أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر جمع وتأليف : أ .صباح كاظم بحر 1 - حقوق الانسان في اللغة والاصطلاح : الحق والحرية



محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر


النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1

    افتراضي محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

     
    محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر
    جمع وتأليف :
    أ .صباح كاظم بحر

    1 - حقوق الانسان في اللغة والاصطلاح :
    الحق والحرية :
    من اصعب الكلمات التي يمكن التعرض لهما ووضع تعريف جامع مانع لكل منهما ، فللوهلة الاولى تبدوا دلالة هذين المفهومين واضحة ، لكن عند بحثهما نكتشف ان من الصعب ان نحدد دلالة مطلقة تخاطب الجماعات الانسانية على كافة مشاربهم وعقائدهم ، اذ يفسرها كل منهم تحت دلالة لاتشبه دلالة الآخر ، ولعلنا نتوفق بعد استعراض هذين المفهومين في اللغة الى ايجاد تعريفات اصطلاحية جامعة ومانعة تؤدي الغرض من دراستنا لحقوق الانسان ، وذلك على وفق الآتي :
    الحق في االلغة :
    هو الثابت بلا شك ، وهو اسم من اسماء الله تعالى ، وهو صفة لله ، وصفة للرسول الاكرم محمد " ص " ، ويطلق على الصدق ، وللامر الواجب حصوله ، وايضا يطلق على العذاب الذي ينفذ على اقوام بعينهم ، ويطلق على لفظ التنزيل المعظم ، ، .... جاء في لسان العرب لابن منضور ان : الحقَّ واحد الحُقوق والحَقَّةُ والحِقَّةُ أخصُّ منه وهو في معنى الحَق وحَقَّ الأَمرُ يَحِقُّ ويَحُقُّ حَقّاً وحُقوقاً صار حَقّاً وثَبت قال الأَزهري معناه وجَب يَجِب وجُوباً والحَق : خِلاف الباطِل جَمعُه : حُقُوق وحقاقٌ ، والحَقُّ : من أسماء اللهِ تَعالَى. وياتي بمعنى القُرآنُ ، والحَق : العَدلُ . والحَقُّ : الإسلام والحَقُّ : المالُ . والحق : المِلْكُ بكسرِ الميم . والحَق : المَوْجُودُ الثابِتُ الذي لا يَسُوغُ إِنْكارُه . والحَقُّ : الصِّدقُ في الحَدِيثِ . والحَقُّ : المَوْتُ ، والحقُّ نقيض الباطل ، وقال الراغِبُ : أصلُ الحَقِّ : المُطابقةُ والمُوافَقَة كمُطابَقَةِ رِجلِ الباب في حُقهِ لدَوَرانِه على الاستِقامَةِ .
    الحق في الاصطلاح :
    سار العلماء المحدثون من اصحاب التشريع الوضعي او الفقهي لتحديد دلالة الحق الاصطلاحية على وفق اتجاهات ثلاث :
    الاول : الحق : هو مصلحة ثابتة للفرد او المجتمع ، او لهما معا يقررها المشرع الحكيم .
    الحق : هو مصلحة ثابتة على سبيل الاستئثار للفرد او المجتمع او لهما معا يقررها المشرع الحكيم .
    الثاني : الحق : هو ما يثبت في الشرع للانسان او لله تعالى على الغير .
    الحق : هو ما ثبت باقرار الشارع واضفى عليه حمايته .
    الثالث : الحق : هواختصاص يقر به الشرع سلطة على شئ او اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة .
    الحق : هو اختصاص يقر به الشرع سلطة او تكليفا .
    الحق : ميزة يخولها القانون لشخص ويضمنها بوسائله ، بمقتضاها يتصرف في قمة معترف بثبوتها له ، اما باعتبارها مملوكة له او باعتبارها مستحقة له .
    ولعل التعريف الجامع المانع الذي هو اشمل من حيث حده الحق ، بكل ما يتوفر من المعاني الاصطلاحي الدالة على مجموعة الشرع الخاصة بما للانسان من حقوق يثبتها الشارع عن طربق العرف والشرع معا يتحقق بتعريف الحق انه : ما ثبت على وجه الاختصاص وقرر به الشارع سلطة او تكليفا تحقيقا لمصلحة معينة .
    الحرية في اللغة :
    اسم من حرّ ، فيقال : حرّ الرجل حرية ، اذا صار حرا .
    الحر من الرجال : خلاف العبد ، وسمي بذلك لانه خلص من الرق . عن ابن الأعرابيِّ : حَرَّ يَحَرُّ كَظَلَّ يَظَلُّ حَرَاراً بالفتح : عَتَقَ والاسمُ الحُرِّيَّةُ . وقال الكِسَائيُّ : حَررْتَ تَحَرُّ من الحُرِّيَّةِ لا غير . أي بكَسْر العَيْنِ في الماضي وفَتْحِها في المُضَارِع كما صَرَّح به غيرُ واحد وقد يُستَعمل في حُرِّيَّةِ الأصل أيضاً حَرِرْتَ تَحَرُّ من الحُرِّيَّةِ لا غير وقال ابن الأَعرابي حَرَّ يَحَرُّ حَراراً إِذا عَتَقَ وحَرَّ يَحَرُّ حُرِّيَّةً من حُرِّيَّة الأَصل
    الحرية اصطلاحا :
    اثبت الجرجاني في كتابه التعريفات حدا للحرية بقوله :" في اصطلاح أهل الحقيقة: الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار، وهي على مراتب: حرية العامة، عن رق الشهوات، وحرية الخاصة، عن رق المرادات لفناء إرادتهم من إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة، عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار ".
    وعبر اصحاب الاختصاص في القانون عن الحرية اصطلاحا بقولهم : مكنات يتمتع بها الفرد بسبب طبيعته البشرية ، او نظرا لعضويته في المجتمع ، يحقق بها الفرد صالحه الخاص ، ويسهم فيها بتحقيق الصالح المشترك للبلاد ، ويمتنع على السلطة ان تحد منها الا اذا اضرت بمصالح الآخرين .
    وعدها السياسيون بانها : حرية الفرد في التصرف بكل ما يتعلق بشؤونه الخاصة ضمن دائرة القانون .
    ويرى بعض العلماء المعاصرين وجود فرق بين الحرية والحق في المفهوم ، ينعكس على مدى التصرف في كل منهما ، فجوهر الحق عندهم : اختصاص ، اي انفراد واستئثار بموضوع الحق ومحله ، بحيث يكون لصاحب الحق سلطة التصرف بما اختص به ضمن الحدود التي رسمها له الشرع ، وهذا يستلزم اباحة الأفعال الملائمة لذلك الأستعمال والتصرف المشروع .
    اما الحرية فهي : المكنة العامة التي قررها الشارع للأفراد على السواء ، تمكينا لهم من التصرف على خيرة من امرهم ، دون الاضرار بالآخرين ، فالتصرف موضوع الحرية ومحلها مأذون به شرعا ، وهو من قيبل المباحات ، والمباح كما اقره علم اصول الفقه : الذي يستوي فيه الفعل والترك ، فالمكلف مخير فيه بين ان يفعله او يتركه .
    مما سبق يظهر ان كل حرية هي حق فحرية الرأي ، وحرية العقيدة ، وحرية التظاهر ، هي حقوق لا اختصاص فيها لاحد فكل الافراد يتمتعون بها على قدر المساواة ، وعطف الحرية على الحق هو من قبيل عطف الخاص على العام فالاعم هي الحريات والخاص منها هي الحقوق موضوع الدراسة .
    الانسان لغة واصطلاحا :
    جاء في مختار الصحاح للرازي ما نصه " أ ن س " : الانس البشر والواحد إِنْسي بالكسر وسكون النون ، والجمع أَنَاسِيُّ. قال الله تعالى (وأَنَاسِيَّ كَثِيرا) وكذا الأَنَاسِيَة ويقال للمرأة إنسان ولا يقال إنسانة ". وكذا في لسان العرب ، والواحدُ إِنْسِيٌّ وأُناسٌ .
    عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أَنه قال إِنما سمي الإِنسان إِنساناً لأَنه عهد إِليه فَنَسيَ وإِنْسانٌ في الأَصل إِنْسِيانٌ وهو فِعْليانٌ من الإِنس ، والإِنْسُ جماعة الناس والجمع أُناسٌ وهم الأَنَسُ ، تقول : رأَيت بمكان كذا وكذا أَنَساً كثيراً أَي ناساً كثيراً .
    وحدها الجرجاني في تعريفاته بقوله :" هو الحيوان الناطق " وهو اصطلاحا في معناه متطابق مع اصل الوضع في اللغة ، فالمقصود منه واحد البشر .
    - حقوق الانسان في الحضارات القديمة .
    أ- حقوق الانسان في حضارة وادي الرافدين :
    كان سكان بلاد ما بين النهرين ينتمون أساسا إلى جنسين : السومريون، وهم سكان غير ساميين يتوطنون في جنوب البلاد، والأكاديون في الشمال وهم من الساميين . وكانت " أك اد " التي ينتمي إليها هؤلاء الأخيرين تقع في شمال " سومر ".
    ولا يعرف العلماء على وجه التحديد الأصل التاريخي للسومريين أو الجنس الذي ينتمون إليه . ويعتقد البعض أن موطنهم الأصلي مرتفعات فارس أو المنطقة التي تقع ورا ء الخليج العربي .
    لكن الراجح ان هؤلاء الاقوام يتصلون نسبا الى سام ابن نوح ، وقد توطنوا ارض العراق في شماله وجنوبه وشرقه منذ اقدم الازمان وعنهم نشأت الحضارة.
    وتبدأ قصة الحضارة في بلاد وادي الرافدين بظهور اولى المجتمعات البشرية والتي تمثلت بقرى متحضرة من امثال " اور واريدو " في جنوب العراق ، وبفعل عوامل التطور ابتدأت تلك القرى المتحضرة بالتمدن فتحولت الى مدن صغيرة كانت السمة البارزة فيها وجود المعبد للدلالة على أن تلك المدن تأسست على وفق اطروحة دينية .
    ولعل جل المدن في حضارة وادي الرافدين قد تأسست على وفق هذا الاتجاه فلا تخلو مدينة تنتمي الى هذه الحضارة من المعبد ، وطبيعي ان يستلزم المعبد رجالا قائمين عليه ، وهذا ما حصل في تلك الازمان اذ تمثل شخص رجل الدين بالكاهن الذي من ابرز مميزاته انه كان اعلم اهل زمانه في الكثيرمن العلوم التطبيقية او النظرية او علوم ما وراء الطبيعة .
    وقد سلك الكهان طريقا استحصلوا به ثقة العامة من سكان وادي الرافدين ، وذلك من خلال تقديمهم التفسيرات العلمية للظواهر الفيزياوية والطبيعية في ذلك الوقت بقالب ذو محتوى الهي يخدم قضية تعدد الآلهه ويوثق بذات الوقت العقائد الوثنية التي اعتنقها السكان طلبا لحاجات في النفس الانسانية يرومون اشباعها .
    وكان دافع الكهان في ذلك حب التملك والسيطرة والاستحواذ على المجتمع البابلي او السومري من جهة الحكم او الاقتصاد او كلاهما معا فيكون الكهان هم الحاكمون وهم رجال الدولة الاوائل ، فالنذر لاجل نيل رضا الآلهه تقدم للكهان ومصائر الناس معلقة بيد الكاهن لانه المتحدث باسم الآلهه وهو القائم على تنفيذ رغباتها ، الأمر الذي مهد لسيطرة شبه مطلقة على مجمل سكان تلك المدن .
    وبفعل عوامل التطور التي من اهمها ازدياد عدد السكان تطور الامر فلم يصبح الجميع تحت سلطان الكاهن مباشرة ، وعندئذ ظهرت بوادر وجود نظام سياسي متقدم تمثل بوجود حاكم قوي يقوم اساس حكمه على تنفيذ ارادة الآلهة ايضا ، وبطبيعة الحال فان الحاكم الذي تطور الى ملك يحتاج لاضفاء الشرعية على حكمه مباركة من قبل الكاهن ، لان الاثنين قد حكما البلاد على اساس انهم ينفذون ارادة الآلهه .
    ومن هنا كانت مقاليد الحكم تسعى اليهم قبل ان يطلبوا مظانها ، فالمجتمع يسيطر عليه هاجس غضب الآلهه ، لذا يبادر الناس دوما الى الحيلولة دون حصول ذلك ، وما من طريق يؤدي الى الاتصال والتواصل مع تلك الآلهه سوى الكهان والملوك ، الذين عرفوا في حينه كيف يشبعون رغبات الناس في ذلك الوقت بان نصبوا انفسهم كهانا وملوكا وتسيدوا على سكان العراق القديم من خلال الكم الجيد من العلوم التي كانوا يتقنونها .
    ونتيجة للتطور الذي شهدته المدن القديمة تنوعت اساليب العيش وظهر الاختصاص عند الناس باحتراف المهن التي تمثل الدور التكاملي لمجتمع المدينة المتحضرة ، اضافة الى الفلاحين ومكونات الشعب الاخرى كافراد الجيش والعبيد ، الامر الذي اضفى تنوعا في النسيج الاجتماعي ، الذي كان على طبقات عديدة ، اهمها :
    - طبقة الحكام والكهان .
    - طبقة الاشراف " الاحرار " .
    - طبقة المحاربين .
    - طبقة اصحاب المهن " المساكين " .
    - طبقة الفلاحين " المساكين ".
    - طبقة الرقيق .
    ان المميز والجيد في سكان بلاد وادي الرافدين انهم كانوا يديرون مجتمعاتهم على افضل ما يكون في ازمانهم ، ومن هنا نشأت بعض العادات في التواصل بين ابناء المجتمع تطورت شيئا فشيئا الى تقاليد تنتسب الى العرف ، الامر الذي مهد الى ظهور القنون .
    وقد ظهرت اولى القوانين المكتوبة في تأريخ الانسانية على اثر تلك الاعراف والتقاليد التي من ابرزها هو وجود مجلس للشيوخ كان من ابرز اختصاصاته انه يقوم على تأليف القوانين بناءا على الموروث العرفي الذي درج عليه الناس في ادارة شؤونهم وفض نزاعاتهم .
    وهنا تمثل مقدارالرقي الكبيرالذي وصلت اليه حضارة الآشوريين والبابليين ، اذ يشير الدارسين للنقوش الاثرية لالواح القوانين ان حقوق الانسان لم تكن مجهولة في الفكر القانوني والعرفي للاقوام العربية التي تمثلت بتلك الحضارات ، فالحرية والعدالة والمساواة كانت من الافكار الاساسية التي جسدتها القوانين المكتوبة التي وصلت الينا من خلال قانون حمورابي وقانون اشنونة ووقانون لبث عشتار ، ولعلنا بسرد عام لتفاصيل قانون حمو رابي نقف على مقدار تطبيق مجمل حقوق الانسان في تلك الحضارة


    قانون حمورابي :
    وضع هذه المدونة الملك " حمورابي " أشهر ملوك بابل حوالي عام ألفين قبل الميلاد . وقد استهلت المدونة بكلام إله الشمس الذي أملى على حمورابي مدونته حيث يقول "أنا حمورابي ملك القانون، وإياي وهبني إله الشمس القوانين".



    ويبدو أن هذه المدونة تتضمن تجميعا لتقاليد قانونية ترجع إلى عهد أقدم بكثير من العهد الذي وضعت فيه .
    وقد اكتشفت هذه المدونة عام ١٩٠٢ في حفائر مدينة " سو سة"، عاصمة عيلام، على يد بعثة أثرية برئاسة عالم الأثريات "جاك دي مورجان " Jacques De Morgan . وقد وجدت منقوشة على حجر أسود اللون يبلغ ارتفاعه مترين وربع متر وتبلغ قاعدته مترين تقريبا . وفي أعلى الحجر نقش بصورة الملك حمورابي وهو يتلقى هذا القانون من آلهة الشمس ، وما يزال هذا الحجر موجودا بمتحف اللوفر في باريس، فرنسا . وقد عثر حديثا على نسخة أخرى من هذه المدونة صدرت في تاريخ لاحق وفي عهد الملك حمورابي أيضا، وهي صادرة بعد النسخة الأولى بحوالي خمس سنوات . ووجود هذه النسخة الثانية يدل على أن الملك حمورابي قد أصدر أكثر من نسخة لنشرها في بلاد ما بين النهرين .
    والمميز في هذه المدونة انها تألفت من 282 مادة قانونية عالجت جميع مفاصل الحياة وعلى وفق الآتي :
    ١ - جرائم ضد الإدارة القضائية (م ٥–١ ): الاتهام الكاذب، الشهادة الزور، تغيير القاضي لحكم أصدره .
    2 - جرائم ضد الملكية (م ٢٥–٦ ): السرقة، إخفاء الأموال المسروقة، سرقة ( خطف ) رجل من الأحرار، إيواء عبد هارب، السرقة مع الكسر والإضرار، سرقة دار مشتعلة .
    ٣ - أحكام الأراضي والبيوت (م ٦٥–٢٦ ): التزام الأراضي، واجبات المزارع، ديوان الزراعة، جرائم متعلقة بالري، الرعي في أرض الغير، قطع أشجار الغير، عقد الزراعة .
    ٤ - أحكام التجارة (م ١٢٦–٨٨ ): القرض بالفائدة، الوكالة التجارية، إدارة الحانات، مسؤولية ناقل البضائع، احتجاز الأشخاص والأشياء مقابل الدين، الجرائم المتعلقة بالبيوت .
    ٥ - أحكام الزواج وأموال الأسرة (م ٩٤–١٢٧ ): جريمة القذف والتشهير، جريمة الزنا، أحكام الزواج والطلاق، اتخاذ خليلة الرقيق، الإبقاء على الزوجة المريضة، هدايا الزواج، مسؤولية الزوج عن الديون، قتل الزوج، الاتصال الجنسي بالمحارم، الوعد بالزواج، مصير هدايا الزواج بعد وفاة الزوجة، هبة الأب إلى ولده في حالة ميراث الأبناء، الحرمان من الإرث، الإقرار بالبنوة والتبني، أموال الأرملة وزواجها، نساء العبيد، التبني والرضاع .
    ٦ - الجرائم ضد الأشخاص (م ٢١٤–١٩٥ ): ضرب الأب، إيذاء الآخر والغريب، الإجهاض .
    ٧ - أحكام ذوي المهن (٢٤٠–٢١٥ ): الجرّاح، البيطري، الوشّام، البنّاء، بناء السفن، الملاح .
    ٨ - أحكام الزراعة والري (م ٢٧٣–٢٤١): الثيران المستخدمة في الزراعة، الوكيل على الزراعة، أجر العامل الزراعي، أجر راعي الماشية، عقد المزارعة، التزامات الرعاة، أجرة الحيوانات والعبيد، أجور العمال الموسميين.
    ٩ - أحكام أجور العمل وبدل الإيجار (م ٢٧٧–٢٧٤): أجور الملاحين، إيجار القوارب.
    10 - أحكام الرقيق (م ٢٨٢–٢٧٨ ): التزام البائع بضمان سلامة المبيع، وضمان منازعة الغير في ملكيته، شراء العبد من بلد آخر .
    لقد حرصت شرائع حمو رابي على وضع النصوص القانونية التي توفر الحماية القانونية الى كافة مواطني الشعب البابلي وقد ركزت على اصناف منهم لرفع الحيف والظلم – ان وجد – من ذلك انها جعلت الافراد الذين ينتمون الى طبقتي الفلاحين واصحاب المهن ( الموشكينو ) من البابليين يتمتعون بالشخصية القانونية الكاملة .
    وبهذه المثابة يستطيع كل فرد من أفراد هاتان الطبقتان أن يتعاقد ويتملك الأموال بكافة أنواعها بما في ذلك العبيد . كما كان له أن يتزوج مكونا أسرة شرعية .
    وقد عد الافراد الذين يقعون ضمن تعداد طبقة الموشكينو وهم الفلاحون الفقراء واصحاب المهن ما بين طبقتي الاحرار " الاشراف " وطبقة العبيد ، ذلك انه من السهل ان يرتفع بعض افراد هذه الطبقة فيكون سيدا او ينخفض فيصير عبدا ، وذلك تبعا للقوة الاقتصادية التي تحكم تحركه في طبقات المجتمع البابلي ، ويرى البعض أن " نصوص الحماية هذه لا تعني أن القانون قد تدخل بقصد حماية الموشكينو ولكنها تعني أن وضع الموشكينو الأدنى يحتاج إلى تدخل تشريعي لتحديد هذا المركز بمقارنته بحالة الأحرار التي تكون الحالة الطبيعية للأوضاع الاجتماعية والقانونية في صلب التشريع " .
    وقد أعطانا قانون حمو رابي عدة أمثلة توضح المركز المتوسط لطبقة الموشكينو فيما بين كل من طبقتي الأحرار من ناحية والعبيد من ناحية أخرى .
    فبينما لم يكن للعبد حق تطليق زوجته، فقد كان يحق للموشكينو على العكس أن يطلقها أسوة بالأحرار ، على أنه بينما كان القانون يفرض على الزوج من الأحرار أن يدفع للزوجة في هذه الحالة مبلغا من النقود ( مينة كاملة من الفضة ) ، فان الزوج من طبقة الموشكينو لم يكن ملزما إلا بأداء ثلث هذا المبلغ .
    ومن ذلك ايضا انه اذا فقأ احد من الاحرار عين أحد العبيد أو كسر عضوا من أعضائه فعليه أن يدفع تعويضا هو نصف مينة فضية، بينما يجب على المعتدي أن يؤدي ضعف هذا القدر فيما لو تم الاعتداء على أحد الموشكينو ، أما لو كان الاعتداء قد تم على أحد الأحرار فإن المعتدي يعامل طبقا لقانون القصاص العقوباتي ، أي العين بالعين والسن بالسن .
    وفيما يخص معاملة القانون لطبقة العبيد فقد اعطى القانون هذه الطبقة أهمية خاصة ميزتها عن طبقة العبيد في أغلب المجتمعات القديمة .



    lphqvhj td lrdhs pr,r hghkshk ggHsjh` wfhp ;h/l fpv


  2. #2

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    ولعل السبب في ذلك يرج ع إلى أن طبقة العبيد في بلاد ما بين النهرين كانت تتكون من سكان البلاد الوطنيين بالإضافة إلى القليل من الأجانب . والجدير بالذكر إن الرقيق في بلاد ما بين النهرين كان يتبع أمه دون أبيه . فابن الحرة حر ولو كان أبوه رقيقا، وابن الرقيقة يكون رقيقا ولو كان أبوه حرا .
    وقد أشار قانون حمو رابي إلى أن الأطفال الذين يولدون من جارية السيد يعتقون بقوة القانون هم وأمهم بعد وفاة أبيهم . أما الأطفال الذين يولدون من أبوين رقيقين فيصبحون مثلهم .
    هذا عن الرق بالولادة، أما عن الرق لأسباب لاحقة على الولادة فإن قانون بلاد ما بين النهرين قد اعتبر الحرب أهم هذه الأسباب أسوة بغالبية الشرائع القديمة . فالأسير يصبح عبدا لمن أسره من الجيش المنتصر .
    بل أن الأباء كثيرا ما كانوا يبيعون أولادهم في سوق الرقيق نتيجة للفقر وحاجتهم للمال . كذلك فقد كانت الأحكام الجنائية سببا في وقوع المحكوم عليهم رقيقا .
    ومن جهة أخرى فقد أشارت وثائق الأشوريين إلى أن عدم الوفاء بالدين يعد سببا من أسباب الرق . فإذا حل موعد استحقاق الدَيْن ولم يقم المدين بالسداد يصبح عبدا لدائنه . بل وكان في قدر الدائن أن يبيع زوجة المدين وأولاده كعبيد لمدة معلومة حددها قانون حمو رابي بثلاث سنوات .
    وأيا ما كان الأمر فقد أُختلف المركز القانوني للعبد في بلاد ما بين النهرين عنه في الشرائع القديمة الأخرى . حقا أن العبد كان يعتبر في البداية على الأقل، في مركز الأشياء أو الحيوانات، إذ كان يعد في حكم الأشياء النفيسة، إلا أن تطور النظام القانوني لبلاد ما بين النهرين قد سمح للعبد بممارسة بعض الحقوق التي تجعل من مركزه القانوني مركزا يختلف عن وضع العبيد في القانون الروماني في مرحلة تاريخية لاحقة .
    فقد خوّل قانون بلاد ما بين النهرين للعبد أن يعترض على ثمن بيعه أمام القضاء . كما كان بائع العبد ملتزما أمام المشتري بضمان العيوب الخفية بالنسبة للعبد . وقد حدد حمو رابي مدة الضمان بشهر واحد .
    ومن جهة أخرى فقد حرص القانون على حماية السيد بتوقيع عقوبة الإعدام على كل من يأوي عبدا هاربا من سيده ، على أن المركز الأدنى للعبد لم يصل إلى حد إلغاء كافة مظاهر شخصيته القانونية . فقد كان في إمكان العبد في القانون البابلي أن يكوّن أسرة، وبالتالي أن يعقد زواجا شرعيا ، وكان يمكن له أن يتزوج من حرة ويكون أولاده في هذه الحالة من الأحرار .
    وكان يجوز للعبد أن يتملك الأموال التي تمثل بالنسبة له حوزة مالية خاصة ، وهو ما سمح له ان يقاضي المعتدي ولو كان سيده أمام المحاكم . كذلك فقد كان للعبد أن يمارس الحرف التي تتفق مع قدراته وأن يضم إليه عددا من العبيد يعملون لحسابه .
    وحرص القانون البابلي على إضفاء حماية خاصة على الرقيقة التي تنجب من سيدها، فحرم بيعها وإن كان قد سمح برهنها أسوة بالزوجة الشرعية . ومثل هذه الرقيقة كانت تعتق بقوة القانون فور وفاة سيدها .
    ويشير قانون حمو رابي إلى حالة خاصة تتعلق بالجندي الذي يقع أسيرا في خارج البلاد، ومن ثم يصبح عبدا لسيد أجنبي . فإذا عاد هذا الجندي إلى وطنه بعد أن أفتداه أحد التجار، فإنه يعود حرا بشرط أن يقدم فدية إلى من افتداه . فإن لم يتمكن من أداء الفدية جاز للقصر أو للمعبد أداء الفدية المتطلبة .
    أما بالنسبة لحالات عتق العبد، فقد كان يجوز للسيد بإرادته أن يعتق عبده وذلك بموجب عقد خاص أو أمام القضاء . ويشير قانون حمو رابي إلى أن حفلة دينية خاصة كانت تقام لإعلان عتق العبد حيث يقرر السيد أنه لم يعد له أو لأولاده من بعده أي حق على العبد .
    ومن جهة أخرى فقد كان يجوز للعبد أن يشتري حريته بماله، ما دمنا قد رأينا إن كان يتملك الأموال ، كما كان يمكن له أن يستدين من الغير لشراء حريته ، على أن يسدد دينه لدائنه بعد ذلك .
    ويتم العتق أيضا كمنحة من المشرع ، وذلك في الحالات الآتية :
    ١ - الأطفال يولدون من علاقة رجل حر بإحدى رفيقاته. إذ يعتق هؤلاء بقوة القانون فور وفاة الأب.
    ٢ - زوجة المدين وأولاده الذين يباعون أو يرهنون. إذ يعتق هؤلاء تلقائيا بعد ثلاث سنوات.
    ٣ - المواطن الذي يقع في الرق في بلد أجنبي ثم يتم افتداؤه بواسطة شخص آخر ويصبح حرا ما ان يعود الى ارض بابل .
    وقد اهتم القانون البابلي بالاحوال الشخصية بشكل ملحوظ على اعتبار ان الاسرة هي اصل المجتمع وبتنظيم العلاقات الشخصية يحصل الترابط الرصين بين ابناء المجتمع البابلي ، اذ لم يكن النظام القانوني لبلاد ما بين النهرين يسمح للرجل إلا بزوجة شرعية واحدة، وإن كان له أن يتخذ أكثر من جارية إذا أراد ، وكان يمكن للجارية أن ترقى إلى مرتبة الزوجة الشرعية إذا أعلن ذلك الزوج أمام شهود وثبت الزواج بوثيقة رسمية .
    ومن جهة أخرى فقد انتشرت في ذلك الوقت فكرة الزوجة من الدرجة الثانية ( الشقتوم ). ويكون من حق الزوج أن يتخذ لنفسه زوجة ثانية على هذا النحو إذا أصاب زوجته مرضا جسيما دون أن يكون من حقه طلاق زوجته الأولى .
    وتشير مجموعة حمو رابي إلى المركز الأدنى للزوجة الثانية التي يتعين عليها احترام الزوجة الرئيسة وغسل قدميها ، ويرى البعض أنه كان من حق الزوج أيضا أن يتخذ زوجة ثانية في حال عدم إنجابه من زوجته الأولى أو من إحدى جارياته ، ومع ذلك لم يكن من حق الزوج الزواج ثانية في هذه الحالة إذا قدمت له زوجته الأولى " حاظية " قادرة على الإنجاب .
    وقد حرص القانون البابلي على حث الأزواج على عدم الزواج بزوجة ثانية وذلك لصعوبة إقامة العدل بين الزوجات ، فإن الأصل في القانون البابلي هو الزواج الفردي ، أما تعدد الزوجات فهو وضع استثنائي في بلاد ما بين الرافدين .
    وقد أكد قانون حمو رابي على حظر زواج الأب بابنته أو بين الابن وأمه أو زوجة أبيه الثانية ، على أن القانون الآشوري قد أجاز للرجل الزواج من أخت زوجته التي عقد عليها وذلك إذا ماتت قبل أن يدخل به .
    ولم يكن الاختلاف في المركز الاجتماعي أو في الطبقة الاجتماعية حائلا يمنع الزواج بين أفراد ينتمون إلى مراكز اجتماعية مختلفة ، وذلك خلافا لما كان عليه الحال في مصر الفرعونية مثلا حيث كان الزواج محرما بين الطبقات المختلفة .
    ومن ناحية أخرى، فقد كان للزوج بمقتضى سلطته الزوجية أن يرهن زوجته لدى دائنه حتى سداد الدين ، ويشترط في هذه الحالة ألا تتجاوز فترة رهنها ثلاث سنوات و كان يجوز للزوج أن يبيع زوجته على سبيل العقاب في حالة ارتكابها الخيانة العظمى .
    ويظهر مما مر ذكره ان المرأة في بلاد ما بين النهرين قد تمتعت بمركز مرموق ، فقد كانت ابتداءا تتمتع بالشخصية القانونية الكاملة ، فكانت لها أموالها الخاصة ، كما كانت تتمتع بحق الشهادة الكاملة كالرجل تماما ، كما كان يحق لها أن تتصرف في أموالها كيفما تشاء ، وقد ترتب على ذلك أنها كانت تتمتع بحق التقاضي، بل وكان يجوز لها أيضا أن تعمل بالتجارة وتمارس الوظائف الإدارية المختلفة ولها ايضا تملك وسائل الانتاج لكن يحضر عليها الملكية على سبيل التصرف بالعقارات بيعا او شراءا ، على اعتبار ان الاموال لم تكن ملكا صرفا لها بل لمن تعول من الابناء او هي للزوج فان مات الزوج ولم يكن لديها ابناء فعندئذ يجوز لها التصرف .
    وفي عروض الطلاق فرق القانون البابلي بين الزوج والزوجة بالنسبة للحق في الطلاق . فبالنسبة للزوج، فقد كان القانون البابلي يسمح له بطلاق زوجته بناء على أسباب متعددة أهمها :
    ١ - عند ارتكاب الزوجة خطأ جسيما، حيث يحق للزوج طلاقها دون أن يكون من حقها الحصول على أي تعويض ، كما كان بحق الزوج في هذه الحالة أن يستبقي زوجته عنده كعبدة .
    ٢ - في حالة ما إذا كانت الزوجة عاقر، حيث يحق لزوجها طلاقها على أن يمنحها مبلغا من النقود لمو ا جهة حياتها الجديدة .
    ٣ - عند مرض الزوجة بمرض خطير فقد كان من حق الزوج أن يتزوج أخرى مع إبقاء زوجته الأولى التي تتمتع بامتياز خاص ، أما إذا هجرت الزوجة المريضة منزل الزوجية وعادت إلى بيت أهلها بموافقة الزوج ، اعتبر ذلك بمثابة إعلان لنيته في تطليقها بسبب المرض ووجب على الزوج أن يرد للزوجة أموالها وأن يتولى الإنفاق عليها .
    أما بالنسبة للزوجة فقد كان من حقها الالتجاء إلى القضاء لتطالب بتطليق زوجها إذا ما ارتكب أخطاء جسيمة في حقها مثل الخيانة الزوجية .
    أما إذا رغبت في ترك زوجها دون سبب مقبول فهي تعاقب بالموت، لان إقدامها على ذلك يعد بمثابة إثم لا يغتفر في القانون البابلي .
    وقد أشارت النصوص إلى حالة خاصة هي حالة الزوج الذي أسره الأعداء ، فإذا كان الأسير قد ترك لزوجته ما يكفي من الأموال لإعالتها فلا يحق لها أن تعاشر سواه وإلا اعتبرت زانية ، أما إذا لم يترك لها ما يكفي لإعالتها فيكون من حقها الزواج في غيابه ، ومتى عاد إليها تعود إليه تاركة زوجها الثاني وكذلك أولادها منه .
    ووضع القانون في احكام الارث قواعد خاصة اتسمت بالدقة والعدل إلى حد بعيد ، فالقاعدة الأساسية التي أشار إليها قانون حمو رابي هي أن أموال المتوفي تؤول إلى أولاده الذكور بالتساوي دون أن يكون هناك أي امتياز للابن الأكبر في هذا الصدد وخلافا للكثير من الشرائع القديمة ، أما السبب في أيلولة التركة إلى الأولاد الذكور دون الإناث، فهو أن هؤلاء هم الذين يعتبرون امتدادا لشخصية والدهم المتوفي، وهم الذين يقيمون الشعائر الدينية في إطار عبادة الأسلاف .

  3. #3

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    ولم يكن من حق الأب أن يجرد أولاده خلال حياته من حقهم في الميراث ، بل يكون له ذلك فقط فيما لو ارتكبوا أخطاءا جسيمة ويشترط خضوع هذه المسألة لرقابة القضاء الذي له وحده الرأي النهائي ، ومن جهة أخرى فلم يكن الابن بحاجة إلى إعلان قبول التركة بعد وفاة والده ، وإنما كان للابن فقط أن يتقدم برغبته عند تزاحم الورثة من الأخوة وبهدف تحديد نصيب كل واحد منهم .
    وقد سكت قانون حمو رابي عن التحدث عن الحقوق الارثية للبنات مما يفيد استبعادهن من الميراث لكون الأولاد من الذكور هم وحدهم الذين من حقهم الارث بتعليل أن المهر الذي يدفع للبنت أثناء زواجها كان يعوضها عن حرمانها من الميراث من أموال أبيها ، خاصة وان الزوجة تظل محتفظة بملكية المهر والأموال الأخرى التي كانت تقدم لها بمناسبة الزواج .
    وليس معنى ما تقدم حرمان البنت كلية من الميراث وفي جميع الأحوال . إذ تشير الوثائق إلى أن البنت كانت ترث عند عدم وجود أبناء ذكور للمتوفي ، وإن لم توجد أي ذرية للمتوفي انتقلت التركة إلى أخوته ثم لأقربائه المقربين من بعدهم .
    ومن جهة أخرى لم يكن للأرملة نصيب في تركة زوجها المتوفي ، إذ أن حقها يتمثل في البقاء في منزل الزوجية وتعيش بما تدره أموال المهر و" النودوتو " عليها من فوائد، إذ أن أموال الزوجة لم تكن قابلة إلى الانتقال بل تبقى ملكا خالصا للزوجة على نحو ما رأينا من قبل
    ولا تنعقد المساواة في تقسيم الارث بين أبناء العبده والأبناء الذين ولدوا من زوجة شرعية، اللهم إلا إذا قام الأب أثناء حياته بتبني الأولاد غير الشرعيين .
    و تجدر الاشارة إلى أن الأحفاد الذكور كانوا يرثون من تركة جدهم بدلا من أبائهم عن طريق الإنابة وذلك في حال وفاة الآباء قبل أبنائهم . إذ تنتقل هنا حصة الابن المتوفي قبل أبيه لأولاد المتوفى .
    والقواعد سالفة البيان تطبق أيضا بالنسبة لتركة الزوجة المتوفاة إذا كان لها أولاد ، أما إذا لم يكن لها أولاد فتعود ثروتها إلى أهلها بعد أن يقوم الزوج بخصم " التيرهاتو " المهر الذي سبق أن أداه عند الزواج .
    وفي عروض الملكية فقد ساد التصور الذي مفاده ان الأرض في العصر السومري مملوكة لآله المدينة ، ومع ذلك فقد أدى التطور الاقتصادي في بلاد ما بين النهرين ، خاصة في مجال الزراعة والتجارة ، إلى الاعتراف بالملكية الفردية سواءا بالنسبة للعقارات أو بالنسبة للمنقولات .
    وعلى هذا النحو وجدت الملكية الخاصة مع ملكية المعابد وملكية القصر ، ويشير بعض الفقهاء إلى أن القانون البابلي قد عرف أيضا ملكية الأسرة .
    على أن انتشار الزراعة وأهميتها قد دفع المشرع إلى التركيز على ملكية الأراضي الزراعية ووضعها محل رعاية خاصة ، إذ تشير الوثائق إلى نماذج متعددة لعقود بيع وإيجار ورهن الأراضي الزراعية المملوكة للأفراد ، مع ملاحظة اختلاط فكرة الملكية بالحيازة في قانون بلاد ما بين النهرين أسوة بغالبية الشرائع القديمة .
    وقد جاء في مجموعة حمو رابي، كما ذكرنا من قبل، العديد من النصوص التي تنظم المسائل المتعلقة بالزراعة، مثل عقد المزارعة وعقد إيجار الأراضي الزراعية والعلاقة بين المالك والفلاحين أو الرعاة الذين يعملون في خدمته ، وكانت الملكية الفردية في هذا المجال تشمل الأراضي الزراعية والعقارات والحيوانات والعبيد والمواد الزراعية والمعادن اما ملكية الأرض فتشمل ما عليها من أدوات ومن عليها من عبيد ، اذ ينتقل هؤلاء مع الأرض بيعا ورهنا ، فالارض تكون مملوكة بمن عليها .
    وقد حرصت الدولة في ذلك الوقت على تثبيت ملكية الأفراد للأراضي الزراعية بمنحهم وثيقة على شكل لوحة فخارية يحدد بها اسم المالك وحدود الأرض المملوكة له . ويختص موظف عام عرف باسم " ناشي " بالتحقق من صحة ملكية الأفراد للأراضي ثلاث مرات شهريا، وذلك من خلال مثول الملاك أمامه ومعهم الألواح المثبتة ملكيتهم . ويختص " الناشي " وكذلك القضاة بالفصل في أي منازعة تتعلق بالأراضي الزراعية .
    وفي العقوبات أخذ قانون حمورابي بمبدأ المحنة Ordalie فنصت المادة الثانية على أنه " إذا أتهم رجل آخر بالسحر ولم يستطع إقامة الدليل اختبر بامتحان النهر فيرمي نفسه فيه فإن غلبه النهر على أمره ليستولي خصمه على ضيعته، وإن أظهر النهر أنه بريء وخرج سالما فإن المدعي يقتل ويأخذ المدعى عليه ضيعته ". أما المادة الأولى فإنها تقرر في سذاجة : " إذا اتهم رجل آخر بجريمة قتل لم يستطع إقامة الدليل عليها قتل ". أما المادة الثالثة فتقول : " إذا شهد شاهد بشهادة زور في قضية ولم يستطع إثبات قوله وكانت القضية تتصل بالحياة قتل .
    وتبرز اهمية القانون من ناحية تعزيزه حقوق الانسان على كافة مستوياته شريفا كان او عبدا واذا طرحنا جانبا بعض العقوبات الجنائية التي كانت متسمة بالقسوة، فإنه يمكن القول أن أحكام هذا القانون كانت تتجه في جملتها تحقيق العدالة بين الناس.
    وكانت تفوق في عدالتها قانون الألواح الاثنا عشر الذي ابتدعته الحضارة الرومانيةعلى الرغم من أنها كانت سابقة عليه بحوالي اثني عشر قرنا.
    كذلك يعتبر قانون حمورابي أكثر رقيا من القوانين الآشورية التي وضعت بعده بعدة قرون. نستطيع أن نقول بأن قانون حمورابي لا يقل رقيا عن شريعة أية دولة أوروبية حديثة. فهو يحمي الضعيف من القوي، فحدد أجور كثير من العمال، كذلك يستفاد من نصوص القانون أن بعض السلع كانت مسعرة في عهد حمورابي ، وايضا ما يستفاد من المادة ( 23 ) التي تقول: "إذا لم يضبط السارق فإن صاحب المتاع المسروق يقدم تفاصيل المسروقات في حضرة الإله، وعندئذ تعوضه المدينة وحاكمها التي وقعت السرقة في ناحيتها عن متاعه المسروق"، اما إذا أدت السرقة إلى خسارة في الأرواح فتدفع المدينة وحاكمها إلى ورثة القتيل "مينا" من الفضة كتعويض (المادة ٢٤).
    ولنا ان نتسائل هل ثمة في هذه الأيام مدينة أو دولة بلغ صلاح الحكم فيها درجة تجرؤ معها على أن تعرض على من تقع عليه آثار الجريمة التي تسببت بها المدينة جراء إهمالها توفير الحماية اللازمة ضمن نطاق مسؤلية الحاكم او الملك مثل التعويض؟!
    ولعلنا نتوفق في ان نحكم على هذا القانون انه قد ضمن الكثير من حقوق الانسان على صعيد الحقوق الاقتصادية والشخصية والاجتماعية ، لكنه في مجال الحقوق السياسية لم يوفر كامل حقوق المواطن البابليين ، فقد اقر النظام السياسي المتبع وهو حكومة الملك الذي يكون وسيطا بين الآلهة والبشر ، واعطى الامتياز فقط الى طبقة المحاربين والاشراف في المشاركة في الحكم وادارة الدولة .
    ولا يحق لاحد ان يثبت رأيا في الملك او حكومته ، لان في ذلك نقضا لنزاهة الملك الكاهن وبالتالي يكون عصيانا مباشرا للآلهه لان القائم على ارادتها هو ذلك الملك او الكاهن ، ويبدو ان العدالة البابلية في ذلك الوقت كانت مقتصرة على جميع احوال الناس ما خلا التدخل في انظمة الحكم او تحصيل الحقوق السياسية من قبل طبقات المجتمع المتدنية وعلى ذلك تكون السمة البارزة في القانون انه اغفل مجموعة الحقوق السياسية التي تعد حديثا من اهم اركان حقوق الانسان التي يجب صيانتها وتحقيقها .
    ولم تختلف القوانين الاخرى التي اسست لها اقوام بلاد ما بين النهرين عن الاطار العام لقانون حمورابي ، فقانون اشنونة الذي اكتشف سنة 1945 وترجم عام 1984 عالج عدة قضايا تتعلق بالاحوال الشخصية والعقوبات ، وابرز ما فيه هو انه فرق بين الرقيق الاجنبي والرقيق المحلي ، فالاول جعله دائميا ، لا ينتهي الا بعتق السيد لعبده طوعا ، اما الثاني فهو رق مؤقت ويحصل العتق بانتهاء مدة قانونية حددها القانون ، ويكون عندئذ العبد البابلي حرا بقوة القانون ، وليس على المالك الا القبول والطاعة .

  4. #4

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    حقوق الانسان في الحضارة المصرية القديمة :
    مرت الحضارة المصرية القديمة باطوار عديدة مثلت الاحقاب التي حكمت فيها الاسر الفرعونية القديمة بالاضافة الى احوال المصريين في ظل حكومات اجنبية تتابعت على ارض مصر القديمة حتى مجئ الاسلام .
    ويمكن تقسيم الاطوار التي مرت بها مصر على النحو الآتي :
    1-عهد الفراعنة :
    مر هذا العهد بمراحل ثلاث :
    الاولى : هي مرحلة الدولة الفرعونية القديمة ، والثانية : تسمى مرحلة الدولة الفرعونية الوسطى ، و الثالثة : هي مرحلة الدولة الفرعونية الحديثة .
    ابتدأت الدولة الفرعونية القديمة بحكم الاسرتين الفرعونيتين الاولى والثانية ، سنة 3200 ق .م ، اذ استطاع " مينا " أن يؤسس أول أسرة حاكمة في تاريخ مصر الفرعونية ، و قد أراد مينا أن يؤمن وحدة البلاد فأقام مدينة قرب رأس الدلتا سميت فيما بعد بإسم ممفيس .
    وكان نظام الحكم قائما على الوهية الملك ، أي ان الملك هو الاله ، وهو وجب الطاعة ولا لاحد من عامة الشعب او خاصته يمتلك الارادة التي تكون دون ارادة الملك الاله ، ولنا ان نتخيل هل من حقوق على المستوى الانساني تنتزع من سلطة مطلقة تحكم على وفق الحق الالهي .
    لقد تميزت حكومة الملك الفرعون بانها ضمنت حق العبودية من قبل جميع طبقات المجتمع المصري للملك الذي نصب نفسه الها وفي ذات الوقت لم تعطي اؤلئك العبيد النصيب الاكبر من الحقوق فعلى صعيد الملكية الفردية ، كانت الارض ملكا للفرعون ولا يحق لاحد ان تكون له ملكية خاصة الا بموافقة الفرعون على ان الملكية لن تتضمن حق التصرف فما زال الفرعون هو المالك الشرعي للارض ومن عليها ولم يخرج الكهان ومعابدهم عن ملكية الفرعون ، بل كان العديد من الفراعنة من كبار الكهان الذين مهدوا لقيام فكرة الوهية البشر ، ولعل اواصر العقيدة عند المصريين قد شجعت على قبول الفكرة والعمل على تحقيقها ، فقد اشتركت حاجة النفس الى العبادة مع الجهل بالظواهر الطبيعية على تمكن الكهان من الاستحواذ على عقول المصريين وقلوبهم واموالهم ، وانفسهم ايضا .
    ومن هنا حرم على المصريين اعتناق اية عقيدة لا تماثل اطروحة الاله المتجسد في شخص الفرعون ، فقد شرع الفرعون على كل من يعتنق دينا آخر بالموت او الانحدار الى مرتبة العبودية .
    اما على صعيد الحق في التعلم فلم يكن من حق غير الكهان والاسرة الفرعونية بتناول اشرف العلوم المصرية وهو السحر وعلم الكيمياء وبعض العلوم التطبيقية كالطب والهندسة ...
    لقد تفاضل الناس في ذلك الوقت بمقدار قربهم من الفرعون ، وهذا القرب محكوم بالاخلاص في العبودية ، فاخلص الناس للفرعون ما زال ينتقل بين الطبقات الاجتماعية المصرية حتى يصل الى المقربين الذين يعتمد عليهم في تسيير امور الدولة والحكم .
    وقد كان المصريون محكومون بطبقات اجتماعية ، افضلها الفراعنة والكهان ومن ثم طبقة الاشراف وتليها طبقة العامة ثم العبيد ، الامر الذي اعطى كل الحقوق المدنية ما عدى حق الملكية والحقوق السياسية الى طبقة الاشراف في حين اعطيت الحقوق منقوصة لطبقة العامة اما طبقة العبيد فهي التي يقع عليها جور جميع الطبقات اضافة الى جور الكهان والمعبد والفرعون ولم يكن الرقيق من المصريين فقط بل تعدى الامر الى الاجانب الذين كانوا يقعون في الاسر او الذين يأتون عن طريق عروض التجارة .
    والمميز في العلاقات الاجتماعية هذه انها قد اوغلت في التقوقع في صلب طبقاتها الى الحد الذي يحرم على افراد الطبقات العليا ان يتزوجوا من الافراد الذين ينتمون الى الطبقات الادنى
    وابتدأت الدولة الفرعونية الوسطى حوالي سنة 2200 ق. م. حين انفلت زمام الحكم من يد فراعنة الاسرة السادسة ، حتى استطاع " منتوحتب الثاني" توحيد البلاد مرة ثانية ويمثل الاسرة السابعة .
    اذ تمكن" منتوحتب الثاني " أمير طيبة حوالي سنة 2065 ق . م من إعادة توحيد البلاد وقام بتأسيس حكومة قوية ، وفي حقبة الدولة الفرعونية الوسطى برز الى الواقع فكرا جديدا اتجه نحو الاصلاح وتنصل عن فكرة الوهية الملوك " الفراعنة " فقد كان"إخناتون" أول ملك فى تاريخ الإنسانية نادى بوحدانية الله خالق كل شئ ، وظهرت بوادر عهد جديد يتجه نحو التوحيد ومحاولة تقنين سلطة المعبد والكهان ، فظهر الملك الذي يقيم العدل بين الناس ويخفف من وطأة التقسيم الطبقي بين المصريين .
    وقام هذا الاتجاه ايضا بتحقيق المساواة ما امكن بين ابناء المجتمع كما تنازل عن فكرة ملك ارض مصر بمن عليها من قبل الفرعون ، وهنا شهدت الحقوق المدنية تطورا في التطبيق يتميز بكونه ايجابيا ، فحرية العقيدة قد كفلت ، فالذي يعبد الفراعنة له ذلك والذي يعبد الاله الواحد ايضا له ذلك ، على ان يكون الحكم للاسرة الفرعونية حصرا فالملك وحده وليس بمعية الكاهن من يتخذ القرارات الهامة ويمارس الحكم بين الناس .
    ولم يفترق حال الرقيق عن حاله ايام الدولة الفرعونية القديمة ، فما زالت ملكيتهم قائمة للافراد او المؤسسات الدينية او السياسية في ذلك الوقت .
    اما المرأة فقد تمتعت بشخصية قانونية كاملة ابتدأت بالاسرة الفرعونية فقد حكمت النساء الدولة لردح من الزمن ، ومن أشـهـر ملـكات هذه الأسرة عـلى سبـيـل المـثـال المـلـكـة " اياح حتب" زوجـــة الـــمــلك " سقنن رع" ، والـــمــلــكــة " أحمس نفرتارى " زوجة أحمس الأول ، والملكة " تى" بنت الشعب وزوجة امنحوتب الثالث وأم إخناتون ، والملكة " نفرتيتى" زوجة " إخناتون" والملكة العظيمة "حتشبسوت" التي حكمت مصر قرابة عشرين عاما وبلغت مصر فى عهدها أعلى قمة فى الحضارة والعمارة والتجارة الدولية .
    ولم يدم حكم الاسر التي تأسست على وفق تيار معرفة الله الا مائة ونيف من السنين ، فقد ضعفت الدولة المصرية بسبب ضعف ملوكها وتقاتلهم على عرش مصر من جهة واستعادة الكهان لقوتهم ونفوذهم من جهة اخرى ، الامر الذي مهد لغزو الهكسوس .
    ويبدأ عهد الدولة الفرعونية الحديثة بعد أن طرد "احمس" الملك الثائر الهكسوس سنة 1571 ق . م . وتم له الامر بعد ان قضى على ثورات النوبيين جنوباً واتجه الى الاصلاح الداخلى فى البلاد واهتم بإنشاء جيش كامل منظم وسلحه بكل الأسلحة المعروفة فى ذلك الوقت وزوده بالعجلات الحربية، ويُعد رمسيس الثانى من أشهر ملوك هذه الدولة وقد امتاز بالقوة والبطش ،ولعل ملوك مصر في عهد الدولة الفرعونية الحديثة قد امتازوا جميعابالقوة والاستخدام المفرط للقوة العسكرية الضاربة في حل جميع مشكلات الحكم بما في ذلك الادارة المدنية للبلاد ، مما تسبب هذا الاتجاه بان يعود نظام الحكم الى سيرته الاولى ايام الدولة الفرعونية القديمة ، فظهرت فكرة الوهية الفراعنة من جديد في عهد رمسيس الرابع ، اذ نصب هذا الفرعون نفسه الها واعانه على ذلك الكهان ، وكان كبيرهم " هامان " الذي اصبح فيما بعد الوزير المتصرف بشؤون الامبراطورية الفرعونية .
    وقد حكم الفرعون مصر على اساس انه الاله المشرع للقوانين وهو في ذات الوقت المنفذ لها ، وتحكي لنا احداث قصة نبي الله موسى " عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام " كيف ان كلمة فرعون هي الفصل الذي لا جدال معه ، فبمجرد ان نقل نفسه الى الالوهية اصبح واجب الطاعة من قبل عبيده المصريين .
    وتعد احداث قصة موسى النبي " وإنما سمي موسى لأنه وجد في ماء وشجر، والماء بالقبطيّة مو، والشجر سا " ، شاهدا على واقع حقوق الانسان في ذلك الوقت .
    فابتدأت القصة ان ( كان شأن فرعون قبل ولادة موسى أنه رأى في منامه كأن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت علي بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني اسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والحزاة والكهنة فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد، يعنون بيت المقدس، الذي جاء بنو اسرائيل منه، رجل يكون على وجهه هلاك مصر.
    فأمر أن لا يولد لبني اسرائيل مولود إلا ذبح ويترك الجواري ، وكان فرعون قد استعبد بني اسرائيل الذين كانوا على دين يوسف واسحق ويعقوب وابراهيم ، ولعل خلافهم مع الفرعون في العقيدة وكونهم ليسوا من المصريين الاقباط اعطى للفرعون المسوغ الاكبر في ان يستعبدهم فكان يستحيي النساء ويعمل السيف في الرجال والغلمان ، وكان ذو بطش شديد عليهم ، فقد حكى القرآن الكريم في مواضع كثيرة قصة بغي الفرعون وبطشه الشديد .
    فذلك حين يقول الله عز وجل: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم) القصص: 82 : 4 ؛ فجعل لا يولد لبني اسرائيل مولود إلا ذبح، وكان يأمر بتعذيب الحبالى حتى يضعن، فكان يشقق القصب ويوقف المرأة عليه فيقطع أقدامهن، وكانت المرأة تضع فتتقي بولدها القصب، وقذف الله الموت في مشيخة بني اسرائيل.
    فدخل رؤوس القبط على فرعون وكلموه وقالوا: إنّ هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا، تذبح الصغار وتفني الكبار، فلو أنك كتبت تبقي من أولادهم، فأمرهم أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فلما كان في تلك السنة التي تركوا فيها ولد هارون، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها، وهي السنة المقبلة، فلما أرادت أمه وضعه حزنت من شأنه ، فأوحى الله إليها، أي ألهمها: (أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم - وهو النيل - ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين) القصص: 28 : 7 "الكامل في التاريخ لابن الاثير" .
    ولما كبر موسى اخذ يركب مركب فرعون ويلبس ما يلبس، بل يدعى: موسى بن فرعون، وامتنع به بنو اسرائيل ولم يبق قبطيّ يظلم اسرائيلياً خوفاً منه .
    ويروي التاريخ معضدا بروايات الكتب السماوية ان موسى قد فض نزاعا بين قبطي واسرائيلي فوكز موسى القبطي فمات ، وتكرر الامر مع الاسرائيلي نفسه بان دخل في شجار مع قبطي آخر فلما ان هم بفض النزاع ظن الاسرائيلي ان موسى يطلبه فناداه انك تريد قتلي كما قتلت القبطي بالامس القريب !!
    وهنا افتضح امر موسى وطلبه الفرعون للقصاص ، فهرب موسى الى ارض مدين وبقي فيها عشرا من السنين ، ويروى تكليف الله تعالى موسى الرسالة بان ضرب عليه التيه بالبادية مع اهله وكان يريد ان يذهب الى مدين ، فحل المساء وليس مع اهله نار للطبخ او الانارة ، فابصر نورا ظنه نارا فذهب يبتغي القبس من النار فوجد نفسه امام التكليف الالهي وهذا ما يتأكد بقوله تعالى : (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوىً) طه: 12، وتسير القصة بان تكلف موسى بالرسالة وارسل الى فرعون وقومه بآيات تسعة ، اضافة الى العصى واليد البيضاء التي تخرج نورا ....
    وابرز ما في قصة موسى مع الفرعون من جهة احوال الناس في ذلك الوقت ان فرعون قد اتهم موسى بالسحر فجعل يهيء السحرة الذين فاق عددهم المئات لموعد يجتمع فيه الناس وكان احد الاعياد عند المصريين ، وكان رئيس السحرة أعمى، فقال له أصحابه من السحرة : إن عصا موسى صارت ثعباناً عظيماً وتلقف حبالنا وعصيّنا، فقال لهم: ولم يبقَ لها أثر ولا عادت إلى حالها الأول؟ فقالوا: لا، فقال: هذا ليس بسحر، فخرّ ساجداً وتبعه السحرة أجمعون و(قالوا: آمنا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون) الشعراء: 47 - 48، قال فرعون: (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنّكم في جذوع النخل) طه: 71، فقطعهم وقتلهم وهم يقولون: (ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفّنا مسلمين) الأعراف: 126 والمميز ان هؤلاء السحرة مرؤوسين بابن فرعون الذي من صلبه وكان قائد جيشه والمؤتمن على سره ، وكان السحرة ينتمون الى اعراق شتى بعضهم من بابل وبعضهم من بلاد فارس ، ومنهم كهان مصر ..فاجرى فرعون حكمه بمصادرة حقهم في الحياة لمجرد انهم خالفوا ارادته واعتنقوا غير دينه .
    والامر جرى ايضا على آسيا بنت مزاحم ، وهي زوج فرعون فقد قتلها صبرا عندما آمنت بموسى وهارون فالحق في الرأي لم يجد له تطبيقا في دولة الفرعون لا على العامة ولا على الخاصة على حد سواء.
    ولعل القتل هو السمة البارزة في حكم الفرعون فلامر يتكرر مع ماشطة بنت فرعون ايضا فبينما هي تمشط ابنة الفرعون :" إذ وقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا بل ربيّ وربّك وربّ أبيك، فأخبرت أباها بذلك، فدعا بها وبولدها وقال لها: من ربّك؟ قالت: ربي وربّك الله، فزمر بتنّور نحاس فأحمي ليعذّبها وأولادها، فقالت: لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها، قال: ذلك لكِ، فأمر بأولادها فألقوا في التنور واحداً واحداً، وكان آخر أولادها صبياً صغيراً، فقال: اصبري يا أمّاه فإنّك على حق، فألقيت في التنور مع ولدها ".
    ويبدو ان فرعون لم يكفه ان استعبد شعبا باكمله من قبل موسى فقد صار يشد عليهم بشكل مضاعف عندما بعث الله تعالى موسى بالآيات المتتابعة على فرعون اثباتا لوجود الله ومحقا لكيد فرعون ومن معه فصاروا يكلّفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقونه، وكان الرجال والنساء في شدّة، وكانوا قبل ذلك يطعمون بني اسرائيل إذا استعملوهم، فصاروا لا يطعمونهم شيئاً، فيعودون بأسوأ حال يريدون يكسبون ما يقوتهم ، فلا يجدون بل ان مصر اصبحت معتقلا كبيرا لبني اسرائيل .
    ولما ثبت كفر المصريين اصبح مطلب موسى بان يخرج بني اسرائيل من ارض مصر ، لكن الفرعون يأبى فلا يرضى بخروجهم فهم عبيد للاقباط وعليهم يعتمدون في تسيير اعمالهم ، وبعد ان استنفذ موسى آيات الله تعالى على فرعون شاءت الارادة الالهية بان يسير موسى ببني اسرائيل الى ارض فلسطين وكان بنو اسرائيل لما ساروا من مصر ستمائة ألف وعشرين ألفاً ، وتبعهم فرعون وعلى مقدمتهم هامان، (فلمّا تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: إنا لمدركون) الشعراء: 61 ، وقالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، فأمّا الأول فكانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، وأمّا الآن فيدركنا فرعون فيقتلنا، فقال موسى: (كلا إنّ معي ربي سيهدين).
    وبلغ بنو اسرائيل إلى البحر وبقي بين أيديهم وفرعون من ورائهم، فأيقنوا بالهلاك، فتقدّم موسى فضرب البحر بعصاه فانفلق، فكان كلّ فرق كالطود العظيم، حتى خرجوا، ودنا فرعون وأصحابه من البحر فرأى الماء علي هيئته والطرق فيه، فقال لأصحابه: ألا ترون البحر قد فرق مني وانفتح لي حتى أدرك أعدائي؟ فدخل باثر بني اسرائيل فامر الله البحر فتلاقفت امواجه فرعون ومن معه .
    مما مر ذكره يظهران قسوة الفرعون قد بلغت ان نكل بشعب يبلغ تعداده 620 الفا من بني اسرائيل وكأن الحرب التي اقامها هي حرب ابادة جماعية ، والسبب فقط انهم ليسوا على دينه ، بل اعاث فيهم شتى صنوف العذاب ومصادرة الحريات .
    ولم يشمل العقاب بني اسرائيل حسب بل امتد الى كل قبطي يحمل افكار التوحيد ويدين بدين غير دين الفرعون ، ولعل السمة البارزة في حكومات الدولة الفرعونية الحديثة هو ما تجسد بافعال الفرعون رمسيس الرابع التي سردناها .
    ولا يزال جثمان الفرعون في احد المتاحف المصرية ، ومن بعد الفرعون لم تدم الحضارة المصرية القديمة طويلا فقد اتى العصر الذي فيه فصل الختام في التاريخ الفرعوني اذ تعرضت مصر منذ حكم الأسرة 21 وحتى الأسرة 28 لاحتلال كل من الآشوريين عام 670 ق.م ، ثم الفرس حتى انتهى حكم الفراعنة مع الأسرة الــ 30 ودخول الإسكندر الأكبرمصر فاتحا .

