أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



التصرف في التحقيق الابتدائي

بحث حول التصرف في التحقيق الابتدائي إعداد الباحث عبد الرحمن إبراهيم المهنا 2007 بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا



التصرف في التحقيق الابتدائي


النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    افتراضي التصرف في التحقيق الابتدائي

     
    بحث حول التصرف في التحقيق الابتدائي

    إعداد الباحث
    عبد الرحمن إبراهيم المهنا
    2007


    بسم الله الرحمن الرحيم

    (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)
    القرآن الكريم (المائدة: 8)

    ’’رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب‘‘ .
    الإمام الشافعي
    (150-204هـ)

    مقدمة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. فهذا البحث مقدم للبرنامج التدريبي للدفعة التاسعة من الباحثين القانونيين المرشحين للعمل وكلاء للنائب العام. وهو من موضوعات قانون الإجراءات الجزائية، ويحمل عنوان ’’التصرف في التحقيق الابتدائي ‘‘. وقد كُتِبَ على ضوء أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، وبعض تطبيقاته في القضاء الوطني.
    ولا يخفى سبب إختياري لهذا البحث وهو رغبتي في الوقوف على حقيقة التصرف في التحقيق الابتدائي كونه سيصبح شغلنا الشاغل في المستقبل القريب بإذن الله تعالى. هذا من جهة ومن جهة أخرى، محاولة مني في إثراء النقاش القانوني في هذا الموضوع الهام مع إخوتي الزملاء الباحثين القانونيين الذين تشرفت بالتدرب معهم.
    فبعدما يثار اشتباه بارتكاب جريمة، يصار إلى تحقيقها، ومن ثم تقديمها للمحاكمة لتطبيق الجزاء بصددها. تلك هي الصورة البسطة في الدعوى الجزائية، بتحقيق ابتدائي ومن ثم نهائي. إلا أن الواقع أعقد من ذلك بكثير. الأمر الذي استلزم تنظيماً محكماً لما يمكن أن يحدث في مطلع الدعوى الجزائية من فرضيات. مثل عدم اختصاص جهة التحقيق، أو تقرير وقف السير في الدعوى الجزائية لعلة ما، أو رفع الدعوى أمام المحكمة الجزائية المختصة.
    ويمكن حصر فرضيات التصرف في التحقيق الابتدائي بثلاثة قرارات:
    1) التقرير برفع الدعوى.
    2) التقرير بحفظ الدعوى.
    3) التقرير بالإحالة لعدم الاختصاص.
    وقد قسمت هذا البحث على أساس أثر هذه القرارات على الدعوى الجزائية. فعرضت بدايتاً القرارات التي تستمر معها الدعوى. ومن ثم القرارات التي تقف معها الدعوى. وأخيراً القرارات التي يعاد فيها تحريك الدعوى. وعليه ينقسم هذا البحث إلى التالي:
    المبحث الأول: قرارات تستمر فيها الدعوى الجزائية.
    المبحث الثاني: قرارات توقف الدعوى الجزائية.
    المبحث الثالث: قرارات إعادة استمرار الدعوى الجزائية.

    والله ولي التوفيق،،


    المبحث الأول: قرارات تستمر فيها الدعوى الجزائية
    بعد مباشرة الدعوى الجزائية من خلال التحقيق الابتدائي، يصدر المحقق قراراً بالتصرف فيها، إما بوقف الدعوى أو باستمرارها. وسنخصص هذا المبحث للقرارات التي تستمر معها الدعوى الجزائية. وذلك يكون بإحدى صورتين:
    الصورة الأولى: أن تبقى في مرحلة التحقيق الابتدائي لكن لدى سلطة تحقيق أخرى بناء على قرار بالإحالة لعدم الإختصاص(1). وما يعنينا في هذا البحث؛ قرارات عدم الاختصاص مابين جهات التحقيق المختلفة متى ما كانت النيابة العامة طرفاً فيه. وسنعرض ذلك في المطلب الأول.
    أما الصورة الثانية: أن تنتقل الدعوى الجزائية لمرحلة المحاكمة بقرار الإحالة للمحكمة. وسنعرض لقرار الإحالة مع بيان شروطه والمحكمة المختصة التي تحال إليها الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي، كل ذلك في المطلب الثاني.


    المطلب الأول: قرار الإحالة ما بين جهات التحقيق لعدم الاختصاص
    نصت المادة 167 من الدستور على أن: ((تتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع وتشرف على شؤون الضبط القضائي، وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام. ويرتب القانون هذه الهيئة وينظم اختصاصاتها ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفها. ويجوزُ أن يعهد بقانون لجهات الأمن العام بتولي الدَّعوى العمومية في الجُنَح على سبيلِ الاستثناء، ووِفقاً للأوضاع التي يبينها القانون)).
    ونصت المادة 9 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية على أن: ((تتولى النيابة العامة سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في الجنايات. ويَتَولى سُلطةَ التحقيق والتصرف والادعاءِ في الجُنَحِ محققون يُعَيَّنونَ لهذا الغَرَضِ في دائرةِ الشرطة والأمن العام. وتثبت صفة المحقق أيضاً لضباط الشرطة الذين يعينهم النظام الداخلي المنصوص عليه في المادة "38". ومع هذا فإن للنيابةِ العامة أن تُحيلَ أية جناية على المحققين أو الضباط في دائرة الشرطة لتحقيقها كما أن لرئيس دائرة الشرطة والأمن العام أن يعهد للنيابة العامة بالتحقيق والتصرف في أية جنحة إذا رأى من ظروفها أو أهميتها ما يتطلب ذلك)).
    بينما نصت المادة 53 من قانون تنظيم القضاء على أن ((تمارس النيابة العامة الاختصاصات المخولة لها قانوناً، ولها الحق في رفع الدعوى الجزائية ومباشرتها وذلك مع عدم الإخلال بحكم المادة 9 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أو أي نص آخر في القانون)).
    ونصت المادة 1 من القانون رقم 53 لسنة 2001 في شأن الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية، على التالي ((مع عدم الإخلال بالأحكام المقررة في أي قانون آخر تتولى الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية الاختصاصات المقررة لها طبقاً لأحكام المادة التاسعة من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية)).
    ومن جماع النصوص سالفة الذكر يتضح لنا أن إختصاص تولي الدعوى الجزائية –بحسب الأصل- مقتصر على جهتان هما؛ النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية. ورغم ذلك إرتآ المشرع وضع قواعد خاصة لمباشرة الدعوى الجزائية لإعتبارات يرى أنها جديرة بالرعاية.
    *هذا والأصل في تحديد الإختصاص أن يكون قبل البدء في التحقيق، لكن إذا ما أسفر التحقيق عن عدم إختصاص القائم به، فيُصار الى قرار الاحالة(2). وأهم قرارات الإحالة لعدم الإختصاص –عندما تكون النيابة العامة طرفاً فيه- هي؛ ما بين النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات، وما بين النيابة العامة ولجنة التحقيق الخاصة في قانون محاكمة الوزراء، وما بين النيابات الجزئية في النيابة العامة. وذلك كالتالي:
    أولاً-ما بين النيابة العامة والادارة العامة للتحقيقات: الأصل –وفقاً لما رسمنه المادة 9/1 من قانون الإجراءات- أن النيابة العامة هي المختصة في التحقيق والتصرف والإدعاء في جرائم الجنايات(المعاقب عليها بالاعدام أو الحبس المؤبد أو الحبس المؤقت الذي تزيد مدته عن ثلاث سنوات) ، وأن الإدارة العامة للتحقيقات مختصة بالتحقيق والتصرف والإدعاء في جرائم الجنح (المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات و بالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين).
    إلا أن للنيابة العامة مباشرة التحقيق في مواد الجنح إذا؛ أ) نص القانون على إختصاصها صراحة كما في جنح المرور التي تقع من أو على القاضي أو عضو النيابة. ب) حصول النيابة العامة على تفويض من وزير الداخلية للتحقيق في جنحة معينة. ج) حالة إرتباط جنحة مع جناية بشكل لا يقبل التجزئة. وقد قضت محكمة التمييز أن ’’مؤدى النص في المادة 84 من قانون الجزاء على أنه "إذ [خطأ مطبعي] ارتكب الشخص جملة جرائم لغرض واحد بحيث ارتبطت ببعضها ارتباطا لا يقبل التجزئة وجب ألا يحكم بغير العقوبة المقررة لأشدها، أن تطبيق هذا النص يتطلب توافر شرطين أولهما وحدة الغرض والثاني عدم القابلية للتجزئة، وأنه في الجرائم التي تتكون من واقائع متماثلة تنفيذاً لنشاط إجرامي واحد يشترط للقول بوحدة الغرض فيها اتحاد الحق المعتدى عليه فإذا اختلف الحق وكان لكل واقعة كيان مستقل وذاتية وظروف خاصة تتحقق بها المغايرة التي يمتنع معها القول بوحدة الغرض والسبب في كل منها فإن الارتباط لا يتوافر بينهما، وأنه بتخلف ما يتطلبه النص المذكور تنتفي الوحدة الإجرامية التي عناها المشرع بالحكم الوارد فيه ويرتد الأمر إلى القاعدة العامة في التشريع العقابي‘‘(3).
    ولمحققي الإدارة العامة للتحقيقات مباشرة التحقيق في جناية معينة بعد إحالتها من قبل النيابة العامة. وأحسب أن هذا يتعارض مع ما رسمته المادة 167 من الدستور بجعل اختصاص محققو الداخلية منحصر في الجنح.
    *وفي حالة عدم توافر مبرر للخروج على الأصل العام، ما بين النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات، فإن إحالة أوراق القضية لعدم الإختصاص تكون واجبة. كأن يتضح لعضو النيابة أن الواقعة تثير شبهة جنحة لا يختص بها سواء بموجب نص صريح في القانون أو لعدم ورود تفويض من وزير الداخلية لمباشرة التحقيق. فعلى عضو النيابة كتابة مذكرة؛ يبين فيها التكييف القانوني الذي إنتهى إليه تحقيقه ومواد القانون الواجبة التطبيق عليها مع ذكر اختصاص الإدارة العامة للتحقيقات وفقاً للتنظيم الذي رسمته المادة 9 من قانون الإجراءات، ويقترح في ختامها إلغاء رقم الجناية المقيدة للأوراق وأرسالها للإدارة العامة للتحقيقات. أما إذا وجد عضو النيابة أن الجنحة لا تتوافر لها حالة إرتباط لا يقبل التجزئة، يأمر عضو النيابة بنسخ صورة من أوراق القضية لكي ترسل مع مذكرة للإدارة العامة للتحقيقات، كونها (التحقيقات) المختصة قانوناً(4).
    وذات الأمر ينسحب بالنسبة لمحققي الإدارة العامة للتحقيقات.
    ثانياً-ما بين النيابة العامة ولجنة التحقيق الخاصة في قانون محاكمة الوزراء: نصت المادة 132 من الدستور على أن: ((يحدد قانون خاص الجرائم التي تقع من الوزراء في تأدية أعمال وظائفهم، وبين إجراءات اتهامهم ومحاكمتهم والجهة المختصة بهذه المحاكمة، وذلك دون إخلال بتطبيق القوانين الأخرى في شأن ما يقع منهم من أفعال أو جرائم عادية، وما يترتب على أعمالهم من مسؤولية مدنية)). وعلة هذا النص واضحة في الحث على توفير الحماية لأصحاب الوظائف العليا في البلاد من الدعاوى الكيدية التي قد تعيقهم عن وظائفهم وبالتالي تعطيل مصالح الجمهور، خاصة أن تقلد تلك الوظائف تكليف لا تشريف.
    وتطبيقاً لذلك صدر القانون رقم 88 لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء. ونص هذا القانون تشكيل لجنة تحقيق من ثلاث مستشارين كويتيين بمحكمة الاستئناف (المادة 3/1 محاكمة الوزراء). وعهد القانون إلى هذه اللحنة دون غيرها، فحص البلاغات التي تقدم مكتوبة وموقعة إلى النائب العام وحده، ويحال هذا البلاغ للجنة خلال يومين على الأكثر. وللجنة كافة الاختصاصات المقررة قانوناً لسلطة التحقيق عدا الإجراءات التي تنطوي على المساس بشخص الوزير أو حرمة مسكنه. فإذا تبين لِلَجنة التحقيق جدية البلاغ، أمرت بالسير في الإجراءات ومباشرة التحقيق بنفسها أو بندب واحد أو أكثر من أعضائها لإجرائه، أما إذا تبين لها عدم جدية البلاغ أمرت بحفظه نهائياً، ويكون قرار الحفظ مسبباً (المادة 3/3،2 محاكمة الوزراء). وجعل المُشَرِّع للجنة التحقيق في سبيل أداء مهمتها كافة الاختصاصات المقررة قانوناً لسلطة التحقيق (المادة 4).
    * ورغم أن المادة 132 من الدستور، سالفة الذكر، لم تتكلم عن جهة خاصة يوكل إليها إتهام الوزراء، إلا أن المشرع العادي توسع في تفسير (إجراءات اتهام الوزراء) بحيث جعل هذه الإجراءات من اختصاص لجنة تحقيق خاصة. وبهذا يكون المشرع قد سلب اختصاص التحقيق والتصرف من النيابة العامة لصالح لجنة التحقيق الخاصة، وذلك بالنسبة إلى الجرائم التي تقع من الوزراء نتيجة قيامهم بأعمال وظيفتهم.
    *وهنا يطرح تساؤلين إثنين؛ الأول: إذا حصل أثناء تحقيق النيابة العامة في قضية ما أن توافرت حالة من الحالات المنصوص عليها في قانون محاكمة الوزراء، فما هو الإجراء السليم؟ أُرَجِّح إحالة (النيابة العامة) بلاغ بذلك إلى لجنة التحقيق، مع ملاحظة أن تطبيق المادة 14 من قانون محاكمة الوزراء قد يعلق في هذه الفرضية.
    والتساؤل الثاني: هل يُتَصَوَّر أن تحيل لجنة التحقيق الخاصة الوقائع التي ترى عدم إنطباقها لأحكام قانون محاكمة الوزراء إلى النيابة العامة لكي تباشر التحقيق فيها؟ خاصة أن قانون محاكمة الوزراء حدد الجرائم التي ينطبق عليها بالمادة 2 منه.
    أحسب أن لِلَجنة التحقيق الخاصة -إن لم يكن عليها- أن تحيل تلك الوقائع للنيابة العامة -في الجنايات وللتحقيقات في الجنح-، كون اختصاص اللجنة محدد بتوافر علاقة ما بين الجرم محل التحقيق وأعمال وظيفة الوزير، وبالتالي ما لا يتعلق بتلك الأعمال يرجع للأصل العام في قانون الإجراءات الجزائية. ولا يؤثر في ذلك صدور قرار بالحفظ كونه يقتصر على الوقائع التي ينطبق عليها قانون محاكمة الوزراء دون أن يتعداها إلى وقائع أخرى تخضع للأصل العام في قانون الجزاء والإجراءات الجزائية.
    ثالثاً-ما بين النيابات الجزئية في النيابة العامة: المبدء المُستَقَر عليه أن النيابة العامة وحدة واحدة لا تتجزأ، حيث نصت المادة 59 من المرسوم بقانون رقم 23 لسنة 1990، على أن ((النيابة العامة لا تتجزأ ويقوم أي عضو من أعضائها مقام الآخرين إلا إذا نص القانون على أن عملاً معيناً أو إجراء محدداً يدخل في اختصاص النائب العام أو المحامي العام أو رئيس النيابة)). بيد أن المشرع لإعتبارات خاصة رأى لزوم الخروج على المبدء السابق، بموجب نص تشريعي. وأكثر من ذلك، قرر السيد النائب العام الخروج عن هذا المبدء، لإعتبار حسن سير العمل في النيابة العامة بتحديد نيابات جزئية متخصصة. وبذلك تتعين الاحالة في النيابة العامة من الداخل. وسوف نعرض للاختصاص القانوني ونلحقه بالتنظيم الإداري، ونختم بملاحظة استدراكية.
    1) الإختصاص القانوني في النيابة العامة (نيابة الأحداث): أول ذكر لهذه النيابة ورد في من المادة 1/و، من القانون رقم 3 لسنة 1983 في شأن الأحداث، حيث جاء النص على أن نيابة الأحداث ((جهاز العدل الذي يضم أعضاء النيابة المعينين بغرض التحقيق والتصرف والادعاء في قضايا الجنايات والجنح التي يرتكبها الأحداث وغيرها من الاختصاصات المبينة بهذا القانون)). والحدث كما بينته المادة 1/أ، من ذات القانون، هو ((كل ذكر أو أنثى لم يبلغ من السن تمام السنة الثامنة عشر)). والعبرة بالسن وقت اكتشاف الجريمة،ويحدد بوثيقة رسمية أو لجنة طبية مختصة، ووفقاً للتقويم الميلادي. وإختصاص نيابة الأحداث من النظام العام فلا يجوز الاتفاق على مخالفته، كالتفويض مثلاً. ويكون هذا الاختصاص وفقاً للتالي:
    - إن كان الحدث أو مجموعة من الأحداث، اتهم (أو اتهموا) بارتكب جناية أم جنحة، فتختص بالتحقيق معهم نيابة الأحداث.
    - إن كان الحدث قد أتم 15 سنة وأتُّهِم مع بالغين بارتكاب جناية، فإن نيابة الأحداث تختص بالتحقيق مع جميع المتهمين.
    - إن كان الحدث لم يتم 15 سنة وأتُّهِم مع بالغين بارتكاب جناية، فإن نيابة الأحداث لا تختص بالتحقيق إلا مع معه هو، وتحيل باقي المتهمين للنيابة الجزئية المختصة، مع نسخ صورة من الأوراق.
    - إن كان الحدث أتُّهِم مع بالغين بارتكاب جنحة، فتختص نيابة الأحداث بالتحقيق مع الحدث، ويحال البالغين للإدارة العامة للتحقيقات، كونها صاحبة الإختصاص في مواد الجنح.
    وواضح للعيان حاجة تلك القواعد لإعادة التنظيم بحيث تضمن الحماية المطلوبة للحدث من دون تعقيد للإجراءات.
    2) التنظيم الإداري للنيابة العامة: أصدر السيد النائب العام سلسة قرارات تنظم العمل في النيابة العامة. حيث قرر إنشاء نيابة الشؤون التجارية (22/1981) ونيابة المخدرات والخمور (28/1982) ونيابة الأموال العامة (23/1985) وجهاز حماية المديونيات العامة (10/1994) ومكتب شؤون جرائم الحرب (15/1998).
    وأرى أنه لا يترتب أي بُطْلان على مخالفة هذه القرارات، تطبيقاً لقاعدة تَدَرُّجِ الأدوات القانونية، هذا من جهة ومن جهة أخرى، كون النيابة العامة وحدة واحدة لا تتجزأ -مالم ينص القانون على خلافه-. لهذا يصح تكملة التحقيق من نيابة أخرى أو حتى يباشره بالكامل عضو نيابة خارج إحدى التنظيمات السابقة. مع ملاحظة أنه وارد مؤاخذة هذا العضو إدارياً في هذه الحالة.
    3) ملاحظة استدراكية: صدر القانون رقم 3 لسنة 2006 بشأن المطبوعات والنشر، ونص في مادته ااـ 23 على أن ((تختص النيابة العامة دون غيرها بالتحقيق والتصرف والادعاء في جميع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، على أن تكون هناك نيابة متخصصة لهذه الجرائم)). فما هو مقصد المشرع مقوله (أن تكون هناك نيابة متخصصة)؟ فهل هو إختصاص بموجب القانون أم لا؟
    أحسب أن المقصود من ذلك هو إرشاد النيابة العامة متمثلة بالسيد النائب العام في انشاء نيابة لهذه الجرائم، كون المتهمين فيها من أصحاب الرأي والفكر، مما يستتبع معه عزلهم عن غيرهم من المنهمين العاديين هذا من جهة ومن جهة أخرى أن المشرع لو أراد إستحداث نيابة مختصة لأفرد لها نصاً واضحاً بذلك كما هو مقرر لنيابة الأحداث. وبالتالي لا تأثر مخالفة هذا التخصيص –في تقديرنا- بصحة إجراءات الدعوى أو بتعبير آخر؛ لا يترتب البطلان كأثر قانوني على مخالفة ذلك.
    *وبعد ما استعرضنا أهم قرارات الإحالة لعدم الإختصاص متى ما كانت النيابة العامة طرفاً، أرى ضرورة الإشارة للملاحظات التالية:
    -هل يجب إعلان الخصوم بهذا القرار؟ لم ينص قانون الإجراءات على ذلك، بيد أننا يمكن أن نستخلص وجوبه قياساً على إعلان باقي قرارت التصرف في التحقيق، حيث أن المادة 102/2 من قانون الإجراءات تنص على أن ((...يعلن قرار التصرف في التحقيق في الحالتين [الإحالة للمحكمة وحفظ التحقيق] للخصوم)).
    -إذا ما تم رفع الدعوى الجزائية من دون مراعات قواعد الإختصاص، فيتعين الحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة. والحكم بعدم القبول لا يحول دون حق المختص برفع الدعوى من جديد (المادة 147 إجراءات).
    -ويتبادر إلى الذهن سؤال عن ما إذا ما تم التحقيق من غير مختص؛ وتنبه لذلك بقرار الإحالة لعدم للإختصاص. فما هو الحكم القانوني المترتب على الإجراءات التي تمت؟ أحسب أن الجواب سلامة تلك الإجراءات مالم يتعلق تحريك الدعوى الجزائية على قيد (الإذن أو الطلب أو الشكوى). وقد قضت محكمة التمييز بأنه ’’من المقرر أن أعمال الإجرائية تكون محكومة من جهتي الصحة والبطلان بمقدماتها لا بنتائجها، فإن النعي بتحقيق الواقعة في بدايتها بمعرفة المحقق بدلا من النيابة العامة بوصفها جنحة وقبل ثبوت وصف الجناية يكون غير سديد‘‘(5).



    -ولم يتظم قانون الإجراءات الجزائية حالة التنازع السلبي للإختصاص أو الإحالة على الإحالة. كما لو إنتهت سلطة التحقيق إلى عدم إختصاصها بالقضية التي سبق وأن أحيلت إليها؟ جرى العمل على جواز الإحالة على الإحالة، خاصة أن لمحكمة الموضوع القول الفصل في تكييف التهمة علاوة على تغييرها. والعدالة تقتضي حكماً واضحاً في ذلك، ولهذا أرى توحيد جهات التحقيق بالتزام الأصل الدستوري بحصر تولي الدعوى العمومية للنيابة العامة وحدها.
    وبهذا نكون قد فرغنا من عرض الإحالة ما بين جهات التحقيق. وننتقل في المطلب التالي إلى الإحالة للمحكمة بموصف قرار تستمر فيه الدعوى الجزائية.


    المطلب الثاني: الاحالة للمحكمة المختصة
    ينقسم هذا المطلب إلى فرعين نخصص الأول لما يمكن تسميته بالقواعد العامة لقرار الإحالة للمحكمة من حيث؛ تعريفه وإجراءاته والأثر المترتب عليه وشروطه. بينما نجعل الثاني في عرض المحاكم المحتصة بنظر الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي.
    الفرع الأول: القواعد العامة لقرار الإحالة للمحكمة
    *يمكن تعريف قرار الإحالة للمحكمة بأنه ’’الأمر الذي يقرر به المحقق ادخال الدعوى في حوزة المحكمة المختصة. والأمر بالا ح الة هو –على هذا النحو- قرار بنقل الدعوى من مرحلة التحقيق الابتدائي الى مرحلة المحاكمة ." (6)
    *وقرار الإحالة إلى المحكمة المختصة يسبقه إعداد المحقق الذي باشر التحقيق مذكرة بالرأي، وقائمة أدلة الثبوت وقيد ووصف التهمة إن كانت التهمة جناية، ويحيل (المحقق) الأوراق إلى الرئاسة؛ النيابة الكلية في النيابة العامة، والإدعاء العام في إدارة التحقيقات، التي تأمر (الرئاسة) بالإحالة [للمزيد فيما يسبق قرار الإحالة راجع: صلاح يوسف محمد: 6إ لى 14، ورئيس التحقيق]. وتتم الإحالة بصحيفة إتهام التي نصت عليها المادة 130 من قانون الإجراءات وعددت البيانات المكونة لها عندما قالت: ((تُرفع الدعوى الجزائية إلى المحكمة المختصة بصحيفة اتهام تحتوي، إلى جانب البيانات الواجب ذكرها في كل ورقة من أوراق المرافعات، على البيانات الآتية:
    1- تعيين المدعي ببيان اسمه وصفته.
    2- تعيين المتهم، ويكون ذلك عادة بذكر الاسم ومحل الإقامة وغير ذلك من البيانات التي تكون ضرورية لتعيين الشخص.
    3- بيان الجريمة موضوع الدعوى، بذكر الأفعال المنسوب صدورها إلى المتهم من حيث طبيعتها، وزمانها، ومكانها، وظروفها وكيفية ارتكابها، ونتائجها، وغير ذلك مما يكون ضرورياً لتعيين الجريمة.
    4- الوصف القانوني للجريمة، وذلك بذكر المواد القانونية التي تنطبق عليها، والاسم الذي يطلقه القانون عليها إن وجد، مع ذكر ما يرتبط بها من ظروف مشددة أو وقائع مكونة لجرائم أخرى.
    5- بيان الأدلة على وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم، بذكر أسماء الشهود أو القرائن المادية أو الأشياء المضبوطة، مع الإشارة إلى إجراءات الشرطة أو المحققين بشأن هذه الدعوى وما انتهت إليه وقت رفع الدعوى.
    ولا يعتبر إغفال أي من هذه البيانات أو الخطأ فيه جوهريا، إلا إذا كان من شأنه تضليل المتهم تضليلاً تختل معه الأغراض التي توخاها القانون من ذكر هذه البيانات)) .
    وقد قضت محكمة التمييز في هذا الصدد أنه ’’من المقرر أن الدعوى الجزائية لا تعتبر مرفوعة بمجرد التاشير من النيابة العامة بتقديمها إلى المحاكمة، لأن التأشير بذلك لا يعدو أن يكون أمراً إدارياً إلى قلم كتاب النيابة العامة لإعداد ورقة التكليف بالحضور، حتى إذا ما أعدت ووقعها عضو النيابة العامة، جرى من بعد إعلانها وفقا للقانون، ومن بينها صحة رفع الدعوى الجزائية واتصال المحكمة بموضوعها. ولما كان الثابت من الأوراق أن الدعوى العمومية سعى بها رافعها إلى محكمة أول درجة، اكتفاء بتأشيرة المحامي العام بإحالة القضية إلى المستشار رئيس المحكمة الكلية بتقرير الإتهام لتحديد جلسة لنظرها، دون توقيع هذا التقرير منه أو من غيره من أعضاء النيابة العامة – على النحو سالف الذكر- أو بيان اسم من أصدره، بما يضحى معه السعي إلى ساحة المحكمة منعدماً‘‘(7).
    وفي حكم آخر قضت بأن ’’تقرير الإتهام هو ورقة رسمية من أوراق الإجراءات في الخصومة، وطبقاً للقواعد العامة التي توجب إثبات تصرف سلطة الاتهام في الدعوى،




    [1] والإختصاص في مجال قانون الاجراءات الجزائية ينقسم الى: مكاني يحدد؛ بمكان وقوع الجريمة أو القبض على المتهم أو محل إقامته، مع ملاحظة عدم وجود إختصاص مكاني في دولة الكويت مصدره القانون. ونوعي يتحدد، بنوع الجريمة المرتكبة ومثال ذلك إختصاص النيابة في جرائم الجنايات وإدارة التحقيقات في جرائم الجنح بحسب الأصل. وإختصاص شخصي يتحدد، بشخص المتهم والمثال الظاهر فيه هو إختصاص نيابة الأحدداث بالتحقيق والتصرف والإدعاء مع الحدث.
    [2] فايز الظفيري، المعالم الأساسية للقضية العادلة في مرحلة الاستدلالات والتحقيق الابتدائي وفقا لمفهوم القانون الكويتي ط1 (الكويت: جامعة الكويت، 2001)، ص 246.
    [3] مجموعة القواعد القانونية، المجلد السابع، ص 200: الطعن 217/96 جزائي، جلسة 3/11/1997.
    [4] صلاح يوسف محمد، محاضرات حول متطلبات عرض القضايا على النيابة العامة، الجزء الثاني: تصرفات وقرارات النيابة العامة بعد الإنتهاء من التحقيق والطعن في قراراتها الصادرة بحفظ التحقيق، غير منشور (الكويت: معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية)، ص 3-4.
    [5] مجموعة القواعد القانونية، المجلد السابع، ص 114: الطعن 317/99 جزائي، جلسة 18/4/2000.
    [6] محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية ط3 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1998)، ص 617. مع ملاحظة عدم وجود قضاء الاحالة في التشريع الكويتي.
    [7] مجموعة القواعد القانونية، المجلد الثامن، ص 123: الطعن 117/99 جزائي، جلسة 2/11/1999


    hgjwvt td hgjprdr hghfj]hzd


  2. #2

    افتراضي رد: التصرف في التحقيق الابتدائي

    يجب أن تكون هذه الورقة موقعة من صاحب الصفة في إصدارها لأن التوقيع هو السند الوحيد الذي يشهد بصدورها عنه، وبغير هذا التوقيع تكون هي والعدم سواء ولا أثر لها في الخصومة، فلا يقتصر أمر خلوها من توقيع من أصدرها على مجرد نفي أحد شروط صحتها بما يؤدي إلى بطلانها، وإنما يجاوز ذلك إلى نفي أحد مقومات وجودها قانوناً، أي انعدامها، إذ أن تلك الورقة تكتسب وجودها القانوني كتقرير إتهام في الدعوى من توقيع صاحب الصفة عليها، ومن ثم فإن اتصال المحكمة الجزائية بالدعوى، قبل توقيع تقرير الاتهام من عضو النيابة المختص يكون معدوما‘‘ [1] .
    *والأثر المترتب على هذا القرار هو خروج الدعوى من مرحلة التحقيق (أي حوزة سلطة التحقيق) إلى مرحلة المحاكمة التي تلتزم بالفصل فيها [2]، الأمر الذي يسحب ولاية التحقيق عن الجهة التي باشرته فلا تملك أن تأخذ أي إجراء من إجراءاته [3]. ومع ذلك للمحكمة في الدعوى الجزائية أن تحكم بعدم قبو الدعوى إن كان فيها عيبا شكلياًً جوهرياً لا يمكن تصحيحه (المادة 146/2 إجراءات) ولا يمنع هذا الحكم جهة الإدعاء من إعادة رفع الدعوى من جديد بعد توافر الشروط القانونية الواجبة (المادة 147 إجراءات).
    *والشروط قرار التقديم للمحاكمة بينتها المادة 102 من قانون الإجراءات حيث نصت على التالي ((على المحقق بعد تمام التحقيق، إذا وجد أن هناك جريمة يجب تقديمها للمحاكمة، وأن الأدلة ضد المتهم كافية، أن يقدمه إلى المحكمة المختصة لمحاكمته)). ونستخلص تطلب ثلاثة شروط، نعرض لها بإيجاز:
    أ*) وجوب الاعتقاد بوجود جريمة. لأن مجرد الظن بوجودها يدل على عدم إتمام التحقيق. بل يجب اكتمال أركان الجريمة لدى المحقق، وإلا تعين عدم السير بالدعوى.
    ب*) جريمة يجب تقديمها للمحاكم، بمعنى عدم توافر مانع يحول دون تقديمها للمحاكمة وسيأتي بيانها عند التكلم عن حفظ التحقيق ؛ كأن يتحقق سبب إباحة [4]، أو سبب من أسباب عدم المسؤولية الجنائية، أو سبب من أسباب عدم العقاب، أو أن تكون الدعوى قد انقضت لأي سبب من أسباب الانقضاء. أو حتى لتعلق الدعوى على قيد لم يرفع. مع ملاحظة عدم جواز التحقيق بداية في الموضوع من دون رفع هذا قيد.
    ت*) توافر أدلة كافية ضد المتهم -بطبيعة الحال-. والرأي الغالب يذهب إلى مجرد إقتناع المحقق برجحان الإدانة ليأمر عند القرار بالإحالة للمحكمة، أما الاقتناع لدرجة اليقين فيترك -وفق هذا الرأي- للمحكمة [5].
    فإذا توافرت هذه الشروط مجتمعة، فيجب إحالة الدعوى الجزائية (تقديمها) للمحكمة المختصة. مع ملاحظة مانصت علية المادة 104 إجراءات بشأن الحفظ لعدم الأهمية، كما سيأتي بيانه. وإعلان القرار للخصوم (المادة 102/2 إجراءات)، وهم المتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والمدعي المدني. وقرار الإحالة للمحكمة غير قابل لأي طريق من طرق الطعن [6].
    وقد قضت محكمة التمييز بأنه ’’من المقرر أن مجازاة الموظف بصفة إدارية أو توقيع عقوبة تأديبية عليه عن فعل وقع لا يحول أيهما دون إمكان محاكمته أمام المحاكم الجزائية بمقتضى أحكام قانون الجزاء عن كل جريمة يتصف بها هذا الفعل وذلك لاختلاف أساس الدعويين الجزائية والتأديبية مما لا يمكن معه أن يحوز القضاء في الدعوى التأديبية قوة الشيء المحكوم فيه بالنسبة إلى الدعوى الجزائية‘‘ [7].
    *ولما كان القانون لم يستلزم تسبيب قرار الإحالة للمحكمة، ذهب رأي في الفقه [8] إلى تبرر ذلك: بأن الدعوى ستعرض على القضاء الذي يملك إعادة تحقيقها، وأن مجرد الأمر بالإحالة يفهم منه توافر أسبابه. ومع الأخذ في الإعتبار كثرة القضايا في الواقع العملي، إلا أنني أميل إلى تسبيب هذا القرار وإن لم ينص على ذلك: 1) تحقيقاً لصفة الخصم الشريف عند رافع الدعوى العمومية (النيابة العامة على الأقل)، 2) وحتى تلم المحكمة بوجهة نظر سلطة التحقيق، 3) وإثراءاً للعمل القضائي.
    وأتفق من الرأي [9] القائل بوجوب الفصل في وضع المتهم المحبوس إحتياطياً؛ سواء بالإفراج عنه أو استمرار حبسة، وذلك وفقاً للقواعد العامة في هذا الصدد.
    الفرع الثاني: المحكمة المختصة بنظر الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي
    *هذا وبعد أن مررنا على ما يمكن تسميته بالقواعد العامة بشأن الإحالة للمحكمة، نعرض للمحاكم المختصة بنظر الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي. حيث نصت المادة 2/1 من قانون الإجراءات على أن ((تتولى المحكاكم الجزائية محاكمة المتهمين بارتكاب الجنايات والجنح، في حدود المنصوص عليه في هذا القانون، وطبقاً للإجراءات المنصوص عليها فيه)). وقد حددت المادة 3 من ذات القانون محاكم الدرجة الأولى –التي تحال لها الدعوى إبتداءاً- كأصل عام في ((محكمة الجنح ومحكمة الجنايات)).
    ومع ذلك إرتئا المشرع إنشاء محاكم خاصة لنظر نوع معين من الدعاوى الجزائية. وعليه يمكن حصر المحاكم المختصة بنظر الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي في ثلاثة؛ فإما أن تكون محكمة الجنح، أو محكمة الجنايات، أو محكمة خاصة إستناداً لقانون خاص. وسنبين ذلك على التوالي:
    أولاً-الإحالة لمحكمة الجنح: وتختص بنظر جميع الجنح التي ترفع إليها، وتتألف من قاض فرد من قضاة المحكمة الكلية (المادة 4 إجراءات). ومع الأخذ بالإعتبار أن قانون الإجراءات لم يستلزم التحقيق في جرائم الجنح، خلافاً للجنايات، حيث أجازت المادة 36 الاكتفاء بالنسبة لجرائم الجنح ((في تقديم الدعوى إلى المحكمة، بتحريات رجال الشرطة)). وذلك بإتباع ما رسمته المادة 47 من قانون الإجراءات حيث تنص على أن ((للمحقق، عندما يصله بلاغ أو محضر تحريات من الشرطة بشأن حادث معين، أن يتصرف على أحد الأوجه الآتية تبعا لما تقتضيه أهمية الجريمة وظروفها: أولاً-... ثانياً-... ثالثاً-... رابعاً-أن يرفع الدعوى إلى المحكمة ضد المتهم وفقاً للقواعد المقررة في المادة "102"...)).
    ثانياً-الإحالة لمحكمة الجنايات: وتختص بنظر جميع قضايا الجنايات التي ترفع إليها، وتتألف من ثلاثة قضاة من قضاة المحكمة الكيلة (المادة 7 إجراءات). ولابد أن يسبق قرار الإحالة لمحكمة الجنايات تحقيق ابتدائي (المادة 36/1 إجراءات). ولا تثبت سلطة التصرف بالاحالة للمحكمة بالنسبة إلى الجنايات، إلا لأعضاء النيابة العامة (المادة 102/1 إجراءات). وتختص محكمة الجنايات بنظر الجنايات المتهم فيها حدث مع بالغين (المادة 28/1 من قانون الأحداث).
    وعلاوة على ذلك تختص محكمة الجنايات بنظر الجنح في حالتين:
    أ*) إن كانت مرتبطة مع جناية. حيث أن المادة 135 من قانون الإجراءات نصت على أن ((ترفع إلى محكمة الجنايات قضايا الجنح المرتبطة بقضايا الجنايات المنظورة أمامها...)).
    ب*) إذا نص القانون على ذلك؛ كما في المادة 24 من قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 2006، حيث نصت على أن ((دائرة الجنايات في المحكمة الكلية هي المختصة بنظر جميع الدعاوى الجزائية المنصوص عليها في هذا القانون...))، سواء أكان معاقب عليها بالعقوبة المرصودة للجنايات أو للجنح.
    ويوجد رأي [10] يذهب إلى عدم وجود مبرر لمخالفة قواعد الإختصاص في شأن جرائم المطبوعات والنشر، كون علة هذا الإختصاص الإستثنائي وُجدت في فرنسا لعرض القضايا المتهم فيها صحفيين على محكمة مشكلة من هيئة محلفين بجوار القضاة المتمرسين في القانون، رغباتاً في توفير هامش أكبر من العدالة. وقد ألغي هذا الإستثناء وبالتالي كان الحري بالتشريع الكويتي أن لا يبقي عليه. إلا أنني لا أتفق مع ذلك، حيث إنه من المسلم به أن ضمانة نظر القضية من ثلاث قضاة أكبر من قاض واحد.
    ثالثاً-الإحالة إلى المحاكم الخاصة: وهذه المحاكم قد أُنشئت وحددت إختصاصها بموجب نصوص خاصة. ونذكر أنه تم إلغاء محكمة أمن الدولة بالقانون رقم 55 لسنة 1995. وهي كتالتي:
    1) المحكمة الخاصة بمحاكمة الوزراء: أوجبت المادة 132 من الدستور على القانون الخاص بجرائم الوزراء في ما يتعلق بتأديتهم لوظائفهم، بأن يحدد ذلك القانون (الجهة المختصة بمحاكمتهم). وتطبيقاً لذلك صدر القانون رقم 88 لسنة 1995 ونص في المادة 8 منه على تشكيل هذه المحكمة ((من خمسة من المستشارين الكويتيين بمحكمة الاستئناف دون غيرهم...)). أما قرار الإحالة لهذه المحكمة، فتصدره لجنة التحقيق الخاصة، وفقاً للمادة 6/1 من ذات القانون التي تنص على التالي ((على اللجنة بعد تمام التحقيق، إذا تبين لها أن هناك جريمة من الجرائم المبينة في المادة الثانية من هذا القانون، وأن الأدلة كافية، أن تعد قرار الاتهام وقائمة بأدلة الثبوت بالنسبة للوزير وأي فاعلين آخرين وشركاء، وأن تأمر بإحالة القضية إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة الثامنة)). وهذه المادة تماثل ما نص عليه قانون الإجراءات الجزائية في هذا الصدد، عدى اشتراط أن تكون الجريمة من الجرائم المبينة في المادة 2 من قانون محاكمة الوزراء.
    2) محكمة الأحداث: وجاء النص عليها في القانون رقم 3 لسنة 1983 بشأن الأحداث، بالمادة 1/د والمواد من 25 إلى 38. وتشكل من قاض واحد. وهي مختصة بنظر قضايا الأحداث المرفوعة لها من نيابة الأحداث سواء أكانت جناية أم جنحة.
    3) محكمة المرور: نُص عليها بالقانون رقم 22 لسنة 1960 بتنظيم محكمة المرور. وتشكل من قاضٍ واحد من قضاة المحكمة الكلية بناء على إنتداب من وزير العدل (المادة 2 من القانون). وينعقد لها الإختصاص بنظر الجنح والمخالفات المرورية، والجنح المنصوص عليها في المادتين 154 و 164 من قانون الجزاء إذا نشأت عن مخالفة لقانون المرور رقم 67 لسنة 1976.
    4) المحاكم العسكرية: وتجد أصلها في عجز المادة 164 من الدستور حيث تنص على أن ((...يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية، في غير حالة الحكم العرفي، على الجرائم العسكرية التي تقع من أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن، وذلك في الحدود التي يقررها القانون)). ولكن إلى الآن لم يصدر قانون خاص بالجرائم العسكرية وعقوباتها وقواعد إجراء محاكماتها. لهذا أفتت إدارة الفتوى والتشريع بأن القضاء العادي هو المختص بمحاكمة العسكريين [11].
    5) المحاكم العرفية: صدر القانون رقم 22 لسنة 1967 في شأن الأحكام العرفية، ونص في مادته السابعة على تشكيل محكمة عرفية برئاسة قاض من قضاة المحكمة الكلية واثنين من الضباط برتبة نقيب أو أعلى. وفي حالة جريمة معاقب فيها بالحبس أكثر من سنة، فتشكل الحكمة العرفية من ثلاثة قضاة وضابطين من الضباط العظام. والاحالة تكون من السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية، ولم يتطلب قانون الأحكام العرفية إجراء تحقيق قبل رفع الدعوى، بل نص على جواز إختصار الإجراءات (المادة الثامنة من ذات القانون).
    وبهذا نكون قد بينا قرار الإحالة للمحكمة، وبالتالي فرغنا من عرض قرارات التصرف في التحقيق الابتدائي التي تستمر فيها الدعوى الجزائية، سواء بقيت الدعوى عند مرحلة التحقيق (قرار عدم الإختصاص) أو إنتقلت لمرحلة المحاكمة (قرار الإحالة). وننتقل للمبحث الثاني الخاص بقرارات التصرف بالتحقيق الابتدائي التي توقف الدعوى الجزائية.



    المبحث الثاني: قرارات توقف الدعوى الجزائية وحجيتها
    على المحقق بعد -مباشرة التحقيق- إصدار قرار بالتصرف في التحقيق. وقد عرضا في المبحث الأول القرارات التي تستمر معها الدعوى الجزائية، ونخصص هذا المبحث للقرارات التي توقف الدعوى الجزائية، من حيث ما هيتها ومن ثم حجيتها.
    فقد نصت المادة 103 من قانون الإجراءات على القرارات ذات أثر الوقف حيث تقول أن: ((قرار حفظ التحقيق يترتب عليه وقف سير الدعوى ووقف التحقيق...)). بينما قضت المادة 102/2 من قانون الإجراءات على أنه ((...إذا وجد [المحقق] أن المتهم لم يعترف، وأن الأدلة غير كافية، فله أن يصدر قرار بحفظ التحقيق مؤقتاً. ويصدر قرار بحفظ التحقيق نهائياً إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى المتهم لا صحة لها أو لا جريمة فيها...)). وسنبين ما هية قرارات حفظ التحقيق ومن ثم حجية هذه القرارات.
    *وقبل الشروع في ذلك، لا بد -ونحن بالبداية- من أن نفرق ما بين قرارات حفظ التحقيق وقرارات حفظ الأوراق. فقرار حفظ الأوراق لا يسبقه تحقيق في الواقعة، يصدره المحقق على ضوء محضر تحريات الشرطة أو ما وصله من بلاغ، كما بينت ذلك المادة 47 من قانون الإجراءات حيث نصت على أن ((للمحقق، عندما يصله بلاغ أو محضر تحريات من الشرطة بشأن حادث معين، أن يتصرف على أحد الأوجه الآتية تبعا لما تقتضيه أهمية الجريمة وظروفها: أولاً-... ثانياً-... ثالثاً-... رابعاً-...خامساً-أن يصدر قراراً بحفظ الأوراق وفقاً للقواعد المقررة في المادة "102")). وقرار حفظ الأوراق ذو صفة ادارية، ليس له حجية تمنع مباشرة التحقيق بعد صدوره، فللمحقق الرجوع عنه في أي وقت.
    والعبرة بحقيقة الواقع، في التمييز ما بين قرار حفظ التحقيق وقرار حفظ الأوراق، بغض النظر عن مسمى قرار الحفظ. كما لو صدر قرار بحفظ الأوراق بعد تحقيق قامت فيه سلطة التحقيق أو إنتدبت غيرها للقيام فيه، فهذا القرار في حقيقته قرار بحفظ التحقيق كون الندب إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي، إذا لم يقم المنتدب للتحقيق بإجراء آخر من إجراءات التحقيق [12].
    والشرط الوحيد لصدور قرار حفظ الأوراق هو أن يكون موضوعه مادة من مواد الجنح، ذلك أن التحقيق بجميع مواد الجنايات واجب على المحقق (المادة 36/1 إجراءات). إلا أنني أرى إتحالد العلة في حفظ الأوراق ما بين مواد الجنح ومواد الجنايات، فوضع حكم مختلف على أساس خطورة الجنايات لا مبرر له –برأينا- ما دام العدول عن قرار حفظ الأراق جائز في أي وقت.
    ويرى الأستاذ الدكتور حسن صادق المرصفاوي [13] صحة صدور قرار حفظ الأوراق في ’’الأحوال التي لا يجوز فيها رفع الدعوى الجزائية، كحالة صغر السن أو سقوط الحق في رفع الدعوى بالتقادم أو سقوط الدعوى بالوفاة‘‘، وأكثر من ذلك، يرى سعاتده جواز صدور قرار بحفظ الأوراق في جريمة مكتملة الأركان، ما دام الرجوع عن القرار جائز إلى حين سقوط الدعوى الجزائية.
    وبعد، سنعرض في المطلبين التاليين صور القرارات التي توقف السير في الدعوى (قرارات حفظ التحقيق). ومن ثم نبين حجية وقف الدعوى الجزائية بناء على قرار حفظ التحقيق.


    المطلب الأول: القرارات التي توقف السير في الدعوى الجزائية
    ورد ذكر قرارات حفظ التحقيق بالمادة 102/2 من قانون الإجراءات، حيث أنها نصت على أنه ((...إذا وجد [المحقق] أن المتهم لم يعرف، أو أن الأدلة عليه غير كافية، فله أن يصدر قرار بحفظ التحقيق مؤقتا. ويصدر قرارا بحفظ التحقيق نهائيا إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى المتهم لا صحة لها أو لا جريمة فيها...)). ولكن ما المقصود بقرار حفظ التحقيق؟
    *يمكن تعريف قرار حفظ التحقيق بأنه: القرار المكتوب الذي تتخذه سلطة التحقيق المختصة، بوصفها سلطة اتهام وبعد مباشرة التحقيق، في عدم السير بالدعوى الجزائية، سواء باستكمال التحقيق فيها أو برفعها، وذلك بناء على التزام قانوني أو عذر موضوعي أو حتى ملائمة تقديرية. وهذا القرار له صفة قضائية [14].
    هذا وأتفق مع من قال بأنه لا يشترط أن يصدر قرار حفظ التحقيق ’’بعد إتمام التحقيق‘‘ كما هو الحال في قرارات الإحالة للمحكمة، التي عرضنا لها في المبحث الأول. حيث أن المادة 103 من قانون الإجراءات تنص على أن ((قرار حظ التحقيق يترتب عليه وقف السير في الدعوى ووقف التحقيق إلى أن تظهر أدلة جديدة تستوجب إعادة فتح التحقيق وإكماله)). ومع هذا فالأصل أن تصدر قرارات حفظ التحقيق بعد الفراغ من التحقيق، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من صدورها قبل إكتمال التحقيق، بطبيعة الحال. كأن يصدر عفو شامل (بقانون) يمسح صفة التجريم والعقاب للجريمة محل التحقيق.
    *شروط قرار حفظ التحقيق: قد قضت دائرة التمييز بمحكمة الاستئناف العليا [15]. بأن ’’المشرع لم يشترط ان يتضمن القرار بحفظ التحقيق ذكر أسباب له، ومعرفة هذه الأسباب لا يؤخذ بالاستنتاج أو الظن بل يجب لمعرفتها ان يكون القرار مدونا بالكتابة وصريحا بذات ألفاظه في ان من أصدره قد ركن في إصداره الى أسباب موضوعية أو قانونية‘‘. وبناء على هذا الحكم يشترط لقيام قرار بحفظ التحقيق مراعات أمران:
    أ) مراعات الشكل ، من حيث كتابة القرار مع كل ما يسبق ذلك من إختصاص ويلحقه من توقيع وتأريخ. ومن نافلة الكلام التأكيد على القرارات الشفوية لا محل لها. هذا من جهة ومن جهة أخرى، صراحة ألفاظ القرار في ما إنتها إليه. وقضت محكمة التمييز بأن قرار حفظ التحقيق ’’لا يؤخذ بالاستنتاج أو الظن ولا يثبت بأدلة أخرى إلا في حالة أن يستفاد من تصرف أو إجراء يترتب عليه حتما – وبطريق اللزوم العقلي ذلك القرار. فمتى كانت النيابة العامة لم تصدر قراراً كتابياً صريحاً بحفظ التحقيق بالنسبة إلى متهم في جناية بل كال ما صدر عنها هو أنها رفعت الدعوى على أحد المتهمين دون الآخر فإن ذلك لا يفيد على وجه القطع واللزوم أنها حفظت الدعوى بالنسبة إلى آخر بما يمنعها من رفع الدعوى عليه بعد ذلك، كما لا يكفي للقول بصدور قرار بحفظ التحقيق نهائياً طلب النيابة العامة من الجهة الإدارية التي يتبعها المتهم مجازاته إدارياً عما اسند إليه وإخطارها بالجزاء الإداري الموقع عليه حتى يمكنها التصرف في الدعوى بالنسبة له إذ ليس من شأنه أن يمنع النيابة العامة من رفع الدعوى الجزائية عليه بعد ذلك، كما في حالة ما إذا لم تستجب الجهة الإدارية لهذا الطلب أو وقعت جزاءاً إدارياً غير ملائم ولا يتناسب مع الوقائع المسندة إليه، مادام أنها لم تصدر أمراً صريحاً مكتوباً بحفظ التحقيق بالنسبة للمتهم‘‘ [16].
    ب) مراعات المضمون ، من حيث الاستناد إلى أسباب موضوعية أو قانونية. وهذه الأسباب أشار لها الحكم السابق عندما قضى بأن ’’النص في المادة 102 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية على أن ((للمحقق بعد اتمام التحقيق اذا وجد ان هناك جريمة يجب تقديمها الى المحاكمة، وان الادلة ضد المتهم كافية، ان يقدمه الى المحكمة المختصة لمحاكمته. أما اذا وجد ان المتهم لم يعترف، أو أن الأدلة عليه غير كافية، فله ان يصدر قرارا بحفظ التحقيق مؤقتا، ويصدر قرار بحفظ التحقيق نهائيا اذا كانت الوقائع المنسوبة الى المتهم لا صحة لها أو لاجريمة فيها..))، وفي المادة 103 من ذات القانون على ان ((قرار حفظ التحقيق يترتب عليه وقف السير في الدعوى ووقف التحقيق الى ان تظهر أدلة جديدة تستوجب اعادة التحقيق واكماله)) يدل على أن المشرع ناط بسلطة التحقيق إصدار قرار مؤقت بحفظ التحقيق لاسباب موضوعية، كما اذا لم يؤد التحقيق الى معرفة مرتكب الجريمة او كانت الادلة عليه غير كافية، أو إصدار قرار نهائي لأسباب قانونية مثل عدم صحة الواقعة المنسوبة للمتهم أو كون الفعل لا يعتبر جريمة‘‘.
    وسوف نعرض لصور حفظ التحقيق، كما عرضها الحكم السابق من؛ حفظ مؤقت لأسباب موضوعية، وحفظ نهائي لأسباب قانونية. كل في فرع مستقل.
    الفرع الأول: حفظ التحقيق مؤقتاً بناء على أسباب موضوعية
    هذه الأسباب نصت عليها المادة 102/2 من قانون الإجراءات وتتلخص في حالتين؛ عدم معرفة المتهم، وعدم كفاية الأدلة. وقد اعتبرهما حكم دائرة التمييز السابق الإشارة إليه سببان موضوعيان. ونبدأ بالصورة الأولى:
    أولاً-حفظ التحقيق لعدم معرفة الفاعل: ورغم أنه لا يتصور رفع دعوى على مجهول، بعتبار أن شخص المتهم يكاد يكون جوهر الدعوى الجزائية، إلا أن حكم دائرة التمييز إعتبر هذه الحالة من قبيل الأسباب الموضوعية. ومع هذا –أرى- إمكانية التوسع في مدلول عدم كفاية الأدلة لإضفاء صفة الموضوعية على هذه الحالة، كون أهم دليل في الدعوى وهو نسبة الواقعة إلى متهم، لم يتحصل عليه المحقق بعد. وهذا ما ينقلنا إلى الصورة الثانية.
    ثانياً-حفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة: يفترض هنا أن يكون المتهم معلوم وأن الجريمة مكتملة الأركان وأن الدعوى الجزائية صالحة لرفعها، لكن ضعف الأدلة ضده حال دون استمرار الدعوى الجزائية قبله. مثل المتهم الذي تضبط معه مواد مخدرة بدون ترخيص لكن نتيجة تفتيش باطل. ولذلك تصدر سلطة التحقيق هذا القرار، حتى لا تضيع فرصة القصاص من المتهم متى ما ظهرت أدلة جديدة. لأن القاعدة في الإثبات الجزائي أن ’’الشك يفسر لصالح المتهم‘‘ وأنه متى ما قضي ببرائت هذا المتهم فإن قاعدة أخرى تحول دون ملاحقته؛ ’’عدم جواز مكاكمة الشخص الواحد عن فعل واحد مرتيتن‘‘ [17].
    الفرع الثاني: حفظ التحقيق نهائياً بناء على أسباب قانونية
    إعتبر حكم دائرة التمييز السابق الإشارة إليه أن قرارات حفظ التحقيق نهائياً تقوم على أسباب قانونية. ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى نوعين؛ النوع الأول الحالات التي نص عليه صراحة قانون الإجراءات في المادة 102/2. أما النوع الثاني فهو ما يثبت بمفهوم المخالفة لما قضت عليه الفقرة الأولى من المادة السابقة حين قالت: ((...جريمة يجب تقديمها للمحاكمة...)). وسوف نبين ذلك على التوالي:
    أولاً-صور حفظ التحقيق نهائياً النصوص عليها: سواء ما جاء بالمادة 102/2 من قانون الإجراءات من أن المحقق يصدر ((قرارا بحفظ التحقيق نهائيا إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى المتهم لا صحة لها أو لا جريمة فيها)). أو ما جاء بالمادة 104 من ذات القانون من أنه ((لرئيس الشرطة والأمن العام أن يصدر قرارا بحفظ التحقيق نهائيا ولو كانت هناك جريمة وكانت الأدلة كافية إذا وجد في تفاهة الجريمة أو ظروفها ما يبرر هذا التصرف)). وعليه أرى تقسيم هذه الحزمة من القرارات إلى ثلاثة صور:
    1) الحفظ النهائي لعدم صحة الواقعة: كما جاء بالمادة 102/2. فإذا قدم بلاغ عن واقعة تبين عدم صحتها يصار إلى هذا القرار. كمن يبلغ عن سرقة سيارة يتبن أنها كانت مع إبنه إستقلها في مشوار ثم أعادها. مع ملاحظة أن ما يمكن تسميته بسؤء نية المبلغ قد يقوده إلى تهمة البلاغ الكاذب. وتجدر الإشارة إلى وجود رأي في الفقه [18] يذهب إلى إعتبار عدم صحة الواقعة سبب موضوعي، إلا أنني لا أتفق مع ما ذهب إليه حيث أن سبب الدعوى –وهو ركن من أركانها القانونية- هو الواقعة المطالب توقيع العقاب فيها.
    2) الحفظ النهائي لعدم الجريمة: كما جاء بالمادة 102/2. وجرى العمل على استبدال ’’عدم الجريمة‘‘ بمصطلح ’’عدم الجناية‘‘ سواء أكانت التهمة جنحة أم جناية [19]. وعموماً هذه الحالة نتيجة منطقية لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبا في قانون الجزاء. حيث أن الأصل في الأمور الإباحة، والاستثناء هو التجريم. وأكثر من ذلك قد يرى المشرع إضفاء المشروعية على بعض الأفعال رغم أنه جرمها في موضع آخر. مما يستتبع إقتصار إجراءت التحقيق مع الوقائع التي ينطبق عليها نص جزائي. وعليه سوف نعرض لهذه الفرضية من خلال صورتين:
    أ) ارتكاب فعل غير مجرم قانوناً: ويكون ذلك إذا لم يخصص لهذا الفعل نصاً في قانون الجزاء -أو القوانين الجزائية الأخرى- يجرمه ويرصد عقوبة لمن يخالفه. وأحسب أن لا حجة بعد ذلك إلى التمييز ما بين تخلف فعل لا نص يجرمه وآخر بفتقر إلى ركن قانوني حتى يشمله النص. فكلا الحالتين بحاجة إلى نص خاص لثبوت صفة الجرم. والأمثلة على ذلك عديدة لا تحصى. وقد يصبح الفعل غير مجرم بأثر رجعي بناء على عفو شامل صادر بقانون، حيث أن المادة 75 من الدستور تقول: ((...أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون، وذلك عن الجرائم المقترفه قبل اقتراح العفو)).
    ب) توافر سبب من أسباب الإباحة: وهذه الأسباب تمسح صفة التجريم عن الفعل فترجعه إلى الأصل مباحاً، وقد نص عليها قانون الجزاء بالمواد من 26 إلى 39 في القسم العام منه. وقد عددتها المادة 27 من ذات القانون حيث تنص على أن ((أسباب الإباحة هي استعمال الحق، والدفاع الشرعي، واستعمال الموظف العام سلطته أو تنفيذه لأمر تجب طاعته، ورضاء المجني عليه)).
    3) الحفظ النهائي لعدم الأهمية: أحيانا تقتضي الملائمة أن لا ترفع الدعوى الجزائية، بصدد وقائع معينة أو نتيجة لظروف معينة، بتفضيل التستر على أعراض الناس وأسراراهم. كما في قضايا العرض عادة. لهذا جاء النص على قرار حفظ التحقيق لعدم الأهمية بالمادة 104 من قانون الإجراءات.
    ومن الجدير بالذكر أن تلك المادة كانت تنص على أنه ((للنائب العام وحه...))، وبموجب القانون رقم 30 لسنة 1961 عدلت بأنصارت تنص على أنه ((لرئيس الشرطة والأمن العام أن يصدر قرارا بحفظ التحقيق نهائيا ولو كانت هناك جريمة وكانت الأدلة كافية إذا وجد في تفاهة الجريمة أو ظروفها ما يبرر هذا التصرف)). ورغم أنه يفهم من هذا النص أن لوزير الداخلية سلطة اصدار قرار الحفظ لعدم الأهمية في مواد الجنايات والجنح على السؤاء، إلا أنني أتفق مع الرأي [20] القائل باقتصار هذه الاختصاص على مواد الجنح دون الجنايات. حيث أن هذا الاختصاص قد وضع سنة 1961. وحيث أنه بتاريخ 2 نوفمبر 1962 صدر دستور البلاد، ونصت المادة 167 منه على أن: ((تتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع وتشرف على شؤون الظبط القضائي، وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام. ويرتب القانون هذه الهيئة وينظم اختصاصاتها ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفها. ويجوزُ أن يعهد بقانون لجهات الأمن العام بتولي الدَّعوى العمومية في الجُنَح على سبيلِ الاستثناء، ووِفقاً للأوضاع التي يبينها القانون)). وجاء بالتفسير الخاص لهذه المادة بالمذكرة التفسيرية للدستور على أن ’’...مقتضى هذا النص عدم جواز التوسع في هذه الرخصة لأنها استثتاء، والاستثناءات تجري في أضيق الحدود...‘‘ . وحيث أن المادة 180 من الدستور تقضي على أن ((كل ما قررته القوانين واللوائح والمراسيم والأوامر والقرارات المعمول بها عند العمل بهذا الدستور يظل سارياً ما لم يعدل أو يلغ وفقاً للنظام المقرر بهذا الدستور، وبشرط ألا يتعارض مع نص من نصوصه)). وبذلك يكون




    [1] مجموعة القواعد القانونية، المجلد الثامن، 123: الطعن رقم 117/99 جزائي جلسة 2/11/1999، سبقت الاشارة إليه.
    [2] محمود نجيب حسني، مرجع سابق،ص 615 ، وأحكام النقض المشار إليها في الهامش.
    [3] فايز الظفيري، مرجع سابق، ص 269 ، والهامش.
    [4] هناك من يرى أن تقدير سبب الإباحة يترك للمحكمة: حسن شتيت خوين، ضمانات المتهم في الدعوى الجزائية خلال مرحلة التحقيق الابتدائي "دراسة مقارنة" الجزء الأول ط1 (عمان: دار الثقافة، 1998)، ص 166. ولا أتفق معه لأن المحقق من واجبة استبعاد ملاحقة الأفعال المباحة.
    [5] عبد الوهاب حومد، الوسيط في الإجراءات الجزائية الكويتية ط5 (الكويت: جامعة الكويت، 1995)، ص 249. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية ط7 (القاهرة: مكتبة رجال القضاء، 1993)، ص 633. سليم الزعنون، التحقيق الجنائي: المبادئ العامة للتحقيق الجنائي ط4 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001)، ص 208. فايز الظفيري، مرجع سابق، ص 269. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 617؛ حيث يسمي هذه الحالة ’’الشك يفسر لغير صالح المتهم‘‘.
    [6] عبد الوهاب حومد، مرجع سابق، ص 250.
    [7] مجموعة القواعد القانونية، المجلد السابع، ص 298: الطعن 41/98 جزائي، جلسة 29/12/1998.
    [8] محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 617.
    [9] فايز الظفيري، مرجع سابق، ص 270.
    [10] عبد الوهاب حومد، مرجع سابق، ص 139.
    [11] عبد الوهاب حومد، مرجع سابق، ص142 ، والهامش حيث يشير إلى أن ’’فتوى ادارة الفتوى والتشريع رقم 2/2336 تاريخ 10 – 12 – 1976 منشور في المجموعة الثالثة رقم 47‘‘.
    [12] أحمد فتحي سرور، مرجع سابق، ص 637 ، وأحكام النقض المشار.
    [13] حسن صادق المرصفاوي، شرح قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي د.ط. (الكويت: د. ن.، 1970-1971)، ص 249-251.
    [14] طعن بالتمييز رقم 57/89 جزائي، جلسة 4/12/1989.
    [15] طعن بالتمييز رقم 57/89 جزائي، جلسة 4/12/1989، الحكم السابق الإشارة إليه.
    [16] مجموعة القواعد القانونية، المجلد السابع، ص 298: الطعن 41/98 جزائي، جلسة 29/12/1998، سبقت الاشارة إليه.
    [17] في هذا المعنى: عبد الوهاب حومد، مرجع سابق، ص 252. وفايز الظفيري، مرجع سابق، ص 259-260.
    [18] حسن صادق المرصفاوي، مرجع سابق، ص 342.
    [19] صلاح يوسف محمد، مرجع سابق، ص 19.
    [20] حسن صادق المرصفاوي، مرجع سابق، ص 351 وما بعدها. وآراء في نفس الاتجاه: مبارك عبد العزيز النويبت، شرح المبادئ العامة في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي ط1 (الكويت: د.ن.، 1998)، ص 345 وما بعدها. وعبد الوهاب حومد، مرجع سابق، ص 84 وما بعدها. فايز الظفيري، مرجع سابق، ص 262 وما بعدها

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. حسن التصرف يؤدي الى المحبة
    بواسطة siluna في المنتدى التنمية البشرية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 24-06-2014, 15:25
  2. بحث حول التصرف في التحقيق الابتدائي
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-12-2012, 12:17
  3. ملخص مفيد حول التحقيق الابتدائي
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 13-12-2012, 19:35
  4. بحث حول التحقيق الابتدائي
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28-09-2012, 17:30
  5. المتهم . ...الشاهد ..... الاستجواب والمواجهة في التحقيق الابتدائي
    بواسطة بياض الثلج في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 24-03-2012, 17:25

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •