني ذات الاهتمام الدولي. قد تساعد الإشكالية التي طرحها طومسون: "دراسات السلام: حركة اجتماعية أم حقل فكري؟" (1992، ص 52)، كنقطة انطلاق من أجل التعاطي مع النقطة التي حاولت أن أثيرها. وأعتقد أن طرح التساؤل يدل على وجود حدود هيولية بين التفكير الأكاديمي والتفكير الصادر عن الحركات الاجتماعية. لقد ساهم الفكر الليبرالي بلا شك في إنشاء هذا الحقل الأكاديمي. لذلك يطرح التساؤل: هل يعتبر فكر المنظمات غير الحكومية المتعلق بالسياسة العالمية أيديولوجيا صرفا، ومن ثمة فهو لا يستحق اهتمام الباحثين الجادين؟ وأي من الفاعلين الاجتماعيين الذين نتجه إلى إقصائهم من اهتمامنا (أي الذين لا يستحقون الاهتمام) ( باشيلا، 1997)؟ في هذا المنوال، يتضح أن العلاقة القائمة بين النظرية الأكاديمية والتفكير الاجتماعي تستلزم إيلائها مزيد الاهتمام. لنأخذ على سبيل المثال، الاهتمام البحثي الحالي بظاهرة الإرهاب. بأخذ بعين الاعتبار المخاطر الكامنة والبادية التي تشكلها ظاهرة الإرهاب على الأمن، فإن هناك حاجة عملية للحصول على معرفة بالمظاهر المتعددة لظاهرة الإرهاب؛ والأبعاد التاريخية، والمصادر الأيديولوجية. كما يشكل الإرهاب تحد لمعظم الاتجاهات النظرية، لاسيما بسبب العلاقة اللامتواسقة بين الدولة والعمل السياسي للمنظمات غير الحكومية. وأخيرا، ينطوي البحث في الإرهاب على تحديات تحليلية بالمثل، لنأخذ على سبيل المثال الصدامات الثقافية التي تحصل بين جماعات بحث مستقلة، كمحللي قضايا الأمن، ومختصي مناطق جغرافية معينة، أو المهتمين برصد تاريخ الأفكار، وإدارة الأعمال. إلى درجة بروز مظهر سلبي للبحث في الإرهاب المعاصر، يتمثل في تحمس المحللين للأجندة السياسية للدولة دون الالتزام بروح نقدية، ما يؤدي للمضي قدما في أجندة بحثية تنطوي على أهداف سياسية. باختصار، ينطوي البحث في الإرهاب والبحث في قضية الربط بين النظرية/وممارسة المجتمع ينطويان على الأشكال الثلاثة للممارسة.

الوصفة العلاجية الخامسة:

تتجه الوصفة العلاجية الخامسة إلى الإقرار بأن التعددية التي يشهدها الحقل تعتبر مكسبا وليست مشكلة. وتقتضي هذه الوصفة أن يحصل اعتراف متبادل، وهو مهمة شاقة، لأنه يمس بالأساطير المؤسسة، وبقضايا تتعلق بهوية الحقل، وبحالة التبعية للاتجاه السائد، وبالعلاقات المهنية القائمة والمسارات المهنية المرسومة سلفا. فبالنسبة لباحثين ذوي مستوى متوسط في حقل العلاقات الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية، والذين تدربوا على نمط البحوث التي تنشرها: "المجلة الفصلية الدولية" International Studies Quarterly، سيكون من الصعوبة بمكان إقناعهم بأننا سنحصل على أية قيمة مضافة في حال تجاوزنا الإطار الحالي للعلوم الاجتماعية أو التوليفة الحالية لعلم السياسة/العلاقات الدولية. والشيء نفسه بالنسبة لأوربا، فسيكون من العسير إقناع "مقاطعات" حقل العلاقات الدولية في أوربا بأنهم (ونحن أيضا) نستطيع القيام بعمل أفضل (بالعودة إلى السؤال الذي طرحه مايكل تسورنMichael Zürn في 1996). وفوق كل ذلك، وإلى حد ما فقد صيغت الجمعية البريطانية للدراسات الدولية BISA على المبادئ ذاتها التي صيغت ISA بناء عليها، كون معظم مؤسسيها خلصوا إلى أن الزمن زمن النزعة التقليدية. لقد تم إطلاق مجلة العلاقات الدولية Zeitschrift für Internationale Beziehungen في ألمانيا من أجل مواجهة سلطة النظام التقليدي حيث تقوم على اعتبار أن الاعتراف بالتنوع لا يعني معادلته مع الترحيب بكل شيء دون تمحيص ونقد. بعبارة أخرى، يجب أن يكون الجميع موضوع نقد، وأن يتحلوا في الوقت ذاته بروح النقد إزاء أعمال الآخرين، من منظري التبعية الأمريكيين اللاتينيين، والأوربيين من ذوي النزعة الإنسانية، واليابانيين من ذوي النزعة التاريخية، إلى الكنديين ذوي التوجهات الناقدة، إضافة إلى كل التوجهات النظرية الأخرى. إحدى المهمات التي تنتظرنا هي تطبيق التعاون في ظل الفوضى، أولا هناك الحاجة لجهد مكثف لفهم الآفاق البحثية المختلفة، ثانيا، إمكانية خلق قيم دولية حقيقية تخص "الممارسة الأفضل" وبتأسيس معايير عالمية. قد يكون المفهوم الذي يحمله اتجاه الحد الأدنى من الأطراف مناسبا، بمعنى أن يتوصل مجموعة لاعبين أساسين، في وضع متعدد الأطراف إلى اتفاقية، ثم يتم إضفاء الشرعية على اتفاقيتهم على مستوى المجموعة المتعددة الأطراف (كاهلر 1993). قد يكون أحد نماذج تصور "الحد الأدنى من الأطراف" المفاوضات التي تجري في إطار منظمة التجارة العالمية بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وائتلاف من بلدان أخرى (مجموعة 21). أما في إطار حقل العلاقات الدولية، فنجد نموذجا شبيها يتكون من ثلاثة تجمعات: جمعية الدراسات الدولية ISA، الجمعية البريطانية للدراسات الدولية BISA/SGIR وائتلاف ضعيف يضم (اليابان، أستراليا، الصين، كندا ونيجيريا)، أو المحيط الحقيقي حسب آيدينلي وماتيوس (2000:291).

الوصفة العلاجية السادسة:

تقتضي منا الوصفة السادسة أن نعيد الاعتبار لموروث الحقل. سأورد مثالين يوضحان وجهة نظري. يتعلق المثال الأول بالتقليد النظري السائد في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشمل عديد القراءات المتضاربة. وحيث من الشائع أن تواجه التوصيفات التالية:

- "في الوقت الذي كان حقل العلاقات الدولية يعايش ميلاد الاتجاه الليبرالي التدويلي Internationalist، ظهر الاتجاه الواقعي الذي يتعاطى مع الواقع كما هو. وبناءا على ذلك، ربح الاتجاه الواقعي أولى جولات النقاش النظري في حقل ع/د، وظهر من خلال ذلك بأن التقدم ممكن في حقل العلاقات الدولية."

- "غير أن هناك قراءات متضاربة بشأن هذا التطور. فبحسب براون (2001)، اكتسبت الواقعية عناصر أساسية تعتبر من صميم الاتجاه الليبرالي، وأهمها النظرة إلى الدولة. فقد استحالت الواقعية الأوربية على أمل أن تحصل على مدلول معين في السياق الأمريكي، ذلك السياق الذي تم تشيده على صرح ليبرالي (شيمكو 1992).

- "رغم ذلك، فقد جاءت الثورة السلوكية على أنقاض الواقعية، حيث عملية على تنقية أقسام علم السياسة في الولايات المتحدة من بقايا الاتجاه التقليدي."

- لكن الاتجاه السلوكي كان مجرد امتداد للواقعية بوسائل منهجية أخرى. طالما أنه احتفظ بكل الفرضيات الأساسية للواقعية (فاسكواز 1983)، وللتذكير، فإن هذه الفرضيات تعتبر جزئيا ليبرالية.




- "ثم جاء العصر ما بعد السلوكي الذي تم خلاله تعديل أسوأ تجاوزات الاتجاه السلوكي."

- "لكن ما حدث هو أنه تم استبدال الإشارة الصريحة لمبادئ البيان السلوكي Behavioural Manifesto بمبادئ ضمنية، بحيث لم تعد مفتوحة للنقاش عدا بالنسبة لأولئك الذين يخالفون المبادئ في حد ذاتها".

- "وربما جاء الاختيار العقلاني فقط لإتمام ما بدأته الثورة السلوكية باستخدام أساليب جديدة".

بعبارة أخرى، لا نزال إزاء الواقعية، تلك الواقعية التي تعتبر جزئيا ليبرالية. ورغم عدم اكتراث البنائية بالنقاش الواقعي–الليبرالي، إلا أن الليبراليين في الولايات المتحدة الأمريكية هم الذين ساهموا في وضعه على السكة ( أنظر ناو 2002). إننا عندما استعرضنا تطور الحقل بهذه الطريقة فإننا قد تخلصنا من النقاشات النظرية الكبرى، وبدل من ذلك وصلنا إلى أوجه متعددة لموضوع واحد.

المثال الثاني الذي أسوقه أوروبي المنشأ، حيث تبين من البحث حول السياسة الخارجية استمرار الحدود الوطنية في تحديد معايير أجندة البحث. وهكذا فإن دراسة السياسة الخارجية للبلد "س" على سبيل المثال هي دراسات الحالة مع بعض من الدراسات المقارنة. القضايا المتضمنة كتقاليد السياسة الخارجية الأوروبية نادرا ما تتعرض للتحليل. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، من الشائع التفريق بين التقاليد المختلفة للسياسة الخارجية. حيث نجد تصنيفات من قبيل: "الإنعزاليين"، "ذوي النزعة الدولية"، و"ذوي النزعة الانفرادية"، ومثل هذه التصنيفات باختلافها توضح وجهة نظري. لقد كان هناك حوار حي بين ممثلي هذه التقاليد لعدة عقود. خلاف ذلك، لم تشهد أوروبا مثل هذا الحوار. حيث أدى هذا الوضع إلى أننا افتقدنا حتى لغة الشعارات لوصف تقاليد السياسة الخارجية– المختلفة ( التمييز بين " الأطلسيين" مقابل "الأوروبانيين" تقسيم جاري الأخذ به). ولذلك تعتبر الدراسات حول التقاليد الأوربية في السياسة الخارجية غائبة كليا، وهو ما يفسر إخفاقنا في فهم شامل للقضايا النقاشية الأساسية في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. إذن تتعاطى هذه الوصفة العلاجية مع العلاقة القائمة بين النظرية/والممارسة الناتجة عن سلوك الدولة، مقترحا استكشاف الأقاليم غير المعلمة على الخريطة [الخريطة المعرفية] بالاعتماد على نظرية تقويمية constitutive.

خاتمة

إنه لمن الصعوبة بمكان التشكيك في حقيقة أن لجنة عصبة الأمم شرعت في العمل خلال أصعب مرحلة عرفتها السياسة العالمية. حيث شرعت في العمل بعد فترة قصيرة من انهيار الاقتصاد العالمي؛ كما عقدت اجتماعا بـ ’مدريد‘ أشهرا قليلة قبل اندلاع الحرب الأهلية الأسبانية؛ بالإضافة إلى كل ذلك فقد أقدمت ’ألمانيا‘ على غزو ’تشيكوسلوفاكيا‘ أشهرا قليلة فقط من لقاء ’براغ‘. ورغم كل هذه الأحداث، لم تتوان اللجنة عن تكريس دورة كاملة لمناقشة قضية تحديد تعريف لهذا الحقل المعرفي، والبت في الكيفية التي يجدر أن يُدَرَّس بها. لذا ليس لدي مشكل في التركيز على ما يبدو أنها قضايا معقدة كتلك التي تطرقت إليها في هذا المقال. بل بالعكس من ذلك، فإن المشكلات السبعة التي تم تشخيصها والوصفات العلاجية المقترحة لها، كلها تخدم بطريقة أو بأخرى، كنقطة انطلاق لمعظم الأبحاث حول القضايا العالمية؛ كما يبدوا من خلالها أيضا أن البعد التاريخي للحقل والبحوث حول القضايا الجوهرية أكثر تقاربا مما يقر به غالبيتنا. ويشكل استكشاف العلاقات الموجودة بين المشكلات، والتشخيصات، وبرامج العمل دعوة لإضافة مزيد من التحسينات على الحقل. إنه بالإمكان تسخير جزء من مؤتمر ’استنبول‘ لمسعى كهذا من أجل تجسيد لقاء عالمي حقيقي يضم اتجاهات فكرية متعددة. حتى وإن لم يكن هوفمان محقا في القول بأن الحقل ولد وترعرع في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه لا تزال هناك فرصة لأن ينمو أكثر في [أي مكان من] العالم [وليس بالضرورة في الولايات المتحدة وحدها]

hgugh[hj hgsjm: tdlh djugr fhgk/vdm ,fwdy hgllhvsm hgeghe>