  5. #5

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    -عهد الهكسوس :
    كانت تسكن في فلسطين وشمال الجزيرة العربية والتي أطلق عليها أسم "الهكسوس" خلال عصر الأسرة الثانية عشرة حوالي سنة 1725 ق . م. قامت القبائل الرعوية التي بالإغارة على مصر واجتياح اراضيها وقد تم لهم الامر .
    اذ استطاعوا حكم مصر لمائة وخمسين من السنين ، وامتاز حكم الهكسوس بانه لم يعط المصريين الحرية الكاملة في مجال الحكم او اعتلاء المناصب العليا في الحكومة في ذلك الوقت ، لكنه في المقابل ضمن لهم بعض الحقوق من مثل حرية العقيدة والعمل ، وجملة كبيرة من الحقوق الشخصية ، لكن لم يتحرر الشعب المصري من ضغط المعبد والكهان .
    وكان المجتمع المصري في فترة حكم الهكسوس على طبقات اعلاها كان الهكسوسين وادناها طبقة العبيد الذين كان نبي الله يوسف في عدادهم عندما باعه بعض التجار الى عزيز مصر ، واحتل الفلاحون المصريون الطبقة الدنيا عن الهكسوس والطبقة الاعلى عن العبيد .
    وتذكر المصادر ان ملك الهكسوس كان رجلا من العماليق ، وهم الاعراب الذين سكنوا اراضي كنعان وشمال جزيرة العرب ، وكانت ديانتهم وثنية ولم يحكموا على وفق ما اعتاد الفراعنة من تأليه ملوكهم ، لذا كانت ملامح اشراك الكهان واضحة في ادارة البلد في ذلك الوقت .
    لكن بعد مبعث النبي يوسف بين ظهراني اهل مصر تحول الكثير من المصريين الى ديانة التوحيد ، وهذا شمل ايضا الاسرة الحاكمة وجل الهكسوس حتى انهم عظموا شأن اليهود وجعلوا من يوسف عزيز مصر ، وهنا بدأ الوجود اليهودي على ارض مصر .
    وفي نهاية حكم الهكسوس تعرض المصريون الى اضطهاد الهكسوس وتترجح الظنون ان ثمة افتراق عقائدي قد تسبب بذلك الاضطهاد الذي انتج ثورة الفلاحين المصريين وتكلل بطرد الهكسوس من ارض مصر وقيام الدولة الفرعونية الحديثة .

    3-عهد اليونان البطالمة :
    ابتدأت هذه الحقبة بدخول الاسكندر المقدوني مصر عام 333 ق . م . ويزعم كثير من أهل الأنساب الإسكندر هو بن فيلفوس، وقيل فيلبوس بن مطريوس، وقيل: ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن روميط بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن اسحاق بن ابراهيم.
    وهنا يعد الاسكندر هو عينه الذي وصفه الله تعالى بذا القرنين ،
    وقد وصفته المصادر التاريخية بذات الوصف ، وعلى كل حال فان الرجل قد فتح مجمل حضارات العالم القديم .
    وتميز حكمه بانه عسكري لكنه عادل الى حد كبير والدليل على ذلك قد اتى في كتب التاريخ ، اذ قال ابن الاثير في الكامل ما نصه :" ثم سار منها الى الصين، فلمّا وصل إليها أتاه حاجبه في الليل وقال: هذا رسول ملك الصين، فأحضره فسلّم وطلب الخلوة، ففّتّشوه فلم يروا معه شيئاً، فخرج من كان عند الإسكندر، فقال: أنا ملك الصين جئت أسألك عن الذي تريده، فإن كان مما يمكن عمله عملته وتركت الحرب، فقال له الاسكندر: ما الذي آمنك مني؟ قال: علمت أنك عاقل حكيم ..." .
    ولمّا مات الإسكندر أطاف به من معه من الحكماء اليونانيين والفرس والهند وغيرهم، فقد كان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم، فوقفوا على جنازته وشيعوه الى مثواه في الاسكندرية ..
    لقد حكم اليونان البطالمة بعد الاسكندر مصر بان جعلوها احدى الاقاليم التابعة الى بلاد الاغريق ، وبذلك حرموا المصريين من مجمل الحقوق السياسية ، اما الحقوق الاجتماعية وحرية الرأي والعقيدة فقد منحها الاغريق بشكل كامل الى الشعب المصري ، في حين حرموهم حق الملكية ، اذ اشتهر ان الارض بمن عليها تكون ملكا للسيد النبيل الاغريقي .
    وبذلك بنيت التركيبة الاجتماعية في مصر على وجود طبقة الاشراف التي كانت تتألف من مجمل النبلاء ملاك الاراضي الزراعية ، وجلهم كان من الاغريقيين ، اما الطبقة الاخرى فكانوا الفلاحين ، واصحاب المهن من المصريين ، في حين تحددت الطبقة الاخيرة بالعبيد ، سواء اكانوا عبيدا للاغريق ام للمتنفذين من طبقة العامة المصريين .
    والسمة البارزة ان مصرتعد من اهم مصادر انتاج العبيد عند الاغريق وقد حكمت مصر من خلال حاكم اغريقي وعلى وفق السيطرة العسكرية المباشرة ، لكنهم لم يحرموا الفرد المصري من حقوقه الاساسية ، فقد ضمن تلك الحقوق القانون الاغريقي الذي كان مفعوله يسري على الاغريقي والمصري على حد سواء ، ومن هنا نشأت مؤسسات علمية كان من ابرزها مكتبة الاسكندرية التي لم يقتصر روادها على الاغريق بل كان من المصريين من يرتاد اليها ايضا
    ، واستمرت مصر مرتبطة بالبطالمة على الرغم من الثورات الفلاحية المتلاحقة حتى عام (31 ق. م.) عندما انهارت الامبراطورية الاغريقية امام الرومان .

    عهد الرومان :
    خضعت مصر لحكم الرومان عام 31 ق. م. ولم يكن اتحاد الدين بين الرومان والاقباط ليثني الروم عن حكم مصر على وفق النسق الذي حكمه به الاغريق من قبل ، فاصبح الرومان هم سادة المجتمع ويمثلون طبقة النبلاء ، ملاك الاراضي بمن عليها ، اما الطبقة الاخرى فهي عامة الناس من المصريين ، والطبقة الاخيرة هم العبيد من المصريين او الاجانب .
    وكانت حقوق الاقباط معترف بها عند الرومان على نحو نسبي فالحاكم الروماني الذي يحترم القانون ويتميز بشخصية سمحة يحقق للمصريين حقوقهم دون اجحاف ، وربما اتت ازمان حكم فيها مصر جملة من الحكام الذين تميزوا بالشراسة ، وعندئذ لا ترقى حقوق الانسان الى اكثر من تلك الحقوق التي كان المصريون متمتعين بها في عهد الاغريق والفراعنة من قبل ..
    ولعل صلة النسب التي حدثت بين الحاكم الروماني وبين كيلوبترا ملكة مصر اذبان سيطرة الرومان على ممتلكات الاغريق ، وسقوط مصر تحت الحكم الروماني لم يثني عزائم الرومان من الاستحواذ على خيرات مصر وسوق اشدائها عبيدا ، واقصاء اسيادها باستبدالهم بالاسياد من الرومان ، وقد دامت امور المصريين بقبضة الروم حتى مجئ الاسلام وفتح بلاد مصر ودخول المصريين في الدين الاسلامي الحنيف .

  6. #6

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    حقوق الانسان في الحضارة الاغريقية :
    ابتدأت قصة الحضارة الاغريقية بتنامي الشعوب التي كانت تقطن الاراضي الواقعة بين بحري ايجة والبحر المتوسط ، وتمثلت قيم الحضارة لهذه الشعوب في عدة مدن اغريقية ، من اشهرها اسبارطا واثنا ، وقد انتشرت هذه الحضارة في أرجاء واسعة من العالم بعد قيام إمبراطورية الاسكندر الأكبر الـمقدوني " ذو القرنين " .
    وينحدر الشعب الاغريقي عن اربع اصول وعدها بعضهم عشر اصول ، وكانت طبيعة المجتمع الاغريقي تتمركز على وجود الولاية المطلقة للاب على اولاده وزوجته ، فالرابط الاسري والعشائري لديهم كبير الى الحد ان من حق الاب عرفا بيع او رهن احد افراد عائلته ، وكان ذلك شأن الاغريق في اسبارطا واثينا ومجمل مدن الاغريق ، وتميز الاغريق بتنوع النسيج الاجتماعي ، فهو مؤلف من طبقات عدة يمكن سردها بالآتي :
    1-طبقة الحكام والحكماء 2- طبقة الاشراف " النبلاء " 3- طبقة المحاربين 4- طبقة الفلاحين واصحاب المهن 5- طبقة العبيد .
    لقد اشتهر الاغريق بانهم اصحاب فكر فلسفي وحضاري ، الى الحد الذي بلغ رقيه ان صارت الانسانية الحديثة تتعاطى قيم الحضارة الاغريقية ، فما زلنا الى الآن نتفاعل مع المسرحية والفن الذي يقوم على الحبكة في الروايات الطوال ، ولا زالت الحضارة الحديثة تشيد بنظريات عدة في مجال الادب والفن والسياسة كان المؤسس لها الاغريق ..ومن هنا اعطى الفرد الاغريقي الذي ينتمي الى الاحرار من الرجال مالم تعطه باقي الحضارات العالمية جمعاء من الحقوق الى مواطنيها .. وقد تجسد ذلك العطاء من خلال فكرة الديمقراطية وافكار الحرية والمساواة فضلا عن مجموعة الحقوق التي اقرها القانون الاغريقي اعتمادا على الاعراف التي حكمت بها قبائل الاغريق قبل التحضر .
    لكن تميزت اسبارطا في معالجتها لحقوق مواطنيها بامور عديدة ، فمن جهة الحقوق السياسية كانت جمعية "الأبلا " هي العنصر الديمقراطي الذي ارتضته إسبارطة في حكومتها. ذلك أن جميع المواطنين الذكور كانوا يقبلون فيها متى بلغوا سن الثلاثين، وكان عدد من يمكن اختيارهم أعضاء فيها 8000 من بين سكان إسبارطة البالغ عددهم 000ر376 ولا يسن قانون إلا إذا وافقت عليه.
    وفي الحقوق الاجتماعية نلمح في تربية الاسبارطيين لاولادهم من الذكور ما يعكس تدهورا واضحا في احترام القيمة الانسانية للمواطنين الاسبارطيين ، فلم يكن الاطفال بمأمن من الحقوق التي وفرتها الولاية المطلقة من قبل الآباء ، تلك الولاية التي تتيح للوالد قتل ابنه من غير ان يكون مُساءلا من قبل القانون ، فقد كان يؤتى بالاطفال الذكور أمام مجلس من المفتشين، فإذا ظهر أن الطفل مشوه ألقي به من فوق جرف ليلقى حتفه على الصخور ، وكان ثمة وسيلة أخرى للتخلص من ضعاف الأطفال نشأت من العادة التي جرى عليها الإسبارطيون، وهي تعويد أطفالهم تحمل المشاق والتعريض لمختلف الأجواء فأن مات الطفل كان المجتمع قد تخلص من عبء ، وان عاش فالظروف القاهرة تكفي في ان يشتد ويتصلب ويبلغ مبالغ الاقوياء ، وبعد سن السابعة يفصل الاطفال الذكور عن عوائلهم ويلتحقون بمعسكرات خاصة للتدريب على تحمل اجواء الحرب وفنون القتال ، فإذا تخطى الصعاب بشرف وبلغ سن الثلاثين منح كل ما للمواطن من حقوق ، وألقيت عليه جميع ما يلقى على المواطن من تبعات ، وأجيز له أن يجلس لتناول الطعام مع من هم أكبر منه.
    وكانت البنت أيضاً خاضعة لقيود تفرضها عليها الدولة، وإن كانت تتركها لتربى في منزل أبويها. فكان يطلب إليها أن تقوم ببعض الألعاب العنيفة- الجري، والمصارعة، ورمي القرص، وإطلاق السهام من القوس- لكي تصبح قوية البنية، صحيحة الجسم، صالحة في يسر للأمومة الكاملة.
    وفي الحقوق الاجتماعية " الشخصية " فقد تدخلت الدولة بان اشرفت إشرافاً قوياً على الزواج ،
    فحددت الدولة أنسب سن للزواج سن الثلاثين للرجال والعشرين للنساء. وكانت العزوبة في إسبارطة جريمة، وكان العزاب يحرمون حق الانتخاب وحق مشاهدة المواكب العامة .
    وكان مركز المرأة بصفة عامة في إسبارطة خيراً منه في أي مجتمع يوناني آخر، فقد احتفظت فيها أكثر من سائر المدن اليونانية بمكانتها العالية وبالمزايا التي بقيت لها من أيام المجتمع القديم الذي كان الأبناء فيه ينسبون إلى أمهاتهم.. بالجرأة والرجولة، وبالتشامخ على أزواجهن.. وكن يتحدثن بصراحة حتى في أهم الأمور"؛
    و قد اثمر القانون الاسبارطي في مجال الحقوق الاقتصادية بان اثبت للنساء الكثير من الحقوق فعلى سبيل المثال كان من حقهن أن يرثن ويورثن، وقد آلت لهن على مر الوقت نصف الأملاك الثابتة في إسبارطة بفضل ما كان لهن من سيطرة قوية على الرجال وكن يعشن في بيوتهن عيشة الترف والحرية، على حين كان الرجال يقاسون أهوال الحروب الكثيرة،
    ومن جانب آخر كان نظام الحكم الإسبارطي غير كريم في معاملة الأجانب إلى حد لم يسبق له مثيل. فقلما كان الأجانب يرحب بهم في البلاد ، وكانوا يفهمون عادة أن زياراتهم يجب ألا تطول، فإذا طالت فوق ما يجب صحبهم رجال الشرطة إلى حدود البلاد. وكان يحرم على الإسبارطيين أنفسهم أن يخرجوا من بلادهم إلا بإذن من الحكومة .
    امافي اثينا فالامر يختلف بعض الشيء ، فمن جهة الحقوق السياسية تمتع الذكور من الاحرار دون الاناث بحق الاقتراع في الجمعية العامة ، بل كان من حق المواطن الاغريقي ان يصل بطموحه الشخصي بالتوافق مع الكفاءة اللازمة الى مسدة الحكم او اعتلاء المناصب المهمة في الدولة وكان الامرينظم بمجموعة من القوانين شملت مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهذه القوانين من صنع الشعب من خلال مجلسي الشعب والشيوخ ،
    والحقيقة أن المواطن الأثيني كان دائم الاهتمام بالشؤون العامة والمشاركة فيها دون قيد أو شرط اذ استطاعت أثينا أن تتغلب على قضية حق الفرد الواحد في الحكم والسياسة العامة والاقتصاد ونظرت إلى قضية حق المواطن في الحرية والحياة بشكل متطور عن الحضارات السابقة، فقد كان الإنسان محور الحياة وهذه هي الفترة التي امتدت بين صولون وبركليس اللذان قدما اصلاحات مهمة جدا على روح القوانين الاغريقية القديمة فقد حرر صولون ب قانونه الشهير "السيسكثيا" المدينين من ديونهم بعد ان كان المدين المعسر في القانون الاغريقي يواجه التحول الى طبقة الرق ان عجز عن الوفاء بدينه الى السيد النبيل وربما هذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل من الاحرار الاثينيين عبيدا سواء اكان رب الاسرة او بعض اولاده او زوجته ، كما أطلق سراح المسترقين منهم ومنع استرقاق المدين وحرم مثل هذا الاسترقاق في المستقبل .

    ومنع استعمال الاساليب القهرية كالضرب او التعذيب على جسمه كوسيلة لإكراهه على الوفاء بالدين ، ومن ذلك ما وصف أرسطوطاليس بقوله: "وأصبحت كل الأراضي ملكاً لعدد قليل من الناس، وتعرض الزراع هم وأزواجهم وأبناؤهم لأن يباعوا بيع الرقيق" لا في داخل البلاد فحسب بل في خارجها أيضاً، "إذا عجزوا عن أداء إيجار الأرض" أو الوفاء بما عليهم من ديون.
    وقد قضى صولون على نفوذ أرباب الأسر ومنع عنهم فكرة الولاية المطلقة بل اثبت بعضا من الحقوق المدنية لافراد العائلة ابتداءا بالزوجة وانتهاءا بالاطفال ومن مجمل الحقوق التي اقرها أنه جعل الثروة الفردية التي قررتها العادات من قبل معترفاً بها قانونياً.
    وفي اطار الملكية والمواريث حدد صولون احكاما دقيقة منهاعلى سبيل المثال "إذ كان للرجل أولاد كان عليه أن يقسم ثروته بينهم قبل وفاته، فإذا لم يكن له أولاد كان له أن يوصي لأي إنسان بأملاكه التي كانت تؤول حتى ذلك الوقت ومن تلقاء نفسها لقبيلته " .
    ولغرض فكرة اصلاح المجتمع كان منه ان يتدخل لحماية الاسرة التي هي البنية الحقيقية لقوة المجتمع فشرع فرض غرامة قدرها مائة درخمة على من يعتدي على عرض امرأة حرة وأباح لمن يمسك برجل زانٍ متلبس بجريمته أن يقتله لساعتهِ. وأضاف صولون إلى كل شريعة من شرائعه عقوبات كانت أخف من عقوبات دراكون ولكنها مع ذلك صارمة، وجعل من حق كل مواطن أن يقاضي أي شخص يرى أنه ارتكب جريمة ما .
    وكان القتل بين الاحرار قليل الحدوث لأنه يعد خطيئة دينية وجريمة قانونية في وقت واحد، ولأن الخوف من الانتقام يظل قائماً إذا عجز القانون عن الاقتصاص من القاتل. وقد بقي القصاص المباشر حتى القرن الخامس قبل الميلاد مباحاً في أحوال خاصة، من ذلك أن الرجل إذا وجد أمه أو زوجته، أو محظيته، أو أخته، أو ابنته ترتكب الفحشاء كان من حقه أن يقتل من
    يرتكبها معها من الرجال على الفور .
    ويعد عهد بركليس العصر الذهبي الذي ازدهرت فيه الحضارة الاغريقية في كافة مظاهرها وكان الرجل منتميا الى طبقة الاشراف ويعد من اكثر اهل اثنا ثراءا لكنه فضل ان يكون مع المواطن الاغريقي الذي ينتمي الى طبقات المجتمع المتدنية فوضع لمساته الاصلاحية على القانون الاغريقي وقدم لنا الاطروحة الجيدة التي لازمت جميع القوانين التي اقرت فيما بعد عند الاغريق والرومان على حد سواء
    ومن المظاهر الاصلاحية في عهد بركليس هوتمتع المواطنين في أثناء حكمه بحق المساواة في حرية الكلام والمساواة أمام القانون كما أخذت الديمقراطية الإغريقية شكل الديمقراطية المباشرة التي تقوم على أساس فكرة مزاولة المواطنين للسلطة بأنفسهم دون أن يوكلوها إلى من يمثلهم .
    ولعل امر الحقوق الفكرية والثقافية قد اصبح من المسلمات بعد ان تناوله الفلاسفة الاغريق فقد قبل افلاطون مذهب المحافظين من فكرة العدالة فهو يعتقد أن من أعظم أسباب كمال الدولة هو تلك الفضيلة التي تجعل كلا من الأطفال والنساء والعبيد والأحرار والصناع والحاكمين والمحكومين يؤدي عمله دون أن يتدخل في عمل غيره ومن ثم فان أحداً لا ينبغي ان يتعدى على ما يمتلكه الغير أو يحرم مما يمتلكه هو…. إن العدالة إنما هي ان يمتلك المرء ما ينتمي إليه فعلاً، ويؤدي وظيفته الخاصة به .. لكنه رسخ مفهوم قيام المجتمع على طبقات ثلاثة انطلاقا من مبادئ فلسفية تمتد الى علم الاخلاق ونظرية المثل الافلاطونية ومن هنا كان التعدي على وظائف الغير والخلط بين الطبقات الثلاث يجر على الدولة في نظر افلاطون أوخم العواقب اذ عد ذلك جريمة في حق نظامه المؤسساتي " الجمهورية " . وقد ندد أفلاطون باستعباد اليونان لليونان، ولكنه فيما عدا هذا يقر الاسترقاق بحجة أن لبعض الناس عقولاً غير ممتازة. وينظر أرسطو إلى العبد على أنه آلة بشرية، ويظن أن الاسترقاق سيبقى في صورة ما حتى يحل اليوم الذي تؤدي فيهِ الآلات التي تدور بنفسها جميع الأعمال الحقيرة. .
    وعلى الرغم من ذلك يبقى استغلال الإنسان للإنسان في أثينا وطيبة أقل قسوة منه في إسبارطا وروما، ولكنه كان على أية حال استغلالاً يؤدي الغرض المقصود منه. فلم يكن بين الأحرار في أثينا طوائف ممتازة وأخرى غير ممتازة، وكان في مقدور الرجل أن يرقى بجهودهِ وحدها إلى أية مرتبة في الحياة، فلم يكن فيها تمييز طائفي شديد بين العامل وصاحب العمل فقد كان العبد يُعتق أذا افتداه أهله أو أصدقاؤه ، أو افتدته الدولة نفسها من سيده نظير خدماته لها في الحرب؛ وقد يبتاع هو نفسه حريته بما يدخره من الاموال .
    ومن جهة اخرى كان في أثينا سوق يقف فيه العبيد متأهبين لأن يفحص عنهم وهم مجردون من الثياب، وأن يساوم على شرائهم في أي وقت من الأوقات. وقلما كان يسمح للعبد بأن يكون له أبناء لأن شراء العبد كان ارخص من تربيته. وكان العبد إذا أساء الأدب ضرب بالسوط، وإذا طُلب للشهادة عذب، وإذا ضربه حر لم يكن له أن يدافع عن نفسهِ لكنه إذا تعرض للقسوة الشديدة كان له أن يفر إلى أحد الهياكل، ثم يُلزم سيده ببيعهِ، ولم يكن يحق لسيده بأية حال أن يقتله .
    وكان العبد يلقى من الضمانات؛ ما دام يعمل، ما لا يلقاه كثيرون ممن لا يسمون عبيداً في بعض الحضارات الأخرى ، فكان إذا مرض ،أو تقدمت به السن، أو لم يجد عملاً يقوم به، لا يلقي بهِ سيده إلى الإعانات العامة، بل كان يستمر في رعايته. وإذا كان وفياً عومل معاملة الخادم المخلص الأمين التي تكاد تضارع معاملة أي فرد من أفراد الأسرة، وكثيراً ما كان يسمح له بأن يقوم بعمل خارجي على شريطة أن يؤدي لسيده بعض ما يكسب من هذا العمل. وكان يُعفى من الضرائب ومن الخدمة العسكرية؛ ولم يكن شيء في ثيابه يميزه من الحر في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد.
    وفي مفهوم الحرية عد قدماء الإغريق انها لم تكن تعني حرية الفرد، وإنما هي حرية المواطن باعتباره عضواً في المجتمع التي تسمح له أن يساهم في الشؤون العامة للمدينة دون أن يكون للأفراد الحريات المدنية الحديثة مثل الحرية الشخصية وحرية التملك وحرية العقيدة ومن هنا بقي الاسترقاق مشروعاً عند الإغريق وربما كان ثلث سكان أثينا من طبقة الأرقاء، وهذه الطبقة لا تدخل في حساب المدينة الإغريقية مطلقاً وكان الرقيق ملكاً لسيده وشيئاً من أشيائه،عليه يمكن القول أن مسألة حقوق الإنسان لم تبلغ شأواً كبيراً عند الإغريق وهذا أمر يرجع إلى عوامل اجتماعية واقتصادية اشتركت فيها الحضارات القديمة عموماً ولكن بعض الفلاسفة الإغريق انتقد مع ذلك التقاليد القائمة والقوانين النافذة في المجتمع والتي تقصي العبيد والأجانب ، على انهم نظروا الى العبد كونه إنسان يجب معاملته من منطلق أنه عامل مستأجر مدى الحياة .
    والملاحظ من مسيرة الحضارة الاغريقية انها لم تعط المرأة حق الاقتراع بل ان مسألة المساواة مع الرجل في الحقوق المدنية لم تكن موجودة على الرغم من مناداة بعض الفلاسفة وخصوصا افلاطون بالمساواة مع الرجل في كل شئ ، فهي القسيم له في المجتمع وفي المواطنة لذا من حقها تولي المناصب العامة والخاصة على حد سواء ..

  7. #7

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    اما الاجانب فكانت الدولة تفرض عليهم من الضرائب ما تفرضه على المواطنين، وتُلزمهم بأن يؤدوا خدمات شخصية للدولة، وتجندهم للخدمة العسكرية، وكانوا يؤدون لها ضريبة الفرضة ؛ ولكنها كانت تُحرم عليهم امتلاك الأرض والزواج من أسر المواطنين، ولا تسمح لهم بالانضمام إلى الهيئات الدينية أو الالتجاء بأنفسهم إلى المحاكم.
    ولكنها كانت ترحب بهم في حياتها الاقتصادية، وتقدر لهم جدهم وحذقهم، وتنفذ لهم عقودهم، وتترك لهم حريتهم الدينية، وتحمي أموالهم من الثورات العنيفة ، وكان يشارك الغرباء في الحرمان من بعض الحقوق السياسية، وفيما يتاح لهم من الفرص الاقتصادية، العتقاء، أي الذين كانوا من قبل عبيداً.

    وربما يبقى الخاسر الاكبر في هذه الحضارة الاجانب والعبيد ، فالاجانب قد حرموا سلفا من حق الاقتراع او المشاركة في صياغة القوانين فالجمعية العامة لا تضم الا الاحرار من الاثينيين ، ومن باب الاولى ان تحرم هذه الطبقة من حقوق اخرى كحقوق التملك وما شاكل ..
    اما طبقة العبيد ، فعلى الرغم من اصلاحات بركليس الا انها لم تشتمل على العبيد الذين اتوا من جراء الاسر او عروض التجارة ، بل استعمل الكثير من العبيد في مجال الزراعة والمهن ، اما القسم الآخر الذي كان محاربا في الاصل فقد ضم الى الجيش الاغريقي ، وغالبا ما كان يتقاسم غنائم المعارك من الاسرى الرجال اصحاب النفوذ من طبقة الاشراف الاغريق فيجعلونهم واحدا من ثلاثة اصناف ، فما عبيدا مزارعون او عبيدا محاربون او عبيدا من ذوي اصحاب المهن او مجالدون ، ولعل كرامة العبيد قد اهدرت بل انفسهم ايضا لاسباب موجبة في بعض الاحيان كالتمرد من قبل العبد على سيده ،ولكن من ملاحقة الحقائق التاريخية يظهر ان ثمة اسباب اخرى يخسر جراءها العبيد انفسهم ، فقد اشتهرت المسابقات بين المحاربين وهي ذات طبيعة دموية تقوم على هدر الانفس لاستحصال اللهو واللذة من قبل المتفرجين ، فالمحارب الذي يدخل " عنوة " الى الحلبة اما ان يقتل او يُقتل ، وغالبا ما يكون المحاربين من الاجانب الذين صيرتهم الحروب عبيدا للجيش الاغريقي المنتصرعلى ان جملة منهم يكونون من المحكومين في جرائم القتل او ما يعادل القتل .



    حقوق الإنسان في الحضارة الرومانية .
    شهدت روما بعض المحاولات المحدودة في سبيل الحرية والمساواة وإذا كان القائمون بهذه المحاولات قد نجحوا في الحصول على جانب من هذه الحقوق فان هذا لا يعني مطلقاً ان الإمبراطورية الرومانية قد شهدت عصراً تمتع فيه الفرد بكامل حقوقه وحرياته تجاه الدولة التي كانت مسيطرة تماماً على الشؤون المختلفة في الحياة، وقد دوّن الرومان العادات والتقاليد والأعراف المرعية في قانون الألواح الاثني عشر 450 ق.م لكي تثبت وتستقر ويتساوى الجميع في معرفتها والخضوع لاحكامها واخذ الرومان ينادون بصورة تدريجية بحرية العقيدة في المسائل الدينية كما أن الفقهاء الرومان قد نظروا إلى الرق نظرة غير مشجعة، ورأى بعضهم أن نظام الرق مضاد للطبيعة .
    وقد أكد (اولبيان) أنه لا يجوز في القانون الطبيعي ان يولد الناس إلا أحراراً وان العبيد وان عدوا موجودين في نظر القانون الوضعي فانهم ليسوا موجودين في نظر القانون الطبيعي الذي يقرر ان الناس جميعاً متساوون ..
    ومن جانب آخر اعتقد المشرعون الرومان ان الطبيعة جاءت بمبادئ محددة يجب أن تعبر عنها القواعد القانونية الوضعية، فالقانون الطبيعي طبقاً لما ذهب إليه هؤلاء، هو المفسر لمبادئ العدالة العامة باعتبارها المبادئ الطبيعية الخالدة التي تحتم احترام الاتفاقات وتنسجم مع قيم العدالة في المعاملات بين الأفراد وحماية القاصرين من الأطفال وحماية النساء والاعتراف بالمطالب التي تقوم على صلات الدم والقرابة، وأدت هذه المبادئ إلى ظهور تنظيم قانوني حطم سلطة الأب المطلقة على ابنائه ، ومنحت المرأة المتزوجة مركزاً قانونياً يقترب من حقوق الزوج فيما يتعلق بإدارة الأملاك أو تربية الأطفال .
    ان من ابرز المفكرين الذين اهتموا بجوانب عامة ترتبط بفكرة حقوق الإنسان وعاشوا في الفترة الرومانية هو شيشرون 106-43 ق.م وسنيكا 4ق.م– 65م ، فشيشرون اسهم في الحوار حول القانون الطبيعي، وهو يرى انه مرادف للعقل وان العالم هو عالم واحد له قانون واحد صالح لجميع الأمم وفي مختلف الأوقات لانه ذو طبيعة واحدة وان غاية هذا القانون تحقيق العدالة والفضيلة مادام قد أنبثق عن طبيعة إلهية عادلة وفاضلة، وان الأفراد متساوون في ظل هذا القانون جميعاً بالحقوق القانونية وبالمساواة أمام الله وأمام قانونه الأعلى وهو ما تبناه الفكر المسيحي بعد ذلك، وكان هدف شيشرون من كل ذلك إعطاء الأفراد شيئاً من الكرامة التي هي من أهم حقوق الإنسان، فحتى العبيد يجب ان يكون لهم حصة منها لانهم ليسوا مجرد آلات بشرية حية - كما يذكر ارسطو- يستخدمها السادة لغرض الإنتاج.
    أما سنيكا فعبر عن الفكر الرواقي في السنوات الأولى من العصر الإمبراطوري وكانت أفكاره تعبر عن صبغة دينية واضحة وكان يعتقد ان الطبيعة هي التي تقدم الأساس الذي يعيش في ظله الأفراد واقر بمبدأ المساواة الإنسانية إذ ان الاختلافات بين السيد والعبد هي مسألة اصطلاح قانوني وان الحظ السيئ وحده الذي يجعل الإنسان عبداً، وعليه فقد رفض سنيكا كما رفض شيشرون والرواقيون الأوائل ادعاء ارسطو ان البشر غير متساوين بالطبيعة.
    من جانب آخر فقد ادعى سنيكا أن الاعتماد على الطاغية يعد الخيار الأفضل إلى حدٍ كبير من الاعتماد على الجماهير، إذ ان جمهرة الشعب هي من الشر والفساد بحيث تغدو أكثر قسوة من الحاكم الطاغية .

    وعلى ذلك تضاربت اركان الامبراطورية الرومانية بشأن ما للانسان وما عليه بسبب الخصام الكبير بين الحكماء واصحاب النفوذ الذين يريدون حكما اقرب الى الحكم الاسبارطي منه الى الحكم المدني الذي يؤمن بقيمة الانسان وجوهر الحياة .
    لذا لم تكن طبقات كثيرة من الأهالي راضية عن حالها قانعة بحظها ، ولم تستطع حكومة من الحكومات أن ترضي جميع رعاياها .
    ففي روما كان رجال الأعمال يألمون لحرمانهم من عضوية مجلس الشيوخ، والأثرياء من العامة يألمون لحرمانهم من أن تكون لهم حقوق رجال الأعمال؛ والفقراء يألمون لفقرهم وحرمانهم من الحقوق السياسية وتعرضهم للاسترقاق إذا عجزوا عن الوفاء بما عليهم من الديون.
    وكانت أثمن ميزة يستمتع بها المواطن الروماني هي حماية القانون لشخصه، وملكه، وحقوقه، وأمنه على نفسه من التعذيب أو العنف في أثناء المحاكمة ، وكان من مفاخر القانون الروماني أنه يحمي الفرد من الدولة ، فقد كان المواطنون هم أبناء إحدى القبائل الثلاث الأصلية في روما، أو الذين تبنتهم إحدى هذه القبائل. وكان معنى هذا القول من الوجهة العملية أن المواطنين هم جميع الذكور الذين تزيد سنهم على الخامسة عشرة ، والذين لم يكونوا أرقاء أو غرباء ، مضافًا إليهم جميع الغرباء الذين منحتهم روما حق المواطنة فيها.
    ولم يشهد العالم قبل روما أو بعدها دولة من الدول حرصت مثل حرصها على حق المواطنة أو قدرته مثل تقديرها.
    ومن المعلوم ان المجتمع الروماني في مختلف الازمان التي مر بها كان على طبقات ، هي شبيهة بالتدرج الطبقي الذي عند الاغريق من قبل ، فطبقة الحكام هي الاولى في التدرج ، تليها طبقة الاشراف ومن ثم طبقة المواطنين واخيرا طبقة العبيد .
    والملاحظ ان القانون الروماني قد اوغل قليلا في ترسيخ مفهوم الطبقات الى الحد الذي منع بعضا من الحقوق السياسية لطبقات المجتمع المتدنية ، وكان ذلك الحرمان يسير على وفق اسس اقتصادية فقد كان على رأس الجمعية المئوية ثمان عشرة ومائة من الأشراف ورجال الأعمال (الطبقتين الممتازتين) .
    ويلي هؤلاء رجال "الطبقة الأولى"- الذين لهم أملاك تبلغ قيمتها 100.000 آس (الآس عملة رومانية من النحاس ) ، وكان عدد ممثلي هذه الطبقات في الجمعية ثمانين بالمائة أي ثمانية آلاف رجل، وكانت الطبقة الثانية تشمل المواطنين الذي يقدر أملاكهم بين 75.000 و100.000 آس؛ والطبقة الثالثة تشمل من كانت لهم ثروة تقدر بين 50.000 و75.000؛ والرابعة من كانت ثروة أفرادها بين 25.000 و50.000. وكان لكل طبقة من هذه الطبقات عشرون مائة. وكانت الطبقة الخامسة تشمل المواطنين الذين يملكون بين 11.000 و25.000 آس وكان لهؤلاء ثلاثون مائة.
    أما المواطنون الذين تقل أملاكهم عن 11.000 آس فكانت تمثلهم مائة واحدة(10)، وكان لكل مائة عند الاقتراع صوت واحد هو صوت أغلبية أعضائها؛ وكان في وسع أغلبية قليلة في إحدى المئات أن تعطل قرار أغلبية كبرى في مائة أخرى وتجعل الفوز في جانب أقلية عددية. وإذا كانت كل مائة تقترع بترتيب مركزها المالي، وكانت نتيجة اقتراعها تعلن عقب هذا الاقتراع، فقد كان اتفاق الطائفتين الأوليين يجعل لهما 98 صوتًا، وهي أغلبية أصوات الجمعية كلها.
    ومن أجل هذا فإن الطبقات الدنيا قلما كانت تقترع ، وكان نظام الاقتراع هو النظام المباشر أي أن المواطن كان يعطى صوته بنفسه ، ومن ثم فإن المواطنين الذين لم يكونوا يستطيعون القدوم إلى روما ليحضروا اجتماع الجمعية لم يكن لهم من يمثلهم فيها.
    اما من جهة الحقوق الاقتصادية اقرت القوانين النافذة الملكية الفردية ، وربما اتت ازمان تحددت فيها الحدود العليا للملكية لتحقيق التوازن الاقتصادي والسياسي في المجتمع .
    وكانت الملكية تجيء عن طريق الوراثة أو وضع اليد. وإذا كان الوالد يمتلك بوصفه وكيلاً عن الأسرة أو ولياً عليها، فقد كان الأولاد والأحفاد ملاكاً بالإمكانية أو "ورثة أنفسهم" حسب النص النافذ الذي ورد في القانون، اما إذا مات الوالد من غير أن يترك وصية ورث أبناؤه أملاك الأسرة من تلقاء أنفسهم، وورث أكبر الآباء من هؤلاء الأبناء حق الولاية على الأسرة .
    على ان الشخص الأول في القانون الروماني هو المواطن؛ وكان تعريفه عندهم هو أنه الشخص الذي ضم إلى إحدى القبائل الرومانية بحكم المولد أو التبني، أو العتق، أو المنحة من قبل الحكومة .
    ونستطيع أن نقول بوجه عام إن سلطان الأب على أبنائه أخذ يضعف كلما ازداد سلطان الحكومة على الأفراد ؛ فحل التعاقد والقانون محل القرابة والمكانة الاجتماعية والعادة ولم يكد يختتم القرن الثاني حتى كانت الولاية البشرية قد رفعت من الوجهة القانونية عن الحرائر من النساء متى تجاوزن الخامسة والعشرين من العمر .
    اما من جهة الحقوق الشخصية فقد كان للمرأة في ذلك العهد مثل ما لها الآن من "الحرية" الكاملة إذا ما استثنينا من ذلك الحقوق السياسية الشكلية وحرفية القوانين ، فقد كان التشريع يبقي المرأة خاضعة أسيرة ، ولكن العادة جعلتها حرة طليقة .
    وكان معنى هذا التحرر في بعض الأحيان أن تقوم بنصيبها من العمل كما هي الحال في هذه الأيام ؛ فمن النساء من كن يعملن في الحوانيت أو المصانع وخاصة في الحرف المتصلة بالنسيج ، ومنهن من أصبحن محاميات أو طبيبات ، وأصبح لبعضهن سلطانا سياسيا يمكن وصفه بانه قوي ، وهذا يعكس لنا كيف اصبحت المرأة الرومانية من التمتع بالامتيازات والحقوق المدنية والمواطنة .
    ان القاعدة التي بنى الرومان قانونهم على وفقها في الامور الشخصية تقوم على توفير الحرية ما امكن على ان لا تشكل خطرا كبيرا في تركيبة المجتمع ابتداءا من الاسرة ، لذا حارب القانون العزوبة من خلال امور عدة ، اذ لم تكن الأرامل أو المطلقات يرثن إلا إذا تزوجن مرة أخرى في خلال ستة شهور من موت الزوج في الحالة الأولى ومن الطلاق في الحالة الثانية .
    وحرمت العانس والزوجة العقيم من الميراث إذا بلغت الخمسين من عمرها ، أو كانت أصغر من ذلك وكانت تملك خمسين الف "سسترس " ، وقد حرم على الرجال من طبقة أعضاء مجلس الشيوخ أن يتزوجوا من المحرَّرات " التي كانت في الرق وتم فك رقها رسميا " أو الممثلات أو العاهرات ، كما حرم على الممثل والمحرَّر أن يتزوج ابنة من طبقة أعضاء مجلس الشيوخ.
    وفرضت على النساء اللائي يمتلكن أكثر من عشرين ألف سسترس أن يؤدين ضريبة سنوية قدرها 1% من أموالهن حتى يتزوجنَ ، ثم تخفض هذه الضريبة بالتدريج كلما رزقن ابناً ، فإذا رزقن الطفل الثالث رفعت الضريبة عنهن ، وإذا كان لأحد القنصلين أبناء أكثر من زميله تقدم عليهِ .
    وكان يفضل في تولي المناصب العامة أكبر المتقدمين إليها أُسَراً متى كان صالحاً لتولي المنصب..
    على ان ثمة تفريق في المساواة بين الرجل والمرأة فقد ظل الزنى من الجرائم الصغرى إذا ارتكبه الرجل ، أما إذا ارتكبته المرأة فكان يعد من الجرائم الكبرى ، ولم يعطِ القانون الصلاحية للزوج في قتل زوجته إذا ضبطها متلبسة بجريمة الزنى ، بل أعطى هذا الحق لأبيها اسماً وللمحاكم فعلاً ، وكان عقابها هو النفي .
    وكان يحرم قتل الأبناء إلا إذا كانوا مشوهين أو مصابين بمرض مستعص على العلاج ، وكان عقاب من يجهض حاملاً أن ينفى من البلاد وأن تصادر أملاكه ، فإذا ماتت الحامل نتيجة لهذا العمل عوقب بالإعدام ، كما أن أبناء الجارية كانوا يعدون كلهم عبيداً ولو كان أبوهم من الأحرار .
    وكانت قوانين الجمهورية في عهدها الأول تبيح للدائن أن يسجن المدين الذي يتكرر عجزه عن الوفاء بدينه في سجن انفرادي ، وأن يبيعه بيع الرقيق بل أن يقتله ، وقد جاء في القانون أن في وسع الدائنين لشخص ما مجتمعين أن يقطعوا جسد المدين العاجز عن الوفاء ويقسموه فيما بينهم ، لكن في وقت الاصلاحات التي دعى اليها خبراء القانون الروماني رفعت هذه القوانين واستبدلت بتوفير ضمانات كافية لرد الدين .
    اما في مجال تملك البشر فقد عد الأرقاء أدنى الطبقات ، وكانوا في عهد الملوك قليلي العدد وباهضي الاثمان ، ولذلك كان سادتهم يحسنون معاملاتهم ويعدونهم أعضاء ذوي نفع كبير في أسرهم.
    فلما كان القرن السادس قبل الميلاد،انحطت منزلة الرقيق ، فصارت القوانين تبيح معاملة العبد كما يعامل الإنسان متاعه ، ذلك أنه من الوجهة النظرية ، وطبقًا لعادات القدماء قد فقد حقه في الحياة حين وقع في الأسر، وإن استعباده لم يكن إلا رحمة به وتخفيفًا لحكم الموت الذي استحقه بهزيمته .
    ولقد كان بين السادة والعبد حب وعطف وعلاقة ترتقي الى غير تلك التي بين السيد والعبد بل الى الرجل والخادم وكأن العبد اجير عند السيد وليس ملكا له ، فمن ذلك أن أحد الأسياد يجهر بأن خادمه الميت كان عزيزاً عليه كولده ، وان أحد الشبان النبلاء يبدي حزنه الشديد على موت مربيته، وان مربية أخرى تظهر حزنها لموت طفل ترعاه ، وان سيدة متعلمة أقامت نصباً تذكارياً جميلاً لأمين مكتبتها .
    ومن العبيد من صاحبوا سادتهم في منفاهم طائعين مختارين ، ومنهم من ضحوا بحياتهم من أجل ساداتهم ، ومن النساء من حررن عبيدهن وتزوجنهم ، ومن الرجال من كانوا يعاملونهم معاملة الأصدقاء .
    ولقد عد العبد من قبيل المتاع من وجهة نظر القانون ، فلم يكن يحق له أن يمتلك ، أو يرث، أو يورث، ولم يكن يستطيع أن يتزوج زواجاً شرعياً، وكان أبناؤه كلهم يعدون أبناء غير شرعيين ، وكان للسيد في عهد الجمهورية أن يضربه، ويسجنه، ويحكم عليه أن يقاتل الوحوش في المجتلد، ويعرضه للموت جوعاً، أو يقتله لسبب أو لغير سبب ومن غير أن تكون عليه رقابة إلا رقابة الرأي العام المكون من ملاك العبيد ، وإذا أبق عبد ثم قبض عليه كان ففي مقدور سيده أن يكويه بالنار أو يصلبه .

  8. #8

    افتراضي رد: محاضرات في مقياس حقوق الانسان للأستاذ صباح كاظم بحر

    لكن الامر لم يدم فأحوالهم أخذت تتحسن تحسناً مطرداً في عهد الأباطرة ، ومن مظاهر هذا التحسن أن كلوديوس حرم قتل العبد الذي لا يرتجى منه نفع ، وأمر أن يصبح العبد المريض الطريد بعد شفائه حراً من تلقاء نفسه ، وحرم قانون بترونيا ، في عهد نيرون - على الأرجح - على الأسياد أن يحكموا على العبيد بأن يقاتلوا في "المجتلد " إلا إذا وافق على ذلك موظف كبير .
    كما أجاز نيرون للعبد الذي أسيئت معاملته أن يلجأ إلى تمثاله ويحتمي منه ، وعين قاضياً لينظر في شكاوي أمثال هذا العبد وثمة ما يصب في غير صالح العبيد في هذا القانون فمقدار ما يفرضه من الضرائب والقيود على عتق العبيد كبير جدا الى الحدِّ الذي كان كثيرون من الملاك يتملصون من قانون " فوفيا كانينا " بأن يعتقوا عبيدهم من غير شهود رسميين أو احتفال قانوني ، وإن كان هذا العتق لا يعطي المعتوق حقوق المواطنة بل كل ما يمنحه إياه هو أن يجعله لاتينياً في حين ان العبد الذي يعتق بشكل قانوني يعد مواطناً يستمتع بالحقوق المدنية الى حد ما
    وربما شهد الواقع الروماني بعض الجوانب التي لا تشهد فيه الانسانية لحضارة الرومان في مجال حقوق الانسان بالخير ، فقد ابتدأت المظاهر الكبيرة التي تنافت مع حق الانسان في كل شيء عندما أدخل القياصرة إلى روما عادة صراع الثيران والآدميين ، وهي العادة التي كانت شائعة في " كريت وتساليا " اللتان كانتا من اقدم مدن الأغريق ، وأصبحت منذ عهد بعيد من المناظر المألوفة في المدرجات طلبا للترفيه والتسلية .
    فقد كان المجرمون المحكوم عليهم بالإعدام يلقون إلى الحيوانات التي استوحشت لهذا الغرض خاصة ، وكثيراً ما كان هؤلاء الرجال يغطون بجلود لكي يشبهوا الحيوانات ، وكانوا يعانون في أثناء موتهم أشد أنواع الآلام .
    وكان يطلب إلى المقضي عليه بالموت في بعض الأحيان أن يمثل تمثيلاً واقعياً دوراً مشهوراً في إحدى المآسي: فقد يمثل دور منافسة ميديا ، فيرتدي ثوباً جميلا يلتهب فجأة ويحرقه ؛ وقد يمثل هرقل فيحرق حياً فوق كومة من الحطب .
    وتروي مصادر التاريخ الروماني قصة صلب لص يدعى لوريولس في المجتلد " المكان الذي يتم فيه الصراع حتى الموت " ليتسلى النظارة برؤيته ؛ ولما لم يلفظ آخر أنفاسه بالسرعة المطلوبة جيء إليه "بدب" وسلطوه عليه ومازالوا يغرونه به حتى أكله قطعة بعد قطعة وهو معلق في الصليب .
    وكان المتقاتلون في هذه الحالة من أسرى الحروب ، أو المجرمين المذنبين، أو العبيد العاصين ، وكان من حق المنتصرين في أن يقتلوا أندادهم وكانت الجرائم التي يحكم على مرتكبيها بحياة المجالدين مقصورة على القتل ، والسرقة ، والتسميم ، وتدنيس الأماكن المقدسة ، والتمرد .
    وكان الكثيرون ممن يدخلون مدارس المجالدين المحترفين يقسمون عند دخولهم يميناً بأن "يقبلوا الضرب بالعصي والحرق بالنار، والقتل بحد السنان" ، وكان التدريب والنظام فيها صارمين وكان عقاب من يخرج على القواعد والنظم الموضوعة هو الجلد، والكي، والسجن والأغلال .
    وقد يدخل مجالد واحد او اكثر نزولا عند رغبة الجماهير ، فإذا أريدت مجازر كبيرة يتم تنظيم معارك جماعية يقتتل فيها آلاف الرجال بوحشية ، من ذلك المعارك التي أعدها اغسطس " اوكتافيوس " والتي بلغ تعداد المجالدين الذين اقحموا في النزال فيها حتى الموت عشرة آلاف مقاتل اقتتلوا فيها مجتمعين .
    ولقد كانت السمة البارزة في حياة روما هي تلك المعارك التي تقام لغرض لتسلية ، على ان القليل من الرومان كانوا يعترضون على تلك المجالدات ، من أُولئك شيشرون ، فكانت نفسه تتقزز من هذه المجازر وهو يُسائل الناس "أية تسلية يمكن أن تتسلى بها الروح الرقيقة الإنسانية حين ترى وحشاً شريفاً يطعنه الصائد في قلبه بلا رحمة ، أو ترى إنساناً يمزقه وحش ضار أقوى منه جسماً؟" ولكنه يضيف إلى ذلك قوله. "إذا ما اضطر المجرمون إلى القتال فإن العين لا تشهد طريقة تهيئ الإنسان لملاقاة العذاب واستقبال الموت خيراً من هذه الطريقة" .
    ويعد التطور الذي طرأ على المباريات الدموية هو الاقسى في تعامل الرومان مع الطبقات الاجتماعية المتدنية وخصوصا العبيد ، فقد اضيف العبيد على قائمة المجالدين لاضفاء روح المقامرة وللمزيد من التسلية بين الاشراف او ملاك العبيد ، وربما لم يشأ العبيد بلعب هذا الدور الذي يتحكم بمصائر القوم الاقتصادية ، فكانوا على افضل الاحوال يرغمون على ذلك ، في حين اصبح مرتكبي الجرائم التي تستوجب الاعدام يخيرون بين الموت قتلا من قبل هيئة التنفيذ او يدخلون الى حلبة المجالدين ، على ان لدخوله بعض الامتيازات التي تنالها عائلته من بعد موته .
    وبناءا على ما مر ذكره نرى ان واقع المجتمع والدولة في روما كان يتناقض تماماً مع الأفكار الحقيقية لحقوق الإنسان حتى في مفهومها البدائي فما كان يدور من قتل لحقوق الإنسان في روما واهدار لكرامته يمثل جانباً من مظاهر تلك الدولة وعلامة بارزة تعكس جانباً مهماً من طبيعة المجتمع الروماني. وبهذا المعنى يؤكد لويس ممفورد في كتابه تاريخ المدينة على انه لابد للمرء من ان يمر بأقسى تجربة عندما يمر بروما، إذ عليه (ان يسد انفه من الروائح الكريهة، ويصم آذانه عن صرخات الألم والفزع ، ويغلق فكه حتى لا يتقيأ ما في جوفه ، وفوق كل شيء يجب ان يحتفظ المرء بعواطف باردة ، فيصر في غلظة رومانية حقه كل باعث على اللين والشفقة ، وذلك لأن كل أنواع التضخم سوف تنشط أمامه في روما وليس الانحطاط والشر أقلها ضخامة) .
    أخيراً يمكن القول بأن الآراء التي نادى بها كل من شيشرون وسنيكا على وجه العموم قد ظلت الأساس الذي قاد إلى ظهور الأفكار الأولى لآباء الكنيسة عبر فكرة المساواة العامة والأفكار الإنسانية والثورة على الدولة ، والقول بوجود قوة فعالة تحاول تصحيح مسيرة الحياة وتخليصها من الشر على وجه الأرض وهذا هو الاساس التوحيدي الذي انبنت عليه الحضارة الرومانية فيما بعد فمهدت سلفا الى قبول الديانة المسيحية التي تقوم على نبذ العنف والمساواة واستصلاح النفس الانسانية .

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. حقوق الطفل -حقوق الانسان
    بواسطة souleyman45 في المنتدى Wiki Tomohna
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-11-2015, 17:58
  2. محاضرات في حقوق الانسان
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 15-04-2012, 14:11
  3. محاضرات في مقياس المنهجية للأستاذ بن رقية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 10-04-2012, 14:37
  4. محاضرات في مقياس نظريات الاتصال للأستاذ غالم عبدالوهاب
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى تخصص سمعي بصري
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 20-01-2012, 12:18

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •