التكييف
المقصود بالتكييف وأهميته:
لاتبدو اهمية مشكلة التكييف qUALIFICATION فى القانون الدولى الخاص فقط ولكنها تفرض نفسها على القاضى فى مختلف فروع القانون الأخرى، فمشكلة التكييف تواجه القاضى الجنائى وهو بصدد وصف الفعل الذى ارتكبه المتهم لمعرفة ما إذا كان يعد من قبيل السرقة أو النصب أو خيانة الأمانة.......الخ.
وهى تواجه القاضى المدنى ايضا عندما يتصدى لتحديد الوصف الذى يلحقة القانون بالرابطة العقدية المطروحة امامه لينتهى الى كون العقد محل النزاع هو عقد ايجار أو عقد بيع أو هبة......الخ.
وإذا كانت عملية التكييف تتسم باهميتها فى نطاق القانون الداخلى فان اهميتها هذه تزداد بصفة خاصة فى مجال القانون الدولى الخاص. وتتأتى هذه الاهمية ـ كما ذكرنا فيما سبق ـ من أن مشرع اى دولة ـ وهو بصدد تنظيم الحياة الخاصة الدولية عن طريق منهج الإسناد لا يقوم بوضع قاعدة اسناد خاصة لكل مسألة أو لكل علاقة قانونية إذ أنه يستحيل عليه عملا حصر هذه المسائل أو العلاقات مقدما.
لذلك يقتصر المشرع على ضم كل مجموعة من المسائل أو العلاقات التى تتشابه فى اوصافها ضمن طائفة قانونية يخصها بقاعدة اسناد معينة.
لذلك فإن أول ما يتصدى له القاضى وهو بصدد الفصل فى نزاع ذى طابع دولى هو تحديد الوصف القانونى للمسألة أوالعلاقة موضوع النزاع بقصد ادراجها فى أحد الطوائف التى خصها مشرعه بقاعدة اسناد، وتسمى هذه العملية بالتكييف،وهكذا يمكن تعريف التكييف فى القانون الدولى الخاص بأنه " تحديد طبيعة المسألة التى تتنازعها القوانين لوضعها فى نطاق طائفة من النظم القانونية لكى يسند حكمها الى قانون معين ".
ولذا ارتبطت مشكلة التكييف بمشكلة تحديد قاعدة الإسناد الواجبه التطبيق، فإذا عرض على القاضى نزاع بصدد مسألة معينة تحتم عليه أولا تحديد الطبيعة القانونية لهذه المسألة أو تحديد الوصف القانونى لها، هل هى من مسائل الشكل وبالتالى يتعين عليه تطبيق قاعدة الإسناد التى اختص بها المشرع طائفة الاشكال القانونية، أم أن هذه المسألة تعد من مسائل الأهلية وبالتالى يتعين عليه تطبيق قاعدة الإسناد الخاصة بطائفة الأحوال الشخصية.
إلا أن صعوبة التكييف تتعاظم فى القانون الدولى الخاص عنها فى أى فرع من فروع القانون الأخرى وتنجم هذه الصعوبات اختلاف النظم القانونية فيما بينها فى تحديد الاوصاف القانونية للمسائل والى اختلافها فى تحديد الطوائف التى يمكن رد هذه المسائل اليها، فما يعد وفقا لقانون دولة ما من آثار الزواج الشخصية قد يعد وفقا لقانون دولة أخرى من الأهلية، وما قد يعتبر فى دولة ما من الشروط الموضوعية للزواج قد يعد فى دولة أخرى من الشروط الشكلية للزواج.
ويترتب على اختلاف النظم القانونية فى تحديد الوصف القانونى لنفس المسألة أن تكتب مشكلة تنازع القوانين التى قد تثور بصدد هذه المسألة بعدا اضافيا أو صعوبة اضافيه، ذلك ان النزاع ذو الطابع الدولى الذى يثور بصدد هذه المسألة لا يثير تنازعا بين قوانين الدول حول القانون الذى يتعين أن تخضع له هذه المسألة بل أنه يثير ايضا تنازعا بين هذه القوانين حول القانون الذى يتعين أن يتحدد بمقتضاه الوصف القانونى لها والذى يتم عن طريق رد المسألة الى طائفة قانونية معينة خصها المشرع بقاعدة اسناد.
وقد يترتب على حسم النزاع الأخير لمصلحة هذا القانون أو ذلك اختلاف قاعدة الإسناد المطبقة وبالتالى اختلاف الحل النهائى للنزاع، ومن شأن الامثلة الواقعية الاتية والمستمدة من القضاء الفرنسى ايضاح ذلك.
قضية وصية الهولندى:
وتتلخص وقائع هذه القضية فى أن هولنديا حرر فى فرنسا وصية فى الشكل العرفى ـ اى بخطه وتوقيعه ـ بالرغم من المادة 992 من القانون المدنى الهولندى تمنع الهولنديين من الايصاء فى الشكل العرفى حتى ولو كانوا فى الخارج وتلزمهم بإفراغ وصاياهم فى الصورة الرسمية، وتختلف هذه القاعدة الموضوعية للقانون الهولندى عن القاعدة التى يتضمنها القانون الفرنسى فى هذا الصدد والتى تجيز الوصايا المحرره بخط اليد.
عقب وفاه الموصى أثير النزاع امام المحاكم الفرنسية حول صحة الوصية، والصعوبة فى هذه القضية يثيرها اختلاف تكييف كل من القانون الهولندى والقانون الفرنسى لمسألة حظر الايصاء فى الشكل العرفى، فوفقا للقانون الهولندى يعد منع الوطنيين من ابرام وصاياهم فى الشكل العرفى امرا يتعلق بأهليتهم، آية ذلك أنه يسرى فى مواجهتهم حتى ولو كانوا خارج هولندا، فهو منع قصد به حماية إرادة الموصى ولتأكد من عدم تسرعه عند إبرام الوصية.
أما القانون الفرنسى فهو يعتبر هذا المنع مسألة تتعلق باشكال التصرفات على اساس أنه لايمس جوهر اراده الموصى وانما هو امر يتعلق اساسا بالوسيلة التى يجب اتباعها لاظهار الإراده الى العالم الخارجى، يترتب على ذلك أنه لو تم تكييف المنع وفقا للقانون الهولندى على انه قيد على اهلية الموصى فى ابرام وصيته لأدى ذلك الى بطلان الوصية، إذ أن قواعد الإسناد الفرنسية تخضع الأهلية لقانون الجنسية. ولما كان الموصى هولندى الجنسية فإن القانون الواجب التطبيق فى هذه الحالةهو القانون الهولندى الذى يقضى ببطلان الوصية، أما لو تم تكييف الحظر على أنه من مسائل اشكال التصرفات ـ وهذا ما فعلته المحكمة الفرنسية بطريقة ضمنية ـ لترتب على ذلك صحة الوصية، ذلك أن قاعدة الإسناد الفرنسية تخضع شكل الوصية لقانون محل ابرامها، وهو فى هذه القضية القانون الفرنسى الذى يقرر صحة الوصية فى الشكل العرفى.
من هذه القضية يتضح لنا أن نفس المسألة قد يختلف وصفها القانونى أو تكييفها من دولة لأخرى، وأن هذا الاختلاف فى التكييف ينجم عنه اختلاف قاعدة الإسناد التى تنطبق وهذا يؤدى الى اختل وإذا كانت القوانين تختلف فيما بينها بشأن تحديد الوصف القانونى للمسألة أوالعلاقة محل النزاع كان من الطبيعى أن نتساءل عن القانون الذى يرتبط بتلك المسألة او العلاقة والذى يحكم التكييف، وفى الاجابة على هذا التساؤل يوجد ثلاثة اتجاهات فقهية لنعرض لهم اولا قبل ان نتعرض لموقف المشرع الإماراتي

الاتجاهات المختلفة بشأن القانون الذى يحكم التكييف:
ذهب فريق من الفقه إلى اخضاع التكييف لقانون القاضى فى حين ذهب فريق ثان الى اخضاعه للقانون المختص بحكم النزاع، ونادى فريق اخير باخضاع التكييف للقانون المقارن.
الاتجاه الأول: خضوع التكييف لقانون القاضى:
وقد كان الفقيه بارتان هو أول من وضع نظرية متكاملة لمشكلة التكييف تقوم على اخضاع التكييف لقانون القاضى، وقد استند بارتان الى دراسته للقضاء للقول بأن تحديد الوصف القانونى للمنازعات ذات الطابع الدولى يجب أن يتم وفقا لقانون القاضى حتى ولولم يكن هو الواجب التطبيق على النزاع أو حتى منبت الصلة به، ويبرربارتان اخضاع التكييف لقانون القاضى بحجة مستمده من فكره السيادة ـ بحسبان أن المشرع الوطنى يتنازل من قدر من سيادته عند سماحة بتطبيق القانون الأجنبى، الأمر الذى يحتم الرجوع إلى نفس المشرع الوطنى لبيان مدى هذا التنازل وحدوده، وعلى ذلك فإذا كان المشرع الفرنسى قد سمح مثلا باخضاع اهلية الاشخاص لقانون جنسيتهم فان المنطق بالرجوع للقانون الفرنسى لتعريف المقصود بالأهلية، ذلك أن قيام قانون اخر بهذا التحديد يعنى ان هذا القانون هو الذى تمارس فيه السيادة التشريعية للدولة الفرنسية.
وبعبارة أخرى يمكن القول بان التزام القاضى بتطبيق قواعد الإسناد التى يأمره بها مشرعه الوطنى سيتتبع التزامه فى الوقت ذاته بتطبيق قواعد التكييف التى يأمره بها نفس المشرع لأن هذه القواعد هى التى تحدد الاطار الفعلى لتطبيق القوانين الأجنبية، اى الاطار الفعلى لسيادة الدولةالتشريعية.
ويؤيد الفقه الغالب ما ذهب اليه بارتان من اخضاع التكييف لقانون القاضى LEX FORI ولكن على أساس مختلف عن الأساس الذى شيد عليه بارتان نظريتة وهو فكرة السيادة فقواعد الإسناد لا يناط بها حسم تنازع بين السيادات وانما تهدف الى التوصل لاكثر الحلول مناسبة للعلاقات ذات الطابع الدولى تحقيقا للتعايش المشترك بين النظم القانونية.
لذلك يستند هذا الفقه لحجج أخرى للقول بخضوع التكييف لقانون القاضى وفيما يلى أهم هذه الحجج.

  1. ان التكييف لايعدو فى حقيقته أن يكون تفسيرا لقاعدة الإسناد الوطنية، الأمر الذى يقتضى أن يخضع بالضرورة لقانون القاضى -– فإذا ما قضت قاعدة الإسناد الوطنية مثلا بإخضاع الأهلية لقانون الجنسية فإنه يجب لإمكان تطبييق القاضى لهذه القاعدة تحديد معنى الأهلية ومعرفة ما إذا كان هذا المعنى ينطبق على المسألة المثارة أمام القاضى، ومن ثم فلا غرابة فى أن يتم تفسير قاعدة الإسناد الوطنية وفقا لاحكام القانون الوطنى.
  2. أن القاضى حينما يقوم بتكييف المسألة أو العلاقة المعروضة امامه فهو يتأثر حتما وبحكم تكوينه الثقافى والقانونى بالمبادئ الواردة فى قانونه، وهذا ما يفسر اتجاه القضاء فى غالبية الدول الى اخضاع التكييف لقانون القاضى قبل ان يطرح بارتان نظريته فى التكييف.
  3. ويستند الفقه الحديث اخيرا الى حجة ذات طابع عملى للقول باخضاع التكييف لقانون القاضى مفادها ان هذا القانون هو القانون الوحيد الذى يتصور ان يتم التكييف وفقا له، ولا يتصور ان يتم ذلك وفقا لقانون اخر كالقانون المختص بحكم العلاقة، اذ ان تحديد هذا القانون لن يتسنى قبل تعيين قاعدة الإسناد المطبقة وهو الأمر الذى يستدعى تحديدد الوصف القانونى للمسألة أو العلاقة المطروحة امام القاضى أو بعبارة أخرى تكييف هذه المسألة او العلاقة الأجنبى .

والتكييفات التى يجب اجراؤها عقب ذلك لاتؤدى الى تعديل هذا الاختصاص وانما تعمل فقط على بيان كيفية تطبيق القانون الأجنبى بالنسبة للمسألة التى ثبت له الاختصاص فعلا بحكمها.
ويتلقى الفقه الذى يقرر خضوع التكييف لقانون القاضى بحسبان ان الأمر يتعلق بتفسير قاعدة اسناده نفس النتيجة التى انتهى اليها بارتان، اذ ان التكييف الأولى او الاختصاص وحدة هو الذى يتعلق بتفسير قاعدة الإسناد.
اما التكييفات اللاحقة فهى لاتثار الا بعد تحديد القانون الواجب التطبيق وبصدد هذا التطبيق، ومن ثم فهى تخضع لهذا القانون بوصفها تفسيرا لاحكامه. ونرى فى هذا الصدد أن قصر مجال اعمال قانون القاضى على التكييف الأولى أو الاختصاص يرتكز لنفس السبب الذى حدا بالقضاء الى الاستعانه بقانون القاضى لتحديد طبيعة المسألة محل النزاع قبل طرح بارتان لنظريته فقد درج القضاء على الرجوع لقانونه الوطنى بحسبان أنه المنهج الوحيد لتحديد قاعدة الإسناد وبالتالى لمعرفة القانون الذى ينعقد له الاختصاص وعلى ذلك فمجرد معرفة هذا القانون تزول الحاجة الى الاستعانة بقانون القاضى وينبغى الأخذ بما يقرره القانون المختص بحكم النزاع فى حسم مختلف المسائل التى قد تعرض عند تطبيق هذا القانون بما فى ذلك التكييفات اللاحقة أوالثانوية، فكل هذه المسائل تعد جزءا لا يتجزء من الحكم الموضوعى الذى يتضمنه القانون الواجب التطبيق.
وقد ثار السؤال حول ما إذا كان تكييف المال يدخل ضمن مجال اعمال قاعدة خضوع التكييف لقانون القاضى.
ذهب بارتان الى اخضاع تكييف المال ـ أى تحديد طبيعته من حيث كونه منقولا او عقار لقانون موقع المال وليس لقانون القاضى.
ويستند هذا الاستثناء الى أن ارتباط الأموال باقليم الدولة يقتضى تكييف المال وفقا لقانون موقعه حفاظا على استقرار المعاملات وسلامتها.
غير أن الفقه الغالب لا يؤيد بارتان فى هذا الاستثناء ذلك أن سلامة المعاملات واستقرارها لا يستلزمان حتما الخروج على مبدأ اخضاع التكييف لقانون القاضى، كما أن تحديد طبيعة المال ومعرفة ما إذا كان عقارا او منقولا قد يكون لازما فى بعض الأحوال لتحديد قاعدة الإسناد الواجبة التطبيق، ولا سبيل الى ذلك إلا بالاستعانة بقانون القاضى.
من أمثلة ذلك ما نص عليه القانون الفرنسى من خضوع الميراث فى العقار لقانون موقعه وخضوع الميراث فى المنقول لقانون موطن المتوفى، ويترتب على اختلاف قواعد الإسناد المتعلقة بالميراث بحسب ما إذا كان هذا الميراث قد انصب على عقار أو منقول أن يقوم القاضى اولا بتحديد طبيعة المال، وهذا ما لايمكن للقاضى القيام به دون الاستعانه بقانونه، فإذا حدد القاضى طبيعة المال وفقا لقانونه امكنه حينئذ فقط التوصل الى قاعدة الإسناد الواجبة التطبيق على النزاع.
يضاف الى ذلك ان المال محل النزاع قد يوجد فى اقليم اكثر من دولة ومن ثم فقد تختلف طبيعته من دولة الى أخرى وبالتالى قد تتعدد قواعد الإسناد وتتضارب بشأن نفس النزاع كذلك قد يكون المال محل النزاع مالا معنويا يتحدد موقعه فى كل دولة وفقا للمبادئ القانونية السائده فيها، فكيف السبيل حينئذ الى تحديد موقع المال مالم يكن هذا التحديد مرتبطا بقانون دولة معينة بالذات. ونرى مع جمهره الفقهاء المصريين عدم استثناء تكييف المال من الخضوع لقانون القاضى، ذلك أن قاعدة الإسناد قد تخضع المال سواء كان منقولا أو عقارا لقانون موقعه، وفى هذه الحالة لن يترتب على اختلاف القانون الذى يخضع له التكييف ـ أى سواء كان قانون القاضى أو قانون موقع المال التأثير فى القانون الواجب التطبيق، مما ينفى أى حاجة عملية الى الخروج على مبدأ خضوع التكييف لقانون القاضى، أما إذا كانت قاعدة الإسناد الوطنية تخضع المنقول لقانون آخر غير ذلك الذى تخضع له العقار كما هو الحال بالنسبة لقواعد الإسناد بشأن الميراث فى فرنسا، فانه ليس هناك ادنى شك فى ضرورة الاعتداد بالتكييف الوارد فى قانون القاضى والقول بغير ذلك يؤدى الى خرق قاعدة الإسناد الوطنية، لأن الاعتداد بالتكييف الوارد فى قانون موقع المال قد يؤدى الى تطبيق القاضى لقاعدة اسناده فى غير الحالات التى يرى المشرع الوطنى تطبيقها فيها كأن يطبق قاعدة الإسناد الخاصة بالعقار على مال يعد من وجهه نظر المشرع الإماراتي منقولا.
الاتجاه الثانى: اخضاع التكييف للقانون المختص بحكم العلاقة.
انتقد فريق من الفقه وفى مقدمتهم الإسناد despagnet ما قال به بارتان من اخضاع التكييف لقانون القاضى، وهو يرى اخضاع التكييف للقانون المختص بحكم العلاقة lex causae أى القانون الذى تمنحه قاعدة الإسناد الوطنية والاختصاص بحكم العلاقة وذلك استنادا الى أن لكل قانون تكييفاته وعلى ذلك إذا قضت قاعدة الإسناد الوطنية باخضاع النزاع لقانون أجنبى معين، يجب تطبيق هذا القانون على النزاع بشكل كامل ابتداء من اعطاء الوصف القانونى اللازم للنزاع حتى التوصل الى الحل النهائى لهذا النزاع، ذلك أن الأخذ بالتكييف المقرر فى قانون دولة أخرى من شأنه تطبيق القانون الأجنبى حيث لا يجب تطبيقه، أو على العكس من ذلك الى عدم تطبيق القانون الأجنبى فى الوقت الذى كان يجب فيه تطبيقه وفقا لإراده المشرع الأجنبى بعبارة أخرى يرى انصار هذا الرأى أن من شأن عدم الرجوع للقانون الأجنبى المختص بحكم النزاع لتكييف المسألة خرق هذا القانون وتطبيقه فى غير الحالات التى اراد المشرع الأجنبى تطبيقه فيها، فإذا كان قانون القاضى المثار امامه النزاع يدرج المسألة محل النزاع فى طائفة مسائل الأهلية ويخضعها بالتالى لقانون الجنسية بينما كان هذا القانون الأخير يدرج نفس المسألة فى طائفة مسائل الشكل ولا يعتبرها داخله فى مجال تطبيقه، فان التمسك باعتبار المسألة من مسائل الأهلية وفقا لقواعد التكييف فى قانون القاضى من شأنه عقد الاختصاص للقانون الأجنبى بحكم مسألة لا يعتبر نفسه مختصا بحكمها.



وقد وجه الى نظرية اخضاع التكييف للقانون المختص بحكم العلاقة نقدا مفاده ان من شأن الاخذ بها الوقوع فى حلقة مفرغة فلكى يتسنى اجراء التكييف وفقا للقانون المختص بحكم العلاقة يجب تحديد هذا القانون أولا وهو الأمر الذى لا يتحقق إلا بعد الانتهاء من التكييف، وهكذا يعد القول باخضاع التكييف للقانون المختص بحكم العلاقة من قبيل المصادرة على المطلوب إذ كيف يتسنى للقاضى الرجوع للقانون الأجنبى لمعرفة طبيعة النزاع المعروض عليه من قبل ان يعرف ما إذا كان القانون الأجنبى واجب التطبيق ام لا ؟
الاتجاه الثالث: اخضاع التكييف للقانون المقارن.
نادى الفقيه رابل بعدم التقيد فى تكييف مسائل القانون الدولى الخاص بقانون دولة معينة إذ أن الهدف من قواعد الإسناد هو مواجهة حاجة المعاملات الدولية وهو هدف ذو طابع دولى ينبغى أن ينعكس على الكيفية التى يتحدد بمقتضاها مضمون هذه القواعد، بحيث يتحرر هذا المضمون من المفاهيم الجامدة والاطر الضيقة للقانون الداخلى والتى لا تستجيب لطبيعة علاقات القانون الدولى الخاص، وينفتح على المفاهيم السائدة فى معظم النظم القانونية.
لذلك يقترح رابل اللجوء الى المنهج المقارن لاستخلاص مضامين ذات طبيعة عالمية لقواعد الإسناد.
وعلى هذا النحو فإذا تصدى القاضى الالمانى لاعمال قاعدة الإسناد التى تخضع الوصاية على القاصر لقانون جنسيته فلا ينبغى عليه الرجوع الى القواعد الموضوعية للقانون الالمانى أو لأى قانون وطنى اخر لتحديد مضمون فكره الوصاية وإنما يجب عليه أن يستخلص مفهوم مطلق لهذه الفكرة عن طريق الدراسة المقارنة لقوانين الدول المختلفة، بعبارة أخرى فإن مضمون فكرة الوصاية وفقا لقاعدة الإسناد الاساسية يجب ألا يكون امتدادا لمضمون ذات الفكرة كما تحدده القواعد الموضوعية للقانون الالمانى وإنما يجب تحديد مضمون هذه الفكرة بالرجوع الى النظم السائدة فى العالم المتمدين فى هذا الصدد.
ولم تجد نظرية رابل قبول لدى القضاء لما ينطوى عليه تطبيقها من صعوبات عملية ذلك أنه من الصعب علىالقاضى وهو يحدد طبيعة المسألة أن يرجع الى قوانين الدول المختلفة كذلك فان اختلاف النظم القانونية حول الوصف القانونى للعديد من المسائل قد يقود القاضى الى نتائج متضاربة.

التكييف فى القانون الإماراتي:
أخذ القانون الإماراتي، شأنه فى ذلك شأن معظم تشريعات الدول العربية بقاعدة خضوع التكييف لقانون القاضي.
إذ تنص المادة العاشرة من القانون المدني على أن القانون الإماراتي هو المرجع فى تكييف العلاقات عندما يتطلب تحديد نوع هذه العلاقات فى قضية تتنازع فيها القوانين لمعرفة القانون الواجب التطبيق من بينها".
ومفاد هذا النص أنه عندما يطرح أمام القاضي الإماراتي نزاع ذو طابع دولي فيتعين عليه أن يعتد فى تكييف هذا النزاع بالقانون الإماراتي دون سواه. وبذلك يكون المشرع الإماراتي قد كرس نظرية بارتان. والمقصود بالقانون الإماراتي الوارد فى نص المادة العاشرة هو "القانون الإماراتي فى جملته، بما يتضمن من قواعد تتعلق بالأشخاص وبالأموال أيا كان مصدر هذه القواعد، دون أن يقتصر القاضي على الأحكام التى تختص بتطبيقها وفقا لتوزيع ولاية القضاء."
فعلى سبيل المثال عندما يتصدى القاضي المدني لتحديد الوصف القانوني لمسألة مطروحة أمامه يجب عليه ألا يرجع فقط للقانون المدني والقوانين الأخرى التى يطبقها وفقا لما يدخل فى اختصاصه القضائي وإنما يجب عليه أن يقوم بذلك على ضوء جميع القواعد التى يتضمنها النظام القانوني الإماراتي.
ويذهب جمهور الفقه عموما إلى ضرورة قيام القاضي بعملية التكييف "بأفق واسع" بمعنى ألا يقتضي عند بحثه فى الوصف القانوني للمسألة المطروحة أمامه مطابقتها للأحكام التفصيلية فى القانوني بل يكتفي بالتحقيق فى استيفاء هذه المسألة للمقومات الرئيسية التى لا يمكن لمركز قانوني محدد أن ينشأ بدونها فى الحياة الدولية. ويضرب العميد عز الدين عبد الله المثل على ذلك بأنه "إذا أراد القاضي المصري تكييف رابطة بين رجل وإمرأة أجنبيين ومعرفة ما إذا كانت هذه الرابطة تعتبر زواجا أم لا تعتبر، كان عليه إلا يأخذ الزواج بمعناه الضيق فى القانون المصري (الشريعة الإسلامية) وهو الرابطة التى يمكن أن تتعدد وأن تنحل بإرادة الرجل وحده بل أنه يوسع هذا المعنى ليشمل ما يعتبر فى البلاد الأخرى زواجا ولو أنه رابطة لا تتعدد ولا تنحل بإردادة الرجل وحده . "وقد أخذ المشرع الإماراتي بالتفرقة التى أقامها بارتان بين التكييف الأولى واللاحق وقصر أعمال قانون القاضي على التكييف الأولى أو الاختصاصى دون التكييف اللاحق، وذلك بنصه على أن التكييف الذي يخضع للقانون الإماراتي هو الذي يجب إجراءه لتحديد قاعدة الإسناد أي التكييف اللازم لمعرفة القانون الواجب التطبيق".
وقد أخذ المشرع الإماراتي بالإستثناء الذي قال به بارتان من إخضاع التكييف لقانون موقع المال وذلك بنصه في المادة 18 من قانون المعاملات المدنية علي أن قانون موقع المال هو المرجع في تحديد ما إذا كان المال لاعقارا أو منقولا .

hglrw,] fhgj;ddt ,Hildji