سوسيولوجيا الجمهور

سوسيولوجيا الجمهور هي، إذن، فرع من علم الاجتماع الإعلامي، أو سوسيولوجيا وسائل الإعلام، تهتم بشرح وتفسير مختلف الظواهر المرتبطة بالطرف النهائي الأصيل في العملية الاتصالية، حيث تحاول شرح وتفسير الكيفيات و الآليات التي تتحكم في تكوين جمهور وسائل الإعلام والسلوك الاتصالي الذي يأتيه هذا الجمهور وعلاقته بالقائم بالاتصال وبالرسالة الإعلامية، أي تحاول الإجابة عن السؤالين الأخيرين في نموذج لاسويل الاتصالي: لمن؟ وبأي أثر؟. وتستهدف الوصول إلى تحويل انطباعات عامة الناس المتعلقة بوسائل الإعلام وعلاقاتها بالمتلقيين، إلى معارف علمية نظرية وأمبريقية- انطلقت في الولايات المتحدة في الأربعينيات من القرن الماضي، وفي فرنسا في نهاية الستينيات، وفي الجزائر في بداية القرن الحالي على مستوى المؤسسات الجامعية، ولم تنطلق بعد بصفة جدية دراسات التسويق التجاري والسياسي رغم تحرير التجارة وإقرار التعددية السياسية والإعلامية، كما هو الشأن في البلدان المتطورة، حيث أصبح الجمهور مؤشرا على قيمة الفضائات الإشهارية في سائل الاتصال الجماهيرية.



ففي يتعلق بمحور ظاهرة جمهور وسائل الإعلام، تحاول سوسيولوجيا الإعلام أن تفسر ظاهرة اشتراك عدد غير محدود من الناس في التعرض لمضامين وسائل الإعلام ومقارنتها بتجمع الناس واشتراكهم في نشاطات تحقق أهدافا مشتركة مثل الأسرة، والنادي والجمعيات والمجتمع ككل، والتي توصلت السوسيولوجيا العامة إلى اكتشاف القوانين التي تتحكم فيها منذ انفصال العلوم الاجتماعية والإنسانية عن الفلسفة في القرن التاسع عشر، وكذلك إبراز السمات والخصائص المميزة للظاهرة، في حين تركز، في محور السلوك الاتصالي ، على ماذا تفعل وسائل الإعلام في الجمهور من خلال نظريات التأثير وماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام من خلال نظريات التلقي. ويغلب على سوسيولوجيا الجمهور الطابع الوصفي، باعتبار الطابع الأمبريقي لدراسات الجمهور، إذ يطلق في الأدبيات الإعلامية،إسم "سوسيوغرافيا الجمهور (Sociography)".



وهكذا، فإن العديد من الانعكاسات المفيدة أو المضرة التي أسندتها السوسيولوجيا العامة إلى وسائل الإعلام، قد تعود إلى أسباب وعوامل أخرى في المجتمع، حيث أن هذه الوسائل نفسها وسرعة تطورها تبدو نتيجة لهذا التغير الاجتماعي أكثر مما هي سبب فيه.



هذا الفرع العلمي، سوسيولوجيا الجمهور، الذي أملته التحولات الكبرى التي يشهدها العالم منذ خمسينيات القرن الماضي في جميع مناحي الحياة، وبصفة خاصة في مجال الاتصال الجماهيري، يعنى أساسا بدراسة طبيعة العلاقة بين وسائل الإعلام الجماهيري والمجتمع الحديث ضمن ما أصبح المقترب السوسيولوجي للدراسات الإعلامية وبخاصة الدراسات المتعلقة بالقائم بالاتصال، وتلك المنصبة على دراسات التلقي، من جهة، وطبيعة التفاعل الذي يتم بينهما من خلال الرسائل الإعلامية من جهة ثانية.

ولقد ازدهرت هذه الدراسات التي كانت قبل الحرب العالمية الثانية مقتصرة على النقد الأدبي والفني والدعاية، تجريها عادة وسائل الإعلام نفسها لتبيين تأثيرها على الجمهور وأذواقه وتنظيم الحملات الإشهارية والانتخابية واستفتاءات الرأي العام ودعم أنشطة العلاقات العامة وزيادة توزيع الصحف والدوريات. غير أن التغيرات التي أدخلت على الدراسات الإعلامية بعد الحرب العالمية الثانية في المجتمعات الديموقراطية الليبرالية نتيجة عوامل تكنولوجية وسياسية واقتصادية وثقافية، ظلت حبيسة تصاميم نمطية استرشد في وضعها بنتائج الدراسات السيكولوجية الفردية والسيكولوجية الاجتماعية، تهدف إلى تمكين الأفراد من التكيف مع القواعد الاجتماعية و لتوفير وسائل ورسائل إعلامية قادرة على إحداث الأنماط السلوكية المطلوبة، وخاصة أنماط السلوكيات الاستهلاكية والانتخابية.



هذه الدراسات التي نمت وازدهرت إذن في بيئات اجتماعية تتسم عموما بالمنافسة الاقتصادية والسياسية الليبرالية والتوسع المتنامي في استعمال وسائل الإعلام إلى جل النشاطات الاتصالية في المجتمع، اقتصرت في بداياتها الأولى على وصف السمات العامة للقراء والمستعملين والمشاهدين وحديثا مستعملي الخدمات المتعددة لشبكة الانترنيت وتوضيح العوامل الشخصية والجماعية التي تحفز الأفراد على استعمال وسائل الإعلام وآليات الاستجابة لدعوات هذه الرسائل الإعلامية والإعلانية.


ولتوضيح مكانة سوسيولوجيا الجمهور في سياق الدراسة الشاملة للاتصال الجماهيري يمكن الإشارة إلى أن البحوث الإعلامية النظرية والأمبريقية تركز عموما على المجالات الرئيسية:

1- نظام الإرسال (Sources System)

2- نظام الرسائل (Message System)

3- الوسيلة، الوسيط أو شبكات الاتصال بين الأفراد (Medium)

4- نظام الاستقبال (Réception System)


غير أن الحاجيات المتنامية الناجمة عن تعاظم وظائف الاتصال الجماهيرية في المجتمعات الحديثة ولدت الحاجة إلى دراسات شاملة ومعمقة للاتصال الذي أصبح "عصب العصر"، إذ انتقلت موضوعات البحث والتحليل من كفاءة وسائل الإعلام في إحداث التغيير المطلوب إلى دراسات الآثار الفعلية التي تحدثها وعلاقاتها بالمحيط العام الذي يتم فيه إعداد الرسائل وتبليغها عبر القنوات المختلفة إلى المتلقين الذين يتخذون مواقف منها تبعا لإدراكهم ومعرفتهم وفهمهم لمضمونها واستجابتها لاهتماماتهم ومصالحهم المختلفة والمتنوعة وتطابقها مع معتقداتهم وقيمهم الثقافية. فقد أصبحت دراسات الاتصال الجماهيري، تبعا لاستراتيجية البحث الجديدة هذه، تهتم بالمحيط العام الذي يتم فيه إعداد وتبادل الرسائل الإعلامية بين المرسل والمتلقي عبر قنوات مختلفة أصبحت تمثل امتدادا ماديا وتقنيا وفكريا للإنسان.

وقد استحدثت مجالات جديدة للدراسات تتعلق بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتشريعية والرقابة الاجتماعية في أطر محلية، ووطنية ودولية أشمل. وأصبح علم الاتصال بصفة عامة، ينمو بسرعة موازاة مع التطورات المتلاحقة في تكنولوجيات الاتصال نحو الاستقلالية عن فروع الدراسات الأخرى، ولو أنه لازال يستعير مناهجه وأدواتها التحليلية من فروع علمية مثل السوسيولوجيا والسيكولوجيا والديموغرافيا والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا والسبيرنيقيا والإليكترونيك وعلوم الحساب الآلي وأيضا من الفلسفة والتاريخ والقانون والاقتصاد… التي يتعين الجمع بينها لتحقيق نتائج مرضية وتذليل الصعوبات البالغة التي تكتنف الاتصال كمجال تتداخل فيه مختلف فروع المعرفة بشكل بارز. ونتيجة لتطور الدراسات الإعلامية في هذا السياق العام، برزت دراسات الجمهور كمجال من مجالات الاتصال الجماهيري تشير إليه الأدبيات الشائعة كمستقبل أو متلقٍ(Reciever).



وبهدف الإحاطة بمختلف مظاهر إشكالية جمهور وسائل الإعلام، نتناول، فيما يلي، الأبعاد التاريخية والسوسيولوجية والسيكولوجية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والثقافية لمفهوم جمهور وسائل الإعلام وكذلك طبيعة الدراسات التي تعالج هذه الظاهرة من مختلف جوانبها وأسسها ومناهجها وأهدافها وتطورها المستمر في الزمن والمكان.


السمات الديموغرافية للجمهور

يتضح مما سبق أن مصطلح الجمهور (Audience) يتداخل في خصائص بنيته الظاهرية مع مفهوم الجماهير(Mass)، خاصة في الحجم الواسع و التشتت. كما يتجلى أيضا أن الأغراض التجارية التي قادت و تقود دائما أبحاث الجمهور تركز على المفهوم العددي لنفس الأهداف التسويقية و كذلك الأهداف الانتخابية.



و مع اتساع حجم الجمهور بفعل تعدد و تنوع وسائل الإعلام و توافرها لعدد من الناس، متنامي باستمرار، و كذلك تنوع احتياجات هذا الجمهور و اهتماماته و مصالحه، أصبحت هذه الدراسات تعتمد على المعطيات الإحصائية في تحديد حجم الجمهور ووصف تركيبته وصفا دقيقا وتجزئته إلى فئات فرعية تتشابه أو تتقارب احتياجاتها الاستهلاكية واهتماماتها الانتخابية. وبمعنى آخر فإن تجزئة الجمهور إلى فئات اجتماعية على أساس اشتراك أفرادها في مجموعة من السمات الديموغرافية مثل السن، والنوع، ومستوى التعليم، والمهنة أو الوظيفة، والحالة الاقتصادية أو الدخل، تتفاعل مع عناصر سيكولوجية وسوسيولوجية وإدراكية ومعرفية وثقافية، تؤثر وتقرر نمط السلوك الاتصالي، و بالتالي تحدد السلوك الاستهلاكي و/أو الانتخابي للجمهور.

ولتوضيح هذه السمات وتعدد التسميات التي يستخدمها الخبراء والباحثون في وصف التركيبة السكانية، يمكن تصنيفها إلى نوعين أساسيين:

أ- السمات الأولية وهي الخصائص غير القابلة للتغيير، أي الثابتة وتنسب إلى الفرد بميلاده مثل تاريخ ومكان الميلاد والجنس والانتماء العرقي والسلالات.




ب- السمات المكتسبة والقابلة للتغيير، أي المتغيرة، مثل اللغة، والدين، والسن، ومستوى التعليم، ومكان الإقامة والوظيفة والدخل والحالة المدنية.

وقد أصبح لهذه السمات دلالات اجتماعية منذ أن لاحظ روبرت ميرتون (Merton, 1957)، أن عناصر بعض الفئات مثل فئات السن، والنوع والتعليم والدخل، يمكن أن تتماثل في سلوكياتها تجاه الرسائل الإعلامية في إطار العلاقة كلها أو بعضها بهذه السمات.

فهي تشكل اتجاها في بحوث الإعلام يهدف إلى تحليل تركيبة جمهور المتلقين لمعرفة أنواعه التي تميل إلى وسيلة إعلامية معينة في أوقات مختلفة ونوع المحتوى، وذلك لأسباب سياسية أو/ واقتصادية.

ولقد انتشر استخدام هذه السمات من خلال الدراسات التي تقوم بها المراكز والوكالات والمؤسسات المتخصصة في التسويق التجاري والسياسي حتى أصبحت صناعة قائمة بذاتها في المجتمعات الليبرالية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتستخدم الدراسات الإعلامية هذه السمات تبعا لطبيعة وأهداف أبحاث الجمهور، إلا أن فئات النوع، والسن، ومستوى التعليم، والدخل نجدها أكثر السمات الديموغرافية استعمالا نظرا لدورها في تكوين خبرات الفرد وموقعه في سياق حياته الخاصة والاجتماعية ونظرا لتأثيرها في شخصيته ونموذج سلوكه الاجتماعي بصفة عامة، وسلوكه الاتصالي بصفة خاصة.

وانطلاقا من استعمالها الواسع في أبحاث الجمهور، نتطرق فيما يلي لهذه الفئات الأربع وعلاقتها بطبيعة المواقف الممكن اتخاذها تجاه الرسائل الإعلامية:



النوع (Genre):

ويقسم الجمهور وفقا لسمة النوع إلى ذكور/إناث ، اعتماداً على عوامل بيولوجية وفسيولوجية نظراً لثبوت تباين استجابة كل نوع للرسائل الإعلامية تبعاً لاختلاف مصالح وحاجيات كل من الذكور والإناث التي يمكن إشباعها من خلال التعرض لوسائل الإعلام وكذلك اختلاف درجة قابلية الإقناع.

وتستعمل عادة فئة إناث/ذكور للدلالة على النوع فقط دون الخوض في الفئات الفرعية، لأن رجال/نساء أو فتيان/فتيات تتضمن الإشارة إلى فئات عمرية. غير أن البحوث الأكثر دقة تتناول النوع مقترنا بالعمر أو المهنة أو مستوى التعليم والوضعية الاجتماعية والاقتصادية. وهي منهجية مثلى لتجزئة الجمهور تجزئة أكثر دقة، لأن هذه السمات العامة غير كافية في حد ذاتها وينبغي النظر إليها في علاقتها بالسمات الأخرى التي تعكس مجتمعة المستويات الوجدانية والمعرفية والإدراكية التي يستند إليها الشخص في تكوين آرائه ومواقفه


s,sd,g,[dh hg[li,v