بحث حول التصرف في التحقيق الابتدائي

اختصاص وزير الداخلية بحفظ التحقيق نهائياً لعدم الأهمية، والمتعارض مع صريح المادة 167 من الدستور، أقول يكون قد نسخ بصريح المادة 180 من الدستور. وعليه أحسب أن قرار حفظ التحقيق لعدم الأهمية يجوز اصداره في الجنح من دون الجنايات.
هذا مع الأخذ بالاعتبار وجود رأي آخر [1] يذهب إلى أن حق النيابة العامة ما زال قائماً في اصدار قرارات حفظ التحقيق لعدم الأهمية، وما عمله تعديل سنة 1961 لا يعدو أن يكون سوى تحرير سلطة النائب العام في تفويض من يرى تفويضه لاصدار هذه القرارات.
وعموماً قد حضر المشرع التقرير بحفظ التحقيق نهائياً لعدم الأهمية في حالات معينة منها المادة 5/4 من قانون رقم 1 لسنة 1993 بشأن الأموال العامة المعدل بالقانون رقم 74 لسنة 2003 من أنه ((...لا يجوز تطبيق نص المادة 104 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية المشار إليه بأي حال على الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون)). وكذلك ما جاء بالقانون رقم 88 لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء في المادة 7/3 منه التي تنص على أنه ((...لا يجوز في صدد تطبيق أحكام هذا القانون، إعمال نص المادة 104 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية)).
ثانياً-الحفظ النهائي مع وجود جريمة: قد ترتكب جريمة من شخص معلوم تتوافر أدلة قوية ضدة، إلا أن سلطة التحقيق تصدر قرار حفظ بشأن التهمة. وهذه الفرضية مستخلصة بمفهوم المخالفة لما نصت عليه المادة 102/1 من قانون الإجراءات من ((على المحقق بعد تمام التحقيق، إذا وجد أن هناك جريمة يجب تقديمها للمحاكمة...أن يقدمه [المتهم] إلى المحكمة المختصة لمحاكمته)). فإذا وجد المحقق جريمة لكن القانون يمنع تقديمها للمحاكمة، فعلى المحقق أن يصدر قراراً بحفظ التحقيق نهائياً. وإعتبارت هذه الحالة من الأسباب القانونية، يقوم على أساس منع القانون من السير في إجراءات الدعوى الجزائية مراعاة لمصلحة يرى أنها جديرة بذلك. ونعرض لصور هذه الفرضية على التوالي:
1) الحفظ النهائي لعدم المسؤولية الجزائية: ونص على حالاتها بالمواد 18 و 22 و23 24 25 من قانون الجزاء. ومثال ذلك؛ إرتكاب حث لم يلبغ السابعة من العمر جريمة فتقوم سلطة التحقيق بحفظ التحقيق نهائياً لأن القانون قضى بعدم جواز مساألته جزائياً.
2) الحفظ النهائي لعدم العقاب: قد يعفى الجاني من العقاب في حالات معينة إذا ارتكب فعل مجرما قانوناً إلا أنه أبدى رغبة حقيقية في إصلاح ما بدر منه. مثل ما نص عليه القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء في المادة 22 منه والتي تقول ((يعفى من العقوبات المقررة للجرائم المشار إليها في هذا الفصل المتعلقة بأمن الدولة من جهة الخارج كل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات...)).
3) الحفظ النهائي لعدم جواز رفع الدعوى أو نظرها: كما لو كانت الدعوى الجزائية معلقة على قيد لم يرفع مثل قيود تحريك الدعوى الجزائية من استلزام شكوى أو طلب أو إذن. أو تنازل الزوج المجني عليه في جريمة الزنا.
4) الحفظ النهائي لإنقضاء الدعوى الجزائية: ويمكن حصر أسباب إنقضاء الدعوى الجزائية بالتالي:
أ) وفاة المتهم: لاستحالة دفاعه عن نفسه ناهيك عن تنفيذ العقوبة إذا ما حكم بها، سواء استحالة مطلقة كتقييد الحرية أو استحالة قانونية كون العقوبة شخصية. وحسناً فعل قانون الإجراءات حين قضى بسقوط الحكم الابتدائي وإنقضاء لدعوى الجزائية قبل المتهم إذا ما توفى قبل إنقضاء موعد المعارضة أوقبل الفصل فيها (المادة 191 إجراءات).
ب) سقوط الدعوى: بمضي المدة، حيث أن الدعوى الجزائية تسقط في الجناية بعد مرور 10 سنوات من وقوعها (المادة 4/1 جزاء). وفي الجنحة بعد مرور 5 سنوات (المادة 6/1 جزاء). مع الأخذ بالاعتبار أحكام الانقطاع (المادة 8 جزاء).
*وبعد أن استعرضنا حالات حفظ التحقيق المؤقته والنهائية، في الفرعين السابقين. بقي أن نقول أنه إذا ما صدر قرار بحفظ التحقيق، فإنه يترتب عليه جملة من الآثار أهمها:
-وقف السير في الدعوى الجزائية، بوقف التحقيق فيها إن لم يستكمل، أو بالامتناع عن إحالة القضية للمحكمة.
-إعلان القرار للخصوم (المتهم والمسؤول عن الحقوق المدنية والمدعي المدني).
-الافراج عن المتهم المحبوس احتياطياً، بقوة القانون. وزوال صفة المتهم.
-سقوط الدعوى الجزائية بمضي المدة، إذا لم يتم إعادة السير في الدعوى الجزائية.
وبهذا نكون قد استكملنا عرض القرارات التي توقف سير الدعوى الجزائية. وننتقل إلى المطلب الثاني للوقوف على حجية هذه القرارات.
المطلب الثاني: حجية وقف الدعوى بناء على قرار الحفظ التحقيق
بعد أن بينا أنواع القرارات التي توقف السير في الدعوى الجزائية (قرارات حفظ التحقيق) في المطلب السابق. نعرض في هذا المطلب إلى حجية تلك القرارات من حيث التعريف بها وعرض شروطها ومن ثم بيان نطاقها.
*التعريف بحجية قرارات حفظ التحقيق: متى ما أصدرت سلطة التحقيق قراراً بحفظه، إمتناعت عن إتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق، متعلق بذات المتهم والسبب والموضوع، وإمتنعت المحاكم عن الفصل في الدعوى الجزائية إذا ما رفعت إليها. حيث أن المادة 103 من قانون الإجراءات تنص على أن ((قرار حفظ التحقيق يترتب عليه وقف سير الدعوى ووقف التحقيق...)). ويترتب البطلان على مخالفة ذلك. وبهذا يتماثل قرار حفظ التحقيق بالحكم بالدعوى، من حيث عدم جواز تحريك الدعوى الجزائية بعد صدوره فيها، وإذا رفعت الدعوى الجزائية، فيتعين الحكم بعدم قبول الدعوى لسابقة صدور قرار حفظ التحقيق فيها. وهذا القضاء من النظام العام، تقضي المحكمة به من تلقاء نفسها، علاوة على التزامها بقول الدفع بحجية القرار إذا ما أبدي أمامها. حيث أن هذ الحجية تقوم على مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص الواحد عن فعل واحد مرتين [2]. مع ملاحظة إمكانية إعادة استمرار الدعوى الجزائية من خلال الرجوع عن قرار حفظ التحقيق متى ما ظهرت أدلة جديدة (المادة 103 إجراءات) أو إذا صدر قرار بإلغاء حفظ التحقيق بناء على قرار تظلم (المادة 104 مكرر إجراءات) وسيأتي بيانه في المبحث التالي.
*شروط حجية قرارات حفظ التحقيق: هي ذات الشروط المقررة للحكم بعدم قبول الدعوى لسابقة الفصل فيها. من وحدة في الدعوى الجزائية من حيث الأشخاص والموضوع والسبب. أما لو إختلف المتهم أو إختلفت الواقعة محل التحقيق، فإن حجية القرار لا تقوم. فإذا حفظت القضية لعدم عن متهم دون باقي المتهمين فليس للباقين أن يستفيدوا من قرار الحفظ. وأكثر من ذلك إذا حفظت القضية لعدم معرفة الفاعل ثم أتهم شخص وقدم للمحاكمة فليس له أن يحتج بقرار حفظ التحقيق، لأنه لم يكن متهاً من قبل. أما وحدة السبب، فتتحقق عندما ’’تكون الواقعة المطلوب محاكمة المتهم من أجلها هي بعينها التي صدر في شأنها الأمر بأن لا وجهه لإقامة الدعوى [أي قرار حفظ التحقيق]، أما اذا كان لكل واقعة ذاتية خاصة وظروف خاصة تتحقق بها المغايرة التي يمتنع معها القول بوحدة السبب في كل منهما‘‘ [3].
