حقوق الانسان بين تداخل المبادئ والمصالح والتسييس
د. سعيد الشهابي

احتفل العالم يوم العاشر من هذا الشهر باليوم العالمي لحقوق الانسان، واستعاد في ذاكرته الطموحات التي كانت لدي قادة دول العالم عندما أقروا الاعلان العالمي لحقوق الانسان في العاشر من كانون الاول (ديسمبر) 1948. كان ذلك الاعلان طفرة متميزة ادت تدريجيا الي عولمة مفاهيم حقوق الانسان، وانتشار ثقافة تطورت تدريجيا لحماية البشر من الاستبداد والطغيان وارهاب الدولة. وتعمق الوعي بشأنها حتي اصبحت لها مراكز دولية، ودخلت المناهج الدراسية في الجامعات والمدارس، وعقدت المؤتمرات الدولية لدراستها، وأصبحت معيارا لمدي تقدم الدول او تأخرها. وشيئا فشيئا، تحولت الدولة الحديثة من مؤسسة سياسية همها الاول توجيه الناس علي اساس الواجبات التي تحتمها الدولة عليهم، الي جهة مسؤولة عن تثقيف المواطنين بثقافة الحقوق ، الي جانب المسؤوليات والواجبات. الدولة اليوم مطالبة بضمان حقوق الناس، بقدر لا يقل عن ضمان حقوقها. ومع الاسف الشديد، فما تزال بعض الدول العربية تمارس القمع والاستبداد وانتهاك حقوق الناس بحجة الحفاظ علي هيبة الدولة ، والدولة هنا لها معني ضيق ينحصر بالطغمة الحاكمة، سواء كان الفرد ام الحزب ام القبيلة. وبرغم التطورات التي تحققت في هذا المجال الحيوي، ما يزال الحديث حولها في بلداننا محصورا ببعض الشعارات الخجولة التي تطرح في اغلب الاحيان بهدف مسايرة الجهات الحقوقية الخارجية التي تضغط علي الانظمة، او تسجيل النقاط والمواقف ضد قوي المعارضة، او لخطب ود حكومات الدول الكبري التي تتبني، احيانا، قضايا حقوق الانسان في البلدان الاخري. وكثيرا ما سعت الحكومات لـ تأميم هذه القضية بهدف افراغها من محتواها الحقيقي، واستعمالها لضرب الجهات السياسية المعارضة، واسكاتها. مع ذلك اصبح المسؤولون الدوليون يدركون اهمية قضايا حقوق الانسان كوسيلة للحفاظ علي امن البشرية واستقرارها، فاصبحوا يدافعون عنها ويتحمسون لحماية الناشطين في مجالها. يقول السيد كوفي عنان بمناسبة اليوم العالمي: ان ثقافة حقوق الانسان ليس درسا في المدرسة، ولا عنوانا ليوم واحد، بل هو عملية لتزويد الناس بالأدوات التي يحتاجونها لكي يعيشوا حياة آمنة كريمة... وفي اليوم العالمي لحقوق الانسان، دعونا نعمل معا لتعليم الاجيال القادمة ثقافة حقوق الانسان بهدف تطوير الحرية والامن والسلام في كل الامم .
من مفارقات الوضع الدولي في مجال حقوق الانسان هذا العام، توسع دائرة انتهاكاتها، ليس من قبل الانظمة القمعية والديكتاتورية في دول العالم الثالث فحسب، بل من قبل دول عملاقة مثل الولايات المتحدة الامريكية. وما الضجة المثارة حاليا حول المعتقلات السرية الامريكية في أكثر من ثلاثين دولة الا احد مظاهر التناقض في الموقف الامريكي بين الشعارات والممارسة. وتزداد المشكلة تعقيدا عندما تعترض الاطراف الاخري مثل الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي علي تلك السياسات، فتنشب حالة من التراشق الاعلامي والسياسي، ويبدو الموقف الدولي عاجزا عن التعبير عن نفسه بأساليب حازمة وحاسمة. فمثلا، عندما انتقدت المفوضة السامية لحقوق الانسان، لويز اربور، في مؤتمر صحافي في بداية هذا الشهر، الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاعضاء في المنظمة الدولية لاحتجاز سجناء في مراكز اعتقال سرية وتسليم المشتبه بهم الي دول تعد طرفا ثالثا بدون اشراف مستقل مع امكانية تعرضهم للتعذيب، بادر السفير الامريكي لدي الامم المتحدة، جون بولتون، لتوجيه انتقادات لاذعة اليها. وقال انه من غير اللائق وغير المسموح به لموظفة دولية انتقاد الاعمال التي تقوم بها الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب. ولم يجد الامين العام للامم المتحدة بدا من الدفاع عن اربور، وتأكيد ثقته فيها. هذه الحادثة تظهر بجلاء الموقف الامريكي الذي لا يستطيع تحمل النقد عندما ترتكب واشنطن أخطاء بهذه الفداحة. والاغرب من ذلك ان يكون موضوع التعذيب قضية خلافية في اوساط الادارة الامريكية، فيماطل الرئيس في اقرار مبدأ منع التعذيب في السجون الامريكية. لم يوافق علي ذلك الا بعد ان صوت الكونغرس بغرفتيه الاسبوع الماضي علي تجريم التعذيب ورفضه. جاء ذلك بعد الكشف عن سجون سرية خارج الحدود الامريكية طوال اربعة اعوام. فما الضرورة لهذه السجون السرية؟ وكيف يمكن ان يتعاطي المجتمع الدولي مع قضية كهذه؟ فهل يقرها ويقبل بها ام ينتقدها ويطالب بوقفها؟ ولعل من اخطر ما يواجه التشريعات والمنظمات الدولية سعي بعض الجهات لتسييرها وفق سياساتها، حتي لو كان ذلك علي حساب مبادئها ومنطلقاتها.
الحرب ضد الارهاب ضرورة، كما هي الحرب ضد الاستبداد والقمع وانتهاك حقوق الانسان، وضد الفساد والاحتلال والاستغلال ونهب ثروات الشعوب. فالارهاب آفة العالم في الوقت الحاضر، لانه يحصد ارواح الابرياء، ويؤسس لعالم دموي تغيب عنه الحكمة والعقل، ويقترب من الحيوانية المقرفة والتحلل من القيم والاخلاق. مطلوب من الجميع التعاون في مشروع الحرب ضد الارهاب بشرط ان لا تقتصر الحرب علي الجوانب العسكرية والامنية، وان تطال المنطلقات والاسباب لتلك الظاهرة. وفي الوقت نفسه، فان هذه الحرب لن تكون مشروعة اذا استعملت فيها اساليب غير انسانية. فلا بد من استقامة الاساليب وعدم انحرافها، والا لتحولت الدنيا الي فوضي، ولفقدت الحرب شرعيتها. فلا شرعية لحرب، مهما كانت منطلقاتها مشروعة، اذا انتهجت وسائل واساليب غير مشروعة. وقد وضعت مواثيق جنيف التي اتفق العالم عليها بعد الحرب العالمية الاولي، لضمان استقامة اساليب الحرب ووسائلها، فلا يجوز مثلا استخدام الاسلحة الكيماوية، او استهداف الابرياء من النساء والاطفال والرجال غير المحاربين، او قصف المناطق السكنية الآمنة، او استهداف المصادر الحيوية مثل المياه والزراعة وغيرها. فشرعية الحرب لا تبرر استخدام الاساليب والوسائل غير المشروعة. وجاءت محاكمات نورومبرغ بعد الحرب العالمية الثانية لتضع تاريخا جديدا للحروب، ولتحاكم رموز النازية والفاشية بما اقترفوه من جرائم حرب. وتمت مطاردة زعماء الصرب، ليس بسبب شنهم الحرب، بل بسبب ممارساتهم غير الاخلاقية، والقتل الجماعي لأهل البوسنة والهرسك والكروات وكوسوفو.
ان ما أثير في الاسابيع الاخيرة حول وجود سجون سرية لدي الولايات المتحدة في بلدان عديدة، فتح ملف حقوق الانسان علي مصراعيه، وادي الي شعور بالاحباط لدي نشطاء حقوق الانسان ودول الاتحاد الاوروبي بشكل خاص. وكان علي وزير الخارجية الامريكية، كونداليزا رايس، ان تواجه التساؤلات والانتقادات من قبل وزراء خارجية الدول الاوروبية التي زارتها قبل اسبوعين. ووفقا للتقارير التي أكدتها منظمة هيومن رايتس ووج الامريكية، كان هناك عدد من المعسكرات في دول مختلفة نقل اليها اكثر من 100 من اعضاء تنظيم القاعدة، المتهمين بالارهاب. وبرغم نفي الحكومة البولندية وجود معسكرات اعتقال تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية علي اراضيها، فقد أكدت المنظمة الامريكية ان بولندا كانت قلب شبكة معسكرات الـ سي. آي. ايه في اوروبا حتي وقت قريب، وان رومانيا قامت بدور نقل السجناء الي بقية المعسكرات. وليس معلوما الدوافع الامريكية للقيام بهذه الاجراءات، ولكن يعتقد ان سياسة واشنطن تجاه الديمقراطية وحقوق الانسان اصبحت موضع انتقاد واسع داخل الاوساط الامريكية، وانها تسعي لابعاد الانظار عن اراضيها. وبموازاة الاعلان عن المعسكرات السرية، جاء الاعلان عن عدم سماح السلطات الامريكية للجنة الدولية للصليب الاحمر بزيارة كافة المعتقلين المحتجزين في مراكز الاعتقال التابعة لها جاء الاعتراف علي لسان كبير المستشارين القانونيين للخارجية الأمريكية جون بيللينجر في جنيف، إلا انه لم يدل بتفاصيل عن أماكن مراكز الاعتقال المقصودة. وصرح بيللينجر بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر سمح لها بزيارة كل السجناء في معتقل غوانتنامو في كوبا، ولكن عند سؤاله إذا ما كان للجنة ذات الحق بزيارة كل المحتجزين في ظروف مشابهة في أماكن أخري، أجاب بـ لا ، ولكنه أحجم عن المزيد من الشرح. وتريد اللجنة الدولية للصليب الأحمر السماح لها بزيارة كل المشتبه بانتمائهم لجماعات إرهابية المحتجزين لدي الولايات المتحدة في مواقع غير معلنة .
وخلال جولتها الأوروبية نفت رايس مرارا تعذيب الولايات المتحدة للسجناء، وقالت ان المحققين الأمريكيين ملزمون بمعاهدة الأمم المتحدة حول التعذيب، سواء كانوا يعملون في داخل الولايات المتحدة أو في الخارج. وازداد الوضع سوءا بالاعلان عن قيام الاستخبارات الامريكية باختطاف عشرات الاشخاص الذين تتهمهم بالارهاب من دول مختلفة، من الشوارع. وفي عدد من الحالات ارتكبت اخطاء في تشخيص الاشخاص، واختطف اشخاص ابرياء يقدر عددهم بقرابة الاربعين، من بينهم خالد المصري الذي اختطف من مقدونيا قبل عامين، وقضي فترة طويلة في الاعتقال قبل ان تكتشف الاستخبارات الامريكية عدم علاقته بالارهاب. وذكرت المعلومات ايضا ان طائرات تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية حلقت في الاجواء الالمانية 437 مرة منذ حوادث 11 ايلول (سبتمبر)، منها 146 مرة في 2003 و 132 مرة في 2002. وان طائرات امريكية حطت في مطارات بريطانية وهي تنقل بعض المتهمين الي بلدانهم، ليواجهوا تحقيقا يمارس فيه التعذيب بهدف الحصول علي معلومات، مع علمها ان التعذيب ممارسة روتينية في هذه البلدان.



في عالم أصبح يتحدث كثيرا عن حقوق الانسان ويرفع شعاراتها علي اوسع نطاق، يتعين علي المنظومة الدولية ان تسعي لتشكيل جهاز فاعل لمراقبة اوضاعها في دول العالم، يتمتع بسلطة فاعلة ويستطيع اتخاذ قراراته بحرية بعيدا عن ضغوط الدول الكبري. فمفوضية حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة لعبت دورا في حماية هذه الحقوق، ومارست ضغوطا علي الدول التي تنتهكها، ولكنها في السنوات الاخيرة اصبحت تحت ضغوط متواصلة من قبل العديد من الحكومات القمعية، خصوصا العربية منها، لتغيير سياساتها في الرقابة والتصدي للانتهاكات. وقد أدرك السيد كوفي عنان عدم فاعلية المفوضية، فبادر لطرح بعض الافكار لتطوير اداء الامم المتحدة في مجال حماية حقوق الانسان. وقبل عام واحد (ديسمبر 2004) اقترح عنان حل المفوضية التي تأسست في 1946، واستبدالها بمجلس مصغر لحقوق الانسان. ومن بين الانتقادات التي وجهت للمفوضية انها ضمت في عضويتها عددا من الدول التي تنتهك حقوق الانسان، وتستغل عضويتها لمنع صدور تقارير تدينها مثل المملكة العربية السعودية. واقترح عنان ان تكون عضوية المجلس المقترح مقتصرة علي الدول التي ستلتزم بأعلي مستويات حقوق الانسان . هذا الاقتراح كان محل تفاؤل المنظمات الحقوقية غير الحكومية في البداية، ولكنها عادت لتكرر قلقها من احتمال تقلص مساحة الحرية المتاحة للمجلس المصغر، بشكل يفقده فاعليته. وقد عبر عدد من المنظمات الحقوقية في السنوات الاخيرة عن عدم قدرة المفوضية علي تحقيق ما يتوقعه النشطاء الحقوقيون خصوصا في البلدان العربية، بعد ان تعذر عليهم استصدار قرارات من المفوضية تدين الانتهاكات التي تحدث في بلدانهم علي نطاق واسع. فقد كانت عضوية المفوضية تتألف من حكومات الدول، ولا تتيح الا مجالا ضيقا للمنظمات غير الحكومية. وأدت ضغوط الدول الاعضاء الي عدم صدور قرارات فاعلة ضدها، الامر الذي ساهم تدريجيا في تراجع الثقة فيها. من هنا اصبح اصلاح المؤسسات الحقوقية التابعة للامم المتحدة ضرورة ملحة، لتحقيق شيء من التقدم في مواجهة الانظمة التي تمثل انتهاكات حقوق الانسان سياسة ثابته لديها. وربما الاهم من ذلك، توفير آليات العمل لدي البديل المقترح للمفوضية، ليستطيع الصمود امام ضغوط الدول التي تمارس سياسة التضليل لمنع العالم من الاطلاع علي ممارساتها القمعية. ومن الضروري ايضا ان يكون هناك ميثاق شرف تتعهد الدول الكبري باحترامه، يجعلها قادرة علي التصدي للانتهاكات التي تمارسها الدول الكبري، ومواجهة الاعمال غير الانسانية التي تمارس بأساليب غير واضحة احيانا، كما هو الحال مع المعتقلات السرية ومنع اللجنة الدولية للصليب الاحمر، واستخدام التعذيب بحق المعتقلين، وتجاهل المعايير الدولية في معاملة المعتقلين والاسري. انه تحد كبير يواجه العالم، ويستدعي شجاعة دولية، ودعما لمشروع السيد عنان الداعي للتطوير وتحسين اداء المؤسسات التابعة للامم المتحدة.


pr,r hghkshk fdk j]hog hglfh]z ,hglwhgp ,hgjsdds