المناهج السياسية عند الشيعة
العلامة باقر شريف القرشي
وتبنت الشيعة منذ فجر تأريخها جميع المناهج السياسية العادلة التي رفع شعارها الإسلام، ونادت بحقوق الإنسان وبجميع قضاياه المصيرية.
لقد عرفت الشيعة بالتمرد على الظلم والطغيان، ومقاومة حكام الجور، وكان موقفها مع ملوك الأمويين والعباسيين متسما بالشدة والصرامة، وعدم مشروعية خلافتهم الأمر الذي أوجب نقمة الحكام عليهم ومقابلتهم بجميع لوان القسوة والعذاب... ونلمح ـ بإيجاز ـ إلى بعض المناهج السياسية التي آمنت بها الشيعة، وهي:

بسط العدل:
أما بسط العدل بجميع رحابه ومناهجه فهو من أهم ما عنى به الإسلام في جميع تشريعاته، قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)(1).
وما بعث الله أنبياءه الممجدين إلا لنشر العدل وإشاعته بين الناس، قال تعالى مخاطبا نبيه العظيم: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم)(2).
قال الرسول الأعظم: (عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام نهارها)(3) وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عبادة العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما)(4).
إن العدل من العناصر الأساسية في الفكر الشيعي السياسي، فقد طالبت الشيعة الحكام الأمويين والعباسيين بإقامة العدل السياسي والعدل الاجتماعي، وناضلت كأشد ما يكون النضال وأقساه في سبيل إشاعته بين الناس، وقد سن لهم ذلك الإمام أمير المؤمنين رائد العدالة الكبرى في الأرض، يقول: عليكم بتقوى الله وبالعدل على الصديق والعدو)، وقد رأي الناس في عهد حكومته من صنوف العدل ما لم يشاهدوه في جميع مراحل التأريخ، فقد حفل عهده بصور رائعة من العدل. كان من العوامل الأصيلة في ازدهار الوعي السياسي والاجتماعي في العالم الإسلامي... ولننظر إلى فقرة في عهده مالك الأشتر وآليه على مصر يقول: (أنصف الله، ونصف الناس من نفسك: ومن خاصة أهلك ومن لك هوى فيه من رعيتك فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان الله حربا حتى ينزع أو يتوب، وليس شيئ أدعي إلى تغيير نعمه، وتعجيل نقمته من إقامة على الظلم، فإن الله يسمع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد...).
أرأيتم هذا العدل الخالص الذي تنعم به الشعوب، وتقام فيه الروابط الاجتماعية على أساس الإنصاف واجتناب ظلم الولاة والمسؤولين.
إن للحكم إغراءا لا يفلت من ربقته إلا ذوو النفوس الزكية التي ترتب على هدي الإسلام، وآمنت باليوم الآخر، فإن الحكم يجعل بيد الحاكم إمكانيات البلاد، فإذا شذ عن سنن العدل تعرضت الأمة إلى الأزمات والنكبات.
التمرد على الظلم:
من المبادئ التي آمنت بها الشيعة التمرد على الظلم ومناجزة الظالمين فقد أنطلق أعلام هذه الطائفة أيام الحكم الأموي والعباسي إلى مقارعة الظلم، وكان أول من أعلن التمرد على الطغيان والاستبداد الصحابي العظيم أبو ذر الغفاري المتفاني في ولائه لأهل البيت (عليهم السلام) فهو الذي صرح بوجه السلطة الأموية حينما زاغت عن طريق الحق، وطالبها بالعدل والاستقامة، وعدم التلاعب بأموال المسلمين.
وثار الزعيم العظيم حجر بن عدي مع الثوار من إخوانه الأبرار في وجه الطاغية معاوية الذئب الجاهلي الذي حول البلاد الإسلامية إلى مزرعة له ولبني أمية، وسائر عملائهم وأذنابهم، وقد ألقت الحكومة المركزية في الكوفة القبض عليهم وسيرتهم إلى الشام فأعدموا في (مرج عذراء) لقد استشهد هؤلاء الأحرار الذين وهبوا حياتهم لله من أجل رفع راية الإسلام، ومناهضة الجور والطغيان.
