هل يمكن إثبات أو نفي النظرية في غياب للوقائع؟

لا تحمل النظرية في دلالتها العلمية معنى قدحيا، فالنظرية بصفة عامة هيوجهة نظر ينتجها العقل. كما تعني من جهة ثانية مجموعة من الأفكار المترابطةمنطقيا بشكل نسقي( مثل نظرية اللاشعور كما تمت صياغتها من طرف فرويد، أونظرية التطور البيولوجي كما صاغها داروين، نظرية الجاذبية الكونية التيطرحها نيوطن، وقانون الثقالة ، قوانين حول حركة الكواكب إلخ التي تماستنتاجها رياضيا). فهل يمكن إثبات النظرية العلمية بدون الاحتكام إلىالتجربة و من دون الرجوع إلى معطيات مستمدة من الواقع؟ وإذا كان الأمر كذلكفما طبيعة الواقع الذي يتم الإحتكام إليه هل الواقع الحسي المعطى لإدراكناالمشترك أم أنه واقعة علمية يصطنعها العالم لكي يخضعها للتجربة؟ و بالتاليما علاقة الواقعة التجريبية بالنظرية؟


لا يكفي أن تكون النظرية العلمية مكونة من القضايا، الفرضيات أو القوانين وتتمتع بالتماسك المنطقي فقط، بالرغم من أن ذلك شرط من شروطها، لأنالاقتصار على هذا الشرط ستجعلها لا تختلف في شيء عن الرياضيات التي تقومعلى المفاهيم و لا تطرح سؤال علاقتها بالواقع . لا يمكن اعتبار النظريةالعلمية علمية إلا إذا تمت مواجهتها مع الواقع الذي نحاول بناء معرفة حوله. فلها علاقة ضرورية بالوقائع.
فبالرغم من أن النظرية تهدف إلى بناء صياغة صورية إلى حد ما، فإن من شروطهاأن تكون قابلة للتحقق التجريبي. بحيث تمنعنا من تخيل وجود النظرية من جهة والتجربة من جهة أخرى. أي لا ينبغي أن نفترض أن الوقائع تأتي من بعد لكيتقول لنا " ما إذا كانت النظرية صحيحة أم لا" فالعلاقة نظرية/واقعة تجريبيةهي علاقة بالغة التعقيد.
فما طبيعة الواقعة العلمية.
إن الواقعة العلمية تتميز عن الواقعة المعطاة لإدراكاتنا الحسية. فالواقعةالعلمية لا تنفصل عن النظرية ، لأنها كما أكد ذلك غاستون باشلار هي واقعةعلمية يتم بناؤها وتشييدها بطريقة واعية ، أي لا يمكن إدراكها بالملاحظةالحسية بل باعتماد أجهزة و قياسات. فالملاحظة العلمية تقتضي التفكير قبلالمشاهدة، وهي التي تصحح شروط إجراء الملاحظة الأولى لأنها باصطلاح غاستونباشلار عائق أمام قيام المعرفة العلمية. و الملاحظة العلمية لا تنفي ماتمدنا به التجربة بل تؤكد أو تنفي أطروحة أو نظرية تفسيرية سابقة. فالانتقال من الملاحظة إلى التجريب تجعل الطابع الخلافي حول المعرفة أكثروضوحا ، فالوقائع العلمية هي التي يمكن أن تؤكد أو تنفي النظرية و ليستالنظرية هي التي تؤكد أو تنفي الواقعة العلمية.
فحص صحة النظرية؟
انطلاقا من مثال كلاسيكي،اندهش عمال النافورات بفلورانسا لما لاحظوا أنالمضخة تتوقف عن سحب الماء في حدود معينة، واعتبرت واقعة غريبة، ولكن فيهذا المستوى(ملاحظة العمال) لم تكن واقعة علمية بعد، لكنها ستصبح واقعةعلمية لما وضع تورشيلي ثم بعده باسكال فرضية/نظرية تقل الهواء و الضغطالجوي لتفسير حركة السوائل. فتم اصطناع الظاهرة و تجهيزها وقياسها ،وتكرارها في ارتفاعات مختلفة للتأكد من أن ارتفاع السائل في الأنبوب يتغيرلما يتغير الضغط الجوي. ولماتم التحقق من النتائج باعتماد التجربة تم إبطالالعمل بنظرية أريسطو التي كانت تقول أن الطبيعة تخشى الفراغ. يتبين أنالواقعة العلمية قد تنفي كما قد تثبت النظرية فهي في المثال أعلاه تنفينظرية أريسطو (الفراغ)وتثبت نظرية تورشيلي(الضغط الجوي).



تأويل قابل للمناقشة:
من خلال المثال أعلاه يتبين أننا أمام وضعية بسيطة، فمن جهة هناك الفرضية /النظرية(التي تدخل ضمن نظرية ميكانيكا السوائل) و من جهة أخرى الواقعةالعلمية التي أنشأها العالم و اصطنعها لكي تكون قادرة على أن تكشف لنا عنمعلومات فعالة. لكن أية معلومات؟
إن القول أن النظرية يتم تأكيدها من طرف الوقائع هو أمر مفروغ منه. لكنالسؤال ما الذي يسمح لنا بالانتقال من ما تمدنا به بعض الوقائع العلمية إلىصياغة نظرية علمية كونية ونهائية تشمل كل الظواهر الطبيعية بما في ذلك تلكالتي لم نخضعها للتجربة ولم يتم التأكد منها. أي ما الذي يضمن عدم اكتشافواقعة تخالف الوقائع الأخرى و بالتالي تهدد النظرية. فتجربة ماكسويل مثلاكشفت على أن سرعة الضوء لا تخضع لمبدإ القصور الذاتي كما صاغها نيوطن. وهوما جعل هذه الواقعة العلمية تكذب النظرية العلمية لنيوطن ولا تؤكدها. و هوالأمر الذي جعل كارل بوبر يغير من وظيفة التجربة باعتبار أنه ليست وظيفةالتجربة التحقق من صدق النظرية وإثباتها بل أن وظيفة التجربة هو تكذيبالنظرية وتفنيدها من خلال قوله " ألف واقعة لا تثبت القول بصحة النظريةوواقعة واحدة قد تثبت القول بكذبها" و هو ما يعني أن أية نظرية علمية ليستنهائية وكاملة فما يميز النظريات العلمية هو قابليتها للتكذيب و التزييف ،وهو ما يسمح بنموها وتطورها. على عكس أنماط المعرفة غير العلمية فهي تقدمنفسها كحقائق علمية مطلقة لكونها لا يمكن اخضاعها للتجربة العلمية وبالتاليلا يمكن التحقق من صحتها أو كذبها.

ig dl;k Yefhj H, ktd hgk/vdm td ydhf gg,rhzu?