نحو علم اجتماعي من ستة قارات: العلاقات الدولية.



"مجلة العلاقات الدولية والتنمية"، 6: 4، ديسمبر 2003.

كنود إيريك يورقنسن[1]

ترجمة: عبد الله راقدي[2]


من براغ إلى استنبول

حين التقت الوفود في براغ عام 1983 بهدف مناقشة المسائل المتعلقة بتدريس العلاقات الدولية، تصادف ذلك مع نهاية عقد كامل من محاولات تمت برعاية عصبة الأمم تهدف لمعالجة القضايا الدولية من وجهة نظر أكاديمية وانطلاقا من منظور عالمي (تسيمرن 1939). وبينما تعاطت اللقاءات السابقة مع قضايا ملموسة: قضايا الاقتصاد السياسي، والأمن، والعقوبات والحياد، فإن أجندة اجتماع براغ كانت مختلفة، "حيث بدا أن وضع تعريف للحقل يتم إدراجه لأول مرة" (آمستروب 1989، ص35). لكن الحرب العالمية الثانية والانقسامات اللاحقة للعالم – فيما أصبح يعرف "بعالم الشرق"، و"عالم الغرب" "عالم الشمال" و "عالم الجنوب"- حالت دون تفعيل مشروع عصبة الأمم. ومن أجل فهم عملية نشوء هذا الحقل المعرفي، يبدو أن ثمة ضرورة تستدعي الإطلاع على الدور الذي لعبته لجنة عصبة الأمم. لكن مع ذلك فلا نجد إشارة لهذا الدور في كتب التدريس الجامعية، فضلا عن تجاهلها في كل الأساطير المشكلة لأصل الحقل.

عندما يعقد أول مؤتمر من قبل ’اللجنة العالمية للدراسات الدولية‘ بـ استنبول في عام 2005، فسوف يكون أول فرصة على الإطلاق تسمح بالمضي قدما في مناقشات ’براغ‘. إذ لأول مرة وبعد سبعة عقود تقريبا، ينعقد مؤتمر عالمي بأتم معنى الكلمة، وقد اشتركت في تمويله العديد من الجمعيات المهنية الوطنية والإقليمية. وفي هذا المقال، أود أن أتعرض إلى مسألتين محوريتين يتوقع أن تثيرهما هذه المبادرة الدولية. أولا، بالنسبة لحقل كحقل العلاقات الدولية، فمن البديهي أن يكون لما يسمى "بالمؤتمر العالمي بما تحمل كلمة عالمي من معاني" وقع ما هو صحيح بما لا يحتاج معه لإثبات. إذن، فلماذا لا يجدر بحقل مثل حقل العلاقات الدولية أن يكون عالميا بأتم معنى الكلمة؟ إن ما هو معروف على مدى هو عدم اتصاف حقل العلاقات الدولية من حيث المظهر بالخاصية العالمية. وعليه يكون هدف المقال استعراض وجهات النظر المتنافسة حول واقع الحال في الحقل –القيام بتشخيصات- فضلا عن تقديم تعريف للمشكل محل النقاش، وبذلك فهو يهدف بدوره إلى تحديد الأهداف التي عقد المؤتمر من أجلها. ثانيا، يؤدي تشخيص المشاكل إلى تصور معالجة لجوانب القصور الواردة. بعبارة أخرى، أي من الوصفات العلاجية يمكن أن تنحو بالمشاكل جانبا؟ وفي هذا السياق يجب أن نتذكر بأن هدف جعل الحقل عالميا بأتم معنى الكلمة يمكن تحقيقه إذا ما توافرت لدينا الإرادة في مواجهة عديد الأخطار التي تعترضنا طوال مسار البحث. وإلا فسيكون المسلك مزودا أكثر بما هو ضروري لقلب المشروع رأسا على عقب. وعليه سيكون الهدف الثاني للمقال تقديم وصفات علاجية. وفي الأخير، أختم المقال بعرض بعض المنظورات.

واقع حال حقل العلاقات الدولية: التشخيصات السبعة

إن أي تشخيص لحال القضايا الراهنة يجلب معه صور الماضي والتصورات المستقبلية. لذلك لا يجب أن تكون هذه التشخيصات محل اعتراض بالخصوص بعض منها أكثر من الأخرى. في أغلب التشخيصات السبعة مجد الكلمات المفتاحية المتداولة هي: السيطرة، الهيمنة، والقوة المنضبطة، وعلى مستوى آخر، التنوع، النزعة العالمية، وضيق أفق التفكير. ويقود كل تشخيص إلى بروز مجموعة أسئلة متميزة للمناقشة وإلى فرص تسمح بالمرور إلى نطاق الفعل.

القوة

ربما يكون التشخيص الأول سهلا للوصف. ويأخذ نقطة انطلاقه من ملاحظة تحمل تصورا مفاده أنه: يبدو أن ثمة نوعا من العلاقة المباشرة بين السلطة السياسية والحقل المعرفي. ولقد كان سميث (2002) دوما واضحا بخصوص هذه العلاقة، حيث يستخدم عنوان فرعيا "بلد مهيمن على العالم يستلزم حقلا مهيمنا عليه" لواحدة من دراساته حول الولايات المتحدة الأمريكية وحقل العلاقات الدولية. وتعتبر هذه القضية مثيرة للاهتمام بفضل تطبيقاتها الواسعة. وهكذا، طالب الليبراليون البريطانيون، أيام سلم بريطانيا Pax Britannia (في القرن 19) بكراسي أستاذية على مستوى المعاهد المتخصصة، وبذلك برزت إلى السطح ملامح الحقل المعرفي. لكن بعد الحرب العالمية الثانية وبالموازاة مع تنامي الهيمنة الأمريكية، بدأت العلاقات الدولية تزدهر في الولايات المتحدة الأمريكية. حيث أصبحت العلاقات الدولية علما اجتماعيا أمريكيا، أو لنقل أنه، بحسب هوفمان (1977) تم بعثه –علم العلاقات الدولية– في صورة علم اجتماعي في طبعة أمريكية. وحتى العلاقة الخاصة التي تقيمها المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتها التي شهدت تراجعا مع القارة الأوروبية تبدو أنها قد انعكست على علاقة الجماعة العلمية البريطانية للعلاقات الدولية مع مثيلتها الأمريكية والأوروبية على التوالي. ولقد عرض هولستي (1987) تشخيصا آخر، مبرهنا فيه على أن الحقل محكوم بالقواعد الأنجلو-أمريكية المشتركة. ما يدعم هذا التشخيص باختصار، هو أنه في مجال النفوذ السوفيتي، فإن المتخصصين في الدراسات السوفيتية ضمن حقل العلاقات الدولية درسوا في الجامعات. لذا يبدو أن السلطة السياسية تؤثر في تشكيل الحقل وتوجهاته. وإذا كان هذا التحليل صحيحا، فعلى الأقل قد يترتب عليه نتيجتين هامتين: أولا، يبدو أن تبني المقاربات الخارجية في كتابة التاريخ الدبلوماسي يجد ما يبرره في ظل النقاش الحاصل بينها وبين المقاربات التي تعنى بالشؤون الداخلية. ثانيا، أنه إذا كانت العلاقة بين السلطة وحقل العلاقات الدولية محكمة وموجهة كما تطرحه تلك الافتراضات، فمن السهل توقع استمرار هيمنة النخبة الأمريكية، بل وربما يمكن أن تتحول إلى إمبراطورية (هايسنر 2002). في ظل هذا السيناريو، ستكون وظيفة لقاء استنبول (في إطار حقل العلاقات الدولية) مشابها لوظيفة الأمم المتحدة الحالية في الساحة الدولية، فعلى سبيل المثال، سوف يقوم سواء بشرعنة مصالح ومعايير وقيم الولايات المتحدة الأمريكية أو يصبح وببساطة غير ذي جدوى. وسيكون لقاء يجمع بين "أصحاب- الماركة التجارية" من أجل "إعفاء مالكي رخص الاستغلال" (باستعارة عبارات براون ، 2001) أو سيتم إلغاءه (لقاء استنبول)، مع إرفاقه بنصيحة مفادها: التحق بالجمعية الأمريكية للعلوم السياسية(APSA) أو جمعية الدراسات الدولية(ISA) . على أية حال، ولأن تطورات الحقل المعرفي محكومة بالقوة، فلا يوجد سوى القليل نستطيع القيام به.

الصور- الذاتية

تظهر الروايات المتعلقة بأصل حقل العلاقات الدولية وبالكيفية التي تطور بها اختلافات جوهرية. ففي حين يركز البعض على النقاشات النظرية الكبرى. يسلط آخرون الأضواء على "المستويات الإبستمولوجية"، ليتوصلوا في النهاية إلى القول أن المستوى المعاصر يعتبر الجيد مقارنة بالمستويات الأخرى. لا تزال نقاشات أساسية مستمرة بين ثلاثة مدارس: المدرسة الميكيافلية، الغروشيوسية Grotian، والكانطية Kantian. من ناحية ثانية، يسلط التشخيص الثاني الضوء على الهوية الإحترافية وعلى الصور-الذاتية. ولقد حدد سميث (1995) عشرة صور ذاتية للحقل. الصورة الموحدة، تعتبر غنية لكنها أيضا جد مدمرة، لا سيما كونها تركز على المزايا النسبية لكل صورة وبذلك فهي تشير إلى حدودها. في تقديري قد نجح سميث (1995، ص 1) في تحقيق مسعاه المثير حول إظهار "كيف أن تاريخ النظريات الدولية، لاسيما طرق تصنيف الفكر الدولي، قد خلقت فهوما وتفسيرات تحظى بالأولوية، بعبارة أخرى أضحت هي وحدها الأصلية والمسيطرة دون غيرها من الفهوم. مع ذلك، دعونا نشير إلى جانبين هامين من هذا القصور. يتعلق القصور الأول بوجهة النظر التي ترى بأنه يمكن تحليل الصور–الذاتية لحقل العلاقات الدولية انطلاقا من التقسيمات الرئيسية ومن تصنيفات نظرية العلاقات الدولية. قد تفترض المعرفة السياسية الدولية وعالم السياسة صيغة "النظرية" لكن في بعض الأحيان/أو الحالات لا تأتي في هذه الصيغة. إن تفضيل تصور نظري معين قد يحمل معه تجاهلا غير مبرر لصيغ معرفية أخرى قد تكون أيضا مهمة في تحليل الصور-الذاتية. أما وجه القصور الثاني، فقد ورد في مقالة سميث المعنونة "الصور الذاتية للحقل المعرفي". رغم إسهام سميث في موضوع الصور الذاتية، يبقى مع ذلك تصوره محدودا بخصوص مسألة الذات. إن المشكلة مع الصور–الذاتية تمت صياغتها حصريا في إطار الجماعة العلمية الأنجلو-سكسونية، وبالنتيجة انحصر ذلك على الباحثين في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. كمثال على ذلك، ويا للمفارقة، رغم أن سميث قد ادعى أن تصوره اعتمد على النظرية الاجتماعية الأوروبية، فقد أدرج بصعوبة إسهامات الباحثين من بقية أجزاء العالم (ينسحب ذلك أيضا على الكتاب الذي شارك سميث في إنجازه). وبذلك، أعاد سميث صياغة الصورة–الذاتية للحقل المعرفي وفق التقليد الأنجلو-أمريكي.

الهيمنة

عدت دراسة هولستي (1987) المتعلقة بنظرية العلاقات الدولية مرجعا يعتد به لأكثر من عقد. في سياق ذلك، لخص بدقة العنوان الفرعي: "الهيمنة والتعدد في العلاقات الدولية" الذي تضمنته دراسة هولستي خلاصة وجهة نظره حول الهيمنة والتعدد. حيث يرى فيه بأن الهيمنة ستسود بينما التعدد لا يتجسد إلا في شكل محدود. ومع ذلك، فإن الهيمنة موضع الدراسة هي محصلة تفاعل أنجلو-أمريكي وليست هيمنة أمريكية خالصة. بعد إحدى عشر سنة من دراسة هولستي، خلص ويفر (1998) إلى نتيجة مفادها أن حقل العلاقات الدولية، " ليس بحقل معرفي ذا صبغة دولية". ومتوقعا أن تظل الهيمنة الأمريكية قائمة. وعلى نفس المنوال خلص سميث (1985؛ 2000؛ 2003) – مثله مثل كراوفورد و جارفيس (2001) إلى استمرار الهيمنة في الاستئثار بالاهتمام المطلق بالحقل. بإيجاز، يخضع الحقل للهيمنة الأمريكية ومن المحتمل أن تستمر تلك الهيمنة. يجدر بي أن أشير إلى أن ويفر يتوقع بأن الهوس الأمريكي المعاصر بمنظور الاختيار العقلاني سيغير واقع حال الحقل، ليساهم في إرساء جماعة علمية عالمية متعددة الأقطاب في حقل العلاقات الدولية. لكن مثل هذا السيناريو لن يتحقق إلا إذا كنا نتوقع بأن يكون المستقبل شبيها بالماضي.

علم الاجتماع

لقد خرج جيبرسن، ووندت و كاتزنستين، عن التقليد البحثي المتعارف عليه في الحقل عند تصميم المخطط البحثي ’ثقافة الأمن الداخلي‘ بحيث شددا على المشاركين في المشروع بضرورة الالتزام باستخدام المقارنة كونها الأداة المستخدمة حاليا في العلوم الاجتماعية." مع ذلك، فحين يحاولون إعطاء تفسير – فهم يندرجون في العلم السوي [عبارة يستخدمها توماس كون لوسم الحالة الطبيعية للعلم قبل وبعد الثورة المعرفية، التي تحدث تغييرا في المواضيع والمناهج] مع ما يحمله من رغبات دفينة (جيبرسن، ووندت، وكاتزتنستاين 1996، ص 65). في نفس السياق، أوضح مورافسيك الأسباب التي جعلت مثل هذا الكتاب يخفق في تقديم ما ألف لأجله: إنه الغياب شبه الكلي لعنصرين حاسمين من العلوم الاجتماعية: كل منهما صمم ليجعل التخمينات في وضعية خطرة، وهذان العنصران هما: (1) فرضيات مميزة قابلة للاختبار، (2) مناهج لاختبار بعض الفرضيات مقابل النظريات البديلة أو الفرضيات المعدومة المتعلقة بسلوك الدولة العشوائي (مورافسيك 2001، ص 177). أخيرا، بالنسبة لكاتزنستين، وكيوهان، وكراسنر فيعتبرون مسعى العلوم الاجتماعية يعمل كمحور يفصل بين تيار البنائيين النقديين عن تيار ما بعد الحداثة. في هذا السياق، يرى التيار الأول (البنائيين) أن ثمة إمكانية لقيام علم اجتماعي (كاتزنستين، كيوهان، كراسنر1998، ص 677)، حيث سقط التيار الثاني (ما بعد الحداثة) بعيدا عن مسعى العلم الاجتماعي (كاتزنستين، كيوهان، كراسنر1998، ص 678). وتشكل تلك الاقتباسات تصورا قويا وعميقا جدا لما يتوجب أن تكون عليه العلوم الاجتماعية. وهناك تبعية كبيرة جدا لهذا التوجه في العلوم الاجتماعية. وفي سياق هذا، يجدر الانتباه إلى أن هوفمان (1977) وسم حقل العلاقات الدولية بأنه لا يعدو أن يكون سوى علما اجتماعيا أمريكيا. وينحو سميث وجهته –ومن وجهة نظري كان محقا– حيث يلفت النظر إلى أن العلوم الاجتماعية محل الدراسة ما هي إلا نسخة غريبة، حيث طورت ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها العلم الاجتماعي الوحيد الصحيح (سميث 2002؛ وأيضا ألكسندر 1997 ص ص. 65-89). فعلا، يعتبر تحليله –سميث- نقطة انطلاق واضحة بغرض تحليل المكاسب والتكاليف الناتجة عن التعامل مع حقل العلاقات الدولية على أساس أنه علم من العلوم الاجتماعية – فضلا عن قبول مكاسب وتكاليف النسخ المتعددة لعلم الاجتماع.

على النطاق العالمي، تأخذ العلاقة بين حقل العلاقات الدولية وبيئته المعرفية أشكالا متعددة. ويمكن تحديد أربعة نماذج على الأقل. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تعد العلاقات الدولية إحدى التخصصات الدراسية. وكمتغير مرجعي، فإن قوانين العلوم الاجتماعية جاهزة للاستخدام متى دعت الضرورة لذلك. وتعرض مجموعة المفاهيم ذات الدلالات الخاصة برنامجا يساعد في عملية التحليل. وفي بريطانيا، يوجد أقسام العلاقات الدولية جنبا إلى جنب مع أقسام علم السياسية، السوسيولوجيا، التاريخ، لكن مع ذلك نجد أقساما مختلطة تجمع حقل العلاقات الدولية وعلم السياسة. أما في فرنسا فلم يتم وضع تصور موحد لعلم السياسة، ما جعل الباحثين الفرنسيين يتحدثون عن علم السياسة بصيغة الجمع (علوم سياسية). وخارج هذه النماذج الثلاثة قد نصادف كل الصيغ السابقة مجمتمعة، حيث يوجد التخصص في بعض الأحيان ضمن قسم القانون، أو السوسيولوجيا، أو التاريخ، أو الفلسفة. إذا ما كان السياق ذا أهمية، فيجب علينا أن نتوقع بأن التنظير في العلاقات الدولية يعكس المحيط الذي يتم التنظير في إطاره. ويزعم سميث (2002) بأن الأشكال التي تأخذها الحقول المعرفية المختلفة في المملكة المتحدة تقود نحو التعددية، بمعنى غياب تقليد نظري موحد، وهو ما ينسحب على النموذجين الفرنسي والياباني (إينجوشي وبيكون 2001؛ جيزن 2004)، ولو أن التعبير الذي استعملته أقل حدة مما ورد في عمل سميث. لكن في العموم، يندر أن نجد الدراسات تعنى بتحليل مزايا (وعيوب) العلاقات القائمة بين حقل العلاقات الدولية وبين بيئاتها المعرفية.

ما بعد الهيمنة

لقد كان كل من الباحثين ’قروم‘ و ’ماندفايل‘ جريئين في تحدي وجهة النظر التي ترى أن الهيمنة هي ميزة حقل العلاقات الدولية، حيث طرحا سؤالا فحواه "ما الهيمنة؟" ففي هذه الفترة بدأت تتشكل نواة "جماعة حقل العلاقات الدولية العلمية الأوروبية"، إنها –الجماعة- مفعمة بالحياة وفي حالة جيدة وتنشط في الأغلب داخل مجال الاتحاد الأوروبي، ... "لا توجد" ... أشكال متعددة للهيمنة أو ’هيمنات‘متعددة، قد يكون الوصف أحيانا صحيحا، وينسحب إلى ما وراء حدود الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية" (2001، ص 163). توصل يورقنسن (2000) أيضا إلى خلاصة مماثلة فيما يتعلق بالجزء الأوروبي. وماذا بخصوص أمريكا اللاتينية واليابان؟ ففيما يتعلق بأمريكا اللاتينية حسب تيكنر (2003) فإنه رغم وجود تأثير قوي للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بتعريف نظرية العلاقات الدولية على مستوى التدريس، فإلى حد ما، تظل النظرية السابقة الموظفة. بخصوص النظرية ما بعد وضعية، لم تنتقل بسهولة من الولايات المتحدة الأمريكية نحو أمريكا اللاتينية، وهو ما ينسحب أيضا على المنظور العقلاني حتى في صيغه المرنة. وحينما أدرجت مثل هذه المواضيع في ميدان البحث، كان تأثير الولايات المتحدة الأمريكية عليها ضعيفا. وبحسب كل من إينجوشي و بيكون (2001) فقد كان التأثير الأمريكي ضعيفا في اليابان كونه كان بعيدا جدا عن موضوع "النقاشات النظرية الكبرى" (باستثناء صداها الآتي من مكان بعيد جدا). وحيث حصل تطور داخلي لثلاثة بين أربعة اتجاهات بحثية، فإن ثلاثة منها نشأت وتطورت محليا. وحتى سميث، الذي كان لعقود منتقدا للهيمنة الأمريكية، لم يتوان في الإشارة -بشكل يتناقض مع خطه الأساسي في التشخيص- إلى أن العديد من مظاهر حقل العلاقات الدولية ليست سائدة خارج الولايات المتحدة.

هذه الصورة لا نجد لها أثرا في باقي بلدان العالم حيث حقل العلاقات الدولية حقل متعدد المواضيع، وحيث لا مقاربة نظرية واحدة مهيمنة. وفي معظم أجزاء العالم لاسيما في أوروبا وأستراليا تبقى العلاقات الدولية مترددة في تقبل أن يكون كل من الاتجاه الوضعي والتصورات المشتركة جديرين بأن يعتد بهما كمعيار واحد عند تقييم نوعية العمل الأكاديمي، هناك صنف واسع من الأعمال ينظر إليها على أنها شرعية قياسا مع الأعمال المنجزة في إطار الاتجاه الغالب لهذا الحقل المعرفي ضمن الأدبيات الأمريكية. في سياق نشط جدا تستطيع واحدة من النتائج -في إطار جماعة علمية حيوية ومثيرة- أن تقدم إجابات متنوعة للكثير من المشاكل ولخصائص النسق السياسي العالمي المعاصر (سميث 2002، ص 81).

في السياق البريطاني، قام سميث بمقارنة بين المجموعات العلمية المنتمية لحقل العلاقات الدولية في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وقد خلص إلى "وجود جماعة المملكة المتحدة" في حالة جيدة من المهنية قياسا بمثيلتها في الولايات المتحدة الأمريكية (سميث 2000، ص 398؛ وأيضا أنظر دون 1998؛ بوزان 2001). باختصار، رغم أني لم أتوقع أن أحصل على قراءة شاملة فمع ذلك -تبدو الهيمنة وكأنها مفهوم مضلل جدا لواقع الحال. فإذا كان هذا هو واقع حال الحقل، يجب أن تجرى الكثير من الدراسات المقارنة على مجموعة من الجماعات الدولية العلمية. يجب أن تجرى المقارنات وفق ما اقترحه كل من هاولدن (2004)، إينجوشي وبيكون (2001) وسميث (1985، 2000)؛ أيضا أنظر كراوفرد وجارفيس2001( - من أجل أن يكون الاتصال ما بين – الجماعة ممكنا وذا معنى. على أية حال، تعتبر صورة الهيمنة شرطا للقيام بعملية التوجيه- الذاتي.

وسواء يجدر أن نرحب "بما سيأتي بعد الهيمنة أم لا" فمن الواضح أنها تتوقف أساسا على ما يحتمل أن يعوضها. ولقد رأينا في ما سبق عددا من التشخيصات الواعدة. لكن هل كل تلك التشخيصات هي كل شيء؟ وهل من غير الممكن أيضا تصور سيناريو التجزئة، على سبيل المثال خلق جزر عالمية لمختلف الحقول، وللنظريات وللمفاهيم؟ في هذه الحالة، من المحتمل أن يؤدي وجود الكثير من الحقائق المحلية إلى القليل قياسا مع الاحتكاكات المثمرة. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي نشوء وأفول [أو ما هو حاصل حاليا] سلطة أكبر للجماعة العلمية في حقل العلاقات الدولية، مع وجود مبرر الاعتراف بالاختلاف، ومع ظهور "أصوات" تدعوا إلى التعددية العالمية إلى اتجاه خاطئ. رغم أن تشخيص "ما بعد الهيمنة" يمكن أن ينظر إليه كسيناريو تجزئة مثير للمخاوف، لكن مع ذلك يحق لنا التساؤل عما إذا كان هذا التشخيص لا يقدم لنا وصفا دقيقا لواقع الحال في الحقل. فعندما نقرأ كلمة "حقل معرفي" يتبادر إلى أذهاننا كما دأبنا على ذلك دوما "الحقل المعرفي أنجلو-ساكسوني"، رغم أن نطاق امتداد هذا الحقل المعرفي أصبح عالميا. كما أن هناك الكثير من الجماعات العلمية التي تعمل على تنمية الحقل بطرق تضفي معنى على مساعيهم. وبعبارة أخرى، فإن التصورات المعرفية للحقل تحظى بحدود بينية فاصلة معترف بها بشكل متبادل، وعبارة "بشكل متبادل" أثبتت أنها بحق ظاهرة مرنة.

التشخيص الإيجابي

خلافا للاتجاه العام السائد، فقد تم في هذا المقال البرهنة على أن للمجموعة العلمية الأمريكية للعلاقات الدولية بعد عالمي متأصل. ويظهر ذلك بطرق مختلفة. على صعيد التنظيم، فإن جمعية الدراسات الدولية ISA تمارس دورا "شبه عالمي"، بحكم عضويتها المفتوحة. ومثلها مثل الجمعية البريطانية للدراسات الدولية BISA، تعتبر ISA من بين أكثر المنظمات المهنية المفتوحة في العالم. بحيث يمكن لجميع أعضائها الحصول على موقع في الجهاز التنفيذي، فضلا عن ذلك لطالما كان رؤساء ISA غير أمريكيين. أيضا، وسعت ISA صلاتها مع من يشتركون معها في الاهتمامات البحثية من خارج أمريكا الشمالية، كما نمت علاقات ثنائية مع جمعيات من كل أنحاء العالم تعمل في ذات المجال، سواء في إطار ثنائي أم متعددة الأطراف. خلافا لذلك، تبدو المنظمات المهنية العاملة في حقل العلاقات الدولية على المستوى الأوروبي أكثر تقوقعا، بالنظر لآفاقها المنحسرة وطنيا أو أوروبيا. على صعيد الاتصال تمتلك ISA العديد من المجلات الذائعة الصيت. أخيرا، هناك اعتقاد قوي جدا بوجود انفتاح أكاديمي عالمي لحقل العلاقات الدولية الأمريكي. إذا ما كانت الجماعة العلمية الأمريكية تتوفر في حقل العلاقات الدولية على سلطة علمية كبيرة، وإذا كانت واحدة من وظائف القوى العظمى إرساء وصيانة وضع الهيمنة، على مستوى أجندات (برامج) البحث، تحديد قواعد اللعبة والمعايير التي يحدد على أساسها المدى الذي يمكن به اعتبار نظرية ما نظرية جيدة، وبشكل عام، يتعلق الأمر بتقديم بضاعة جيدة عملية للاستعمال، إذا كان الأمر كذلك، فإذن، لن يكون هناك مبرر لإطلاق صفارات الإنذار. باختصار، من الممكن وجود حجة، عكس الهالة المثارة، مفادها أن المشكلة ليست بهذا القدر.

حدود النزعة العالمية

حين نتعاطى مع قضايا التنوع، والانفتاح العالمي، وضيق أفق التفكير، يبقى التشخيص متمحورا حول السيطرة أو الهيمنة، لكن بأشكال أخرى. في سياق ذلك، يرى براون بأن (2001، ص 216)، "نمط التفكير القائم في حقل العلاقات الدولية المعاصرة يتميز أساسا بالانفتاح العالمي. والاستعدادات الفكرية القائمة في الولايات المتحدة تعتبر عالمية التوجه، وهي تلتزم برفض إنزال وجهات نظر وطنية معينة منزلة الحظوة – بل وترفض أكثر الأفكار الداعية إلى وجوب أن تحصل وجهات نظر وطنية على شرعية فكرية ما. وعلى نفس المنوال، خلص فالبيورن (2004) إلى كون الحقل كان يقوم على أساس عمى الثقافات (عدم الانحياز الثقافي)، وأصبح يواجه الآن مخاطر العمى الثقافي (الانحياز لثقافة ما ورؤية الأمور من منظورها). وأكد على أنه لم يكن لنظريات العلاقات الدولية تركيز قوي (إذا كان هناك تركيز في الأصل) على الثقافة. والمنظرين لم يكونوا واعين حتى بالبعد الثقافي المتضمن في نظرياتهم. من جانب آخر، ومع تنامي الوعي الثقافي –التحول نحو الثقافة- تواجه نظريات العلاقات الدولية تحدي التحول بالكامل نحو نظرية ثقافية معينة.

لا تكمن المشكلة في طريقة التعبير عن هذا التشخيص، مع ذلك من السهل ملاحظة كيف أن نمط التفكير العالمي يرى بأن المقارنات التي تجرى بين المجموعات العلمية في حقل العلاقات الدولية وأشكال التواصل بينها تعتبر غير مناسبة. إحدى التصورات المسيطرة والتي تعتبر مع ذلك محلية تنظر لنفسها على أنها عالمية، لا يمكن لها بذلك أن تقر بوجود تصورات أخرى. وبدلا من ذلك، أعيد إنتاج الأساطير المؤسسة ومسارات التطور بأدوات إجرائية قياسية. وحيث اعتنق الطلبة أفكار أساتذتهم جيل بعد جيل. وتحدد النزعة العالمية اللعبة، والشروط التي تقيد حركة اللاعبين فضلا عن المحصلات. يجدر اعتبار أجندة البحث المقترحة من قبل هولدن (2004) بغير المناسبة. فحين تجمع مع تصور ضيق لعلم الاجتماع، يصبح توليفة قوية جدا تدفع المواجهة التي تلقي العبء الإستراتيجي لإيجاد إثباتات وبراهين على الخصوم.

kp, ugl h[jlhud lk sjm rhvhj