الخجل الاجتماعي



بقلم : خالد النجار :



(الخجل) كلمة تحمل معاني طيبة ومعاني أخرى مرضية. فالخجل عندما يكون نوعًا من أنواع الحياء يكون مطلوبًا على المستوى الاجتماعي والديني؛ لأنه يدل على حسن التربية. أما إذا زاد الخجل وأصبح يؤث�'ر على شخصية الفرد وإنتاجه وقدراته على التعبير يصبح مرضًا يعرف بـ«الرهاب الاجتماعي».. والدراسات العلمية أثبتت أن الخجل الاجتماعي هو أكثر الأمراض النفسية انتشارًا بين مجموع أي شعب بنسبة 8 - 12%، كما أنه يعتبر من أكثر الأمراض النفسية انتشارًا في العالم, يليه أمراض القلق ثم مرض الاكتئاب. ويصاب بهذا المرض الأطفال والمراهقون والكبار على السواء مسببًا إعاقة شديدة جد�'ًا لعلاقاتهم الإنسانية.

الخجل الاجتماعي (الرهاب الاجتماعي) هو خوف وارتباك وقلق يداهم الشخص عند قيامه بأداء عمل ما - قولاً أو فعلاً - أمام مرأى من الآخرين أو مسامعهم، ويؤدي به مع الوقت إلى تفادي المواقف والمناسبات الاجتماعية.

أعراض خارجية وداخلية

الخجل له أعراض خارجية، من احمرار أو اصفرار في الوجه، لعثمة في الكلام، غصة في الحلق، جفاف الريق، نبضات زائدة في القلب، اضطراب التنفس، مغص بالبطن، ارتجاف الأطراف وشد العضلات، غزارة العرق، تشتت الأفكار وعدم القدرة على التركيز.

أما الأعراض الداخلية فتتمثل في: ألم نفسي شديد، عدم الثقة بالنفس، عدم القدرة على التعبير، تجنب الآخرين.

واللافت للنظر أن نسبة الإصابة بمرض الخجل الاجتماعي تزداد أكثر بين الرجال عن النساء في كل بلاد العالم.

والأشخاص الخجلون لديهم درجة من الحساسية عالية. ويكونون خائفين من توجيه النقد لهم أو جرح كبريائهم. لذلك يضطرون إلى اجتناب الآخرين، مما جعل علماء النفس يطلقون على هذه الشخصية (الشخصية الاجتنابية)، كما أن المصاب بالرهاب الاجتماعي يخاف من أن يخطئ أمام الآخرين فيتعرض للنقد أو السخرية أو الاستهزاء، وهذا الخوف الشديد يؤدي إلى استثارةٍ قوية للجهاز العصبي غير الإرادي حيث يتم إفراز هرمون يسمى (ادرينالين) بكميات كبيرة تفوق المعتاد مما يؤدي إلى ظهور الأعراض الخارجية على المريض في المواقف العصبية كالتقدم للإمامة في الصلاة الجهرية، وإلقاء كلمة أمام الطابور الصباحي في المدرسة، والتحدث أمام مجموعة من الناس لم يعتد الشخص عليهم، المقابلة الشخصية، والامتحانات الشفوية.

ومن أهم مضاعفات الرهاب أيضًا: جعل الشخص سلبيًا ومعرضًا عن المشاركة في المواقف والمناسبات الاجتماعية، يمنعه من تطوير قدراته وتحسين مهاراته، يؤدي إلى ضياع حقوقه دون أن يبدي رأيه، يمنعه من إقامة علاقات اجتماعية طبيعية، يؤدي به إلى مصاعب حياتية، وصراع نفسي داخلي. قد يؤدي إلى مضاعفات نفسية مثل الانطواء والاكتئاب.

مفاهيم خاطئة

للأسف.. كثيرون يعتقدون أن الخجل أمر طبيعي، ولا يمكن علاجه، وهذا هو عين الخطأ. فما تم اكتشافه حديثًا أن التغيرات الفسيولوجية والكيميائية التي تحدث للإنسان من الخجل الاجتماعي تكون نتيجة استعداد ذاتي يولد به الإنسان، والبيئة إما أن تطفئ هذا الاستعداد أو تعززه، فمثلاً، عندما تنهر الأم طفلها أمام الآخرين وتكف�'ه عن الخجل قائلة له: الآخرون سيضحكون عليك!! هذه العبارات من شأنها أن تزيد من إحساس الطفل بالخجل.

وقد استطاع الطب أن يصنع بعض العقاقير التي تقلل من ظهور الأعراض الظاهرية، مثل ضربات القلب العالية والعرق، كما استطاعت بعض العقاقير أن تقل�'ِل من الخوف الداخلي وتعطى للإنسان راحة واسترخاء وشجاعة.

فمنذ فترة قصيرة بدأ إنتاج دواء جديد لعلاج الخجل. والعلاج الجديد توصل إليه أحد العلماء «جاتي برستون» بعد أن اكتشف أن في المخ مادة تسمى «باراتوني» هي المسؤولة عن الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة المواقف الصعبة ولقاء الغرباء والتعامل مع الآخرين، ويؤدي نقص هذه المادة إلى الرغبة في العزلة والانطواء والرهبة من المواقف الاجتماعية.

ويقول مخترع الدواء الجديد: إن كل الناس سيكونون أكثر شجاعة وإيجابية في القرن القادم بفعل هذا الدواء. وإذا تناول المريض الدواء فسيجد نفسه أفضل في مواجهة الآخرين، وتزداد ثقته بنفسه، ويستطيع أن يصبر على عواطفه وانفعالاته، وبالتدريج.. يتم�' سحب الدواء مرة أخرى.

العلاج المعرفي

وهناك علاج آخر هو العلاج المعرفي أو النفسي، أي محاولة تغيير النظم المعرفية في المخ. بإقناع المريض بأن أسعد شيء في الدنيا هو الاقتراب من الآخرين، ومحاولة التغلب على مشاعر الانعزال. وأنه رحمة كبيرة من الله - سبحانه وتعالى - أن منحنا نعمة التعبير عن عواطفنا وأحلامنا وآلامنا في كلمات، وأن نقل المشاعر عن طريق الكلمة هو وسيلة حضارية.

ويقدم علماء الصحة النفسية والاجتماع الخطوات التالية لأصحاب الخجل الشديد:

- اكتب على ورقة ماذا تنوي القيام به، وأسباب ترددك في القيام به، ثم قيم نفسك من خلال تسجيل عدد المرات التي قمت فيها بالفعل بتنفيذ ما نويت وعزمت على أدائه، وماذا حدث لك بعد أن نفذت ما نويت.. الأمر قد يبدو صعبًا ومعقدًا في البداية، ولكن إذا حاولت فستجد متعة فيه فلا تتردد!

- اعمل على تنميه مهاراتك الاجتماعية، أي الاتصال والتفاعل مع الآخرين.

- احفظ بعض الطرف الجميلة والوقائع الشيقة لتساعدك في أن يكون حوارك جذابً وشيقًا ومحط اهتمام الآخرين.

- كن البادئ في الحديث مع الآخرين، ومن أفضل وسائل افتتاح الحديث الثناء أو إبداء الإعجاب بصفة أو شيء معين في الطرف الآخر. مثلاً: ضع نفسك في الطابور، سواءً في السوبر ماركت أو المطعم أو الدوائر الحكومية وابدأ الحديث مع الذي أمامك أو خلفك بسؤال مناسب للموقف.. دائمًا ابتسم.

- ألقِِ التحية يوميًا على خمسة أشخاص - على الأقل - غرباء لا تعرفهم، ولا تنس أن تكون مبتسمًا عند إلقائها.

- اخرج للسوق واسأل عن أماكن أو محلات معينة حتى ولو كنت تعرف مكانها وكيفية الوصول إليها، المهم أن تبادر الآخرين بالحديث، ولا تنس أن تشكر من سألتهم على لطفهم وأدبهم عندما أرشدوك للعنوان المطلوب.

- حاول أن تكتب رسالة إلى نفسك عندما تكون لديك مشاعر داخلية حول موضوع معين وتريد التعبير عنه.. إذا لم تكن راغبًا في الكتابة فلا بأس من استخدام آلة تسجيل، واستمع للشريط أو اقرأ الرسالة بعد الانتهاء.

- حاول أن تتخيل مواقف سوف تسبب لك القلق والارتباك والإحراج، وحاول بالمقابل أن تفكر بما كنت ستفعله لو لم تكن خجولاً، واستمر يوميًا على نفس المنوال ولمدة أسبوع، وبعدها إذا واجهت أحد هذه المواقف طبق ما فكرت به.

- احمل معك كتابًا أو شيئًا لافتًا للانتباه يثير فضول الكثيرين، وكن جاهزًا للرد على الاستفسارات أو ملاحظات الآخرين.

نصائح هامة

ــ أدرك هذا الأمر مبكرًا قبل أن يستفحل، ويصبح متأصلاً صعب العلاج.

ــ تدرج في مقابلة الآخرين والتحدث أمامهم بصوت مرتفع، ويمكن أن تبدأ بمجموعة صغيرة ممن تعرفهم، مع تحضير كلمة قصيرة تحضيرًا جيدًا والتدرب على إلقائها مسبقًا ثم تلقيها عليهم وتكرر ذلك، ومع كل مرة تزيد من عد المستمعين لك حتى تزداد ثقتك بنفسك ويصبح الأمر شيئًا طبيعيًا بالنسبة لك.

ــ يمكنك الاستفادة من البرامج النفسية والسلوكية للتغلب على الخجل، ويتم تنفيذها تحت إشراف مختص في هذا الأمر ولها نتائج باهرة.

ــ عزز ثقتك بنفسك وبقدراتك.

ــ تعلم المهارات التي تمنعك من الوقوع في الحرج في المواقف الطارئة.

ــ مفتاح التغلب على الخجل الاجتماعي هو تحدي الأفكار الخاطئة التي تسيطر على الذهن عند التعرض للمواقف الاجتماعية، فإذا تمكن الإنسان من تحدي تلك الأفكار والتغلب عليها فسوف يتصرف تلقائيًا بصورة طبيعية.

ــ تذكر دائمًا: لا يمكن لأحد أن يحظى بالتألق واللمعان في كل حين.

منقول عن مجلة المعرفة


hgo[g hgh[jlhud