ولم تمض أيام حتى رفع علم الثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في وجه حفيد أبي سفيان الأول للإسلام يزيد بن معاوية، فقد نقم عليه الإمام لتجرده من كل نزعة إصلاحية وولوغه في الجريمة والآثام.
ومضى الإمام مجاهدا من أجل إحقاق الحق وإزاحة الظلم، وإعادة الحياة الكريمة للمسلمين، لقد استشهد الإمام مع السادة الممجدين من أهل بيته، والصفوة الطاهرة من أصحابه من أجل الغايات النبيلة، ومن أجل كرامة الإنسان وحريته وإرادته.
وقد غير أبو الأحرار بثورته الخالدة مجرى التأريخ، فقد أخرج المسلمين من حياة الذل والبؤس إلى حياة كريمة، وفتح لهم أبواب المجد والكفاح، فقد انطلقت الثورات المتلاحقة من أحفاده وأحفاد أخيه الإمام الحسن، وهي تدك حصون الظالمين من بني أمية حتى نسفت معاقلهم وطوت ملكهم وسلطانهم.
وعلى أي حال فإنه لم تمض ثلاثة أيام على شهادة أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) حتى ثار عبد الله بن عفيف الأزدي في وجه الإرهابي المجرم ابن مرجانه حينما خطب في جامع الكوفة وهو يظهر فرحته الكبرى بنصره المزعوم في قتله لسيد الشهداء ولم ينه إلا ببعض الكلمات حتى انبرى إليه هذا البطل قائلا: (إنما الكذاب ابن الكذاب أنت أبوك، ومن استعملك وأبوه يا عبد بني علاج أتقتلون أبناء النبيين وتصعدون على منابر المسلمين. أين أبناء المهاجرين والأنصار لينتقموا منك ومن طاغيتك اللعين بن اللعين ـ مشيرا إلى يزيد وأبيه معاوية ـ على لسان النبي الأمين).
وكان هذه الكلمات كالصاعقة على رأس ابن مرجانة، وقد ترجمت ما في عواطف الناس من الأسى والحزن على قتل سيد الشهداء، كما أبرزت للحاضرين واقع هذا الإنسان الممسوخ وأنه أقذر إنسان وأشر مخلوق على وجه الأرض.
ومن أعلام الشيعة الذين يتمردوا على الظلم الكميت بن زيد الأسدي، فقد أعلن سخطه على الحكم الأموي بأدبه الفياض الذي هو من أروع ما قيل في أدب الثورة على الأمويين قال:
فقل لبني أمية حيـث كانوا***وإن خفت المهند والقطيعا
ألا أف لدهر كنــت فيـــــه***وهل أنا طائعا لكم مطيعــا
أجاع الله من أشبعتمــــوه***وأشبع من بجوركم أجيعـا
لقد لعن الكميت ـ بهذه الأبيات ـ الأمويين وتمنى زوال حكمهم، كما تمنى أن يلي أمور المسلمين فذ من الهاشميين ليقيم ما اعوج من أمور دنياهم ودينهم ويذب عنهم كوارث الدهر ويبسط فيهم العدل حتى يترك جدب الأرض أبدا مريعا وهجا الكميت الطاغية هشام بقوله:
معيب على الأعواد يوم ركوبها***بما قال فيها مخطئ حين ينـزل
كلام النبييــــــن الهــداة كلامنـا***وأفعال أهــل الجاهليـــة نفعــــل
واضطهده الأمويين وبالغوا في سجنه وتعذيبه ولكن ذلك لم يثنه عن جهاده وتصلبه لعقيدته.
ومن الذين تمردوا على الظلم واستهانوا بالأمويين الفرزدق، وذلك من مدحه للإمام الأعظم زين العابدين (عليه السلام) وانتقاصه لهشام ابن عبد الملك الذي تجاهل مكانة الإمام حينما ازدحمت عليه الجماهير متبركة به في طوافه حول البيت المقدس، وقال هشام لأل الشام حين سألوه عنه إني لا أعرفه فانبرى الفرزدق منكرا على هشام ومعرفا للإمام:
هذا الذي تعرف البطحــاء وطأته***والبيت يعرفــه والحــل والحـرم
هذا ابن خيــر عبــــاد الله كلهــم***هذا التقي النقـــي الطاهر العلــم
وليس قولك فـي هذا بضائـــــره***العرب تعرف من أنكرت والعجم
وتعرض الفرزدق لسخط هشام ونقمته فأودعه في السجن فقال الفرزدق يهجوه:
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد***وعين له حولاء بادعيوبها
أجل لم يكن رأس هشام رأس سيد وإنما هو رأس صعلوك قد ولغ في دماء المسلمين، وأرغمهم على ما يكرهون وهو الذي ألجأ الشهيد العظيم زيد بن علي إلى إعلان الثورة على حكومته حتى استشهد في سبيل الله.
وظهر في العصر العباسي شاعر من ألمع شعراء العربية وهو دعبل الخزاعي فتمرد على الظلم وأعلن سخطه على الحكم العباسي الذي لا يقل في جوره وانحرافه عن الحق عن الحكم الأموي، وقد هجا هذا الشاعر الكبير الرشيد والأمين والمأمون وإبراهيم بن المهدي، وقال في هجاء المعتصم:
وقـــام إمـــــام لــــم يكــن ذا هداية***فليس له عقل و ليــس لــــه لـــب
ملوك بني العباس في الكتب سبعـة***ولم يأتنا عن ثامــــن لهـــم كتـــب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعـة***خيار إذا عـدوا وثامنهـــــم كلــــب
وإني لإعلي كلبهم عنــــك رفعــــة***لأنك ذو ذنب وليـس لـــــه ذنـــــب
وهذا الهجاء المقذع من صور مقارعة الظلم التي هي دفعة من دفعات الروح الإسلامي، إن اندفاع دعبل إلى هجاء العباسيين كان مبعثه الحفاظ على القيم الإسلامية، والدفاع عن حقوق المظلومين والمضطهدين الذين استهانت بهم الحكومات العباسية... وكان من مواقفه البطولية هجاؤه للرشيد حينما جاء المأمون بجثمان الإمام الرضا (عليه السلام) فدفنه بجوار أبيه، وقد سأل عن ذلك فقال: ليغفر الله لهارون بجواره للإمام الرضا فقال دعبل رادا عليه:
أربع بطوس على قبر الزكــــي بهـا***إن كنت تربع من دين علــــى وطــر
ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا***على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل امرئ رهـن بمـا كسبــت***لـــه يــداه فخذ مـا شئـــــت أو فـــذر
قبران في طوس خير الناس كلهـــم***وقبـــر شـــرهم هذا مـــن العبـــر(5)
إن تأريخ الشيعة حافل بالبطولات والكفاح ضد الظالمين والمستبدين يقول الوردي: الشيعة أول من حمل الثورة الفكرية في الإسلام ضد الطغيان، وفي نظرياتها تكمن روح الثورة، وإن عقيدة الإمامة التي آمنت بها الشيعة حملتهم على انتقاد الطبقة الحاكمة ومعارضتها في جميع مراحل تأريخهم، وجعلتهم يرون كل حكومة غاصبة ظالمة مهما كان نوعها، إلا إذا تولى أمرها إمام معصوم، لذلك كانوا في ثورة مستمرة لا يهدأون ولا يفترون(6).
إن الثورات التي فجرتها الشيعة أيام الحكم الأموي والعباسي، والانتقادات الصارمة التي وجهها أعلام الشيعة لأولئك الملوك إنما هي صدى لفكرتهم التي أمنوا بها من تحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على الغبن الاجتماعي، وإزاحة الظلم وضروب الفساد من الأرض ومن الحق أن يقال: إن الشيعة من أعظم الفرق والمذاهب الاجتماعية دفاعا عن كلمة الحق والعدل والأرض(7).
المساواة:
إما فكرة المساواة فهي من الأفكار الأصيلة التي تبنتها الشيعة إقتداءا بأئمتهم العظام الذين جسدوا المثل الإسلامية في سلوكهم وسيرتهم، وضربوا للناس أمثلة عملية على ذلك، فهذا الإمام زين العابدين (عليه السلام) أعتق جارية له، ثم تزوج بها، وقد انتهز ذلك عبد الملك بن مروان فراح يندد بالإمام وكتب له رسالة يعيب عليه ذلك، وهذا نصها: (أما بعد: فقد بلغني تزويجك مولاتك، وقد علمت أنه كان في اكفائك من قريش من تمجد به في الصهر، وتستنجبه من الولد، فلا لنفسك نظرت ولا على ولدك أبقيت والسلام...).
ولما قرأ الإمام الرسالة رأى فيها روح الجاهلية وعاداتها، فرد عليه بهذه الرسالة التي بين فيها مبادئ الإسلام في موضوع العلاقة الزوجية وهذه نصها: (أما بعد: فقد بلغني كتابك تعنفني بتزويجي مولاتي، وتزعم أنه كان في نساء قريش من أمجد به في الصهر، واستنجبه في الولد... وأنه ليس فوق رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرتقى في مجد، ولا مستزاد في كرم وإنما كانت ملك يميني خرجت مني بأمر أرداه الله عز وجل التمست فيه ثوابه، ثم ارتجعتها على سنته، ومن كان زكيا في دينه فليس يخل به شيئ من أمره، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وأتم النقيصة وأذهب اللوم، فلا لوم على امرئ مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية....)(8).
ودل الإمام خصمه الأموي على الشرف الواقعي الذي ينشده الإسلام وهو تقوى الله والتمسك بطاعته، وأي نقص على الإمام حينما تزوج بأمة مسلمة عفيفة زكية بعد ما أعتقها، فإنه لم يخالف بذلك كتاب الله وسنة نبيه، فقد جعل الإسلام المسلم كفؤ المسلمة لا يفضل عليها، ولا هي تفضل عليه مهما كانت انتسابهما، وقد زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنت عمته زينت وأمها بنت عبد المطلب سيد قريش من فلامه ومملوكه وعتيقه زيد بن حارثة وقد قضى بذلك على سيئات التعالي بالأنساب.. وقد أعلن (صلى الله عليه وآله) أن التفاخر بالأنساب إنما هو من عادات الجاهلية التي حطمها الإسلام، فقال: (كلكم بنو آدم وآدم من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان)(9).
وقال صلى الله عليه وآله: (أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان: برتقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي على الله تعالى)(10).
لقد وضع الإسلام قواعد المساواة على أساس الفطرة الإنسانية فلم يميز قوما على آخرين، وجعل التمايز بالتقوى والعمل الصالح، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): إن لله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبد حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيد قرشيا...).
ومن الجدير بالذكر أن من الأسباب التي أدت إلى خذلان الإمام أمير المؤمنين في حربه مع الجاهلي معاوية بن أبي سفيان مساواته العادلة بين المسلمين وعدم تقديمه للعرب على غيرهم، وقد طلب منه ابن عباس أن يميز العرب على الموالي، ويفضل قريشا على العرب في العطاء وسائر الإمتيازات فنهره الإمام، وقال له: (يا بن عباس تريد مني أن أطلب النصر بالجور، لو كان المال لي لسويت بينهم في العطاء، فكيف والمال مال الله....).
وعلى أي حال فالمساواة التي هي من المناهج السياسية عند الشيعة والتي هي من صميم السياسة الإسلامية تشمل المساواة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، والمساواة في الواجبات، والمساواة في الضرائب، والمساواة في التوظيف، وقد بحثنا عن هذه المناهج بالتفصيل في كتابنا (النظام السياسي في الإسلام).
الوحدة الإسلامية:
وتؤمن الشيعة بضرورة الوحدة الإسلامية وتضامن المسلمين في جميع مجالاتهم ليكونوا قوة ضاربة لا يطمع فيهم طامع ولا يغزوهم مستعمر، ولا يعتدي عليهم ظالم، وما أصيب المسلمون بنكسة أعظم ولا أقسى من تصدع شملهم، واختلاف كملتهم.
إن الوحدة الإسلامية من أوليات المبادئ التي تؤمن بها الشيعة، فقد حث عليها أئمة الهدى (عليهم السلام)، واعتبروها من أهم العناصر في الحياة الإسلامية، فهذا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أولى المسلمين برسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو أخوه وناصره، وباب مدينة علمه، وختنه على ابنته وأبو سبطيه وأحق بخلافته من غيره لما بويع أبو بكر أخذت الخلافة منه صبر وسالم القوم وقال: (فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما).
لقد صبر الإمام على سلب حقه وفي العين قذى وفي الحلق شجى ـ كما كان يقول ـ من أجل أن لا يرى في الإسلام ثلما أو هدما.
وهذا الإمام الحسن سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد صالح معاوية لذي هو العدو الألد للإسلام حفظا على الوحدة الإسلامية، ولولا صلحه لما بقي للإسلام اسم ولا رسم.
وهذا الإمام زين العابدين (عليه السلام) الذي وتره الأمويون بأهل بيته وتتبعوا شيعتهم تحت كل حجر ومدر، وأعلنوا سب العترة الطاهرة على المنابر، واستخدموا جميع وسائل أعلامهم لانتقاصهم، فإنه سلام الله عليه أعرض عن ذلك فكان يدعو لجيوش المسلمين بالنصر والعزة وهم تحت إمرة أعدائه. استمعوا إلى الفقرة من دعائه: (اللهم صل على محمد وآل محمد، وكثر عددهم ـ أي عدد الجيوش الإسلامية ـ واشحذ أسلحتهم، واحرس حوزتهم، وامنع حومتهم وألف جمعهم، ودبر أمرهم، وواتر بين ميرهم، وتوحد بكفاية مؤنهم، وأعضدهم بالنصر، وأعنهم بالصبر، وألطف لهم في المكر....).
وأضاف يقول: (اللهم وقو بذلك محال أهل الإسلام، وحصن به ديارهم وثمر به أموالهم، وفرغهم عن محاربتهم لعبادتك، وعن منابذتهم للخلوة بك حتى لا يعبد في بقاع الأرض غيرك....).
لقد دعا للجيوش الإسلامية الخاضعة للحكم الأموي حرصا على الوحدة الإسلامية، وحفظا لمنعة المسلمين وقوتهم، واعرض عما اقترفته تلك الجيوش من الفظائع والتنكيل بأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم كل ذلك من أجل المصلحة العامة للعالم الإسلامي.
أما ثورة أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) على حكومة الطاغية يزيد بن معاوية فإنما كانت من أجل الإسلام ووحدة المسلمين. فقد أسرف هذا الخليع الماكر في اقتراف الآثام والموبقات وأعلن كفره الصريح بقوله: (لا خبر جاء ولا وحي نزل) فكان الواجب الديني يحتم على ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مناهضة هذا الحكم ومناجزته بجميع ما يملك من الوسائل لإنقاذ المسلمين من ويلات هذا الظالم الذي امتحن به المسلمون وبأبيه وحده وسائر أسرته.
وعلى أي حال فإن الشيعة من أحرص المسلمين على وحدة العالم الإسلامي وتضامنه، وعدم إشاعة الفرقة والاختلاف بين أبنائه.
نزاهة الجهاز الحاكم:
ومن أوليات المناهج السياسية عند الشيعة، نزاهة الجهاز الحاكم وطهارته وسلامته من الخونة واللصوص الذين لا يرجون لله وقارا ويجب أن يحتوي على خيرة الرجال في كفاءتهم وقدرتهم وأمانتهم حتى لا تحدث الفجور والأزمات بين الشعب والحكومة، وقد أكد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهد لمالك الأشتر على ضرورة اختيار الصلحاء والأشراف والمتحرجين في دينهم لمناصب الدولة. يقول: (وانظر في أمور عمالك فاستعملهم اختيارا ولا تولهم محاباة وإثرة فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة)(11).



إن اختيار الموظف وعدم استعماله إثرة ومحاباة شرط أساسي في سلامة الدولة، فإذا لم يخضع لذلك، ومنحت الوظائف والمناصب للشفاعات والوساطات ولذوي الأرحام والأقرباء تعرضت البلاد إلى أقسى ألوان الاضطراب والفساد. يقول الإمام في عهده لمالك: (ولا تقبلن في استعمال عمالك وأمراءك شفاعة إلا شفاعة الكفاءة والأمانة).
ومعنى ذلك أن التوظيف يناط بالكفاءة والأمانة لا بغيرها من الوسائل العاطفية التي لا تمت بصلة للصالح العام، وقد أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين)(12).
إن رزية المجتمع في جميع مراحل التأريخ تستند ـ على الأكثر ـ إلى الذين استأثروا بالحكم عن طريق الغلبة والقهر وتقدموا على ذوي المواهب والكفاءات والخبرة في شؤون الحكم والإدارة كاستيلاء الأمويين والعباسيين على الحكم وإقصاء السادة العلويين دعاة العدل الاجتماعي في الإسلام.
على أي حال فإن من الاحتياط على سلامة الأمة أن لا تمنح الوظائف المهمة في الدولة لمن سألها أو حرص عليها وذلك لئلا يستغل منصبه وسيلة للإثراء، يقول النبي (صلى الله عليه وآله): (إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا أحرص عليه).
وقد طبق الإمام أمير المؤمنين ذلك في دور حكومته، فلم يول أحدا كان حريصا على الولاية والحكم، وكان ذلك هو السبب في تمرد طلحة والزبير على حكومته لما سألاه أن يوليهما على البصرة والكوفة فلم يجبهما إلى ذلك، فأظهرا البغي عليه، فاستدعي وزيره ومستشاره عبد الله بن عباس فقال له:
ـ (بلغك قول هذين الرجلين؟)
ـ (نعم...)
ـ (ما ترى؟).
ـ (أرى إنهما أحبا الولاية، فول الزبير البصرة، وول طلحة الكوفة...)
فرد عليه الإمام قائلا: ـ(ويحك!! إن العراقيين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي...).
لقد احتاط الإمام كأشد ما يكون الاحتياط في أمور الولاة والموظفين، وهذا مما أدى إلى مناجزة الأمويين والقرشيين الذين لا يخضعون إلا لمنافعهم الخاصة لحكومته، وإعلان الحرب عليه...
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المناهج السياسية التي تبنتها الشيعة وهي تنم عن مدى النضوج الفكري لهذه الطائفة التي ناهضت الجور، وقاومت الظلم، وعملت على إشاعة العدل بين الناس.
الهوامش:
1- سورة المائدة، الآية 8
2- سورة الشورى، الآية 15
3- جامع السعادات 2/219
4- الأموال لأبي عبيدة (ص6)
5- حياة الإمام الرضا
6- وعاظ السلاطين (ص 293)
7- حياة الإمام الباقر 2/114 الطبعة الثانية
8- النظام السياسي في الإسلام (ص 206 ـ 207) الطبعة الثانية.
9- تفسير ابن كثير، سورة الحجرات.
10- النظام السياسي في الإسلام (ص 207)
11- نهج البلاغة محمد عبده 3/105
12- سنن البيهقي 10/11



hglkhi[ hgsdhsdm uk] hgadum