أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



نظرة فقهية حول عقد التأمين

نظرة فقهية حول عقد التأمين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصَّلاةُ والسَّلامُ على من لا نبي بعده .. وبعد فإن من نوازل هذا العصر وقضاياه المستجدة عقد



نظرة فقهية حول عقد التأمين


النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    افتراضي نظرة فقهية حول عقد التأمين

     
    نظرة فقهية حول عقد التأمين


    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله وحده والصَّلاةُ والسَّلامُ على من لا نبي بعده .. وبعد
    فإن من نوازل هذا العصر وقضاياه المستجدة عقد التأمين الذي نشأ وانتشر بفعل القوانين التجارية والمدنية التي جعلته واقعاً في كثير من التشريعات وحيث إنه سبق أن بحث في عدد من اللقاءات والندوات وصدرت حوله كثير من المؤلفات والأبحاث والرسائل .
    وحيث حصل مؤخراً في هذا العقد مناقشات ومداولات فقد أحببت أن أكتب معتصراً عن هذا العقد ورأي الباحثين فيه في هذه الأكتوبة الموجزة وذلك من خلال أربع نقاط .

    أولا : تعريف التأمين وحقيقته :
    التأمين في اللغة مصدر أمَّن يؤمَّن مأخوذة من الاطمئنان الذي هو ضد الخوف ومن الأمانة التي هي ضد الخيانة . يقال أمَّنهُ تأميناً وائتمنه واستأمنه [1].
    وعند الفقهاء التأمين قول آمين .
    وصار يستخدم التأمين للدلالة على عقد خاص تقوم به شركات التأمين تدفع بموجبه مبلغاً في حال وقوع حادث معين لشخص يدفع لها قسطاً من المال [2].
    لا بد للناظر للتأمين أن يتنبه إلى الفرق بين تناول التأمين كفكرة ونظريَّة وبين تنظيمه في عقد .
    فالتأمين كنظرية ونظام مقبول إذ انه تعاون بين مجموعة بين الناس لدفع أخطار تحدق بهم بحيث إذا أصابت بعضهم تعاونوا على تفتيتها مقابل مبلغ ضئيل يقدمونه [3].
    ولا شك أن هذه الفكرة فكرة مقبولة تقوم عليها كثير من أحكام الشريعة مثل الزكاة والنفقة على الأقارب , وتحميل العاقلة للدية . إلى أمثلة كثيرة تدعو إلى التعاون على البر والإحسان والتقوى والتكافل والتضامن .
    هذه فكرة التأمين وهي فكرة تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية و أحكامها وليس في هذا إشكال بحمد الله وإنما الإشكال في صياغة هذه الفكرة في عقد معاوضة أي في كونه علاقة بين المؤمن من جهة والمستأمن من جهة أخرى .
    وسيكون هذا هو محل البحث في هذه الأوراق .
    نشأة التأمين التجاري :
    كان أول ظهور التأمين التجاري تأميناً للمخاطر التي تتعرض لها السفن المحملة بالبضائع وذلك في شمال إيطاليا في القرن الثاني عشر الميلادي . حيث كان صاحب البضاعة يدفع قسطاً معيناً على أنه في حال تلف البضاعة يقبض مبلغاً من المال ثم بدأ التأمين التجاري بالرواج ولكنه لم ينتقل إلى الدول العربية إلا في القرن التاسع عشر بدليل أن فقهاء المسلمين حتى القرن الثالث عشر الهجري لم يبحثوه مع أنهم بحثوا كل ما هو محيط بهم في شئون حياتهم العامَّة . فتناوله العلاَّمة محمد أمين ابن عابدين ( 1252هـ ) في كتابه رد المحتار [4] على الدر المختار وسماه سوكوه [5] .
    وقد تزايد التعامل به بعد ذلك حتى دخل كثيراً من المجالات الاقتصادية وغيرها [6].
    ويرى بعض الباحثين أن التأمين التجاري يتجه إلى الانكماش فالزوال وذلك أن دول العالم الغربي تتجه إلى الأخذ بالتأمين التعاوني وأن أكبر المنظمات التأمينية في سويسرا هي منظمات تعاونية . كما أن إحصائيات التأمين في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1972م تذكر أن التأمين التعاوني أصبح يغطي أكثر من 70 % من نشاط التأمين فيها [7].

    تعريف عقد التأمين التجاري :
    تنوعت تعريفات هذا العقد في القوانين المدنية ولدى الباحثين المهتمين ويمكن منها أن يستخلص تعريف له بأنه : عقد معاوضة يلتزم أحد طرفيه وهو المؤمِّن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمَّن له أو من يعينه عوضاً مالياً يتفق عليه . يدفع عند وقوع الخطر أو تحقق الخسارة المبينة في العقد وذلك نظير رسم يسمى قسط التأمين يدفعه المؤمَّن له بالقدر والأجل والكيفيَّة التي ينص عليها العقد المبرم بينهما [8].
    ومن خلال هذا التعريف وما ذكره القانونيون نجد أن من أبرز خصائص [9] عقد التأمين :
    1- أنه عقد ملزم لطرفيه فيلتزم المؤمَّن له بدفع الأقساط حسب الاتفاق ويلتزم المؤمِّن بدفع التأمين عند حصول حادث محتمل .
    2- كما أنه عقد مفاوضة لأن كلا المتعاقدين يأخذ مقابلاً لما أعطى فالمؤمِّن يعطي قسط التأمين والمؤمَّن له يعطي مبلغ التأمين عند تحقق ما يوجبه . وليست المعاوضة مقابل أمان محض يحصل عليه المؤمن .
    3- كما أنه عقد احتمالي لأن كل طرف لا يعرف كم سيدفع وكم سيعطى على وجه التحديد لأن ذلك يتوقف على وقوع الخطر أو عدم وقوعه .
    4- أنه عقد تجاري يهدف المؤمِّن منه إلى الربح والفائدة من خلال الأقساط المتجمعة لديه .




    [1] مختار الصحاح (ص26)مادة (أ م ن) , المنجد الأبجدي ص 223 .
    [2] المعجم الوسيط (1/28) مادة (أمن) . ورمز له مج وهو اللفظ الذي أقرّه مجمع اللغة العربيّة .
    [3] الوسيط في شرح القانون المدني للسنهودي (7 / 1080) , نظام التأمين مصطفى الزرقا (ص 33) .
    [4] حاشية ابن عابدين (4 / 170) .
    [5] لفظ ( سوكوه ) لفظ شائع بمعنى عقد التأمين وهو مأخوذ من اللفظ الفرنسي ( سيكورتيه ) ومعناه الأمان والاطمئنان . نظام التأمين للزرقا (ص 23) .
    [6] انظر في النشأة التاريخية للتأمين بحث هيئة كبار العلماء بالسعودية له (ص 38) , المعاملات المالية المعاصرة د. محمد شبير (97) , التأمين في الشريعة والقانون د. غريب الجمال (ص 11) .
    [7] الإسلام والتأمين د. محمد شوقي الفنجري (ص46 , 47) , الاقتصاد الإسلامي مذهباً ونظاماً د. إبراهيم الطحاوي [1 / 445] .
    [8] معجم المصطلحات الاقتصادية نزيه حماد (ص 106) , وانظر القوانين العربيّة المعرفة للتأمين وهي 747القانون المصري , و 713 سوري , و 950 لبناني , و 983 عراقي , و920 أردني , والوسيط للسنهوري (7 / 1079) .
    [9] انظر الوسيط للسنهوري (7 / 1136) , بحث عقود التأمين الدكتور محمد الفرفوز لمجلة مجمع الفقه الإسلامي (2 / 577) , دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د. محمد مصطفى (2 / 470) .


    k/vm tridm p,g ur] hgjHldk


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

  3. #2

    افتراضي رد: نظرة فقهية حول عقد التأمين

    ثانياً : حكم عقد التأمين التجاري :
    لم يكن هذا العقد معروفاً عند السلف , فلم يرد فيه نص شرعي ولم يوجد من الصحابة والأئمة المجتهدين من تعرَّض لحكمه . ولمَّا انتشر في هذا العصر درسه الباحثون واختلفوا في حكمه على ثلاثة أقوال :

    القول الأول : أن التأمين التجاري عقد غير جائز .
    وقال به ابن عابدين الحنفي [1] , ومحمد بخيت المطيعي [2] (1354هـ) مفتي الديار المصريَّة , والشيخ محمد رشيد رضا [3] , ومحمد أبو زهرة [4] , وعبد الله القلقيلي مفتي الأردن [5] , ومحمد أبو اليسر عابدين مفتي سوريا [6] , والدكتورصديق الضرير [7] , وشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق [8] , والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ [9] وجماعة كثيرون . كما أنه الرأي الذي أفتت به عدة هيئات كهيئة كبار العلماء في المملكة العربيَّة السعودية [10] والمجمع الفقهي الإسلامي [11] التابع لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه الدولي بجدة [12] التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي [13] وهيئة رقابة بنك فيصل الإسلامي [14] إلى غيرها من الجهات العلميَّة .

    القول الثاني : أن التأمين التجاري عقد جائز .
    وقال به مصطفى الزرقا [15] و علي الخفيف [16] و محمد يوسف موسى [17] و عبد الوهاب خلاف [18] وصدر به قرار الهيئة الشرعيّة لشركة الراجحي المصرفيّة [19] .

    القول الثالث : وهو التفصيل بجواز أنواع من التأمين وتحريم أنواع .
    فمنهم من أجاز التأمين على الأموال دون التأمين على الحياة وهو قول محمد الحسن الحجوى [20] , ومنهم من أجاز التأمين من الخطر الذي من أفعال العباد كالسرقة وحرّم التأمين من الخطر الذي سببه آفة سماوية وهو قول نجم الدين الواعظ مفتي العراق [21] , ومنهم من أباح التأمين على حوادث السيارات والطائرات والسفن والمصانع وحرّم ما عداه وهو قول الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود [22] .
    أدلّة أصحاب القول الأول :
    استدل أصحاب هذا القول بجملة أدلّة منها :
    الدليل الأول : أن عقد التأمين عقد معاوضة وهو مع ذلك مشتمل على غرر , والغرر يفسد عقود المعاوضات .
    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر [23]. والنهي يقتضي الفساد .
    والغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات أو ما طُوِيت معرفته و جُهلت عينه [24].
    فكل عقد بني على أمر محتمل مشكوك فيه فهو غرر .
    والغرر المؤثر هو ما كان في عقود المعاوضات المالية . وكان غالباً على العقد حتى يصح وصف العقد كله بأنه غرر .
    ولا شك أنَّ عقد التأمين مشتمل على الغرر في أكثر من موضع منه :
    فالجهالة حاصلة في صفة محل التعاقد فالعوض لا يُعْرف مقداره حتى يقع الخطر المؤمن عليه .
    كما أنها حاصلة في أجل العوض الذي لا يعرف متى يحل .
    كما أن حصول العوض نفسه مجهول مشكوك فيه فلا يعرف المتعاقدان ذلك لتوقفه على وقوع الخطر أو عدم وقوعه .
    فالغرر في الحصول وصفته وأجله وهي أمور مقصودة عند التعاقد وهذا يفسد العقد .
    وقد نوقش هذا الدليل بأمرين الأوَّل : أنه لا يوجد غرر في عقد التأمين لأن غايته حصول الأمان وقد حصل بمجرد العقد سواء وقع الخطر أو لا والثاني أنّه على فرض حصوله فهو غرر يسير لا يؤثر في العقد [25].
    والجواب أن النظر الشرعي في عقود المعاوضات إنما يكون لمحلها لا إلى غاياتها فإن الغاية أمر غير منضبط ولكلٍّ أن يجعل غاية عقده بما يراه فيصح لنا أن نقول إن غايته عقد التأمين أكل المال بالباطل . ويمكن لمن يبيح الفوائد الربويّة أن يتذرع بأن غايتها تحريك المال وتنميته واستثماره . وعليه فلا تعلق توصيف الأحكام بالمقاصد والحكم منها دون النظر لمحلها . ومحل عقد التأمين هو قسط التأمين وعوضه وهذا العِوَض مجهول الحصول والمقدار والأجل .
    وخروجاً من هذا اضطر بعض الباحثين إلى القول بأن محل عقد التأمين هو نفس ضمان الأمن والأمان .
    وقرر أن الأمن والأمان حق معنوي متفق مع الحقوق المحسوسة في اعتباره محل معاوضة ومحلاً لتداول الأيدي على تملكه ولذا فلا مانع من أن يكون الأمان هو محل المعاوضة في عقد التأمين [26] .
    ويناقش هذا القول بما يلي :
    1- أن الحق هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً [27]. ( والحق المعنوي سلطة لشخص على شيء غير مادي هو ثمرة فكره أو نشاطه ) و الأمان ليس اختصاصاً بل هو شعور داخلي وطمأنينه نفسيَّة كالحب والبغض لا يمكن تداوله ولا المعاوضه عليه .
    2- أن عقد التأمين لا يحقق للشخص الذي يرغب في توقي نتائج الخطر أماناً حقيقياً لأنه مهدد بإعسار المتعاقد معه .
    3- أن جعل الأمان محلاً لعقد التأمين مخالف للنظرة القانونية التي نشأ هذا العقد في ظلالها ومخالف للنظر الفقهي حتى لدى من أجاز عقد التأمين كالشيخ مصطفى الزرقا [28].
    4- أن الأمان إذا كان هو محل عقد التأمين فإنه ينبغي أن يكون منحه للمستأمن كافياً عن بذل عوض التأمين . وإذا قيل إن الأمان لا يحصل إلا ببذل عوض التأمين علمنا أن محل العقد هو المال وأن الأمان هو الباعث عليه أو الغاية منه .
    5- ثم إن الأمان المجعول محلاً لعقد التأمين مجهول المقدار غير معلوم الصفة تحديداً وهذا غرر أيضاً .
    الدليل الثاني : أن عقد التأمين يتضمن الميسر والقمار وقد حَرَّم الله الميسر بقوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة: من الآية90) .
    والميسر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( أخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوض أو لا يحصل ) [29] .
    وهذا الوصف متحقق في عقد التأمين باعتراف رجال القانون وذلك لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر فإذا لم يتحقق كسب المبلغ الذي دُفع له , وإذا تحقق دَفع مبلغاً يزيد كثيراً عما قبضه وهذا هو الرهان [30].
    وقد نوقش هذا الدليل بأن التأمين جد والقمار لعب وأن المؤمن إنما دفع ماله لمن يدفع عنه ضرراً كما يدفع التاجر لمن يحرس القافلة مبلغاً لحفظها من الخطر [31].
    الجواب أن عقد التأمين يدخل تحت تعريف الميسر وتوجد فيه خصائصه .
    وأما الخفارة التي تُدفع لمن يحرس القافلة ونحوها فهذا المبلغ إنما يُدفع أجرةً للحارس مقابل تسليمه نفسه وقت العقد ليقوم بمقتضاه ولم يأخذ المبلغ دون تسليمه نفسه . ثم إنه لا يضمن ما سرق أو تلف إذا لم يفرط في واجبه .




    [1] مجموعة رسائل ابن عابدين (2 / 175) .
    [2] له في ذلك رسالة مستقلة باسم أحكام السوكرتاه
    [3] فتاوى المنابر (4 / 164) , (3 / 964)
    [4] بواسطة نظام التأمين للزرقا (ص 67) .
    [5] عقد التأمين ضمن أعمال مهرجان ابن تيمية (ص 420) .
    [6] أعمال المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي (ص 553) .
    [7] الغرر وأثره في العقود (ص 650) .
    [8] بواسطة رؤية شرعية في التأمين للشيخ عبد الله المنيع .
    [9] فتوى رقم 570 / 2 في 18 / 8 / 1388هـ .
    [10] القرار رقم (5 / 10) في 4/ 4/ 1397هـ .
    [11] في 4/4/1399هـ .
    [12] في 16/4/1406هـ .
    [13] في عام 1396هـ .
    [14] انظر : التأمين التجاري والبديل الإسلامي د. غريب الجمال .
    [15] نظام التأمين (ص 57) .
    [16] بواسطة الغرر للفرير (ص 656) .
    [17] الإسلام ومشكلاتنا المعاصرة (ص 64) .
    [18] التأمين د. غريب الجمال (ص 202) .
    [19] في 1411هـ .
    [20] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (2/504) .
    [21] دراسة شرعية لأهم العقود (2/499)
    [22] التأمين وإعادة التأمين مجلة مجمع الفقه الإسلامي (2/618) العدد الثاني .
    [23] صحيح مسلم 1513 .
    [24] زاد المعاد (5/822) .
    [25] نظام التأمين 165 .
    [26] رؤية شرعية في التأمين للشيخ عبد الله المنيع .
    [27] المدخل الفقهي العام (3/10) .
    [28] نظام التأمين 166 .
    [29] مجموع الفتاوى (28/76) .
    [30] التأمين وفقاً للقانون الكويتي د. جلال إبراهيم (ص 30) , وانظر : الوسيط للسنهوري (7 / 1086) .
    [31] نظام التأمين (ص47) , التأمين جائز مقال للشيخ عبد المحسن العبيكان جريدة الرياض عدد 12567 في 15/9/1423هـ .

  4. #3

    افتراضي رد: نظرة فقهية حول عقد التأمين

    القول الراجح :
    القول الراجح مما سبق بعد تأمل الأدلة هو القول بتحريم هذا العقد لكون أدلتهم أقوى استنباطاً وأتم دلالة , فمن أباح التأمين اعتمد على أقيسة مأخوذة من استنتاجات الفقهاء بينما المحرِّم له استند إلى نصوص شرعيَّة وقواعد أساسيَّةٍ أجمع المجتهدون على الأخذ بها .
    كما أن التأمين لا يتضمن مصلحة غالبة وسبق أن نشر تفسير ذلك جلياً [1].
    وليس فيه مصلحة للمجتمع في النهاية بل كل ما يترتب عليها هو نقل عبء الخطر برمته من عاتق شخص إلى عَاتِق شخص آخر وهذا ليس فيه أيَّة فائدة للمجتمع [2]. وله خطورة على اقتصاد الدولة من حيث سيطرة شركات التأمين ممثلة في أفراد قلائل على مدخرات المواطنين وتوجيهها وفق هواها ومصالحها الخاصة مما اضطر بعض الدول إلى تأميم شركات التأمين [3].

    ثالثاً : البديل الشرعي لعقد التأمين التجاري .
    لا شك أن التعاون في تفتيت الأخطار ومواجهة الظروف والتكافل في حلها مما يدعو إليه الإسلام وقرره في تشريعات مختلفة كالزكاة التي هي مظلة التأمين الكبرى لجميع المواطنين في المجتمع الإسلامي وكواجب الإنفاق على القرابة والضيف وكواجب بيت المال في تأمين حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي .
    ومن وسائل التعاون التي أفتت المجامع الفقهية المعاصرة بجوازها ما يسمى بالتأمين التعاوني [4].
    والمراد به في ضوء القرارت المشار إليها : قيام جماعة يتفق أفرادها على تعويض الأضرار التي قد تنزل بأحدهم نتيجة خطر معين وذلك من مجموع الاشتراكات التي يتعهد كل فرد منهم بدفعها .
    فهذا عقد تبرع يقصد به التعاون ولا يستهدف تجارة ولا ربحاً كما أنه يخلو من الربا ولا يضر جهل المساهمين فيه بما يعود إليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة .
    وأبسط تصوير لهذا التأمين هو أن تكون أسرة أو جماعة صندوقاً ويدفعوا مبالغ يؤدى من مجموعها تعويض لأي فرد منهم يقع عليه الخطر فإن لم تفي المبالغ التي دفعوها سَدَّدوا الفرق المطلوب وإن زاد شيء بعد التعويضات أُعيد إليهم أو جُعل رصيداً للمستقبل ويمكن أن يوسَّع هذا التصور المبسط ليطور هذا الصندوق ليكون هيئة أو مؤسسة يتفرغ لها بعض العاملين لتحصيل المبالغ وحفظها وصرف التعويضات ويكون لها مجلس إدارة يقرر خطط العمل وكل ذلك بمقابل أجر معين أو تبرعاً منهم .
    بشرط أن يكون مبناه التبرع ولا يقصد منه تحصيل الأرباح وغاية جميع أطرافه التعاون [5].

    تطبيقات التأمين التعاوني :
    طرح عدد من المهتمين بالاقتصاد الإسلامي عدة نماذج وتصورات للتأمين الإسلامي وتبنت جهات مالية إنشاء شركات تقوم بالتأمين من منظور إسلامي سُمّي أكثرها بالتعاوني وذلك في عدد من البلاد الإسلاميّة استفيد أكثرها من فكرة التأمين التعاوني لدى الغرب [6] إلا أن واقع هذه المؤسّسات ليس بالضرورة مطابقاً لمقصود المجامع العلميّة التي أفتت بإباحة التأمين التعاوني وإنما هو تطبيق لنظريته لدى الهيئة الشرعيّة المؤسّسة له .
    فقد يكون منها ما هو فكرة مطورة للتأمين التعاوني ومنه ما يكون تأميناً تجاريَّاً بضوابط معينة أو حتى بصورته المعروفة [7].
    ولذا صدر البيان المعروف من اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء بالمملكة العربية السعوديَّة حيال بعض المؤسسات والشركات المتسمية بالتأمين التعاوني بأنها لا تمثل التأمين التعاوني التي أباحته هيئة كبار العلماء وإنما هو تأمين تجاري وتغيير اسمه لا يغير حقيقته [8].
    والحقيقة أن المؤسسات القائمة بالتأمين والساعية لتصحيح وضعها ومطابقته للبديل الإسلامي تواجه أموراً صعبة من أبرزها إعادة التأمين [9] وهو أن تدفع شركة التأمين جزءاً من أقساط التأمين التي تحصل عليها من جمهور المستأمنين لشركة إعادة تأمين تضمن لها في مقابل ذلك جزءاً من الخسائر .
    فإذا وقع الخطر المؤمن ضده لجأ المستأمن إلى شركة التأمين التي تدفع له ثم تطالب شركة إعادة التأمين بدفع جزء من التعويض حسب الاتفاق المبرم بينهما .
    فتكون شركة التأمين المباشر كوسيط بين المستأمن وشركة إعادة التأمين وتعترف شركات التأمين الإسلامية بأنه لا قيام لها ولا ازدهار لصناعتها إلا بترتيبات إعادة التأمين [10] وشركات إعادة التأمين الضخمة جميعها تجارية وقد بدأت الآن شركات إعادة تأمين تتبنى المنهج الإسلامي فيه [11].




    [1] بمجلة البيان بعنوان حقيقة شركات التأمين د. سليمان الثنيان .
    [2] انظر : شرح القانون المدني الجديد د. محمد علي عرفة (ص 67) .
    [3] الإسلام والتأمين د. محمد الفنجري (ص 70) .
    [4] المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام 1385هـ وقرار هيئة كبار العلماء رقم 51 في 4/4/1397هـ وقرار المجمع الفقهي الإسلامي في 10/8/1398هـ وغيرها .
    [5] المعاملات المالية المعاصرة (ص 135) .
    [6] حيث نشأت الفكرة في ألمانيا في ظل حكم بسمارك . انظر التأمين د. غريب الجمال (ص 276) .
    [7] ومن أسباب ذلك أن جملة من الشركات المالية وبيوت التمويل الإسلامية تمادت في تقليد النظام الربوي بل واستعارت هياكله التنظيم فأفرغت العمل المالي الإسلامي من مضامينه الحيوية وأهدافه الاستثماريّة .
    وقد أشار كثير من هذا وأبان سببه الشيخ صالح الحصين في بحثه : الهيئات الشرعيَّة الواقع وطريق التحول لمستقبلٍ أفضل .
    [8] مجلة البحوث الإسلامية العدد 50 ص 359
    [9] التأمين وإعادة التأمين د. وهبة الزحيلي بمجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني (2/553) . وبنفس المجلة التأمين في الفقه الإسلامي د. محمد الفرفور (2/602) .
    [10] انظر مثلاً : مجموعة فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني , أعمال الندوة الفقهيّة لبيت التمويل الكويتي (ص201) , التأمين التجاري د. غريب الجمال 340 , 344 .
    [11] انظر التأمين على الحياة د. علي محيي الدين القره داغي ضمن بحوثه في فقه المعاملات (ص 263) .

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. معلومات و ألغاز فقهية...
    بواسطة J'aime la réalité في المنتدى علوم و ثقافة عامة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 22-05-2014, 15:01
  2. ألغاز فقهية ممتعة
    بواسطة ميني في المنتدى النكت و الالغاز
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 11-03-2013, 12:16
  3. عقد التأمين نظرة فقهية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-02-2012, 15:15

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •