النظام الديمقراطي ومفهوم سيادة القانون

النظام الديمقراطي ومفهوم سـيـادة الـقـانـون
سيادة القانون احد العناصر الجوهرية التي تقوم عليها الدولة القانونية، وثمة علاقة وثيقة بين النظام الديقراطي والدولة القانونية، وان كانت الديمقراطية ليست من مستلزمات الدولة القانونية دائما، ذلك أن الديمقراطية تقوم على جملة مؤسسات تتقاسم في فيما بينها، بقدر أو بأخر، السلطات داخل الدولة، وهذا التقسيم يتطلب قدرا عاليا من التنظيم القانوني لتنظيم العلاقة بين هذه السلطات من جانب، وبينها وبين افراد الشعب من جانب أخر، وايجاد رقابة فعالة لضمان عدم انحراف اي من هذه السلطات عن الحدود القانونية المرسومة لها او التعسف في استعمال الحقوق المقررة لها على نحو يتعارض مع الغايات الاجتماعية لتلك الحقوق، ويتطلب ذلك اقرار شفافية عمل مؤسسات الدولة ليطلع ابناء الشعب ومؤسساته المدنية على مايجري في اروقة مؤسسات الدولة.
والحال ان نظام الدولة القانونية الديمقراطية ومؤسساتها الدستورية، نظام انساني بكل معنى الكلمة،ولايمكن احالة مجمل تأسيسه الى مجموعة بشرية معينة بالذات بل هو وليد تطور لصراع استمر، ولايزال، عبر فترات متعاقبة من التاريخ بين الحكام والشعوب، فكان خلاصة التجارب الأنسانية التي عانت من مآسي الحكم الاستبداي عبر التاريخ.( إلا أنه يرجع لليونانيين الفضل في نشأة بعض الأفكار والمبادئ القانونية الراسخة في عالم اليوم مثل الديمقراطية والحرية والمساواة وغير ذلك وإن لم تصل إلى المفهوم العصري لها ومدلولها الشامل ).
ان الديمقراطية وسيلة لاهدف بحد ذاته، فهي وسيلة انسانية متطورة لاحتواء الثقافات المتنوعة وطموحات القوميات المختلفة لغرض تحويل الصراعات المحتمل نشوؤها، على اثر هذا التنوع والاختلاف، الى صراعات سلمية وفقا لقواعد محددة تسمى احيانا بـ ( قواعد اللعبة الديمقراطية ) ويلاحظ الناظر ان انجح الديموقراطيات كانت في الدول الاشد تنوعا واختلافا، وكانت سببا مباشرا في نهضة هذه الشعوب، بما اتاحته من تنظيم قانوني يقوم على الارادة الحرة للشعب وترسيخ قيم وأخلاقيات وتقاليد علمية، تقوم على احترام الرأي الأخر واتاحة الفرصة للابـداع الفكري ليـأخذ دوره في الحياة العامة، وخلق نظم مؤسساتية فعالة تدعم الابتكار وأنتاج المعرفة، تتجسد ابتداءا في المؤسسات التعليميةالتي تشجع على التفكيرالنقدي الحر والتي تحفز الطلاب على نقد المسلمات الاجتماعية او السياسية وتنمي فيهم الروح الاستقلالية وانتهاءا بالمؤسسات البحثية والتطويرية التي تدعم الانشطة الابداعية والخلاقة، ويبنى كل ذلك وفق تنظيم قانوني يدعم النظام الديمقراطي ويحميه، وطبيعي ان ذلك لايمكن ان يتحقق في ظل نظام دكتاتوري أو استبدادي يقوم على فكرة السلطة الابوية، حيث تبنى المؤسسات لاجل خدمة الفكرالسلطوي الذي يتبناه، الجامد بالضرورة والذي يستهدف حماية الاوضاع الراهنة، والمدعوم غالبا بقوى محافظة تقليدية ترى في التطور انهيارا لمصالحها و لمقومات وجودها، ويجهد انصار هذا النظام ووعاظه في تنمية ثقافة شعبية عامة ترى في امر اظهاد الفكر الحر امرا مقبولا ومبررا، ممايترب عليه قتل روح الابداع وخنق الافكار المتنورة واشاعة النفاق السياسي، ويبنى ذلك وفق نظام قانوني يبدو صارما ومشددا ومدعوما بخطاب سياسي حماسي يخاطب الغرائز لا العقول الحرة، ولكن عند الممارسة تشد قبضته لحد القسوة البالغة او ترخى لحد الاهمال او التسامح، حسب الاحوال والظروف المحيطة بالنظام السياسي ومصالح رموزه.
ومع ذلك ينبغي التمييز بين الدولة البوليسية والدولة الاستبدادية، حيث تقوم الدولة البوليسية على اساس ان الغاية تبرر الوسيلة، وتشرع فيها القوانين على اساس تلك الغاية وعلى هذا تتيح القوانين للادارة سلطة تقديرية واسعة فيما تتخذه من اجراءات ووسائل في مواجهة المواطنين تحقيقا للمصلحة العامة، وتـتـركز جـهـودهـا فـى الـغـالـب حـول مـسـألـة حفـظ الامـن والنـظـام، في ظل هذا الدولة يمكن التمييز بين سلطات الدولة المختلفة الا انها من الباطن تخضع لتوجيهات مركزية خاصة في المسائل والشؤون الحيوية، ولاتوجد فيها رقابة فعالة او ان توجد فيها رقابة قاسية ولكن على مستوى معين من الدرجات الوظيفية لايتعدى صغار الموظفين أو ان تستخدم على مستوى اعلى كوسيلة لازاحة الخصوم السياسيين، وخير مثال على الدولة القانونية البوليسية هي دول المعسكر الاشتراكي سابقا والعديد من انظمة الحكم في الدول العربية.
بينما لا يبغي الحاكم المستبد الا مصلحته الشخصية او مصلحة الفئة الضيقة الحاكمة ومن ثم يكون الحاكم في الدولة الاستبدادية مطلق التصرف وغير مقيد بأي قيد، لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، أي انه يعمل وفقا لما تتفتق عنه قريحته او مزاجه اوجنونه احيانا ولو كان في ذلك إساءة الى الصالح العام، وتندمج عادة في ظل هذه الدولة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية لتكون كلها بيد الحاكم المستبد حيث يكون هو الحاكم والمشرع في ان واحد كما يتولى الحاكم المستبد تعيين اعضاء السلطة القضائية التي لاتتمتع بأية استقلالية، وتـكـون الـسـلـطـة الاداريـة مـطلقـة الـحـريـة فـى ان تتخذ قبـل الافـراد ماتـراه من الاجـراءات محقـقـا للـغـايـة التـى تـسـعى الـيـها وفـقـا للـظـروف والمـلابـسـات.
اما في الدولة البوليسية فالحاكم وان كان غير مقيد من حيث الوسيلة، فهو مقيد من حيث الغاية، لان حريته في اتخاذ ما يراه من الاجراءات مشروطة بان تكون غايته في هذه الاجراءات مصلحة الجماعة وليس مصلحته الشخصية.
ومع ذلك ينبغي التنبيه مرة اخرى الى ان مجرد وجود دستور تم الاستفتاء عليه وانتخابات حرة ديمقراطية لايعني وجود ديمقراطية حقيقية في كل الاحوال اذ المهم في هذا المقام ان تتوزع السلطات داخل الدولة بين مؤسسات متنوعة مستقلة عن بعضها وتكون لها صلاحيات حقيقية وان تكون هناك رقابة مستقلة فعالة وان يكون لمنظمات المجتمع المدني والاعلام الذي يعبر عن الرأي العام دور مهم في الشؤون العامة وان يكون لدى اعضاء السلطة العامة رغبة جادة وحقيقية في خدمة ابناء شعبهم، وبخلافه يدب الفساد في جسد الدولة وتستخدم الاموال العامة لتمويل الحملات الانتخابية ولزيادة المكاسب والمزايا الشخصية من خلال اضفاء الصفة القانونية عليها وهذا ما اثبتته التجربة حيث انهارت العديد من التجارب الديمقراطية لافتقارها لعناصر الدولة القانونية الحقيقية، وعليه نعتقد عند المفاضلة بين اهون الشرين ان الديمقراطية الفاشلة اسوء من الدكتاتورية.
ويمكن تحديد مفهوم سيادة القانون في الدولة القانونية الديمقراطية من وجهتين:
اولهما: أن سيادة القانون تعني أن يتم تطبيق حكم القانون، بعدالة ومساواة، على كل المواطنين في المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية او الدينية او العرقية او الجنسية، وبغض النظـر ايضا عن الدور والمراتب الاجتماعية التى يحتلونها فى الحياة الاجتماعية العامة، أو اية معايير اخرى مماثلـة.
وهذا يعنى ان القانون مثلما ينطبق على عامة المواطنين ينطبق ايضا على اصحاب السلطة والقـوة والنفـوذ. ويتحقق ذلك من خلال وضع قواعد قانونية عامة ومجردة تطبق على كل من توافرت فيه شروطها القانونية، والمساواة القانونية ليست هي مساواة فعلية دائما، أذ انها تعني ان اصحاب المراكز القانونية المتماثلة ينالون ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات، فحقوق صاحب الشهادة العليا مثلا هي اكثر من حقوق حاملي الشهادة الادنى، وكل يجب ان يتساوى في الحقوق مع فئـته من دون تمييز.
ان عدم سيادة القانون تؤدى الى الاستبداد والطغيان والفوضى وعدم الشعور بالمسؤولية فى المجتمع،والى تردي الاخلاق العامة وأزدواجيتها، اذ هو مدعاة لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية وأدعاء احتكار المعرفة، وتأليه الذات البشرية، وتكون نتيجته الشاذة هي ان يستحوذ القائد الأوحد أو القادة الكبار فى الدولة، وهم عادة غير شرعيين لانهم غير منتخبين أو مزورين للأنتخابات، على قابلية الانفراد بأتخاذ القرار، ومن ثم تكرس كل القوانين و القرارات فى الدولة من اجل خدمة مصالحهم وأدامة وجودهم وخلق روح الرهبة منهم، من دون السماح للمواطنين للمشاركة، او حتى الاطلاع على الكيفية التى يتم بها صناعة القرار، وبمعنى أخر انعدام الشفافية والمساءلة، وهذا ما يفتح الباب امام تفشى الفساد الاداري والمالي، كالمحسوبية والمنسوبية والرشوة والأختلاس واستغلال النفوذ والاعتداء على حقوق المواطنين لمصلحة فئة قليلة من الناس، حيث يسمح لذوي الولاء المقربين بأستغلال مناصبهم للاثراء غير المشروع في حين يظل تطبيق القانون عليهم سلاحا مشهرا لضمان استمرار ولائهم الكامل، وعلى خلاف ذلك فأن لسيادة القانون طبيعة منفتحة على الشفافية وقبول الرأي الاخر، ذلك ان مبدأ سيادة القانون يؤدي الى احترام حقوق المواطن على اختلافها، من حيث ضمان حق المواطنين فى المشاركة فى عملية صنع القرار فى المجتمع من خلال ممارسة حقوقه فى حرية التعبير والعقيدة والانتماء السياسي والانتخاب والترشيح والعمل والتنقل وغيرها، وهذا ما يؤدي الى زيادة الشعور بالمسؤلية والتفاعل بين المواطن ومصالح مجتمعه والدفاع عنها وكأنها مصالحه الشخصية. ومما تجدر الاشارة اليه هنا الى ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان، قد اعطى لمبدأ سيادة القانون صفة قانونية دولية، وكان لذلك اثرا هاما ساعد في دعم النضال من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية.ولضمان تحقق سيادة القانون يجب ان يقيد الدستور سلطة الدولة، ويضع الضمانات أللازمة لخضوعها للدستور و للقانون وتوفير الشروط الاساسية لمجتمع يقوم على سيادة القانون. اذ لا يكفي ان يكون الدستور مكتوبا، وانما يجب ان يكون جامدا من حيث تعديله، بحيث لا يتم تعديله الا بالطريقة المحددة فيه سلفا. ليكون ذلك بمثابة قيد على سلطات الدولة تحول دون استبداد هذه السلطات. إن مجرد وجود نصوص دستورية اوتشريعية تكفل حماية الافراد من تعسف السلطة التنفيذية، ومن تجاوزها لحدود اختصاصها، غير كافٍ لضمان مبدأ سيادة القانون، اذ مثل ما يتطلب مبدأ سيادة القانون وجود حكومة قوية وقادرة على فرض النظام،واحترام القانون، و تعمل على ايجاد الظروف الملائمة لرفاهية الافراد وعلى توفير الشروط التي تضمن حماية المجتمع، يتوجب عليها ايضا ان تحرص على إحترام حقوق الافراد وحرياتهم. وعلى ضوء ذلك يتوجب ايجاد توازن بين حرية الادارة في العمـل وبين حماية حقوق الافراد مع مراعاة احترام سيادة القانون. مما يستوجب وجود ضمانات للحفاظ على التوازن المطلوب، ويمكن إيجاد هذه الضمانات على النحو التالي:
أ*- الضمانه الاولى: وجود حكومة شرعية منتخبة عادلة تضمن سيادة القانون، وتضع قواعد للسلوك الادراي القانوني والاخلاقي تلتزم الادارة بمراعاتها وهي بصدد اتخاذ قراراتها الادارية. وينبغي ان تحدد هذه القواعد الطريقة التي يتم بموجبها اتخاذ القرارات والتظلم منها امام السلطات الادارية او الطعن فيها امام القضاء.
ب*- الضمانه الثانية ـ وجود رقابة فعالة على اعمال السلطة التنفيذية: سواء كانت هذه الرقابة برلمانية او رقابة قضائية تناط بالقضاء العادي او القضاء الاداري، أو من خلال هيئات مستقلة وهذه من الافكار القانونية الحديثة التي اعتمدتها اتفاقية الامم المتحدة لسنة 2003 بعد ان فشلت الاساليب والنظم التقليدية في القضاء على ظاهرة الفساد.
ج- الضمانة الثالثة ـ استقلال القضاء: ان استقلال القضاء يعد ضمانة اكيدة لتحقيق مبدأ سيادة
القانون ومبدأ مساواة المواطنين امام القانون وتحقيق العدالة ورفع المظالم.



ثانيهما:خـضـوع الادارة للـقـانـون ( مبدأ المشروعية ): ومقتضى ذلك انه لايجوز للادارة بمختلف هيئاتها ان تتخذ اية اعمال اوان تصدر اية اوامر او قرارات الابمقتضى القانون وتنفيذا له ومـرد ذلـك الى امـريـن:
الاول: هو انه لكى يتحقق هذا المبدأ يلزم ان تكون الاجراءات الفردية التى تتخذها السلطات العامة منفذة لقواعد مجردة موضوعة سلفا فتتحقق العدالة والمساواة.
الثانى: هو ان القانون يصدر عن هيئة منتخبة تمثل الشعب وتمارس السيادة بأسمه، وخضوع الادارة للقانون يحقق لتلك الهيئة الهيمنة غير المباشرة على تصرفات الادارة، على انه يجب ان لا يفهم من ذلك ضرورة خضوع الجهاز الاداري بوصفه هيأة للجهاز التشريعي، وانما يكفي ان تكون الوظيفة الادارية او التنفيذية تابعة للوظيفة التشريعية. فالخضوع في الواقع هو خضوع وظيفي وليس حتما خضوعا عضويا.. ويعرف هذا المبدأ بمبدأ المشروعية فى العمل الادارى، وبمقتضاه لايجوز للسلطات الادارية ان تلزم الافراد بشئ خارج القوانين النافذة، فمن ناحية لا تستطيع الادارة حينما تدخل في معاملات مع الافراد ان تخالف القانون ومن ناحية اخرى لا تستطيع ان تفرض عليهم شيئا الا اعمالا للقانون.
ومصادر المشروعية هى ( الدستور، القانـون، القرارات التنظيمية اى الانظمة والتعليمات، الاحـكـام الـقـضـائـيـة، الـعـرف الادارى و مبـادىء القانـون العامـة). وبالنظر للطبيعة الخاصة للعمل الادارى ولكى تكون للادارة حرية التصرف فى مجالات معينة وكى تتمكن من مواجهة الحالات الخاصة بمرونة وسرعة فقد اعترف للادارة فى معظم القوانين باستثناءات على مبدأ المشروعية، كأعطاء الادارة سلطة تقديرية لتقرر هى مايجب فعله فى حالات محددة، ولمواجهة الظروف الاستثنائية التى تمر على البلد، كما ان هناك اعمال تقوم بها الادارة تعرف بأعمال السيادة وهذه تمس مصالح البلاد العليا ومن ثم لاتخضع للرقابة القضائية وانما تخضع للرقابة البرلمانية.



hgk/hl hg]dlrvh'd ,lti,l sdh]m hgrhk,k