هكذا يستفيد المسلمون من “كفارة” ويكيليكس

هكذا يستفيد المسلمون من “كفارة” ويكيليكس 9690.imgcache.jpg

منذ ‘شفافية’ غورباتشوف الرئيس الأسبق للاتحاد السوفياتي سابقا، وهي التي عُرفت بـالـ’غلاسنوست’ باللغة الروسية، والتي رجّت العالم بأسره في أواخر الثمانينات من القرن الماضي وآلت إلى التحولات الديمقراطية العميقة في مجتمعات أوروبا الشرقية وتفكيك الكتلة الإيديولوجية والسياسية والعسكرية لحلف فارسوفيا والمعسكر الشرقي أنذاك، قلّ وندر أن أحرزت “المعلومة الإخبارية” على حيّز من الاهتمام مثل الذي تحظى به اليوم في ظل ما يسمى بقضية تسريبات موقع ويكيليس.

لكنّ المشكلة أننا نحن المسلمون متعودون على قبول و تقبّل ما يُفجع من الأخبار(عن فلسطين والعراق ولبنان والسودان وأفغانستان والصومال وغيرها) إلى درجة أننا قد نترك فرصة ويكيليس تفوت دون الانتفاع بها. والتفريط في الفرصة واردٌ لأنّ “فضيحة” ويكيليس لا تخلو من عنصر الألم والمعاناة حيث أنّ الموقع قد زوّد العالم عموما والمسلمين خصوصا بتسريبات حول خبايا وخفايا سياسات مؤلمة في العراق الدامي (من بين بلاد شقيقة وصديقة عديدة)، وهو البلد الشقيق الذي يستأثر، بمعية فلسطين، بنصيب الأسد من انشغال المنشغلين، من بين المسلمين وحتى من بين غير المسلمين، في العقدين الأخيرين.

أمّا الذي يفرّق بين ثقافة الألم التي أردنا لأنفسنا أن نكون مجبولين عليها إلى حين وبين المادة التي يجودُ بها علينا ويكيليس هو أنّ هذه الطريقة الأخيرة في التعامل مع المادة الإخبارية هي من صنف “الإسهال الإعلامي” (ألتمس المعذرة لدى الإخوة والأخوات القراء). كما أنّ الملاحظ أنّ هذا الإمداد الإخباري منقطع النظير يأتي في وقت بدأت فيه قوى الهيمنة الاستعمارية العالمية المعاصرة (أمريكا وإسرائيل ومَن والاهما) في الاستسلام، على ما أعتقد. وإن لم تستسلم علنًا في العراق وفي أفغانستان مثلما استسلمت باحتشام وخجل في لبنان قبل بضعة أعوام، فذلك من باب الكبرياء لا غير. بينما كل الشواهد تدلّ على أنّ رموز القهر العالمي متأهبون للاعتراف بذنوبهم في حق الشعوب المُعوزة في تلك الربوع وفي غيرها. و”إسهال” ويكيليس واحد من هذه الشواهد؛ واحد من عوارض حمّى “الاستبداد الديمقراطي” (*) بالشعوب المستضعفة.

فقط هم ينفذون الاعتراف بذنوبهم على الطريقة الكهنوتية، من خلال شباك اسمه ويكيليكس ومن وراء ستار اسمه الدبلوماسية العالمية وبحضور قسّ اسمه جوليان أسنج وصكّ غفران بغير عنوان بعدُ ينتظرون أن يمسكوا به في أياديهم ما أن تنطلي الحيلة على المغفلين منّا.

لكنّ المعروف عن “الاعتراف بالحق” عندنا أنه “فضيلة”. وهو فضيلة عندما يتمّ التوجه به مباشرة إلى المتضررين من الخطأ المقترف في حقهم. وهذا لم يحصل ولن يحصل من عند المذنب، المستعمر والمستنزف للخيرات والأرواح، في حق المتضررين من أمة العرب والمسلمين. لذا فمن الأجدر أن تعمل هذه الأخيرة، وهي المؤْمنة بأنّ الاعتراف بالحق فضيلة، على تحويل ظاهرة ويكيليكس إلى واقع مُجسد للفضيلة ومُجسمٍ خير ما يكون التجسيم لفضل المسلم على نفسه وعلى أمته وأيضا على كل المناصرين للحق والعدل في العالم، في مشارق الأرض ومغاربها.

ويكمن السرّ، حول إمكانية استفادة المسلمين من الاعتراف الويكيليكسي المشوب بالنفاق، في تحويل نظرة المسلمين، نخبا وشعوبا، إلى الأوضاع التواصلية العالمية، بحيث يكونون قادرين على:

أولا، تجنّب الوقوع في فخ الاعتقاد بأنّ تسريبات ويكيليكس جاءت لهم بالمعلومة الجديدة. فالذي عانى منه المسلمون على أرض الواقع من قبل ويكيليس إنما هو الخبر اليقين. وما تسريبات ويكيليكس إلاّ خبرٌ عن الخبر. وهل يصحّ أن نترك الخبر لنتعلق لا قدّر الله بخبر الخبر؟

لو يقع الجهاز الإعلامي في البلاد العربية الإسلامية في هذا الفخ، سيكون لعملية تسريبات ويكيليكس مفعول المتنفس لدى قوى الترصد للخطأ العربي وقوى الأنانية المادية المركنتيلية وقوى الشوفينية اللاهوتية العالمية المتسترة بالعلم والعقلانية والعلمانية. وبالتالي سيكون العرب والمسلمون هم الذين لبّوا شروط الاعتراف الرهباني كما يرغب أصحابه في تحقيقه. وسيكون انتصارا فعليا (آخر) لآلة الحرب الإعلامية العالمية المهيمنة.

ثانيا، استغلال حدث ويكيليكس إعلاميا وتواصليا من أجل بناء منظومة عربية إسلامية مضادّة للإعلام العالمي المهيمن بكافة جوانبه وأجنحته، الخفية منها والظاهرة، المتسترة منها والمكشوفة، المقولة منها واللامقولة.




في ضوء هذا يكون خير ما يأمل المسلم في إنجازه أن يصير مجتمعنا الكبير أكاديمية لإنتاج المعلومة البنّاءة، المؤَمّنة للكرامة والشاحذة للهمم والمحفزة للعمل، لا حاوية لذنوب المذنبين.

محمد الحمّار

“الاجتهاد الثالث”: الكلام إسلام.

(*) العبارة لـ د.عصمت سيف الدولة وهي عنوان لكتاب له نشر في سنة 1990، دار البراق للنشر، تونس.

i;`h dsjtd] hglsgl,k lk “;thvm” ,d;dgd;s