بحث حول سلطة الإدارة في القرارات الإدارية بين التقييد والتقدير
المقدمة

قد يحدد القانون للإدارة القرار الذي يجب عليها اتخاذه , بحيث لا يكون لها الحرية في الامتناع عن اتخاذ القرار أو اتخاذ قرار آخر , وفي حالات أخرى لا يفرض القانون علي الإدارة تصرفاً معيناً إزاء وضع ما , فتكون حرة في اتخاذ القرار , حيث أن الإدارة في إصدارها لقرارها تكون مقيدة وأحيانا تكون تقديرية .
حيث يتصل الاختصاص المقيد بفكرة مشروعية أعمال الإدارة , لأنها تكون مقيدة في القرار الذي تتخذه بما يفرضه عليها القانون , كما يعتبر الاختصاص التقديري احد الاستثناءات الواردة علي مبدأ المشروعية , وتكمن أهمية دراسة السلطة المقيدة والسلطة التقديرية في كونها موجهة للأفراد وما قد ينتج عنها من ضمانات أو مساس بحقوق الأفراد .
وسنتطرق في هذا البحث بناء علي المنهج ألوصفي إلي بيان ماهية كل من سلطة الإدارة المقيدة و التقديرية من خلال التعريف بهما , واستعراض بعض أراء الفقهاء ثم تبريرها , ثم سنبين في المبحث الثاني ووفق المنهج التحليلي مجال التقدير والتقييد في القرارات الإدارية , تم نأتي إلي الخاتمة التي سنذكر فيها ما توصلتُ إليه من نتائج , وذلك حسب الخطة المنهجية الآتية :-


المبحث الأول : ماهية سلطة الإدارة المقيدة و التقديرية
المطلب الأول :- مفهوم السلطة المقيدة للإدارة
المطلب الثاني :- مفهوم السلطة التقديرية للإدارة
المبحث الثاني :- مجال التقييد والتقدير في القرارات الإدارية
المطلب الأول :- الأركان التي يغلب عليها طابع التقييد
المطلب الثاني :- الأركان التي يغلب عليها طابع التقدير










المبحث الأول :- ماهية سلطة الإدارة المقيدة و التقديرية


نتحدث في هذا المبحث عن مفهوم كل من سلطة الإدارة المقيدة و التقديرية وسنتعرض لبعض أراء الفقهاء حول كل من السلطتين , ثم نبين المبررات التي تقوم عليها السلطة المقيدة , والمبررات التي جعلت المشرع يعطي للإدارة سلطة تقديرية في بعض الأحيان .

المطلب الأول :- مفهوم السلطة المقيدة للإدارة
يقصد بالسلطة المقيدة للإدارة : أن الإدارة يجب عليها إذا ما توفرت شروط معينة , التصرف علي نحو معين بمقتضى القانون دون أن يكون لها خيار في ذلك , فالقانون هو الذي يرسم للإدارة سلوكها في مباشرة سلطتها, وفي حالة توفر هذه الشروط يجب علي الإدارة أن تتصرف وفق ما يمليه عليها هذا القانون و إلا كان تصرفها باطلا وغير مشروع , ومحقا للإلغاء والتعويض إذا كان له مقتضي .
وقد وصف الأستاذ ( ميتشو ) السلــــطة المقيدة بقـــولــه ((علـــي الإدارة أن تتخذ قرارات فرضها القانون مقدمـــاً , فمهمتها مقــصورة عـــلي تطبيق القانـــون علي الحالات التي تصادفهـــا عــنـدما تـتــحـقــق أسبابهـــا )) , وأيـــضاً رأي الأستـــــاذ ( جيرو ) أنـه في حالة (( السلطة المقيدة لا يترك القانون للإدارة أية حرية في التقدير , بل أنه يفرض عـلـيـهــا .(1)بـطريـقة آمـــرة التصرف الـــذي يجب علــــيــها إتباعه ))

ومن الأمثلة علي سلطة الإدارة المقيدة في الجماهيرية , تحديد سن الإحالة علي المعاش , حيث تلتزم الإدارة بإحالة من بلغها علي التقاعد .
ومن الأمثلة التي يستعرضها الفقه المصري علي السلطة المقيدة , ترقية بعض طوائف الموظفين علي أساس الأقدمية المطلقة , وفي هذه الحالة إذا قررت الإدارة إجراء الترقيات في درجات شاغرة وتوفرت شروط الترقية بشأن أحد الموظفين , فإنه يتعين علي الإدارة في هذه الحالة إصدار قرار ترقية الموظف دون النظر إلي مدي ملاءمة أو عدم ملائمة الترقية بشأنه , فتكون سلطة الإدارة مقيدة عندما تنعدم عندها حرية التقدير , أي تكون ملزمة من قبل القانون باتخاذ موقف محدد .
نستخلص من ذلك أن المشرع يفرض وبشكل آمر وملزم علي جهة الإدارة عند اتخاذها قرار بصدد واقعة معينة , الغاية التي يتعين عليها تحقيقها من (2)القرار ويحدد لها الإجراءات التي بمقتضاها يجب عليها الوصول إلي تلك الغاية .
ويتصل الاختصاص المقيد بفكرة مشروعية أعمال الإدارة لأنها تكون مقيدة في القرار الذي تتخذه بما يفرضه عليها القانون , ويعد هذا الاختصاص المقيد ضمانة لحقوق الأفراد وحرياتهم ضد تعسف الإدارة وظلمها , وتتمثل هذه الحماية في القيود التي يضعها القانون علي الإدارة في ممارسة نشاطها , حيث يراقب القضاء مشروعية القرار .(1)ويملك إلغاءه إذا ما تبين أنه يختلف عن ما يحتم القانون اتخاذه
من خلال ما تقدم يتضح أن سلطة الإدارة تكون مقيدة إذا قيد القانون مسبقا مسلكها بظروف ووقائع معينة يتعين مواجهتها بإجراء معين بالذات , أو قيده بهدف معين بالذات , أو قيدت الإدارة نفسها بنفسها بقواعد تنظيمية معينة .

المطلب الثاني :- مفهوم السلطة التقديرية للإدارة
تظهر السلطة التقديرية للإدارة إذا كانت في ظروف معينة غير مقيدة بالتصرف علي نحو معين , فيترك لها القانون حرية ممارسة نشاطها دون أن يفرض عليها سلوكا معينا .
ويظهر هذا الاختصاص عمليا في الحالات التي يترك فيها المشرع للإدارة حرية اختيار التصرف أو الإجراء المناسب في الوقت والكيفية التي تراها محققة للهدف الذي تبتغيه عند تحقق الحالة .(2)القانونية التي حددها
وتبعاً لمدلول السلطة التقديرية , تكون الإدارة حرة في اتخاذ التصرف أو في الامتناع عنه , وحرة في اختيار الوقت الذي تراه مناسبا للتصرف , ومادام القانون لم يحدد للإدارة في ظروف معينة التصرف بطريقة معينة , فيكون لها حالة إصدارها للتصرف , أن تزن وحدها ملاءمة قراراتها للظروف و الملابسات .
ولقد وضح العميد ( بونار ) هذا الاختصاص التقديري للإدارة بقوله (( تكون سلطة الإدارة تقديرية حينما يترك لها القانون الذي يمنحها هذا الإختصاص بصدد علاقتها من الأفراد , الحرية في أن تتدخل أو تمتنع , ووقت التدخل وكيفيته , وفحوى القرار الذي تتخذه , فالسلطة التقديرية هي التي يتركها القانون للإدارة لتحديد ما يصح عمله, وما .(1)يصح تركه ))
ولقد أوضح الدكتور ( سليمان محمد الطماوي ) هذه السلطة بقوله أنها (( تلك السلطة التي تتمتع بها الإدارة في مواجهة كل من الأفراد والقضاء , لتختار في حدود الصالح العام , وقت تدخلها ووسيلة التدخل , وتقدير خطورة بعض .(2)الحالات ))
ومن الأمثلة التي تبرز فيها السلطة التقديرية للإدارة ما يتعلق بصلاحيتها في النقل المكاني لموظفيها وفقاً لمقتضيات الصالح العام , وكذلك فيما يتعلق بحريتها في منح أو منع دخول الأجانب أراضيها والإقامة فيها .
وقد مُنحت الإدارة هذه السلطة التقديرية , لأنه وإن كان تقييد اختصاص الإدارة لازماً لحماية الأفراد , إلا أن الإسراف في هذا التقييد من شأنه أن يشل حركة الإدارة وأن يجرد نشاطها من كل روح ابتكار , ولذلك يلزم منح الإدارة قدراً من السلطة التقديرية .
وتجد السلطة التقديرية تبريرها في مقتضيات العمل وضروريات الحياة الإدارية , بحيث أن المشرع يضع قواعد عامة مجردة فلا يستطيع أن يتنبأ بجميع الحالات الخاصة التي تحكمها هذه القواعد , فلذلك يجب أن يترك للإدارة معالجة الحالات الواقعية ووزن ظروفها وملابساتها , لأنها أكثر احتكاكاً بالأفراد وأقرب ألي الجمهور .
ولذلك منح المشرع للإدارة هذه السلطة شعوراً منه بأنها أقدر علي اختيار الوسائل المناسبة للتدخل واتخاذ القرار الملائم في ظروف معينة , وأنه مهما حاول لا يستطيع أن يتصور الحالات جميعها التي قد تطرأ في العمل الإداري ويرسم الحلول المناسبة لها , فالسلطة .(1)التقديرية ضرورة لحسن سير العملية الإدارية وتحقيق غايتها
فسلطة الإدارة التقديرية ضرورة اجتماعية فيما يتعلق بعلاقة الإدارة بالمشرع , وأيضا فيما يتعلق بعلاقتها بالقضاء .
أ- بخصوص علاقة الإدارة بالمشرع , يرد بخصوصها اعتبارين هما :-
الاعتبار الأول : مستلزمات تطبيق القواعد العامة التي يصوغها المشرع علي الحالات المتعددة والمتشعبة التي تعرض أثناء التنفيذ والتي لا يمكن للمشرع بأي حال من الأحوال أن يحيط بها مقدماً .
الاعتبار الثاني : يرجع إلي الخبرة والتجارب التي تكتسبها الإدارة , ووسائلها الخاصة التي تستقي منها خبراتها . ولهذا فإن المشرع لابد أن يعتمد في جانب كبير علي حسن تصرف الإدارة .


ب- أما بخصوص علاقة الإدارة بالقضاء , فالقاضي لا يستطيع أن يمد رقابته إلي الجانب التقديري من نشاط الإدارة . وذلك لعدة اعتبارات نذكر منها الأتي :-
الاعتبار الأول . أن القاضي يكون عادة بعيداً عن المكان الذي تتم فيه الوقائع التي تستلزم تدخل الإدارة .
الاعتبار الثاني . أن القاضي تنقصه الخبرة الكافية لمواجهة الحالات التي تعرض للإدارة . كما أنه لا يحيط تمام الاحاطة بالوسائل التي تتخذها الإدارة لدرء مثل هذه الحالات .












المبحث الثاني :- مجال التقييد والتقدير في القرارات الإدارية

ليس هناك سلطة تقديرية مطلقة , وكذلك بالنسبة للسلطة المقيدة إذا ينذر أن يصدر قرار إداري عن اختصاص مقيد بصفة مطلقة , فكل من السلطة المقيدة والتقديرية إنما ترد علي بعض أركان القرار الإداري .
فمن المعروف أن القرار الإداري يقوم علي خمسة أركان وهي , ركن السبب , والشكل , والاختصاص , والمحل , والغاية , ووفق هذه الأركان نستطيع أن نحدد مدي أو مجال السلطة المقيدة والسلطة التقديرية . ولذلك سنتحدث علي الأركان التي يغلب عليها التقييد في مطلب أول , والأركان التي يغلب عليها التقدير في مطلب الثاني .

المطلب الأول :- الأركان التي يغلب عليها طابع التقييد
وتتمثل في ركن الاختصاص , والشكل , والغاية .
أولا : ركن الاختصاص
فالاختصاص هو القدرة القانونية التي تعطي مكنة اتخاذ قرارات معينة , وفيما يتعلق بركن الاختصاص في القرارات الإدارية تكون سلطة الإدارة مقيدة دائما , إذا أنها ملزمة فيما تصدره من قرارات باحترام قواعد الاختصاص , فلا يتصور صدور قرار من جهة غير مختصة , وبذلك يكون قرارها باطلا إذا صدر من سلطة غير مختصة . حيث أن قواعد الاختصاص دائما آمرة , وأن عيب الاختصاص هو العيب الوحيد من عيوب القرار الإداري الذي يتعلق بالنظام العام فإن ذلك يستتبع قيام القاضي ببحثه من تلقاء نفسه دون حاجة للتمسك به من جانب الطاعن , وهذا ما أشارت إليه المحكمة العليا في حكمها(1)بالإلغاء في القرار الإداري الصادر بتاريخ 14 / 6 / 1970 ف إلي أن ( عيب عدم الاختصاص يتعلق بالنظام العام , .(2)وتتعرض له المحكمة من تلقاء نفسها ......)

ثانيا : ركن الشكل
ويعرف الشكل بأنه مجموعة القواعد الإجرائية والشكلية المحددة لإصدار القرارات الإدارية , فقد يشترط القانون للقرار شكلا معينا أو اتخاذ إجراءات تمهيدية قبل إصدار القرار , ولهذا فإن الإدارة تكون ملزمة دائما فيما صدر عنها من قرارات بإتباع الشكليات والإجراءات , سواء تلك التي نص عليها القانون أو التي لم ينص عليها , حيث تلتزم الإدارة بالأشكال التي تستمد من المبادئ العامة للقانون والقواعد العامة في الإجراءات , إذا كانت تمثل شكلا أو إجراء جوهرياً , و إلا أصبحت قراراتها محلا للطعن بالإلغاء والتعويض عنها .



ثالثا : ركن الغاية
والغاية ( الغرض , الباعث , الهدف ) هي النتيجة النهائية التي تسعى الإدارة إلي تحقيقها من وراء اتخاذ قراراتها . والإدارة هنا ليست حرة في اختيار الغاية من تصرفاتها , بل عليها أن تلتزم الغرض الذي رسمه المشرع , فإذا ما تجاوزت الإدارة هذا الهدف كان قرارها مشوب بعيب ( الانحراف بالسلطة ) وهذا ما أكدته المحكمة العليا في حكمها الصادر في 6 مارس 1965 ف ( إن عيب الانحراف الذي يبطل عمل الإدارة يقع عندما تستعمل .(1)الإدارة سلطتها التقديرية لتحقيق غرض غير معترف به )
ويعتبر ركن الغاية الحد الخارجي للسلطة الإدارية . ففي نطاق المصلحة العامة , للإدارة أن تترخص في تقدير أهمية بعض الظروف الواقعية أو القانونية التي تصادفها , وفي اختيار الوقت المناسب لاتخاذ قراراها , وفحوى القرار الذي تصدره إذا لم يفرض عليها المشرع الوسيلة التي يتعين استعمالها لمواجهة سبب التدخل .
ومن هنا فإن ركن الغاية يعتبر عنصر من عناصر التقييد في القرارات الإدارية , ولذلك فإن جميع قرارات الإدارة يجب أن تستهدف تحقيق المصلحة العامة مما يخضع سلطة الإدارة لمبدأ المشروعية ويقيدها بها .



المطلب الثاني :- الأركان التي يغلب عليها طابع التقدير
تتجسد أبرز معالم السلطة التقديرية للإدارة وبشكل واضح في ركني السبب والمحل وذلك علي التفصيل التالي :-
أولا : ركن السبب
وركن السبب في القرارات الإدارية هو حالة واقعية غالباً أو قانونية أحياناً , تعرض للإدارة , فتتدخل علي أساسها وتصدر قرارها . ولا تخرج سلطة الإدارة بخصوص هذا الركن عن الصور الثلاث الآتية :-



1-
إذا كان مثار النزاع هو البحث في صحة قيام الحالة التي تدخلت الإدارة علي أساسها , وهذا ما أفصحت المحكمة العليا عنه في العديد من قراراتها إذا تقول (( عن السبب وهو أحد الأركان الأساسية التي يجب أن يقوم عليها القرار الإداري يشترط أن يكون حقاً وصدقاً , فإن لم يكن كذلك بأن كان وهميا أو صوريا كان القرار .(1)الإداري باطلا غير منتج لأي أثر ))
وهذا الجانب لا تستقل الإدارة بتقديره , بل يخضع لرقابة القضاء , فيلغي القرارات الإدارية إذا تبت أن الأسباب التي تذرعت بها الإدارة معدومة .
2-
تكون سلطة الإدارة مقيدة , إذا كان مثار النزاع هو التكييف القانوني للوقائع بفرض ثبوتها والتي تمسكت بها الإدارة .
فكما تلتزم الإدارة بوجوب قيام السبب تلتزم بصحة التكيف القانوني للوقائع التي بني عليها القرار الإداري , أي أن يكون السبب من الناحية القانونية مبرراً لاتخاذ القرار .
ومن ثم لا يكفي أن تكون الأفعال المنسوبة للموظف المراد تأديبه قد وقعت منه بالفعل من الناحية المادية , وإنما تلتزم الإدارة بتكييفها التكييف القانوني الصحيح , بمعني أن تكون هذه الأفعال من المخالفات التأديبية المعاقب عليها قانونا , وهذا ما قضت به المحكمة العليا في حكمها الصادر في 31 مايو 1970 ف ( إن المادة 57 فقرة "د" من قانون التقاعد لا تحرم الموظف من حقوقه التقاعدية إلا إذا حوكم بالنفاذ من أجل جريمة أرتكبها ضد شخصية الدولة أو أمنها الداخلي , وليست الجريمة التي عوقب عليها الطاعن من هذه الجرائم , ومن ثم تكون إدارة التقاعد حين بنت قرارها بالحرمان .(1)علي ذلك السبب تكون قد أقامته علي فهم خاطئ للقانون )
3-
وتكون سلطة الإدارة تقديرية في الحالة التي لا يحدد فيها القانون سبب القرار أو يحدده ولكن بصورة غير جامدة , وهنا يكون للإدارة سلطة تقديرية في الاختيار والتصرف . فإذا كان قد تبث أن الموظف ارتكب الأفعال المنسوبة إليه وإنها تكوّن الجريمة التأديبية ......, فإن تقدير خطورة العمل في ذاته , والنتائج التي قد تترتب عليه من الجوانب (2)التقديرية التي تستقل الإدارة بالترخص فيها دون معقب من القضاء الإداري .
فمثلا في قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة تترخص جهة الإدارة بتقدير مقتضيات النفع العام للمشروع المراد نزع الملكية لصالحه , وفي مجال الضبط الإداري تترخص الإدارة بتقدير أهمية وخطورة الظروف التي تسعي إلي التدخل بشأنها .
ويتضح من ذلك أن القرار الإداري لا يخضع لرقابة القضاء متي كان مثار النزاع تحديد الخطورة المحتمل نشؤها عن الوقائع الثابت قيامها . وهذه هي القاعدة المسلم بها في القضاء الليبي والتي أخذت بها المحكمة العليا في قضائها .

ثانياً : ركن المحل
فمحل القرار الإداري هو موضوع القرار أو الأثر القانوني المترتب علي القرار , وقد يلجأ المشرع إلي تحديده , وقد يتركه بلا تحديد , وفي هذه الحالة يكون للإدارة سلطة تقديرية فيما يتعلق بمحل القرار عندما تترك قواعد القانون لها – في مواجهة أسباب معينة – إمكانية الاختيار بين عدة حلول , فبعد أن تتحقق الإدارة من قيام الحالة الواقعية أو القانونية التي تبرر تدخلها , وبعد أن تكيفها التكييف القانوني الصحيح , وتقدر الأخطار التي قد تنجم عنها , تواجه اتخاذ قرار معين , وهنا يكمن معظم الاختصاص التقديري للإدارة , والذي يتمثل في ثلاث عناصر :-
1-
حرية الإدارة في أن تتدخل أو تمتنع
إذا لم يفرض المشرع علي الإدارة أن تتدخل إذا تحققت أسباب معينة , وأن تقوم بتصرف معين , فالإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في التدخل أو عدم التدخل , فإن مجرد تحقق أسباب تجيز تدخل الإدارة لا يلزمها بالتدخل , وتطبيقا لذلك قضت المحكمة العليا ( إن أمر المحكمة التأديبية ....... من حق جهة .(1)الإدارة تستعمله أو لا تستعمله حسب إرادتها )
2-
اختيار وقت التدخل
ففي حالة لم يلزم المشرع الإدارة التدخل في وقت معين , فإنها حرة في اختيار وقت تدخلها , فحتى لو كانت ملزمة أصلا بإصدار القرار أو بإصداره علي نحو معين , وذلك لان الوقت المناسب لا يمكن تحديده مقدماً في معظم الحالات , ومن ثم فإن المشرع كثيراً ما يترك .(1)تحديده للإدارة لتترخص في اختياره علي ضوء خبرتها وتجاربها السابقة
3-
اختيار فحوى القرار
فإذا لم يمل المشرع علي الإدارة مقدماً نوع القرار الذي يجب اتخاذه , وفحواه , فإن سلطة الإدارة تكون تقديرية في تحديد الأثر القانوني الذي تريد ترتيبه علي القرار الإداري . بشرط أن يكون هذا الأثر ممكنا وجائزاً قانوناً , فالمشرع في مثل هذه الحالة يكتفي برسم الخطوط العامة , تم يترك للإدارة حرية التصرف وفقا لكل حالة علي حدة , باختيار التنظيم الذي تريده , أو الوسيلة التي تواجه بها الموقف , دون معقب من القضاء .





الخاتمة

من خلال ما تقدم نلاحظ أن القرارات الإدارية لا تخلو في إصدارها من عنصري التقييد والتقدير , إذ لا يوجد قرار إداري تقدير كله بحيث تستقل الإدارة بتقدير جميع عناصره , كما لا يوجد قرار يستند علي سلطة إدارية مقيدة بشكل مطلق في جميع عناصره , بحث تتواجد في القرار الواحد عناصر التقييد والتقدير .
فالتقييد والتقدير في القرارات الإدارية لا يرد علي جميع أركان القرار وإنما علي بعض منها . حيث أن الاختصاص المقيد يعد ضمانة لحقوق الأفراد وحرياتهم ضد تعسف الإدارة , كما أن الاختصاص التقديري يترك للإدارة معالجة الحالات الواقعية ووزن ظروفها وملابساتها , لأنها أكثر احتكاكا بالأفراد وأقرب إلي الجمهور من المشرع .
فالمشرع لعدم قدرته علي الاحاطة بجميع الوقائع قد منح الإدارة هذه السلطة التقديرية التي قد تشكل خطورة في حالة إساءة استعمالها , وذلك لأنها تسمح للإدارة بتقدير ملائمة إصدار القرار من عدمه ووزن الظروف والمناسبات المحيطة به , واختيار المضمون الذي تراه لقرارها , كل ذلك دون رقابة من جانب القضاء , طالما أن الإدارة لم تخرج عن حدود سلطتها التقديرية .
ونظرا لخطورة السلطة التقديرية , فإن المشرع لم يجعلها مطلقة بل لها حدودها , حيث أنها تقتصر علي ركني ( السبب والمحل ) وباقي الأركان مقيدة .

قائمة بالمراجع
1- د. إبراهيم عبد العزيز شيحا . الـقــضــــــاء الإداري اللبناني . الجـــزء الأول . ( الدار الجامعية . د ط . عام 1994 م ) .
2-
د. خليفة علي الجبراني . القضاء الإداري الليبي , الرقابة علي أعمال الإدارة . ( بـنغازي . ليبيا . دار الكــتــب الوطنية . الطبعــة الأولـــــــــي . عام 2005 م ) .
3-
د. رجب محمود أحمد . القضاء الإداري . مبدأ الشرعية – تنظيم واختصاص القضاء الإداري . ( القاهرة . دار النهضة العربية . د ط . عام 2005 م ) .
4-
د. سليمان محمد الطماوي . النظرية العامة للقرارات الإدارية , دراسة مقارنة . ( مطبعة جامعة عين شمس . الطبعة السادسة . عام 1991 م ) .
5-
د. سليمان محمد الطماوي . القضاء الإداري , الكتاب الأول قضاء الإلغاء . (دار الفكر العربي . د ط . عام 1986 م ) .
6-
د. مازن ليلو راضي . الوجيز في القضاء الإداري الليبي . ( الإسكندرية . دار المطبوعات الجامعية . د ط . عام 2003 م ).
7-
د. محمد فؤاد عبد الباسط . القضاء الإداري , مبدأ المشروعيةتنظيم واختصاصات مجلس الدولة . ( الإسكندرية . دار الجامعة الجديدة للنشـــر . د ط . عام 2005 م ) .
8-
د. محمود عاطف البنا . الوسيط في القضاء الإداري . ( بدون مكان أواسم الناشر . الطبعة الثانية . عام 1999 م ) .

fpe p,g sg'm hgY]hvm td hgrvhvhj hgY]hvdm fdk hgjrdd] ,hgjr]dvhglr]lm