*نطاق حجية قرارات حفظ التحقيق: لما كان قانون الإجراءت الجزائية لم يُفَصِّل في حجية قرار حفظ التحقيق، وجد رأيان في الفقه. الرأي الأول [4] يقرر أن قرار حفظ التحقيق له حجية مؤقته سواء كان لأسباب قانونية أو موضوعية أو حتى لعدم الأهمية [5]. حيث أن المادة 103 إجراءات جاءت عامة بالنص على (قرار حفظ التحقيق) ومن المعلوم أن ’’المطلق يجري على إطلاقة ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة‘‘. علاوة على أن غاية التحقيق هي الوصول إلى الحقيقة وانصافاً للمجني عليه.
بينما يذهب الرأي الثاني [6] –الذي نميل إله- إلى التمييز ما بين قرارات حفظ التحقيق؛ فالقرار القائم على سبب موضوعي له حجية مؤقتة قابلة للنقض بظهور أدلة جديدة، بينما القرارا الصادر بناءً على سبب قانوني فحجيته مطلقة غير قابلة للنقض. حيث أن حفظ التحقيق لسبب قانوني -بصوره المختلفة- تنتفي معه المصلحة في المضي بالدعوى الجزائية. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن صدور قرا الحفظ النهائي بناء على خطأ المحقق يجب أن لا يؤثر على الحقوق الناشئة عنه، لا سيما إذا كانت من صفاف الحقوق المكتسبة. وعموماً التفرقة ما بين قرارات حفظ التحقيق لأسباب موضوعية أو حفظه لأسباب قانونية لا تمنع –برأيي- المحكمة المتظلم إليها من إلغاء قرار حفظ التحقيق أو تأييده، وذلك لما لها (المحكمة) من سلطة مصدرها المادة 104 مكرر من قانون الإجراءات،و سيأتي بيانه في المبحث التالي.
أما دائرة التمييز بمحكمة الاستئناف العليا [7] فقد حسمت المسألة لصالح الرأي الأول. حيث قررت في حكم لها أن قرار حفظ التحقيق ’’سواء كان مؤقتا أو نهائيا وإن كان يعد بمثابة الحكم الصادر في الموضوع الا أنه يجوز العدول عنه اذا ظهرت أدلة جديدة تستوجب اعادة التحقيق واكماله‘‘. وقررت بذات الحكم أيضاً أنه ’’لا يكفي للقول بان القرار [بحفظ الأوراق] سبب، وجود مذكرة ضمن أوراق الدعوى محرره برأي وكيل النيابة المحقق يقترح فيها الغاء رقم الجناية وقيد الأوراق برقم شكوى وحفظها إداريا، لأن ما تضمنته هذه المذكرة لا يعدو ان يكون مجرد اقتراح‘‘.
هذا وتغيير الوصف القانوني للتهمة لا يحول بين حجية قرار حفظ التحقيق والدعوى الجزائية. وعليه فإن حجية قرار حفظ التحقيق تظل قائمة إذا ما رفعت الدعوى الجزائية بوصف مغاير لوصفها عندما حفظت [8]. ومن المقرر قضائاً [9] أنه متى ما صدر قرار حفظ التحقيق ’’بناء على أسباب عينية مثل أن الجريمة لم تقع أصلا، أو على أنها ليست من الأفعال التي يعاقب عليها القانون، فانه يكتسب –كأحكام البراءة- حجية بالنسبة الى جميع المساهمين فيها، ويتعدى نطاقه اليهم بطريق اللزوم، وذلك بالنظر الى وحدة الواقعة والأثر العيني للأمر، وكذلك قوة الأمر القانوني للارتباط بين المتهمين في الجريمة، فضلا عن أن شعور العدالة في الجماعة يتأذى حتما من المغايرة بين مصائر المساهمين في جريمة واحدة، ومن التناقض الذي يتصور أن يقع في الأمر الواحد، اذا صدر بأن لا وجه [أي حفظ] بالنسبة لأحد المتهمين وبالاحالة بالنسبة لغيره من اتحاد العلة، ولا كذلك اذا كان الأمر مبينا [أحسبها مبنياً] على أحوال خاصة بأحد المساهمين دون الآخرين، فانه لا يجوز [أحسبها يحوز] حجية الا في حق من صدر لصالحه‘‘.
وبذلك نكون قد عرضنا للقرارات التي توقف السير في الدعوى الجزائية من حيث ماهيتها في وحجيتها. ومع ذلك الواقع قد يفضي إلى لزوم تحريك الدعوى الجزائية في أحوال معينة، أو قد توجد بعض قرارات حفظ التحقيق بحاجة إلى مراجعة من قبل جهة تختلف نفسية القائمين بها عن نفسية سلطة التحقيق. الأمر الذي حدى بالمشرع الجنائي إلى استحداث سبيلين لإعادة تحريك الدعوى الجزائية. وهذا سيكون موضوع المبحث الثالث والأخير.
المبحث الثالث: قرارات إعادة استمرار الدعوى الجزائية
بعد أن وقفنا –في المبحث السابق- على طبية قرارات وقف السير في الدعوى الجزائية من حيث ماهيتها وصورها، وحجيته. نعالج في هذا المبحث اعادة استمرار الدعوى الجزائية، حيث أن الواقع قد يقتضي ذلك في بعض الحالات، أو قد تصدر قرارات الحفظ وتحتاج إلى مراجعة. كل ذلك قد جعل المشرع ينص في قانون الإجراءات على لإعادة تحريك الدعوى الجزائية بعد وقفها. وهذا يتم بإحدى حالتين:
إما أن تظهر أدلة جديدة وفقاً للمادة 103 من قانون الإجراءات، حيث تنص على أن ((قرار حفظ التحقيق يترتب عليه وقف السير في الدعوى ووقف التحقيق إلى أن تظهر أدلة جديدة تستوجب إعادة فتح التحقيق وإكماله)). وفي هذه الحالة تستمر الدعوى الجزائية في مرحلة التحقيق وقد تنتقل إلى مرحلة المحاكمة. وسنخصص المطلب الأول لهذه الحالة.
أو بإلغاء قرار حفظ التحقيق من خلال تظلم يرفع إلى المحكمة المختصة وفقاً للمادة 104 مكرر من قانون الإجراءات. ويكون استمرار الدعوى الجزائية بقرار ينقلها من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة. وإلا فتوقف الدعوى الجزائية وقفاً نهائياً لا رجعة فيه. وسنحاول الإلمام بأحكام هذه الحالة في المطلب الثاني.
الملطب الأول: رجوع سلطة التحقيق عن قرار حفظ التحقيق
*جاء نص المادة 103 من قانون الإجراءات على أن ((قرار حظ التحقيق يترتب عليه وقف السير في الدعوى ووقف التحقيق إلى أن تظهر أدلة جديدة تستوجب إعادة فتح التحقيق وإكماله)). وهذه الحالة يسميها الأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني [10] بالشرط الفاسخ، ويرى أن لفظ دلائل أدق من أدلة، حيث أن الأدلة تكون ’’جازمة بالادانة‘‘ أما الدلائل فتكون ’’مرجحة لها‘‘. ومن نافلة القول تحديد الدلائل بإثبات التهمة لا إثبات البراءة.
*وقد اشترطت المادة السابقة لإعادة استمرار الدعوى الجزائية بعد وقفها شرطان، ويمكن اضافة شرط ثالث تقتضية القواعد العامة:
1) أن تكون الدلائل جديدة: وفي ذلك قضت دائرة التمييز بمحكمة الاستئناف العليا [11] أن قرار حفظ التحقيق ’’سواء كان مؤقتا أو نهائيا وإن كان يعد بمثابة الحكم الصادر في موضوع الدعوى الا أنه يجوز العدول عنه اذا ظهرت أدلة جديدة تستوجب اعادة التحقيق واكماله، وقوام الدليل الجديد هو ان يلتقي به المحقق لاول مرة بعد صدور قرار حفظ التحقيق، أو أن يكون تحقيق الدليل بمعرفته غير ميسر له من قبل، أما لخفاء الدليل نفسه أو فقدانه أحد العناصر التي تعجز المحقق عن استيفائه، وتقدير ما اذا كانت الأدلة الجديدة تستوجب اعادة فتح التحقيق وإكماله وان من شأنها الوصول الى الحقيقة هو أمر تستقل بتقديره سلطه التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع‘‘. وعليه يكون الدليل جديد في إحدى حالتين:
-التقاء المحقق بالدليل لاول مرة بعد صدور قرار الحفظ. مثل شاهد يخرج عن صمته ليدلي بأقواله.
-أو يكون تحقيق الدليل غير متسير للمحقق من قبل سواء؛ لخفاء الدليل نفسه، أو لفقدان الدليل أحد العناصر التي تُعجز المحقق عن استيفائها. مثل العثور على الأموال المتحصلة من جريمة السرقة في حوزة المتهم. أو
وبالتالي لا يعتبر الدليل جديد، إذا كان تحت بصر المحقق لكنه لم يدركه لتقصييرٍ منه. مثل وجود تقرير خبير بين أوراق التحقيق لم يتبصرها المحقق وأصدر قراراً بحفظ التحقيق.
2) أن تستوجب فتح التحقيق وإكماله: لا بد أن تقوي الدلائل الجديدة ما عسا أن يكون مطروحاً في الدعوى من دلائل. مؤثرتاً بعقيدة المحقق. وتقدير سلطة التحقيق في ما إذا كان الدليل جديد يصلح معه الرجوع عن قرار حفظ التحقيق ورفع الدعوى الجزائية، يخضع لرقابة محكمة الموضوع. فلو تم الرجوع عن قرار حفظ التحقيق ورفعت الدعوى الجزائية فعلى محكمة الموضوع أن تبين في حكمها الدليل الجديد الذي أعاد تحريك الدعوى الجزائية قبل المتهم.
3) يجب أن تظهر الدلائل الجديدة قبل سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم: لأن ’’الساقط لايعود‘‘. مع ملاحظة أن تقادم الجنحة وظهور دليل جديد يحولها إلى جناية، يجيز الرجوع عن قرار حفظ التحقيق، لما يستتبع ذلك من إمتداد تقادم الدعوى [12].
*وعودة السير في الدعوى الجزائية من خلال ظهور دلائل جديدة، يرجع لجهة التحقيق كافة سلطاتها بتقرير التصرف بالتحقيق سواء بالاحالة للمحكمة أو حتى الحفظ مجدداً. وإذا رفعت الدعوى إلى المحكمة فلا تُلزم بالقضاء على ضوء الدلائل الجديدة، بل لها (المحكمة) أن تبني حكمها في حالة الإدانة، على أي من الدلائل المطروحة في الدعوى، سواء أكانت موجودة قبل اصدار قرار حفظ التحقيق، أم وجدت بعده.
المطلب الثاني: التظلم من قرار حفظ التحقيق
أدخل المشرع الجزائي تعديلاً على أحكام قانون الاجراءات بالقانون رقم 6 لسنة 1996، بإضافة المادة 104 مكرر، بأن أجاز التظلم من قرار حفظ التحقيق. وقالت المذكر الإيضاحية المرفقة مع القانون [13] بأن هذا التعديل تم ’’رغبة في إخضاع أوامر الحفظ التي تصدر في الجنح والجنايات من أي جهة لرقابة القضاء كضمانة من الضمانات التي تكفل حق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، فقد رؤى اضافة مادة جديدة برقم (104) مكررا لقانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية الصادر بالقانون رقم (17) لسنة 1960. وقد تضمن النص الكثير من الضوابط والشروط حتى يكون للأحكام الواردة فيه فعالية كبيرة ولضمان وصول الحق لأصحابه، وترسيخا لمبادئ العدالة‘‘.
وقد عدلت أحكام المادة السابقة بالقانون 74 لسنة 2001، للتوسيع من نطاق الحماية. حيث تنص على أنه ((يجوز للمجني عليه في جناية أو جنحة ولأي من ورثته وإن لم يدع مدنيا التظلم من قرارات الحفظ المشار إليها في المواد السابقة [مؤقتاً ونهائياً]، خلال شهرين من تاريخ إعلانه أو علمه بقرار الحفظ، وذلك أمام محكمة الجنايات أو محكمة الجنح المستأنفة بحسب الأحوال. وتفصل المحكمة منعقدة في غرفة المشورة في التظلم خلال ثلاثين يوما من تاريخ تقديمه بقرار لا يقبل الطعن فيه بأي طريق، ولها قبل إصدار قرارها سماع أقوال من ترى لزوم سماع أقواله أو تكليف جهة التحقيق المختصة باستيفاء أي نقص في التحقيق أو استكمال الأوراق. وفي حال قبول التظلم موضوعا تقدم القضية إلى المحكمة النختصة خلال عشرة أيام من تاريخ إعادة الأوراق إلى الجهة التي أصدرت القرار المتظلم منه. وفي جميع الأحوال يكون القرار الصادر في التظلم مسببا. وعلى جهة التحقيق عرض القضايا الصادرة بشأنها قرارات بالحفظ والتي لا يعرف فيها المجني عليه أو ورثته على المحكمة المختصة للنظر فيها، وذلك وفقاً للأوضاءالمنصوص عليها بالفقرات السابقة)).
*وإزاء كثرة الضوابط المقررة بالمادة السابقة نكتفي بالملاحظات التالية:
صاحب الحق في التظلم: التظلم من قرار حفظ التحقيق، يحق للمجني علية أو ورثته وإن لم يدع مدنياً. وعلاوة على ذلك ألزمت المادة السابقة جهة التحقيق مصدرة قرار الحفظ بعرض القضايا الصادر فيها وجوبياً إذا لم يعرف المجني عليه أو ورثته إن كان قد توفى.
موضوع التظلم: ويكون موضوع التظلم أو العرض، قرار حفظ التحقيق سواء أكان مؤقتاً أو نهائياً، أو حتى نهائياً لعدم الأهمية لأن النص جاء مطلقاً في ((قرارات الحفظ المشار إليها في المواد السابقة)). لكنه (التظلم) لا يشمل باقي قرارات التصرف بالتحقيق من إحالة لعدم إختصاص أو للمحاكمة. وبديهي أنه لا يشمل قرار حفظ الأوراق، والذي لا سبيل لرفعة إلا من مصدره.
المحكمة المختصة بنظره: تختص محكمة الجنح المستأنفة بنظر قرارات حفظ التحقيق الصادرة في الجنح. أما محكمة الجنايات فتختص في نظر قرارات حفظ التحقيق متى ما صدرت بخصوص الجنايات ومى عسى أن تختص بنظره من جنح، كجنح الصحافة.
إجراءات عرض التظلم: ويجب التظلم إلى المحكمة خلال شهرين من تاريخ الحفظ، وإلا قررت عدم القبول شكلاً، أما عرض جهة التحقيق القضايا الصادر فيها قرار لاحفظ، فلا أرى ترتب ذات الأثر على تخلف مدة الشهرين، مع صعوبة تصور ذلك عملاً.
صلاحيات المحكمة: سماع أقوال من ترى لزوم سماعه، أو تكليف جهة التحقيق باستيفاء أي نقص أو تكملة الأوراق. وتفصل المحكمة في تلك القرارات خلال ثلاثين يوم من تاريخ رفعها، بقرار مسبب لا يقبل الطعن. إما بتأييد ما إنتهى إليه القرار الطعين وهنا توقف الدعوى الجزائية وقفاً نهائياً لا رجعت فيه. أو بإلغاء قرار حفظ التحقيق، وأمر جهة التحقيق بإحالة الدعوى الجزائية إلى المحكمة المختصة خلال عشرة أيام من تاريخ إعادة الأوراق إلى الجهة التي أصدرته.
وأرى أن الإحالة تتم بناءً على قرار المحكمة وتكيفها، مما يعني أن تحل المحكمة محل سلطة الاتهام في ذلك. أما إذا أيد قرار الحفظ لا أرى ما يمنع جهة التحقيق من إعادة تحريك الدعوى الجزائية إذا ما ظهر أدليلة جديد، كما سلف بيانه في المطلب السابق. وأكثر من ذلك أرى أن لجهة التحقيق أن تصدر قرارا آخرا بالحفظ، ويكون قابلاً للتظلم. كل ذلك مادامت الدعوى الجزائية لم تسقط بالتقادم.
*ولما كان المشرع الجزائي قد وضع تنظيمات خاصة بمباشرة الدعوى الجزائية، جهات تحقيق خاصة بموجب نصوص إستثنائية (لجنة التحقيق الخاصة بقانون محاكمة الوزراء-نيابة الأحداث) فإنه يتبادر إلى الذهن السؤال عن جواز التظلم من قرارات الحفظ الصادرة من جهات التحقيق؟ وإن كان يجوز التظلم من قرار الحفظ الصادر عن جهات التحقيق الخاصة، ما هي المحكمة المختصة بنظر التظلم؟ هل ترفع إلى المحكمة المختصة وفقاً لما هو منصوص عليه في المادة 104 مكرر؟ أم ترفع إلى المحكمة الخاصةبنظر الدعوى الجزائية (المحكمة الخاصة بمحاكمة الوزراء-محكمة الأحداث-محكمة المرور)؟!
أحسب أن الإجابة على هذه الأسئلة محل جدل. إلا أنني أرى أن رفع التظلم من قرارات حفظ التحقيق الصادرة عن جهات التحقيق الخاصة جائز، وأن المحكمة المختصة بنظر تلك التظلمات هي المحاكم الوارد النص عليها بالمادة 104 مكرر بذلك. وذلك للأسباب التالية:
-لم تنص قوانين جهات التحقيق والمحاكم الخاصة، جواز أو عدم جواز التظلم. ولذا يصار إلى ما هو منصوص عليه في قانون الإجراءات الجزائية كونه الشريعة العامة في هذا الصدد.
-وردت عبارة ’’جهة التحقيق‘‘ سواء في المادة 104 مكرر أو في المذكرة الإيضاحية بالمطلق، من دون أن تقتصر على النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيقات.
-ونظراً لأن قرار قبول التظلم موضوعاً، يترتب عليه إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة بقوة القانون. مما يستتبع معه أن تصبح المحكمة التي تنظر التظلم –بتقديرنا- بمثابة سلطة إتهام. الأمر الذي لا يتصور حصولة في المحاكم الجزائية الخاصة، تطبيقاً لقاعدة فصل سلطة الاتهام عن سلطة الحكم. مع الأخذ بالإعتبار أن ذلك سوف يجعل قضاة المحكمة الكلية يراجعون عمل مستشاري محكمة الاستئناف أعضاء لجنة محاكمة الوزراء، مما يدل على عدم سلامة منطق المشرع الجزائي.
وبهذا نكون قد إنتهينا من عرض إعادة استمرار الدعوى الجزائية عن طريق التظلم من قرارات حفظ التحقيق.
الخاتمة
منعاً للتكرار، سنقتصر في هذا المقام على عرض لأهم النتائج، والمقترحات:
أولاً- أهم النتائج:
-كان للمبادئ القضائية دور هام في تسليط المزيد من الضوء على التصرف في التحقيق الابتدائي، من خلال بيان أحكامه التفصيلية. ووضع قواعد منهجية في التعامل مع ما استجد في واقع الناس من فرضيات غاب عنها حكم القانون الواضح الجلي.
-كثرة التنظيمات الخاصة المتعلقة بمباشرة الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي، والذي يقوم نظامه الإجرائي أساساً على إختصاص مزدوج. الأمر الذي يثير أسئلة في كيفية التعامل مع فرضيات ليست بعدة عن الواقع.
-رغم ما إنتهينا إليه من قول في جواز التظلم من قرارات حفظ التحقيق الصادرة عن جهات تحقيق خاصة، وكذلك ما قلناه عن اختصاص دوائر المحكمة الكلية بنظر تلك التظلمات، إلا أن المسألة لازالت -كأي مسألة لم يحسمها نص صريح- تقبل الإجتهاد.
ثانياً-المقترحات:
-توحيد سلطة الاتهام في الدولة، وجعلها بيد النيابة العامة.
تم بحمد الله،،

قائمة المراجع
أولاً- الوثائق القانونية:
أ) نصوص تشريعية (دون ذكر للتعديلا):
-دستور دولة الكويت الصادر بتاريخ 11 نوفمبر 1962، ومذكرته التفسيرية.
-قانون رقم 16 لسنة 1960 بإصدار قانون الجزاء.
-قانون رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية.
-قانون رقم 22 لسنة 1967 في شأن الأحكام العرفية.
-قانون رقم 3 لسنة 1983 بشأن الأحداث.
-مرسوم بقانون رقم 23 لسنة 1990 بشأن قانون تنظيم القضاء.
-قانون رقم 1 لسنة 1993 بشأن الأموال العامة.
-قانون رقم 55 لسنة 1995 بإلغاء محكمة أمن الدولة.
-قانون رقم 88 لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء.
-قانون رقم 53 لسنة 2001 في شأن الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية.
-قانون رقم 3 لسنة 2006 بشأن المطبوعات والنشر.
ب) أحكام التمييز:
-مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة التمييز عن المدة من 1/1/1997 حتى 31/12/2001 في المواد الجزائية ، القسم الرابع المجلد السابع (الكويت: وزراة العدل-محكمة التمييز-المكتب الفني).



-مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة التمييز عن المدة من 1/1/1997 حتى 31/12/2001 في المواد الجزائية ، القسم الرابع المجلد الثامن (الكويت: وزراة العدل-محكمة التمييز-المكتب الفني).
ثانياً- كتب فقه:
أحمد فتحي سرور الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية ط7 (القاهرة: مكتبة رجال القضاء، 1993).
حسن بشيت خوين ضمانات المتهم في الدعوى الجزائية خلال مرحلة التحقيق الابتدائي "دراسة مقارنة" الجزء الأول ط1 (عمان: دار الثقافة، 1998).
حسن صادق المرصفاوي شرح قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي د.ط. (الكويت: د. ن.، 1970-1971).
سليم الزعنون التحقيق الجنائي: المبادئ العامة للتحقيق الجنائي ط4 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001).
عبد الوهاب حومد الوسيط في الإجراءات الجزائية الكويتية ط5 (الكويت: جامعة الكويت، 1995).
غانم محمد الحجي المطيري شرح إجراءات التحقيق الابتدائي في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي "النظرية والتطبيق" ط1 (الكويت: د.ن.، 1997).
مبارك عبد العزيز النويبت شرح المبادئ العامة في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي ط1 (الكويت: د.ن.، 1998).
محمود نجيب حسني شرح قانون الإجراءات الجنائية ط3 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1998).
فايز الظفيري المعالم الأساسية للقضية العادلة في مرحلة الاستدلالات والتحقيق الابتدائي وفقا لمفهوم القانون الكويتي ط1 (الكويت: جامعة الكويت، 2001).
ثالثاً- المذكرات:
صلاح يوسف محمد محاضرات حول متطلبات عرض القضايا على النيابة العامة، الجزء الثاني: تصرفات وقرارات النيابة العامة بعد الإنتهاء من التحقيق والطعن في قراراتها الصادرة بحفظ التحقيق، غير منشور (الكويت: معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية).

الفهرس
الصفحة
الإهداء والشكر 2
المقدمة 3
المبحث الأول: قرارات تستمر فيها الدعوى الجزائية 5
المطلب الأول: الاحالة ما بين جهات التحقيق لعدم الاختصاص 6
أولاً: مابين النيابة العامة والإدارة العامة للتحقيات 7
ثانياً: ما بين النيابة العامة ولجنة التحقيق في قانون محاكمة الوزراء 9
ثانياً: ما بين النيابة العامة 10
المطلب الثاني: الاحالة للمحكمة المختصة 14
الفرع الأول: القواعد العامة في قرار الإحالة للمحكمة 14
الفرع الثاني: المحكمة المختصة بنظر الدعوى الجزائية في التشريع الكويتي 18
أولاً: الى محكمة الجنح 19
ثانياً: إلى محكمة الجنايات 19
ثالثاً: الى المحاكم الخاصة 20
المبحث الثاني: قرارات توقف الدعوى الجزائية 23
المطلب الأول: القرارات التي توقف السير في الدعوى الجزائية 25
الفرع الأول: الحفظ المؤقت 27
أولاً-حفظ التحقيق لعدم معرفة الفاعل 27
ثانياً-حفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة 27
الفرع الثاني: الحفظ النهائي 28
أولاً-صور حفظ التحقيق نهائياً النصوص عليها 28
ثانياً-الحفظ النهائي مع وجود جريمة 31
المطلب الثاني: حجية وقف الدعوى بناءً على قرارت حفظ التحقيق 34
المبحث الثالث: قرارات إعادة استمرار الدعوى الجزائية 38
المطلب الثاني: رجوع سلطة التحقيق عن قرار الحفظ عند ظهور أدلة جديدة 39
المطلب الثاني: التظلم من قرار حفظ التحقيق 41
الخاتمة 45

قائمة المراجع
46




[1] صلاح يوسف محمد، مرجع سابق، ص 24.
[2] محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 632. وحسن صادق المرصفاوي، مرجع سابق، ص 345. وأحكام محكمة النقض المشار إليها عند كل من هما.
[3] من أحكام محكمة النقض المذكورة لدى: محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 634-635.
[4] حسن صادق المرصفاوي، ص 347. وغنام محمد الحجي المطيري، شرح إجراءات التحقيق الابتدائي في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي "النظرية والتطبيق" ط1 (الكويت: د.ن.، 1997)، ص 461-462.
[5] محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص632 ، وحكم النقض بالهامش.
[6] عبد الوهاب حومد، مرجع سابق، ص 253. وفايز الظفيري، مرجع سابق، ص 263.
[7] طعن بالتمييز رقم 57/89 جزائي، جلسة 4/12/1989. سبقت الاشارة إليه.
[8] مبارك عبد العزيز النويبت، مرجع سابق، ص 353.
[9] حكم لمحكمة النقض المصرية أورده: محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 633 والهامش (1).
[10] محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 635-636.
[11] طعن بالتمييز رقم 57/89 جزائي، جلسة 4/12/1989. سبقت الاشارة إليه.
[12] محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص 639.
[13] أورد هذه الفقرة: مبارك عبد العزيز النويبت، مرجع سابق، ص 351.


fpe p,g hgjwvt td hgjprdr hghfj]hzd