نظرية الإحالة

la theorie du renvoi
تعد مشكلة تطبيق قواعد الإسناد التى يتضمنها القانون الواجب التطبيق أو ما جرى الفقه على تسميته بمشكلة الإحالة من أهم موضوعات النظرية العامة لتنازع القوانين ، ولجلاء مضمون تلك المشكلة يجب علينا أن نبحث ماهية الإحالة وأنواعها، عقب ذلك سنتنعرض لموقف الفقه من الإحالة كما سنتناول بعض النظريات الفقهية التى تؤدي إلى نفس النتيجة المترتبة على الأخذ بفكرة الإحالة
وأخيرا نتعرض لموقف المشرع الاماراتي من فكرة الإحالة
أولا :
ماهية الإحالة وأنواعها
إذا اشارت قاعدة الإسناد الوطنية إلى تطبيق قانون أجنبي تعين معرفة القواعد الواجبة التطبيق فى هذا القانون. ذلك أن القانون الأجنبي شأنه فى ذلك شأن القانون الوطني يشتمل على نوعين من القواعد : قواعد اسناد تحدد القانون الواجب التطبيق فى المنازعات ذات الطابع الدولي، وقواعد موضوعية تتكفل مباشرة بإعطاء الحل النهائي للنزاع.
فمثلا إذا عرض على القضاء فى مصر نزاع يجب فيه تطبيق القانون الألماني فهل يجب على القضاء المصري تطبيق القواعد الموضوعية للقانون الألماني أم يجب عليه أن يرجع لقواعد الإسناد التى يتضمنها هذا القانون.
والواقع أن اتباع هذا النهج أو ذلك قد يترتب عليه تغيير فى الحل النهائي للنزاع، ذلك أن قواعد الإسناد الواردة فى القانون الأجنبي قد تشير إلى تطبيق قانون غير قانونها كأن تقضي بتطبيق قانون القاضي الوطني نفسه أو تقضي بتطبيق قانون دولة أجنبية أخرى. فإذا امتثل القاضي الوطني إلى ما تقضي به قاعدة الإسناد التى يتضمنها القانون الأجنبي فإن ذلك قد يؤدي إلى تطبيق قانون آخر غير القانون الذي عقدت قاعدة الإسناد الوطنية الاختصاص له بحكم النزاع. وبالتالي فإن الحل النهائي للنزاع فى هذه الحالة سيختلف عن الحل النهائي للنزاع لو قام القاضي مباشرة بتطبيق القواعد الموضوعية فى القانون الأجنبي الذي أشارت بتطبيقه قاعدة الإسناد فى قانونه.
وقد أثار تحديد ما إذا كان القاضي الوطني ملزما بتطبيق قاعدة الإسناد الواردة فى القانون الأجنبي أو على العكس من ذلك يقتصر إلتزامه على تطبيق القواعد الموضوعية فى هذا القانون خلافا كبيرا فى الفقه والقضاء . وقد أطلق على هذه المسألة فى فقه القانون الدولي الخاص اسم الإحالة . وذلك باعتبار أن القانون الأجنبي الذي أشارت بتطبيقه قاعدة الإسناد لا يتكفل مباشرة بإعطاء الحل النهائي للنزاع وإنما يحيل حسم النزاع إلى قانون آخر. - وقد بدأ الفقه فى الاهتمام بمشكلة الإحالة على أثر قضية شهيرة ثارت أمام القضاء الفرنسي فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر وهى القضية المعروفة بقضية فورجو.
وتتلخص وقائع هذه القضية فى أن ابنا طبيعيا يدعى "فورجو" ولد فى بافاريا ، وبعد فترة انتقل مع امه إلى فرنسا حيث أقام بها فترة طويلة إلى أن توفى بها وترك وراءه ثروة طائلة منقولة دون أن يكون له زوجة أو أولا.
وحينئذ ثار النزاع بين أقاربه الطبيعيين من الحواشى وبين الحكومة الفرنسية حول من تؤول إليه الثروة. وكان محور الخلاف هو تعيين القانون الواجب التطبيق على الميراث: هل هو القانون البافاري بوصفه قانون الموطن الأصلي للمتوفي ، أم هو القانون الفرنسي بوصفه قانون الموطن الفعلي للمتوفي؟ فإذا أخذنا بالقانون البافاري آلت التركة إلى الحواشى لأنه يسمح لهم بالإرث. أما لو أخذنا بالقانون الفرنسي آلت التركة إلى الدولة الفرنسية بوصفها تركة شاغرة نظرا لأن القانون الفرنسي لا يورث الحواشى.
وبتاريخ 24 مايو 1876 قضت محكمة استئناف بوردو بحق أقارب المتوفى من الحواشى فى الإرث بتطبيقها للقانون البافاري وذلك عملا بقاعدة الإسناد الفرنسية الخاصة بالمواريث والتى تقرر اختصاص قانون الموطن الأصلي للمتوفى فى شأن الأموال المنقولة.
ولما طعن بالنقض فى هذا الحكم من قبل إدارة الدومين العام فى فرنسا لم تؤيد محكمة النقض ما ذهبت إليه محكمة استئناف بوردو . وقضت بأنه كان تعين على هذه المحكمة أن تطبق قاعدة الإسناد التى يتضمنها القانون البافاري حيث تشير تلك القاعدة باختصاص قانون الموطن الفعلي، وهو القانون الفرنسي ولما كان القانون الفرنسي لا يورث الحواشى ، فقد اعتبرت المحكمة أن الأمر يتعلق بتركة شاغرة لا وارث لها، وقضت بايلولة ملكية التركة إلى الدولة ، بما لها من سيادة على الأموال التى لا مالك أو وراث لها، وذلك بمقتضى حكمها الصادر فى 24 يونيو 1878.
ويتضح من الحكم السالف الذكر أن محكمة النقض الفرنسية أقرت الأخذ بنظرية الإحالة.
أنواع الإحالة:
إذا كان النظام القانوني لدولة القاضي المختص بنظر النزاع ذى الطابع الدولي يأخذ بالإحالة ، أى اعمال قواعد الإسناد فى القانون الواجب التطبيق فإن الإحالة التى تقررها هذه القواعد لها نوعين هما:

renvoi au premier degre
الإحالة من الدرجة الأولى:
نكون بصدد إحالة من الدرجة الأولى فى الحالة التى يؤدي فيها أعمال قاعدة الإسناد فى القانون الأجنبي الواجب التطبيق إلى رفض اختصاص هذا الأخير وإحالته أو رده إلى قانون القاضي بحيث يطبق القاضي القواعد الموضوعية فى قانونه. مثال ذلك أن يبرم انجليزي له موطن فى فرنسا تصرفا قانونيا بها، أن يثور النزاع بشأن أهليته للقيام بهذا التصرف . لو طرح هذا النزاع أمام محكمة فرنسية لعقدت الاختصاص بحكمة للقانون الانجليزي أعمالا لقاعدة الإسناد الفرنسية التى تخضع مسائل الأهلية لقانون الجنسية. ولكن قواعد الإسناد فى القانون الإنجليزي ترفض اختصاص هذا الأخير بحكم مسائل الأهلية وتعقد هذا الاختصاص لقانون الموطن وهو القانون الفرنسي.
renvoi au second degre
الإحالة من الدرجة الثانية:
نكون بصدد إحالة من الدرجة الثانية فى الحالة الثانية التى يؤدي فيها أعمال قاعدة الإسناد فى القانون الأجنبي الواجب التطبيق إلى رفض اختصاص هذا الأخير وإحالته لا إلى قانون القاضي، بل لقانون دولة ثالثة الذي يقبل الاختصاص لقواعده الموضوعية.
مثال ذلك أن ترفع أمام القاضي المصري دعوى تتعلق بتركة منقولة توفى عنها فرنسي له موطن فى انجلترا . فتتطبيق قواعد الإسناد فى القانون الفرنسي الواجب التطبيق بمقتضى قاعدة الإسناد المصرية ، من شأنه عقد الاختصاص للقانون الإنجليزي بوصفه قانون موطن المتوفي ، والذي يقبل الاختصاص
وقد تتوالى الإحالة من هذا النوع عندما ترفض . قواعد الإسناد فى قانون الدولة الثالثة الاختصاص المعروض وتحيله لقانون دولة رابعة تحذر قواعد اسناده نفس الحذو. وهكذا تتوالى الإحالة من قانون لآخر حتى ينتهى المطاف بقبول قانون معين للاختصاص.
وأيا كان نوع الإحالة فما هو موقف الفقه منها.
ثانيا: موقف الفقه من الإحالة
انقسم الفقه فى شأن الإحالة إلى فريقين ، أحدهما يقبل الإحالة والآخر يرفضها.
الاتجاه الأول: قبول الأحالة:
يرى أنصار هذا الاتجاه أنه يجب على القاضي أن يعتد بقواعد الإسناد فى القانون الأجنبي الواجب التطبيق ولا يجوز له بالتالي أن يقتصر على تطبيق القواعد الموضوعية فى ذلك القانون ويستند أنصار الإحالة إلى العديد من الحجج لتبرير وجهة نظرهم:
أولا : أن القانون الأجنبي كل وأحد لا يتجزأ ، بحيث إذا قررت قاعدة الإسناد الوطنية اختصاصه كان على القاضي أن يطبقه بكافة قواعده الموضوعية وقواعد الإسناد فيه ، وعلى القاضي أن يبدأ بأعمال هذه الأخيرة فهى تحدد حالات تطبيق القواعد الموضوعية.
فتطبيق القواعد الموضوعية يرتبط بقواعد الإسناد ارتباط الانسان بظله. ومن ثم يجب عدم تطبيق القواعد الموضوعية فى القانون الأجنبي إلا إذا قررت ذلك قواعد الإسناد فيه والقول بغير ذلك يؤدي إلى تطبيق القاضي الوطني للقانون الأجنبي فى غير الحالات التى يرى المشرع الأجنبي اخضاعها لحكمه مما ينطوي على تحوير لهذا القانون وتغيير لطبيعته وعلى اهدار لإرادة المشرع الأجنبي.
ثانيا : أن قبول الإحالة من شأنه تحقيق الاتساق القانوني وتوحيد الحلول على الأقل فى الدول التى على صلة بالعلاقة محل النزاع. فالقاضي بقبوله الإحالة يكون قد طبق على النزاع نفس القانون الذي كان سيطبقه القاضي الأجنبي لو كان قد تم طرح النزاع عليه. ولذلك يظل الحل واحدا سواء رفعت الدعوى أمام المحاكم الوطنية أو المحاكم الأجنبية ومن شأن ذلك تسهيل تنفيذ الأحكام الوطنية فى الدول التى تشير قاعدة الإسناد الوطنية بتطبيق قانونها، إذ أن هذه الدولة قد تشترط لتنفيذ الأحكام أن يكون القاضي الأجنبي قد أعمل قاعدة الإسناد التى يقضي بها قانون الدولة المراد تنفيذ الحكم فيها.



ثالثا: أن الأخذ بالإحالة من الدرجة الأولى من شأنه توسيع مجال تطبيق قانون القاضي وهو الأمر الذي يتفق مع النزعة الوطنية التى يجب أن تهيمن على حلول تنازع القوانين.
وبذلك يؤدي الأخذ بالإحالة فى هذا الفرض إلى تسهيل مهمة القاضي الوطني، فهو يعرف قانونه أكثر من غيره.




موقف المشرع الإماراتي من الإحالة .
رفض المشرع الإماراتي الأخذ بفكرة الإحالةمن الدرجة الثانية ، فنص فى المادة 27 من القانون المدني على أنه "إذا تقرر أن قانونا أجنبيا هو الواجب التطبيق فلا يطبق منه إلا أحكامه الداخلية، دون التى تتعلق بالقانون الدولي الخاص".
ويتضح من هذا النص رفض المشرع الإماراتي لفكرة الإحالةقد انصب علي الإحالة من الدرجة الثانية ويلاحظ ، بحيث يتعين على القاضي إذا عرضت عليه قضية تننازع فيها القوانين أن يعمل قاعدة الإسناد الإماراتية ويحدد القانون الواجب التطبيق وفقا لها ، ثم يطبق مباشرة القواعد الموضوعية فى هذا القانون، دون قواعد الإسناد فيه.
أما إذا كانت قاعدة الإسناد الأجنبية تعقد الاختصاص للقانون الإماراتي ،أي تحيل إلي قانون القاضي ،والإحالة هنا من الدرجة الأولي ،فإن المشرع يقبل هذه الاحالة ويجب علي القاضي الإماراتي تطبيق قانونه ..




k/vdm hgYphgm