أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



الأحادية الأمريكية بين الاستمرارية والزوال * عمرو عبد العاطى

الأحادية الأمريكية بين الاستمرارية والزوال * عمرو عبد العاطى إن التحديات المختلفة التى تواجهها الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلى والخارجى، منذ تولى الرئيس جورج بوش الابن الحكم، ودخول الولايات المتحدة



الأحادية الأمريكية بين الاستمرارية والزوال * عمرو عبد العاطى


النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1

    ♥•-مشرف سابقـ -•♥


    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    العمر
    30
    المشاركات
    172
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    سنة أولى دكتوراه علوم سياسية
    هواياتي
    النت
    شعاري
    الغاية تبرر الوسيلة

    روعة الأحادية الأمريكية بين الاستمرارية والزوال * عمرو عبد العاطى

     
    الأحادية الأمريكية بين الاستمرارية والزوال
    * عمرو عبد العاطى

    إن التحديات المختلفة التى تواجهها الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلى والخارجى، منذ تولى الرئيس جورج بوش الابن الحكم، ودخول الولايات المتحدة فى حربين: أفغانستان (2001)، والعراق (2003) شجع بعض المراقبين على القول إنها تواجه الآن بداية النهاية لعصر هيمنتها الأحادية. ويستند المراقبون فى ذلك إلى تحليل بول كيندى فى كتابه الشهير 'صعود وسقوط القوى العظمي'، والذى ذهب إلى أن التمدد المفرط 'Overstretchس، كان نقطة البداية لزوال امبراطوريات عظمى مثل الرومانية والبريطانية. من ناحية أخرى، يذهب آخرون إلى القول إنه رغم المأزق الذى تواجهه الولايات المتحدة، فإن المجال لا يزال مفتوحا أمامها للحفاظ على تماسكها وتفوقها وهيمنتها على جميع المستويات. وقد كان التساؤل حول مستقبل القوة الأمريكية محور العديد من الكتابات الغربية والأمريكية، نستعرض منها هنا ما نشرته مجلة الشئون الخارجية Foreign Affairs الأمريكية، الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية Council On Foreign Relations فى عددها عن شهرى مايو ويونيو 2008، من مقالتين متميزتين، تبحثان هل انتهى عصر الهيمنة والأحادية الأمريكية. المقالة الأولي(1) لرئيس مجلس العلاقات الخارجية، والأكاديمى والسياسى الأمريكى البارز 'ريتشارد هاس'، والثانية(2) لمحرر مجلة النيوزويك للنسخة الدولية 'فريد زكريا'.

    نظام دولى جديد :


    فى بداية طرح 'هاس' لرؤيته لمستقبل النظام الدولى فى ظل احتدام الجدل حول مستقبل هذا النظام، يعارض من يقولون إنه نظام متعدد الأقطاب (Multipolar)، الذين يرون أنه يضم ست قوى فاعلة -الصين، الهند، الاتحاد الأوروبى، اليابان، روسيا والولايات المتحدة الأمريكية- يصل عدد سكانها إلى ما يقرب من نصف سكان العالم، ويمثل ناتجها القومى الإجمالى ما يقرب من 75% من الناتج الإجمالى العالمى، وأن إنفاقها العسكرى يفوق 80% من إجمالى الإنفاق العسكرى العالمي. وعلى خلاف هؤلاء، يرى هاس أن النظام الدولى الجديد يتجه نحو نظام عديم الأقطاب (Age of Nonpolarity)، حيث إن هناك تعددا فى مراكز القوى، ولكنه تعدد مختلف عن التعددية القطبية التقليدية.

    يتميز هذا النظام الجديد، من وجهة نظر هاس، بصعود فاعلين غير الدولة القومية (Non State Actors)، فى الوقت الذى تشهد فيه تلك الدول القومية العديد من التحديات، سواء على المستوى الدولى من المنظمات الدولية، أو على المستوى القومى من الجماعات المسلحة، أو فى الداخل من المنظمات والتجمعات غير الحكومية.

    وسيشهد هذا النظام تعدد وتشتت مراكز القوى من حيث انتشارها وتعدد من يملكها. فبجانب وجود ست قوى كبرى -السابق الإشارة إليها- يرى 'هاس' أن هناك دولا صاعدة كقوى إقليمية، مثل البرازيل، وفنزويلا، والسعودية، ومصر، .. وهناك قوى أخرى مثل المنظمات الدولية -بشقيها الدولى والإقليمي- والشركات متعددة الجنسيات، ووسائل الإعلام، والجماعات المسلحة والإرهابية، والمنظمات الدولية غير الحكومية، فضلا عن بعض المدن داخل دولها كمدينتى نيويورك وشنغهاي.

    ورغم تزايد ظهور قوى جديدة، إلا أن 'هاس' يرى أن الولايات المتحدة سوف تظل القوة الكبرى، حيث تنفق أكثر من 500 مليار دولار سنويا على قواتها العسكرية، ويرتفع هذا الرقم إلى 700 مليار دولار سنويا عند إضافة العمليات العسكرية فى العراق وأفغانستان. ويرجع 'هاس' عدم قدرة مجموعة من الدول على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية، رغم تزايد قوة معاداة الولايات المتحدة عالميا إلى ثلاثة أسباب رئيسية، هى كالآتي:

    1- عدم تكافؤ تلك القوى الصاعدة مع القوة الأمريكية. فعلى الرغم من تزايد الناتج الإجمالى القومى الصينى ومعدل النمو الاقتصادى عن نظيره الأمريكى، إلا أن تلك الزيادة لا تذهب إلى الدفاع والقوة العسكرية نظرا لتزايد عدد السكان. كما أن الهند أيضا تواجه معضلة تزايد عدد السكان وتزايد معدل البيروقراطية وتراجع البنية التحتية. أما الاتحاد الأوروبى، الذى يفوق ناتجه القومى الإجمالى نظيره الأمريكى، فإنه لا يتحرك كأمة واحدة -دولة قومية- وليس قادرا على لعب دور القوى الكبري. من ناحية أخرى، تعانى اليابان من غياب القوة السكانية والثقافة السياسية اللازمة للعب دور القوى الكبرى، فضلا عن أن روسيا -وريثة الاتحاد السوفيتى السابق- تعانى من أزمات اقتصادية وتحديات داخلية تفقدها تماسكها.

    2- السلوك الأمريكى الذى يقوض ظهور قوى منافسة: نجحت إدارة بوش فى عزل مجموعة من الدول، لكنها فى الوقت نفسه ساعدت على ظهور قوى أخرى ترى أن السياسة الأمريكية تمثل تهديدا لمصالحها الوطنية.

    3- استمرار اعتماد القوى الكبرى الأخرى على النظام الدولى الحالى لرفاهيتها الاقتصادية واستقرارها السياسى، فهى لا تريد إحداث اضطرابات فى ذلك النظام الذى يخدم مصالحها، وهى تلك المصالح التى ترتبط بصورة أساسية بتدفق البضائع والخدمات والأفراد والاستثمارات عبر الحدود، وللولايات المتحدة دور كبير فيها.

    ولكن هذا التفوق لا يصرفنا عن تراجع المكانة الأمريكية عالميا -حسبما أشار هاس - والذى يستتبعه تراجع فى القوة الأمريكية، وبالتالى تراجع فى القدرة على التأثير. وقد ظهر هذا التراجع فى عدد من المجالات، منها:

    أولا- فى المجال الاقتصادي: فقد انخفض الناتج القومى الإجمالى الأمريكى عند مقارنته بالعمالقة الآسيويين، فقد وصل معدل النمو فى تلك البلدان إلى ضعف أو ثلاثة أضعاف نسبته بالولايات المتحدة. وليس انخفاض معدل النمو والناتج القومى الإجمالى للولايات المتحدة المؤشر الوحيد على تراجع مكانة واشنطن اقتصاديا، ولكن ارتفاع الثروة المحلية داخل بلدان، مثل المملكة العربية السعودية والصين والكويت وروسيا ودولة الإمارات العربية المتحدة، يعد سببا آخر. فقد أصبح هناك تمركز لمصادر القوة فى تلك البلدان نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعى، فهى تنمو بمعدل تريليون دولار سنويا، ويستمر تمركز مصادر الثروة فى تلك البلدان مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الطلب الصينى والهندي.

    وفى سياق التعبير عن مخاطر انتقال الثروة إلى الدول المصدرة للنفط، يقول أحد الخبراء الأمريكيين فى مجال الطاقة، بجلسة استماع بالكونجرس الأمريكى، 'إن الارتفاع فى أسعار الطاقة يمكن دول الأوبك من شراء بنك أمريكا بعائدات شهر واحد، وشركة أبل للكمبيوتر بعائدات أسبوع، وشراء جنرال موتورز بعائدات ثلاثة أيام'(3).

    هذا، وقد تراجعت مكانة الولايات المتحدة فى سواق الأوراق المالية والتبادلات التجارية، فأصبحت لندن تحل محل نيويورك كمركز عالمي. كما حلت عملات أخرى محل الدولار الأمريكى فى المعاملات المالية، وهناك تحرك لإجراء المعاملات النفطية باليورو أو عملات أخرى محل الدولار، وهو ما يزيد من الأزمة الاقتصادية الأمريكية.

    ثانيا- فى المجال العسكري: الإنفاق العسكرى الأمريكى الذى يفوق العديد من القوى الصاعدة لا يعد مؤشرا كافيا على القدرة العسكرية الأمريكية، فأحداث الحادى عشر من سبتمبر أظهرت أن حدثا إرهابيا صغيرا قد ينتج عنه خسائر مادية وبشرية هائلة. كما أن العديد من مناطق النزاع التقليدية تحتاج إلى عدد كبير من الجنود ذوى تسلح قليل أكثر من مجموعة صغيرة من الجنود الأمريكيين المدربين والمسلحين تسلحا جيدا، فالكثير من الأسلحة الحديثة قد لا تكون مناسبة فى النزاعات التقليدية، كما تراجعت قدرة الولايات المتحدة فى الولوج فى أى نزاعات مستقبلية.

    ثالثا- سياسيا ودبلوماسيا: فقد تراجعت القوة التأثيرية للولايات المتحدة، وتراجعت نتائج المساعدات والضغوط والعقوبات على دول الممانعة. فالولايات المتحدة لم تستطع أن تضغط وتفرض قيودا على النظام الإيرانى بمفردها وبدون مساعدة الدول الأوروبية (الترويكا الأوروبية). وقد تراجع دورها أمام قوى دولية أخرى كالصين، التى أضحى لها دور جلى فى الأزمتين النوويتين الإيرانية والكورية الشمالية، وتمتلك أوراقا للضغط فى عدة ملفات.

    رابعا- ثقافيا ومعلوماتيا: تراجعت القوة الأمريكية على الجانبين الثقافى والمعلوماتى، فبوليوود (السينما الهندية) تنتج أفلاما أكثر من هوليوود الأمريكية. كما أصبحت هناك خيارات متعددة ومنافسة للبرامج والتليفزيونات الأمريكية، فى وقت أضحت فيه المدونات والمواقع الإلكترونية فى الكثير من الدول منافسا قويا للولايات المتحدة فى تقديم الأخبار والتحليلات.

    أفول القطبية الأحادية :

    فى الوقت الذى لا يتوقع فيه صعود قوى أخرى -للأسباب السابق الإشارة إليها- فإن النظام الدولى الأحادى القطبية سوف ينتهى ويتحول إلى نظام جديد عديم الأقطاب يشهد نموا فى مراكز القوي. وهناك ثلاثة تفسيرات لذلك، وهى كالآتي:

    التفسير الأول: ذو بعد تاريخى ويتعلق بعملية نمو الدول، التى تشهد توليد وتراكم الموارد البشرية والمالية والتكنولوجية، والتى تؤدى إلى الرفاهية، والتى تشكل العماد الرئيسى للشركات والمؤسسات، وهو الأمر المحفز لصعود قوى جديدة لا يمكن إيقافها، حيث ينتج مجموعة من مراكز القوى القادرة على التأثير إقليميا وعالميا.

    وهو ما ذهب إليه دافيد روثكوبوف David Rothkopf، الأستاذ الزائر بمؤسسة كارنيجى للسلام الدولى، فى كتابه 'الطبقة العليا .. نخبة القوى العالمية والعالم الذى يشكلونه'، والذى يرى فيه أن هناك قوى جديدة تتمثل فى الشركات والمؤسسات، وبعض الأفراد، وجماعات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، وبعض الإعلاميين، ورجال دين، وأن القليل منهم مسئولون سياسيون يمكنهم إدراك حجم التأثير الذى يمكن أن يحدثوه(4).

    التفسير الثاني: يتعلق بالسياسة الأمريكية فى مجال الطاقة. فبعد أزمة النفط العالمية فى عام 1973، زاد الاستهلاك الأمريكى من النفط بنسبة 20%، وتزايد الطلب الأمريكى على النفط الخارجى، وهو ما سبب زيادة فى أسعاره، مما جعل الدول المصدرة للنفط قوى عالمية لها قدرة على التأثير بعد انتقال مصادر الثروة إليها، وزيادة معدل النمو فيها لارتفاع أسعار النفط.

    كما أن الحربين اللتين خاضتهما الولايات المتحدة الأمريكية فى أفغانستان والعراق أحدثتا تراجعا فى الاقتصاد الأمريكي. فبعد أن كانت الولايات المتحدة تحقق فائضا يفوق 100 مليار دولار عام 2001، أصبحت تعانى من عجز يقدر بـ 250 مليار دولار خلال عام 2007 . وما الأزمة الاقتصادية التى يمر بها الاقتصاد الأمريكى خلال الأشهر الماضية من أزمة الرهن العقارى وأزمة الائتمان وارتفاع أسعار النفط، إلا انعكاس لتلك السياسات.

    التفسير الثالث: يتعلق بظاهرة العولمة، والتى زادت من سرعة تدفق المنتجات الصناعية والإشارات التليفزيونية والأموال والمخدرات عبر الحدود، وبالتالى دعمت نظاما دوليا عديم الأقطاب من خلال اتجاهين:

    الاتجاه الأول: إن التدفق عبر الحدود يكون خارج إدارة وسيطرة الحكومات وبدون علمها، بما قلل من تأثير القوى التقليدية.

    الاتجاه الثاني: إن هذا التدفق يعزز من قوى الفاعلين غير الدول القومية، مثل مصدرى الغاز والجماعات الإرهابية والشركات متعددة الجنسيات، مما مكن من أن تمتلك جماعات وأفراد مصادر قوة قد تفوق مثيلاتها لدى الدول القومية التقليدية.

    تغير الدور الأمريكى فى ضوء تحديات النظام الدولى الجديد :

    لا يؤثر هذا النظام الدولى الجديد الذى يصفه هاس بأنه عديم الأقطاب على الولايات المتحدة فقط، ولكن على باقى دول العالم أيضا. حيث إنه فى ظل تعدد مراكز القوى والتأثير، يصعب إحداث إجماع دولى عند مواجهة الأزمات الدولية، مما يحمل فى طياته تقويض عمل المنظمات الدولية أيضا.

    ويمثل تزايد الدول العاصية -كإيران حاليا- والجماعات الإرهابية تهديدا لواشنطن فى إطار هذا النظام. كما يهددها أيضا منتجو الطاقة الذين قد يختارون تقليل إنتاجهم، أو البنوك المركزية التى قد تتخذ - أو تتوقف عن اتخاذ - إجراءات من شأنها التأثير على قوة ودور الدولار الأمريكى عالميا.

    ويعول 'هاس' على دور للولايات المتحدة فى تقليل التحديات والفوضى التى ستعم هذا النظام الدولى الجديد. وهذا لا يعنى -حسب هاس- أحادية قطبية، بل يعنى أن الولايات المتحدة ستظل لها قدرة على ترتيب وتحقيق استقرار النظام الدولى أكثر من أى قوة أخري.

    ويرتبط نجاح واشنطن فى لعب هذا الدور بتقليل استهلاك الطاقة والاعتماد على الخارج، مما يقلل من الضعف الأمريكى أمام موردى النفط. ولكن هل يمكن أن يحدث ذلك بدون التأثير على الاقتصاد الأمريكي؟

    يركز 'هاس' أيضا على ضرورة تعزيز الأمن القومى الأمريكى لمواجهة أى هجمات إرهابية، ومكافحة انتشار الأسلحة النووية والمواد النووية غير المؤمنة، وأن يكون هناك بنك لليورانيوم المخصب خاضع لمؤسسة دولية لإمداد الدول الراغبة فى امتلاك طاقة نووية سلمية، وتقديم الدعم العسكرى والأنظمة الدفاعية للدول التى تواجه تحديات نووية من دول الجوار، بدلا من أن تلجأ لامتلاك إمكانيات نووية غير سلمية، وفرض عقوبات، بل واستخدام القوة العسكرية لتقويض سلوك الدول الراغبة فى امتلاك تكنولوجيا نووية غير سلمية.

    وهنا يفرق'هاس' بين الضربات الإجهاضية(Preemptive) والاستباقية(Preventive) التى قد تؤدى إلى عدم استقرار نظام اللاقطبية، وتدفع الدول إلى امتلاك قوى نووية لردع الدول الأخرى عن مهاجمتها. ويضيف مجالات أخرى للدور الأمريكى فى هذا النظام الدولى الجديد، تتمثل فى محاربة الجماعات الإرهابية، وتقويض أنشطتها، ولن تنجح الولايات المتحدة فى هذا بدون محاربة سبل تجنيد وتعبئة الأفراد لتلك الجماعات.

    وفى ظل هذا النظام الذى تتعدد فيه مراكز القوى، يصعب الحصول على موافقة جميع الأعضاء، مما ينتج عنه أن تكون العلاقات انتقائية وموقفية، فيكون هناك حلفاء فى قضية، وأعداء فى قضية أخرى، وتتعقد الوسائل الدبلوماسية. ويختتم 'هاس' مقالته بأن هذا النظام الدولى الجديد صعب وخطير، ولكن تزايد درجات الاندماج الدولى سوف يسهم فى دعم الاستقرار.

    موقع الولايات المتحدة فى النظام الدولى الجديد:

    أما فريد زكريا (5)، فيؤكد أيضا أن العالم يشهد حاليا المرحلة الثالثة من التحولات العالمية. وقد تمثلت المرحلة الأولى فى صعود العالم الغربى فى بدايات القرن الخامس عشر، وانتهت فى أواخر القرن الثامن عشر. أما المرحلة الثانية، فقد بدأت مع نهايات القرن التاسع عشر، وتمثلت فى صعود نجم الولايات المتحدة، وقد كانت أكبر قوة منذ الإمبراطورية الرومانية. وتتمثل المرحلة الثالثة - وهى التى نشهدها حاليا- فى صعود دول ذات معدلات نمو غير متوقعة. ورغم تركز هذه الدول حاليا فى آسيا، فإن قصر هذا التحول على القارة الآسيوية لا يعد وصفا دقيقا لهذه المرحلة الثالثة من تطور النظام الدولي.

    يؤكد فريد زكريا أن الولايات المتحدة لا تزال لها مكانتها العالمية فى كافة المجالات. كما أن تراجع الاقتصاد الأمريكى يعد، فى نظره، غير ملحوظ، حيث تشير بعض التوقعات إلى أنه فى عام 2025 سوف سيصل الاقتصاد الأمريكى إلى ضعف حجم الناتج القومى الإجمالى الصيني. كما أن الولايات المتحدة لا تزال أكبر قوة عسكرية من حيث الإنفاق العسكرى، حيث تنفق واشنطن أكبر من باقى الدول الأربع عشرة التى تليها فى مرتبة الإنفاق العسكرى على الأبحاث والتطويرات الدفاعية، والذى يقدر بـ 50% من الإنفاق العالمى على الدفاع، وما نسبته 4.1% من الناتج القومى الإجمالي.

    وتعد اشنطن مهد الصناعات النانوتكنولجية (الصناعات التكنولوجية الدقيقة) والبيولوجية، حيث تتفوق على باقى الدول الأخرى، وتحقق منها أرباحا طائلة، فقد بلغتت عائداتها من الصناعات التقنية الحيوية أكثر من 50 مليار دولار، وهو خمسة أضعاف ما تحققه أوروبا، ويوازى 76% من العائدات العالمية من التقنية الحيوية.

    ويخلص زكريا فى مقالته إلى أنه من الصعوبة بمكان المقارنة بين سقوط الإمبراطورية البريطانية وحالة الولايات المتحدة اليوم. فقد سقطت الأولى لأسباب تتعلق بسوء أحوالها الاقتصادية، ولكن الثانية لا تزال تمثل القوة الفاعلة فى تشكيل العالم، خاصة إذا تغلبت على تأزمها السياسى وأعادت صياغة سياساتها لتلائم عالما يشهد صعود قوى أخري.

    ويشير زكريا إلى أن هذا النظام العالمى الجديد الذى يشهد صعود قوى أخرى لا يتعارض مع قوة الولايات المتحدة. فالقوى الصاعدة تؤمن بحرية السوق والقيم الديمقراطية -التى تختلف من دولة إلى أخري- وأيضا قيم الشفافية والمحاسبية، التى هى قيم أمريكية. وعلى الرغم من الدور الأصغر للولايات المتحدة فى هذا النظام الدولى الجديد، إلا أنه عالم تهيمن عليه القيم والنماذج الأمريكية بشكل قوي.




    كيف تتعامل الولايات المتحدة مع النظام الدولى الجديد؟


    على عكس 'هاس'، يرى 'زكريا' أن النظام الدولى الجديد سيكون نظاما متعدد الأقطاب. وفى ظل هذا النظام، على الولايات المتحدة الاختيار بين محاولة الحفاظ على استقرار هذا النظام الدولى الجديد الذى بدأ فى التشكل، أو مشاهدة صعود تلك القوى، محدثة تفككا فى النظام العالمى الذى أنتجته الولايات المتحدة خلال الأعوام الستين الماضية.

    وقد اختارت واشنطن الخيار الأول الذى كان محور مقالة دانيال دريزنر(6) بعدد مارس/ابريل 2007 من مجلة الشئون الخارجية. فقد عملت الولايات المتحدة على إدماج القوى الصاعدة - الصين والهند - فى المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولى ومنظمة التجارة العالمية، وفى قضايا تتنوع مابين الحد من انتشار الأسلحة النووية، وحتى قضايا البيئة، وذلك إحياء لما كان ينادى به 'بوش الأب' من نظام عالمى جديد، ولكنه اليوم - حسب دانيال - (ما بعد النظام العالمى الجديد).

    ولمواجهة هذا الصعود القوى، بدأت واشنطن فى إجراء العديد من التغيرات لمواجهة صعود تلك القوى الكبرى، تمثل أحدها فى إعلان الرئيس الأمريكى بوش الابن فى أغسطس 2004 خفض حجم القوات الأمريكية المرابطة فى الخارج، وإغلاق 35% من القواعد العسكرية فى الخارج بحلول عام 2014. كما سعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى نقل المئات من موظفيها من أوروبا إلى تلك البلدان لصاعدة.

    هذا بالإضافة إلى إقامة علاقات جديدة وقوية مع تلك القوى الصاعدة مثل الصين، حيث أعلن العديد من المسئولين الأمريكيين عن حاجة الولايات المتحدة إلى أن تكون الصين عضوا مسئولا فى النظام العالمى الجديد، وبدأت قضايا التعاون تتصدر أجندة لقاءات مسئولى البلدين، والتى تتنوع مابين التعاون فى مجال الطاقة والخدمات المالية وأسعار الصرف، وكذلك التعامل مع ملفى كوريا الشمالية ودارفور، والكثير من الملفات الأخري.

    وفى هذا الإطار، حسنت الولايات المتحدة علاقاتها مع الهند، فكان الاتفاق النووى بين البلدين لأغراض مدنية، والاعتراف الأمريكى بالهند كقوة نووية، والاتفاق على الالتزام الهندى بمبادئ الحد من الانتشار النووى فيما يخص برنامجها النووى، وإن كان خارج دائرة تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

    رؤية ختامية :

    فى التحليل الأخير، يمكن القول إن مستقبل مكانة الولايات المتحدة ودورها الفاعل عالميا يرتبط بمدى قدرتها على التعامل مع مستجدات هذا النظام العالمى الجديد، الذى يشهد صعود قوى جديدة وجماعات ومنظمات تملك من القوة ما يجعلها ذات قوة وتأثير يفوق بعض الدول القومية. فعلى الرغم من كونها القوة العسكرية الكبرى فى العالم، إلا أننا نجدها اليوم تتعثر بشدة فى حروبها التوسعية، ونجد اقتصادها يضعف أكثر فأكثر بسبب المنافسة الشديدة التى يتعرض لها من قبل اقتصادات القوى العظمى الأخري. وفى حال تكيف الولايات المتحدة مع تلك التحولات، وتعاونها بشكل أفضل مع القوى الصاعدة، فإننا سنشهد انتقالا سلسا وسلميا إلى نظام تعددى جديد، من دون كوارث وحروب تكون الولايات المتحدة فاعلا رئيسيا فيه بجانب بعض القوى الأخري.

    وفى واقع الأمر، لا تستطيع أى قوة أن تزيح الولايات المتحدة من موقع الزعامة، ولن تنتهى الولايات المتحدة إلا فى الحالات الثلاث التالية(7):

    الحالة الأولي: إذا ما توسعت الولايات المتحدة فى اهتماماتها وأدوارها العالمية بما يحملها أعباء تفوق طاقتها، وإذا ما أمعنت فى تأدية دورها الأحادى المتفرد.

    الحالة الثانية: إذا ما تفجرت التناقضات الداخلية الإثنية والدينية والعرقية والاقتصادية، التى تؤدى فى نهاية المطاف إلى شرذمة الولايات المتحدة وإضعافها.

    الحالة الثالثة: إذا استشرى فيها الفساد الذى سيؤدى إلى زعزعتها وتدميرها اقتصاديا وبنيويا وسياسيا، وإحلال الفوضى محل الاستقرار والتماسك الداخلي.

    من ناحية أخرى، تزخر المكتبة العربية بالأدبيات التى ترى أن سقوط القوة العظمى الأمريكية وشيك استنادا إلى ما تشنه من حروب توسعية، مضيفة أن كافة الإمبراطوريات على مر التاريخ لجأت إلى استخدام القوة وأصبحت أكثر دموية فى مراحل سقوطها. وترى العديد من الكتابات العربية والغربية، بل والأمريكية، أن استراتيجية التوسع العسكرى الخارجى الذى أرادته الإدارة الأمريكية كحل لأزمتها الاقتصادية، وإمعانها فى التمدد المفرط الذى تحدث عنه بول كيندى فى كتابه -السابق الإشارة إليه- ستكون سببا أساسيا فى انهيار الإمبراطورية الأمريكية 'الوشيك' و'المدوي'(8).

    -------------------------------------
    * منسق و محرر تقرير واشنطن، أحد مشاريع معهد الأمن العالمي بواشنطن
    ((((35)))))

    hgHph]dm hgHlvd;dm fdk hghsjlvhvdm ,hg.,hg * ulv, uf] hguh'n


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    العمر
    2010
    المشاركات
    Many
     

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. عمرو بن لحي
    بواسطة pixi_princesa في المنتدى قسم المواضيع العامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-08-2015, 12:37
  2. فلسطين من تصفية الاستعمار التقليدي إلى الهيمنة الأحادية و التواطؤ الدولي
    بواسطة روآء الروح في المنتدى التاريخ و الجغرافيا 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-05-2014, 21:14
  3. من الثنائية إلى الأحادية القطبية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم التجريبية - الرياضيات - التقني رياضي BAC 2018
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 02-11-2013, 21:24
  4. من الثنائية إلى الأحادية القطبية للسنة الثالثة ثانوي
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم التجريبية - الرياضيات - التقني رياضي BAC 2018
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-02-2013, 12:37
  5. الحلقة الرابعة و العشرون من سلسة التاريخ الاسلامي: الأندلس الضعف والزوال
    بواسطة chessmaster في المنتدى الصوتيات والمرئيات الاسلامية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-11-2012, 20:59

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •