مَخاوِفُ طِفلَةٍ :""



عُمري تِسعةُ أعوامٍ .
أسمَعُ عن البُلُوغِ ؛ حَيْضٌ ودِماءٌ ، ومُكْثٌ بلا صَلواتٍ .
تَعَبٌ وألَمٌ ، وطَهارةٌ وغُسْلٌ ، وفي الجِسم تغيُّراتٌ .
أمورٌ أقلقتني :""

أخشَى تلك اللَّحظةَ التي سيأتيني فيها الحَيْضُ .
أُفكِّرُ فيها كثيرًا .

تُرَى ماذا سأفعلُ ؟ وكيف ستكونُ نظرةُ أهلي لي ؟
هل أُخبِرُهم ؟ أستحيي مِن ذلك :$
ليتها لا تأتي :"(

هكذا قالت سُمية بصَوتٍ خافِتٍ وهِيَ مُستلقيةٌ على سَريرها .

وفجأةً سَمِعَت صَوتًا يقولُ لها : مَهلًا يا صَغيرتي ،
لا يَجعلكِ القلقُ تدعينَ على نفسِكِ .
فالأمرُ أيْسَرُ مِمَّا تتصوَّرين .

نَظَرَت إلى الباب ، فإذا هِيَ أُمُّها .

سُمية : أُمِّي !!

الأُمُّ : حبيبتي ، الحَيْضُ أمرٌ كَتَبَهُ اللهُ تعالى على بناتِ آدم .
لَستِ أوَّلَ ولا آخِرَ مَن سيأتيها الحَيْضُ ، فقد سَبقتكِ بناتٌ كثيراتٌ .
قد تَظُنِّينَ الحَيْضَ مُصيبةً وتحزنينَ له ، لكنَّه في الحقيقةِ طبيعيٌّ
ويُصيبُ جميعَ النِّساءِ .

أتعلمينَ أنَّه إذا جاءَكِ الحَيْضُ ، فإنَّكِ تكونينَ قد نَضجتِ ،
وأصبحتِ فتاةً عاقلةً راشِدةً ؟!

بقُدُومِ الحَيْضِ تُوَدِّعينَ فترة الطفولة ، وتنتقلينَ لمرحلةٍ جديدةٍ وجميلةٍ ،
تحتاجُ مِنكِ أن تستقبليها بهُدوءٍ .

أتعلَمينَ أنَّ الحَيْضَ إذا تأخَّرَ عند الفتاة ، أصابها القَلقُ والتَّوتُّرُ ،
ورُبَّما ذَهَبَت للأطباءِ لتطمئِنَّ على صِحَّتِها ؟!

فالحَيْضُ علامةٌ على أنَّكِ بصِحَّةٍ جيِّدةٍ ،
وأنَّه بإمكانِكِ الإنجابُ بعد الزواج بإذن الله .

سُمية : لكنِّي أسمَعُ كلامًا كثيرًا مُقلِقًا عن الحَيْض مِن زميلاتي .

الأُمُّ :
لا عليكِ مِن كلامِهِنَّ . إنَّهُنَّ يُرِدنَ بَثَّ القلق في نفسِكِ ،
فلا تسمعي لَهُنَّ . الأمرُ أبسَطُ مِن ذلك .

سُمية :
والتَّغيُّراتُ التي ستحدُثُ في جِسمي ؟! شيءٌ يُفزعُني .

الأُمُّ : هِيَ تغيُّراتٌ طبيعيَّةٌ .
ألَا تشعرينَ بتغيُّراتٍ في جِسمكِ كُلَّما انتقلتِ مِن مرحلةٍ لأخرى ؟
هل جِسمُ الرَّضيع كجِسم الطفل الصغير ذي السِّتِّ سنواتٍ ؟!
بالتَّأكيدِ هُناك اختلافاتٌ وتغيُّراتٌ . ليس شرطًا أن تكونَ كبيرةً .
رُبَّما كانت تغيُّراتٍ واختلافاتٍ بسيطةً ، لكنَّها عاديَّة وطبيعيَّة .
هكذا تغيُّراتُ الجِسم تُناسِبُ طبيعةَ المَرحلةِ التي يَعيشُها الفَردُ ؛
فجِسمُ الطفل ليس كجِسم الشَّابِّ ، وجِسمُ الشَّابِّ
ليس كجِسم الشيخ ، وهكذا .

سُمية : ونظرةُ الناس لي ؟!

الأُمُّ : مالَكِ وللناس !!
ثُمَّ مَن سيُخبِرُهم بأمركِ ؟!
ونحنُ سنفرحُ بِكِ ، سنراكِ فتاةً ناضِجةً ،
سيَزيدُ احترامُنا لَكِ ، وخوفُنا عليكِ .
لن تتغيَّر نظرتُنا إليكِ أبدًا .
بالعكس ، سنكونُ أكثرَ قُربًا مِنكِ ، وحُبًّا لَكِ .
بل إنَّكِ ستكونينَ أكثرَ قُربًا مِن اللهِ سُبحانه ؛
لأنَّكِ ببلوغكِ ستكونينَ مُكلَّفةً ، عليكِ خمسُ صلواتٍ في اليوم ،
وصِيامُ رمضان ، وغيرُ ذلك مِن عِباداتٍ .
أتُراكِ ستُقصِّرينَ فيها ؟!

سُمية : بالطبع لا يا أُمِّي ؛ فإنِّي أُحِبُّ رَبِّي ، وقد رَبَّيْتِني أنتِ وأبي
على طاعةِ اللهِ ، فكيف أعصيه سُبحانه أو أُقصِّرُ في عِبادتِهِ ؟!




الأُمُّ : وهكذا نحسبُكِ حبيبتي ولا نُزكِّيكِ على اللهِ .

سُمية :
لكنْ يا أُمِّي ... ماذا عن ألَم الحَيْض ؟ أظُنُّني لا أتَّحَمَّلُه .

الأُمُّ : وهل جَرًّبتِهِ مِن قبل ؟! هو ألَمٌ مُؤقَّتٌ ويَزولُ .
ولا تنسي أنَّه ( ما يُصيبُ المُسلِمَ ، مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ،
ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ ، حتى الشَّوْكَةِ يُشاكُها ،
إلَّا كَفَّرَ اللهُ بِها مِن خَطاياهُ )
رواه البُخاريُّ .

فهل تقلقينَ مِن أمرٍ يَحُطُّ مِن سيئاتِكِ وتُثابينَ عليه بإذن الله ؟!

وتذكَّري أنَّ الاستعانةَ باللهِ عزَّ وجلَّ واللُّجوءَ إليه ودُعاءَه
سَببٌ لزَوال كُلِّ هَمٍّ ، وأنَّ أخذَ العِلم عن الثِّقاتِ والمُختَصِّين
وذَوي الخِبرةِ أفضلُ مِن أخذِه مِن غيرهم مِن الزميلاتِ
أو مِن عَديمي الخِبرةِ .

سُمية : صَدقتِ يا أُمِّي ، جزاكِ اللهُ خيرًا ،
فقد بثثتِ في نفسي الطُّمأنينةَ والرَّاحةَ ،
وأزلتِ ما بي مِن قلقٍ وخَوفٍ .


مَخاوِفُ طِفلَةٍ :"" a.heart.gif


كَتَبَه : بسمَة
الخميس
12 صفر 1436 هـ

4 ديسمبر 2014 م


lQoh,AtE 'AtgQmS :""