أثر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في اللغة العربية



الملخص لقد صارت وسائل الإعلام في معظم موادها معاول هدم للغة العرب، وقد كان من المنتظر منها أن تشيع الفصحى، من خلال المحافظة عليها نطقاً وكتابة، لكنها ساعدت على نشر كثير من الألفاظ والأساليب العامية، وأصبح بعض المشتغلين بالعربية يتوارون من القوم من تلك النظرة المصحوبة بالسخرية والازدراء، ذلك؛ لأن بعض وسائل الإعلام أبرزت رجل اللغة بصورة مهزوزة، وهيئة رثة، له عالم خاص، ومزاج منفرد، يتقعر بكلام الأعراب، كل غرضه البحث عن شواذ اللغة وشواردها. وبعض وسائل الإعلام العربية تحتفي بالممثلين والرياضيين، وتحجب عماليق اللغة عن الظهور ؛ لأنهم يعلمون أن الإعلام له تأثير بعيد المدى ؛ إذ لو عرفهم الناس، ووقفوا على سيرتهم، لاقتفوا أثرهم، وحاولوا التأسي بهم، والسير على طريقهم، وفي هذه خدمة للغة، هم لا يريدون ذلك . حتى بعض البرامج العتيقة التي فيها رائحة اللغة والأدب تهجم على لغة العرب، ولم تتغير صورتها، وطريقة تقديمها، إذ إنها لم تتناول قضايا ينبغي الوقوف عليها، مثل الدعوة إلى العامية، والتعريب، والتقريب بين الفصحى والعامية، والرد على دعوى صعوبة النحو، والهجوم على النحاة , وغير ذلك. والأمرّ من ذلك أنهم اتخذوا هذه البرامج منابر للحط من شأن النحو، مدعين أن الإنسان محتاج ـ لكي يضبط لسانه ـ إلى عدد قليل من القواعد، أما هذه الكثرة منها فلا فائدة فيها، وهذه شنشنة نعرفها من أخزم، فقد سبقهم إلى هذا دعاة إلى تجديد النحو وتيسيره، بحذف معظم أبوابه، مثل إبراهيم مصطفى في كتابه ( إحياء النحو )، وشوقي ضيف في كتابه ( تجديد النحو ) وقد دعاهم إخلاصهم لهذين وأمثالهما إلى تبني هذه الدعوة في وسائل الإعلام. . ومن الملحوظ أنه من النادر جدا أن تعنى وسائل الإعلام العربية بكيفية تلقين اللغة للطفل، وفي إمكانها ذلك لو صدقت النية لإشاعة الفصحى، قال المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيبــا كنقص القادرين على التمام إن القصة والمقال والتحقيق الصحفي من أبرز الألوان الأدبية والصحفية، وقد ثبت أن القصة التي تقدم للطفل في قالب لغوي شائق لائق، وتحمل معنى ذا هدف نبيل أمر يحقق قدرا من النمو العقلي واللغوي. أما المقال فينبغي أن ينقل للطفل الفكرة، أو الرأي بهدوء، وسلاسة أسلوب، أما التحقيق الصحفي فمن خلاله يمكن أن نقدم الجواب عن أسئلة الأطفال عن كثير من الأسرار، والحقائق، والمعاني، والمفاهيم بأسلوب سلس، ولغة مشوقة. أما المقال فينبغي أن ينقل للطفل الفكرة، أو الرأي بهدوء، وسلاسة أسلوب، أما التحقيق الصحفي فمن خلاله يمكن أن نقدم الجواب عن أسئلة الأطفال عن كثير من الأسرار، والحقائق، والمعاني والمفاهيم بأسلوب سلس، ولغة مشوقة. إذاً يمكن الإفادة من مختلف هذه الأنواع في أدب الأطفال في تنمية خيالهم، وتربية قوة الإبداع لديهم، والتفكير في بث مشاعر الخير والنبل في نفوسهم، كذلك يمكن استخدام هذه الأنواع في تعليم اللغة ـ كما ذكرت ـ وإثارة التذوق الأدبي لديهم. أما المذياع فهو وسيلة مهمة من وسائل الاتصال، ويمكن أن يسهم في نشر الفصحى بين الأطفال، وذلك عن طريق الألوان الأدبية التي يتاح تناولها في برامج الإذاعة، مثل: المسرحيات الهادفة، والقصة ذات المضمون الجيد، والشعر. وهذه الوسيلة تحتاج إلى صوت إذاعي جيد، يشد أذني الطفل إليه، وعند عرض هذه الألوان ونحوها لا بد أن يقترن الوضوح التعبيري مع الإيجاز، والبعد عن الجمل الفعلية الطويلة، التي قد لا يستطيع الطفل استيعابها، لأن الطفل يصاب بملل حين تقدم له مادة لا يقوى على فهمها، أي إنه ينبغي أن تكون لغة البرنامج الإذاعي المقدم للأطفال لغة سهلة، خالية من الألفاظ الغريبة، والتركيبات اللغوية المعقدة، بدون الوصول إلى حد السذاجة ؛ لأن الطفل يرى في ذلك استصغارا لشأنه، وامتهاناً لذكائه. وبرامج الأطفال يتعين أن تتحدد وفق مراحل العمر شكلا ومضمونا؛ لأن اهتمامات وقدرات وحاجات الأطفال تختلف من طور إلى طور. وهناك مجالات واسعة أمام برامج الأطفال في التلفاز، تستطيع أن ترفع من المستوى اللغوي لديهم، مثل إبراز حياة الشخصيات التاريخية القديمة بأسلوب جذاب، يشعر الطفل أنه أمام مشاهد حية حدثت أمامه، وكذا الأناشيد الجيدة، والمسابقات. وعلى الجملة فإن التشدد مطلوب في ضبط ما يقدم للأطفال، ولا سيما في الوسائل المسموعة والمرئية، لتجنيب النشء غوائل الفوضى اللغوية، ومساعدته على تنظيم فكره، ولا يشفع ما يساق من حجج بأن طبيعة الإعلام تفرض (السرعة) فلا يجد القائمون عليه الوقت الكافي للتجويد. واستعمال اللهجات العامية في الحوارات واللقاءات في وسائل الإعلام العربية وبخاصة المسموعة والمرئية ساعد على الضعف اللغوي. ولو علم القائمون على وسائل الإعلام أن في ذلك استجابة للدعوة إلى العامية التي حمل لواءها المستشرق الألماني سبيتا( 1818ـ 1883) هـ، ويعقوب صروف (1852ـ 1927) هـ الذي كان يكتب مقالات في مجلة ( المقتطف)، مضمنة الدعوة إلى نبذ الفصحى، واتخاذ العامية لغة الكتابة والعلوم، لو علموا ذلك لجعلوا الفصحى ديدنهم. ومن المرفوض كذلك الترويج للعامية في وسائل الإعلام بإشاعة ما يسمى بالشعر النبطي في المملكة العربية السعودية، والمسمى بالزجل في مصر ؛ لأن في ذلك دعما لإيجاد ما يزاحم لغة القرآن. وخصوم الفصحى عندما دعوا إلى اتخاذ العامية بدلا عنها قدموا بين يدي دعوتهم حججا تبدوا لأول وهلة حججا قوية، حتى ليظن كثير من الناس أن مقصد الدعاة حسن، يريدون من دعوتهم الشعب، فهم يريدون اتخاذ العامية لغة الشعب، حتى يفهم الآداب والعلوم والفنون ؛ لأن الأكثر الشعب، أما متخذو الفصحى فشواذ، والشاذ لا يذهب بالحق كله، بل لا حق له بجانب حق الشعب . وهذه حجة مبنية على المغالطة ؛ لأننا لو أهملنا الفصحى، واتخذ كل قطر لغته المحلية وسيلة لفهم ما يكتب بعاميته، لانقطعت الصلة بالقرآن الكريم، والسنة، وتراث سلفنا الصالح. واللافتات، ـ وهي وسائل الإعلام المقروءة ـ مكتوبة عندنا بغلة غاية في الركاكة، ونجد الكلمات الأجنبية منتشرة انتشارا واسعا. وهنا يمكن للسلطة ووسائل الإعلام أن تحدا من طغيان هذا الزحف على لغة القرآن الكريم والإسلام. ومما يؤسف له أن تروج بعض وسائل الإعلام العربية لما يسمى بالأدب الشعبي، وهم يقصدون به ما كانت لغته عامية، وفيه الأمثال والشعر والقصص. وحجتهم أنه قد ظهر مثل ذلك الأدب الشعبي عند العرب، وكان متمثلاً في الرجز، ولعل العجاج وابنه رؤبة قد بلغا فيه منزلة عالية. والرد على ذلك أن اللغة التي صيغ بها الأدب الشعبي عند العرب هي اللغة العربية الفصحى، فأصبح بذلك مورداً من مواردها. ولقد أوصى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في عام 1984م بأن تقلل وسائل الإعلام من العناية بالآداب الشعبية، لتزيد من ناحية أخرى عنايتها بالأعمال الأدبية الرفيعة التي تلقى الآن ترحيباً من مختلف الطبقات على امتداد العالم العربي. ويبدوا تكاسلنا نحن حين نتعرض لبعض الدول الغربية التي أفادت من وسائل إعلامها كثيراً. ففي إحصائية أذيعت في باريس قبل عدة سنوات، جاء أن عدد الذين يتحدثون الفرنسية في العالم مائة وخمسون مليوناً، وأن ثلاثمائة وخمسين مليون طالب يدرسون هذه اللغة في معاهد تدريس الفرنسية في العالم، وقالت هذه الإحصائية الرسمية إن فرنسا تستقبل كل عام مائة ألف طالب أجنبي يفدون إليها بهدف تعلم اللغة. وفي التعبير الإعلامي كثير من الخروج على ما ألفه العرب من قواعد وتراكيب، ومن لغة ساعدت وسائل الإعلام على هدم ما تقدمه دور التعليم من مسعى في تعليم لغة الأجداد. والأداء السليم يتمثل في استقامة العبارة تركيباً وبنية ونطقاً، وفي البحث بعض النماذج المتخيرة بالتصويب والتقويم. إن أجهزة الإعلام قادرة في المجال اللغوي أن تكون صورة من أروع صور التكامل مع جهود المدرسة والجامعة في النهوض باللغة العربية، كما هي مؤهلة أن تكون صورة من صور التخاذل مع هذه الجهود، وتمت ما يشبه الإجماع على أن وسائل الإعلام لا تستخدم استخدماً مفيداً، أو منتجاً، وأنها إلى المتعة أقرب منها إلى الفائدة، وإلى إضاعة الوقت أقرب منها إلى الاستفادة منه وأنها إلى العمل السياسي أدنى منها إلى العمل العلمي. ولكي تنهض وسائل الإعلام باللغة العربية ينبغي العناية باختيار مقدمي الأخبار والبرامج في الإذاعتين المسموعة والمرئية من بين المتمكنين في اللغة العربية، ليكونوا القدوة الصالحة للمستمعين والمشاهدين، وإقامة دورات تقوية في اللغة العربية للعاملين في مختلف الأجهزة الإعلامية، لتحقيق المستوى اللغوي الرفيع الذي تقتضيه أنشطتهم. وفي لغة الإعلام ( ضبابية ) التعبير، الذي بسببه يجد المواطن الاعتيادي صعوبة في إدراك المحتوى، وهذه ( الضبابية ) لا تتصل باللغة، بل بقدرة الإعلامي على التعبير الواضح، والوضوح لا يعني ابتذال الخطاب، أو ( العامية ) بل يكمن في يسر الصياغة، وسهولة الفهم. ولا يقصد باللغة الإعلامية ما توصف به اللغة الأدبية من تذوق فني جمالي، أو ما توصف به اللغة العلمية من تجريد نظري، إنما المقصود باللغة الإعلامية أنها لغة بنيت على نسق علمي اجتماعي عادي. أي إن كل كلمة في اللغة الإعلامية يجب أن تكون مفهومة من جمهور المستقبلين، كما يجب بطريقة جذابة، تحقق يسر القراءة، والاستماع، أما فنون التورية، وازدواج المعاني، أو الهالات الانفعالية حول الألفاظ وغيرها من فنون الأدب التي تؤدي إلى تداعي المعاني فهي بعيدة عن لغة الإعلام. واللغة الإعلامية لا بد أن تتسم بالاختصار، والحرص على الجمل القصيرة بدلا من الجمل الطويلة، ومن ثم يفضل أن يقال: ـ عرض للبحث ـ بدلا من عرض على بساط البحث. ـ قاتل ـ بدلا من: خاض غمار القتال. ـ أعد بحثا ـ بدلا من قام بإعداد بحث. ـ بحث ـ بدلا من: قتل الموضوع بحثاً. ـ استغرقت المناقشة نحو ساعتين ـ بدلاً من: استغرقت المناقشة مدة تقرب من ساعتين. وتكرار استعمال اللفظ العربي من خلال وسائل الإعلام كفيل بإماتة الدخيل، وهدم الأجنبي. فقد شاع في المملكة العربية السعودية والكويت ولبنان اللفظ العربي ( الهاتف) مكان كلمة ( التليفون ) و( الحافلة ) مكان ( الأتوبيس ). وما يدل على إرادة النزوع نحو الفصحى مسارعة عدد من الكتاب إلى تفضيل اللفظ العربي، وآية ذلك أنه عندما اخترع ( رودلف كيلر ) جهازا يفيد المحققين ورجال الأمن في تسجيل ظواهر جسمانية ونفسية تكشف عن كذب القول، وزيف الادعاء وسمي هذا الجهاز ( بوليجراف كيلر) سماه كاتب ( جهاز الحقيقة ) وسماه آخر ( المفضاح ).

Hev ,shzg hgYughl hglrv,xm ,hglsl,um ,hglvzdm td hggym hguvfdm