بحث حول الأعمال التجارية التبعية و الاعمال التجارية المختلطة

الأعمال التجارية بالتبعية هي في الأصل أعمال مدنية إلا أن المشرع أضفى عليها الصفة التجارية إما لأنها وقعت من تاجر وتتعلق بمهنته فتكون تجارية بالتبعية والتبعية هنا شخصية , وإما لأنها ترتبط بعمل تجاري اصلي أو تسهل القيام به , فتكون تجارية أيضا بالتبعية ولكن التبعية في هذه الحالة تكون موضوعية.

بناء على ذلك فان التبعية التجارية تكون على نوعين:
1- التبعية التجارية الشخصية.
2- التبعية التجارية الموضوعية.

المبحث الأول
التبعية التجارية الشخصية

بموجب هذا النوع من التبعية يكون العمل المدني تجاريا بالتبعية اذا قام به تاجلا لشؤون تتعلق بحرفته التجارية.
عليه يشترط لتطبيق فكرة التبعية التجارية ان يتوافر شرطان هما.
الشرط الأول : ان يصدر العمل من تاجر:
والتاجر هو من يحترف الاعمال التجارية بأن يشتغل باسمه ولحسابه في عمل تجاري وهو حائز للاهلية الواجبة , وفقا للمادة ( 11 / ف2 ) في قانون المعاملات التجارية الاماراتي.
فاذا وجد تاجر بالمفهوم المتقدم فان ما يقوم به من اعمال مدنية مرتبطة بحرفته التجارية تعد اعمالا تجارية بالتبعية . مثال ذلك ان يقوم التاجر صاحب محل البقالة بشراء سيارة تخدم محله التجاري بإيصالها طلبات عملائه الى المنازل.
ويكفي لتوافر هذا الشرط ان تتوافر صفة التاجر في من يقوم بهذا العمل فقط , ولا يشترط ان تتوافر في الطرف الثاني الذي يتعامل معه التاجر أي يستوي ان يكون الطرف الاخر تاجرا او غير تاجر.

الشرط الثاني : ان يكون العمل المدني مرتبطا بحرفة التاجر .
يشترط لاعتبار العمل المدني الذي يقوم به التاجر تجاريا بالتبعية ان يكون هذا العمل مرتبطا بحرفة التاجر.
ولكن متى يعد العمل المدني مرتبطا بحرفة التاجر؟
طرح القضاء اكثر من معيار للقول بارتباط العمل المدني بحرفة التاجر . واول هذه المعايير معيار الضرورة وبموجبه يعد العمل المدني مرتبطا بحرفة التاجر اذا كان ضروريا له . كأن يتعاقد صاحب المصنع على استئجار سيارة لنقل بضائع مصنعه.
- ثم توسع القضاء في فكرة التبعية فطرح معيارا جديدا هو الفائدة او المنفعة . فقال لا يشترط لتحقق الارتباط أن يكون العمل المدني ضروريا لحرفة التاجر , بل يكفي ان يكون فيه منفعة او فائدة لحرفة التاجر بأن يكون الهدف منه تحقيق المزيد من الربح . مثل الوعد بجائزةمعينة لمن يجمع اكبر عدد من العلب الفارغة من منتجات مصنعه , فالوعد بهذه الجائزة عمل مدني ولكنه يجذب العملاء فتزيد الأرباح فتحقق فائدة لحرفة التاجر.
- ثم توسع القضاء مرة ثالثة في فكرة التبعية فطرح معيار الارتباط المادي بين العمل التجاري والعمل المدني . فقال لا داعي لان يكون العمل المدني ضروريا او من شأنه ان يزيد من منفعة او ارباح العمل التجاري و انما يكفي ان يكون مرتبطا به ماديا بمعنى انه صدر بمناسبة وجود العمل التجاري , بحيث لو لم يكن العمل التجاري موجودا لما وقع العمل المدني . مثال ذلك ان يقوم التاجر بشراء منزل لسكناه بالقرب من محله التجاري لتسهيل اشرافه على هذا المحل يعتبر من قبيل الاعمال التجارية بالتبعية .

فاذا لم يتوافر هذا الشرط ولم يكن العمل المدني مرتبطا بحرفة التاجر , فانه يبقى مدنيا ولا يعتبر تجاريا بالتبعية . من ذلك مثلا زواج التاجر او دفعه الاقساط لتعليم اولاده في المدارس او شرائه اثاثا لمنزله.

ولما كان التاجر يقوم بالكثير من الاعمال المدنية بعضها مرتبط بتجارته وبعضها غير مرتبط بها , فان المفروض ام من يدعي ان العمل تجاري بالتبعية ان يثبت توافر توافر شروط تجاريته بالتبعية . فيثبت انه مرتبط بتجارة التاجر وحرفته . وهذا الحكم يتفق مع فكرة ان الاصل في الاعمال انها مدنية ومن يدعي تجارية عمل ما هو يدعي خلاف الاصل لذا فان عليه ان يثبت ما يدعيه .
ولكن المشرع خرج عن هذه القاعدة حماية لمصلحة الغير وايسيرا للاثبات فوضع قريبنة مفادها ان كل عمل يقوم به التاجر يعتبر متعلقا بتجارته , ولكن هذه القرينة هي قرينة بسيطة قابلة لاثبات العكس . فالمشرع جعل الاصل ان كل اعمال التاجر تجارية ومن يدعي خلاف ذلك عليه ان يثبت ما يدعيه.

اساس التبعية التجارية الشخصية:
هناك اساسان يقوم عليهما الاخذ بفكرة التبعية التجارية الشخصية :
اولا : الاساس المنطقي والعملي:
1- ان الاخذ بفكرة التبعية هو تطبيق للقاعدة التي تقضي بأن الفرع يتبع الاصل في الحكم . فاذا كان العمل الاصلي للتاجر هو ممارسة التجارة وكان يقوم ببعض الاعمال المدنية مناسبة ممارسته التجارة بحيث تعد هذه الاعمال فرعا من عمله الاصلي , فان من المنطق اعطاء هذه الاعمال حكم الاصل . أي اعتبارها اعمالا تجارية.
2- الاخذ بفكرة التبعية ايضا تبرره الضرورات العملية والمتمثلة بضرورة اخضاع نشاط التاجر لقواعد ذات طبيعة واحدة , فلا يكون القاضي مضطرا الى ان يبحث في نشاط التاجر عن الاعمال التجارية ليطبق عليها القانون التجاري وعن الاعمال المدنية ليطبق عليها القانون المدني.
3- كذلك فان الاخذ بفكرة التبعية يحمي مصلحة الغير الذيم يتعاملون مع التاجر. اذ ستخضع اعمال التاجر المدنية المرتبطة بعمله التجاري لاحكام القانون التجاري , فيستفيد الغير من مزايا القانون التجاري كقاعدة حرية الاثبات.

ثانيا : الاساس القانوني:
يتمثل الاساس القانوني للاخذ بفكرة التبعية التجارية الشخصية بنص المادة ( 4/ ف2 ) من قانون المعاملات التجارية الاماراتي . اذ تقضي هذه المادة بأن : " الاعمال التجارية هي : 1- الاعمال التي يقوم بها التاجر لشؤون تتعلق بتجارته , وكل عمل يقوم به التاجر يعتبر متعلقا بتجارته ما لم يثبت غير ذلك. "


المبحث الثاني
التبعية التجارية الموضوعية

بينا فيما سبق ان الاعمال التجارية بالتبعية الشخصية هي اعمال مدنية بحسب اصلها ولكنها تعد تجارية لصدورها من تاجر لشؤون تتعلق بتجارته . فهي تعد تجارية تبعا لشخص القائم بها لذلك سميت بالتبعية الشخصية . اما التبعية التجارية الموضوعية فهي تقوم على فرض اخر . اذ انها تعني ارتباط عمل مدني بعمل اخر تجاري بحيث يمكن ان يعد العمل المدني تجاريا بالتبعية بغض النظر عن صفة من يقوم به. من ذلك مثلا ان يقوم شخص غير تاجر بعمل تجاري منفرد مثل الشراء لاجل البيع ثم يقوم باعمال مدنية تسهل هذا العمل مثل التأمين على البضاعة او التعاقد على نقلها . فهل تعد هذه الاعمال المدنية اعمالا تجارية بالتبعية الموضوعية أي تبعا للعمل التجاري الاصلي حتى لو ان القائم به ليس تاجرا؟

اختلف الفقه في الاخذ بالتبعية التجارية الموضوعية وانقسموا الى اتجاهين:
الاول : يذهب الى عدم الاخذ بالتبعية الموضوعية . استنادا الى ان التبعية هي في الاساس نظرية شخصية تقوم على وجود حرفة تجارية وتاجر يقوم باعمال اخرى تتعلق بهذه الحرفة. اما ان يوجد العمل التجاري لوحده بدون تاجر فانه لا يؤثر على الاعمال المدنية التي ترتبط به ولا يكسبها الصفة التجارية.
اما الاتجاه الثاني : وهو الراجح فيذهب الى الاخذ بفكرة التبعية الموضوعية بحيث تكتسب الاعمال المدنية الصفة التجارية اذا ارتبطت بعمل تجاري حتى لو كان هذا العمل منفردا وكان من يقوم به غير تاجر . وهذا الرأي يستند لتبرير رأيه الى نفس الحجج التي تبرر الاخذ بالتبعية الشخصية وهي المبررات العملية والمنطقية وهي تطبيق قاعدة الفرع يتبع الاصل في الحكم وتوحيد الاحكام التي تطبق على عملين مرتبطين بحيث يصعب وضع حد فاصل بينهما .
وقد اخذ المشرع الاماراتي بالتبعية التجارية الموضوعية . اذ نجد الاساس القانوني لها في المادة ( 4 / ف 4 ) من قانون المعاملات التجارية الاماراتي التي تقضي بأنه : " الاعمال التجارية هي :
4- الاعمال المرتبطة او المسهلة لعمل تجاري".





الاعمال المختلطة

العمل المختلط هو ليس نوعا رابعا مستقلا من الاعمال التجارية , فالعمل يكون مختلطا اذا كان بالنسبة لاحد طرفيه مدنيا وبالنسبة للطرف الاخر تجاريا سواء كان من الاعمال التجارية المنفردة او المحترفة او عملا تجاريا بالتبعية .
ولا يشترط لاعتبار العمل مختلطا ان يقع بين تاجر وغير تاجر . فالعبرة ليست بصفة القائم بالعمل وانما العبرة بطبيعة العمل . لذا من المتصور ان يكون العمل مختلطا وان كان كل من طرفيه ليس بتاجر , وذلك اذا كان احدهما يقوم بعمل تجاري منفرد لمرة واحدة , فهو ليس بتاجر لانه لم يحترف هذا العمل ولم يكتسب صفة التاجر , وكان الثاني ايضا غير تاجر والعمل بالنسبة له يعد مدنيا , كمن يشتري من شخص يبيع سيارة ورثها هذه السيارة بنية بيعها وتحقيق ربح. فالشخص الذي يبيع السيارة التي آلت اليه عن طريق الارث يعد عمله مدنيا , اما الشخص الثاني الذي يشتري السيارة فعمله تجاري لانه يدخل ضمن شراء المنقول لاجل البيع بنية تحقيق الربح.
ومن امثلة العمل المختلط ايضا الشخص الذي يشتري منزلا ليسكنه من شخص يحترف بيع العقارات . والاركب الذي يبرم عقد نقل جوي او بحري لنقله من مكان الى اخر . والعميل الذي يبرم عقد وديعة او حساب توفير لدى احد المصارف.

فاذا كان ما يميز العمل المختلط انه يعد مدنيا بالنسبة لاحد الطرفين وتجاريا بالنسبة للطرف الاخر فما هو النظام القانوني الذي يخضع له هذا العمل ؟ بعبارة اخرى هل تطبق عليه احكام القانون المدني ام تطبق عليه احكام القانون التجاري؟

هناك اتجاهان في هذا الشأن :
الاتجاه الاول : النظام القانوني المزدوج:
وبموجبه يخضع المتعاقد الذي يعتبر العمل مدنيا بالنسبة له الى احكام قانون المعاملات المدنية ويخضع المتعاقد الذي يعد العمل تجاريا بالنسبة له الى احكام قانون المعاملات التجارية . وقد اخذ بهذا الاتجاه القانون المصري.
الا ان هذا الاتجاه يثير بعض الصعوبات عند تطبيقه مثلا تحديد المحكمة المختصة بالنسبة للدول التي تأخذ بالفصل بين القضاء المدني والقضاء التجاري وكذلك تحديد سعر الفائدة الواجب دفعه من المدين هل هو سعر الفائدة التجارية ام المدنية؟

الاتجاه الثاني : النظام القانوني الموحد:
يذهب الى تطبيق قانون واحد هو قانون المعاملات التجارية على التزامات الطرفين اذا كان العمل تجاريا بالنسبة لاحد المتعاقدين ومدنيا بالنسبة للمتعاقد الاخر. وذلك ما لم يتفق الطرفان على على خلاف ذلك . وهذا الاتجاه يستند الى ان التزامات الطرفين مصدرها واحد على الرغم من اختلاف طبيعتها . فالتزامات كل من الطرفين نشأت من عقد واحد لذا من المنطقي ان تخضع لقاعدة واحدة .
وقد اخذ المشرع الاماراتي بهذا الاتجاه في نص المادة ( 10 ) من قانون المعاملات التجارية الذي يقضي بأنه :
"اذا كان العمل تجاريا بالنسبة الى احد المتعاقدين ومدنيا بالنسبة الى المتعاقد الاخر سرت احكام هذا القانون على التزامات الطرفين ما لم ينص القانون او يتفق الطرفان على غير ذلك."


fpe p,g hgHulhg hgj[hvdm hgjfudm , hghulhg hgj[hvdm hglojg'm