المقالة الثالثة : دافع عن الأطروحة القائلة:" أن اللغة منفصلة عن الفكر وتعيقه "
الاستقصاء بالوضع
i- طرح المشكلة : تعد اللغة بمثابة الوعاء الذي يصب فيه الفرد أفكاره ، ليبرزها من حيز الكتمان إلى حيز التصريح . لكن البعض أعتقد أن اللغة تشكل عائقا للفكر ، على اعتبار أنها عاجزة عن إحتوائه والتعبير عنه ، مما يفترض تبني الأطروحة القائلة أن اللغة منفصلة عن الفكر وتعيقه ، ولكن كيف يمكن الدفاع عن هذه الأطروحة ؟
ii- محاولة حل المشكلة :
1- أ - عرض الأطروحة كفكرة :يرى أنصار الاتجاه الثنائي ، أن هناك انفصال بين الفكر واللغة ، و أنه لا يوجد تناسب بين عالم الأفكار وعالم الألفاظ ، حيث إن ما يملكه الفرد من أفكار و معان يفوق بكثير ما يملكه من ألفاظ وكلمات ، مما يعني أن اللغة لا تستطيع أن تستوعب الفكر أو تحتويه ، ومن ثمّ فهي عاجزة عن التبليغ أو التعبير عن هذا الفكر .
1- ب - مسلمات الأطروحة : الفكر أسبق من اللغة و أوسع منها ، بحيث إن الإنسان يفكر بعقله قبل أن يعبر بلسانه .
1- ج – الحجة :كثيرا ما يشعر الإنسان بسيل من الخواطر والأفكار تتزاحم في ذهنه ، لكنه يعجز عن التعبير عنها ، لأنه لا يجد إلا ألفاظا محدودة لا تكفي لبيانها ، وعلى هذا الأساس كانت اللغة عاجزة عن إبراز المعاني المتولدة عن الفكر ابرزا تاما وكاملا ، يقول أبو حيان التوحيدي : "ليس في قوة اللغة أن تملك المعاني" ويقول برغسون : "إننا نملك أفكارا أكثر مما نملك اصواتا" .
- اللغة وُضعت أصلا للتعبير عما تواضع أو اصطلح عليه المجتمع بهدف تحقيق التواصل وتبادل المنافع ، وبالتالي فهي لا تعبر إلا على ما تعارف عليه الناس (أي الناحية الاجتماعية للفكر) ، ويبقى داخل كل فرد جوانب عميقة خاصة وذاتية من عواطف ومشاعر لا يستطيع التعبير عنها ، لذلك كانت اللغة عاجزة عن نقل ما نشعر به للآخرين ، يقول فاليري : أجمل الأفكار ، تلك التي لا نستطيع التعبير عنها .
- ابتكار الإنسان لوسائل التعبير بديلة عن اللغة كالرسم و الموسيقى ما يثبت عجز اللغة عن استيعاب الفكر و التعبير عنه .
2- تدعيم الأطروحة بحجج شخصية : تثبت التجربة الذاتية التي يعيشها كل إنسان ، أننا كثيرا ما نعجز عن التعبير عن كل مشاعرنا وخواطرنا وأفكارنا ، فنتوقف أثناء الحديث أو الكتابة بحثا عن كلمة مناسبة لفكرة معينة ، أو نكرر القول : "يعجز اللسان عن التعبير" ، أو نلجأ إلى الدموع للتعبير عن انفعالاتنا (كحالات الفرح الشديد) ، ولو ذهبنا إلى بلد أجنبي لا نتقن لغته ، فإن ذلك يعيق تبليغ أفكارنا ، مما يثبت عدم وجود تناسب بين الفهم والتبليغ .



3- أ – عرض منطق خصوم الأطروحة : يرى أنصار الاتجاه الأحادي ، أن هناك اتصال ووحدة بين الفكر واللغة ، وهما بمثابة وجهي العملة النقدية غير القابلة للتجزئة ، فاللغة والفكر شيئا واحدا ، بحيث لا توجد أفكار بدون ألفاظ تعبر عنها ، كما انه لا وجود لألفاظ لا تحمل أي فكرة أو معنى . وعليه كانت اللغة فكر ناطق والفكر لغة صامتة ، على الاعتبار أن الإنسان بشكل عام يفكر بلغته ويتكلم بفكره . كما أثبت علم النفس أن الطفل يولد صفحة بيضاء خالية من أي أفكار و يبدأ في اكتسابها بموازاة مع تعلمه اللغة . وأخيرا ، فإن العجز التي توصف به اللغة قد لا يعود إلى اللغة في حد ذاتها ، بل إلى مستعملها الذي قد يكون فاقدا لثروة لغوية تمكنه من التعبير عن أفكاره .
3- ب – نقد منطقهم : لكن ورغم ذلك ، فإن الإنسان يشعر بعدم مسايرة اللغة للفكر ، فالأدباء مثلا رغم امتلاكهم لثروة لغوية يعانون من مشكلة في التبليغ ، وعلى مستوى الواقع يشعر أغلب الناس بعدم التناسب بين الفكر واللغة .
Iii- حل المشكلة : وهكذا يتضح أن هناك شبه انفصال بين اللغة والفكر ، باعتبار أن الفكر اسبق وأوسع من اللغة ، وان اللغة تقوم بدور سلبي بالنسبة له ، فهي تعيقه وتفقده حيويته ، مما يعني أن الأطروحة القائلة : " أن اللغة منفصلة عن الفكر وتعيقه " أطروحة صحيحة .


]htu uk hgH'v,pm hgrhzgm:" Hk hggym lktwgm uk hgt;v ,judri "