أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



دروس في الشريعة الإسلامية

دروس في مقياس الشريعة الاسلامية عقد الصُلْح في الشريعة الإسلامية ( الجزء الأول ) التّعريف : الصّلح في اللّغة : اسم بمعنى المصالحة والتّصالح ، خلاف المخاصمة والتّخاصم



دروس في الشريعة الإسلامية


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 28
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي دروس في الشريعة الإسلامية

     
    دروس في مقياس الشريعة الاسلامية


    عقد الصُلْح في الشريعة الإسلامية
    ( الجزء الأول )
    التّعريف :
    الصّلح في اللّغة : اسم بمعنى المصالحة والتّصالح ، خلاف المخاصمة والتّخاصم .
    قال الرّاغب : والصّلح يختصّ بإزالة النّفار بين النّاس . يقال : اصطلحوا وتصالحوا .
    وعلى ذلك يقال : وقع بينهما الصّلح ، وصالحه على كذا ، وتصالحا عليه واصطلحا ، وهم لنا صلح ، أي مصالحون .
    وفي الاصطلاح : معاقدة يرتفع بها النّزاع بين الخصوم ، ويتوصّل بها إلى الموافقة بين المختلفين .
    فهو عقد وضع لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتّراضي ، وهذا عند الحنفيّة .
    وزاد المالكيّة على هذا المدلول : العقد على رفعها قبل وقوعها - أيضاً - وقاية ، فجاء في تعريف ابن عرفة للصّلح : أنّه انتقال عن حقّ أو دعوى بعوض لرفع نزاع ، أو خوف وقوعه ففي التّعبير ب ( خوف وقوعه ) إشارة إلى جواز الصّلح لتوقّي منازعةً غير قائمة بالفعل ، ولكنّها محتملة الوقوع .
    والمصالح : هو المباشر لعقد الصّلح والمصالح عنه : هو الشّيء المتنازع فيه إذا قطع النّزاع فيه بالصّلح والمصالح عليه ، أو المصالح به : هو بدل الصّلح .
    الألفاظ ذات الصّلة :
    أ - التّحكيم :
    التّحكيم عند الفقهاء : تولية حكم لفصل خصومة بين مختلفين . وهذه التّولية قد تكون من القاضي ، وقد تكون من قبل الخصمين .
    ويختلف التّحكيم عن الصّلح من وجهين :
    أحدهما : أنّ التّحكيم ينتج عنه حكم قضائيّ ، بخلاف الصّلح فإنّه ينتج عنه عقد يتراضى عليه الطّرفان المتنازعان . وفرق بين الحكم القضائيّ والعقد الرّضائيّ .
    والثّاني : أنّ الصّلح يتنزّل فيه أحد الطّرفين أو كلاهما عن حقّ ، بخلاف التّحكيم فليس فيه نزول عن حقّ .
    ب - الإبراء :
    الإبراء عبارة عن : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . أمّا عن العلاقة بين الصّلح والإبراء ، فلها وجهان :
    أحدهما : أنّ الصّلح إنّما يكون بعد النّزاع عادةً ، والإبراء لا يشترط فيه ذلك .
    والثّاني : أنّ الصّلح قد يتضمّن إبراءً ، وذلك إذا كان فيه إسقاط لجزء من الحقّ المتنازع فيه، وقد لا يتضمّن الإبراء ، بأن يكون مقابل التزام من الطّرف الآخر دون إسقاط .
    ومن هنا : كان بين الصّلح والإبراء عموم وخصوص من وجه ، فيجتمعان في الإبراء بمقابل في حالة النّزاع ، وينفرد الإبراء في الإسقاط مجّاناً ، أو في غير حالة النّزاع ، كما ينفرد الصّلح فيما إذا كان بدل الصّلح عوضًا لا إسقاط فيه .
    ج - العفو :
    العفو : هو التّرك والمحو ، ومنه : عفا اللّه عنك . أي محا ذنوبك ، وترك عقوبتك على اقترافها . عفوت عن الحقّ : أسقطته . كأنّك محوته عن الّذي هو عليه .
    هذا ويختلف العفو عن الصّلح في كون الأوّل إنّما يقع ويصدر من طرف واحد ، بينما الصّلح إنّما يكون بين طرفين . ومن جهة أخرى : فالعفو والصّلح قد يجتمعان كما في حالة العفو عن القصاص إلى مال .
    مشروعيّة الصّلح :
    ثبتت مشروعيّة الصّلح بالكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول .
    أمّا الكتاب :
    أ - ففي قوله تعالى : { لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ } قال القاضي أبو الوليد بن رشد : وهذا عامّ في الدّماء والأموال والأعراض ، وفي كلّ شيء يقع التّداعي والاختلاف فيه بين المسلمين .
    ب - وفي قوله تعالى : { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } فقد أفادت الآية مشروعيّة الصّلح ، حيث إنّه سبحانه وصف الصّلح بأنّه خير ، ولا يوصف بالخيريّة إلاّ ما كان مشروعاً مأذوناً فيه .
    وأمّا السّنّة :
    أ - فما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « الصّلح جائز بين المسلمين » . وفي رواية : « إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً » . والحديث واضح الدّلالة على مشروعيّة الصّلح .
    ب - وما روى « كعب بن مالك - رضي الله عنه أنّه لمّا تنازع مع ابن أبي حدرد في دين على ابن أبي حدرد ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصلح بينهما : بأن استوضع من دين كعب الشّطر ، وأمر غريمه بأداء الشّطر » .
    وأمّا الإجماع :
    فقد أجمع الفقهاء على مشروعيّة الصّلح في الجملة ، وإن كان بينهم اختلاف في جواز بعض صوره .
    وأمّا المعقول :
    فهو أنّ الصّلح رافع لفساد واقع ، أو متوقّع بين المؤمنين ، إذ أكثر ما يكون الصّلح عند النّزاع . والنّزاع سبب الفساد ، والصّلح يهدمه ويرفعه ، ولهذا كان من أجلّ المحاسن .
    أنواع الصّلح :
    الصّلح يتنوّع أنواعاً خمسةً :
    أحدهما : الصّلح بين المسلمين والكفّار . ( ر . جهاد ، جزية ، عهد ، هدنة ) .
    والثّاني : الصّلح بين أهل العدل وأهل البغي . ( ر . بغاة ) .
    والثّالث : الصّلح بين الزّوجين إذا خيف الشّقاق بينهما ، أو خافت الزّوجة إعراض الزّوج عنها .
    والرّابع : الصّلح بين المتخاصمين في غير مال . كما في جنايات العمد .
    والخامس : الصّلح بين المتخاصمين في الأموال . وهذا النّوع هو المبوّب له في كتب الفقه ، وهو موضوع هذا البحث .
    الحكم التّكليفيّ للصّلح :
    قال ابن عرفة : وهو - أي الصّلح - من حيث ذاته مندوب إليه ، وقد يعرض وجوبه عند تعيّن مصلحة ، وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدةً واجبة الدّرء أو راجحته .
    وقال ابن القيّم : الصّلح نوعان :
    أ - صلح عادل جائز . وهو ما كان مبناه رضا اللّه سبحانه ورضا الخصمين ، وأساسه العلم والعدل ، فيكون المصالح عالماً بالوقائع ، عارفاً بالواجب ، قاصداً للعدل كما قال سبحانه : { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } .
    ب - وصلح جائر مردود : وهو الّذي يحلّ الحرام أو يحرّم الحلال ، كالصّلح الّذي يتضمّن أكل الرّبا ، أو إسقاط الواجب ، أو ظلم ثالث ، وكما في الإصلاح بين القويّ الظّالم والخصم الضّعيف المظلوم بما يرضي المقتدر صاحب الجاه ، ويكون له فيه الحظّ ، بينما يقع الإغماض والحيف فيه على الضّعيف ، أو لا يمكّن ذلك المظلوم من أخذ حقّه .
    ردّ القاضي الخصوم إلى الصّلح :
    جاء في " البدائع " : ولا بأس أن يردّ القاضي الخصوم إلى الصّلح إن طمع منهم ذلك ، قال اللّه تعالى : { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } فكان الرّدّ للصّلح ردّاً للخير . وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : " ردّوا الخصوم حتّى يصطلحوا ، فإنّ فصل القضاء يورث بينهم الضّغائن ". فندب - رضي الله عنه - القضاة إلى الصّلح ونبّه على المعنى ، وهو حصول المقصود من غير ضغينة . ولا يزيد على مرّة أو مرّتين ، فإن اصطلحا ، وإلاّ قضى بينهما بما يوجب الشّرع . وإن لم يطمع منهم فلا يردّهم إليه ، بل ينفّذ القضاء فيهم ؛ لأنّه لا فائدة في الرّدّ .
    حقيقة الصّلح :
    يرى جمهور الفقهاء أنّ عقد الصّلح ليس عقداً مستقلّاً قائماً بذاته في شروطه وأحكامه، بل هو متفرّع عن غيره في ذلك ، بمعنى : أنّه تسري عليه أحكام أقرب العقود إليه شبهاً بحسب مضمونه . فالصّلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع ، والصّلح عن مال بمنفعة يعدّ في حكم الإجارة ، والصّلح على بعض العين المدّعاة هبة بعض المدّعى لمن هو في يده، والصّلح عن نقد بنقد له حكم الصّرف ، والصّلح عن مال معيّن بموصوف في الذّمّة في حكم السّلم ، والصّلح في دعوى الدّين على أن يأخذ المدّعي أقلّ من المطلوب ليترك دعواه يعتبر أخذًا لبعض الحقّ ، وإبراءً عن الباقي ... إلخ .
    وثمرة ذلك : أن تجري على الصّلح أحكام العقد الّذي اعتبر به وتراعى فيه شروطه ومتطلّباته . قال الزّيلعيّ : وهذا لأنّ الأصل في الصّلح أن يحمل على أشبه العقود به ، فتجري عليه أحكامه ؛ لأنّ العبرة للمعاني دون الصّورة .
    أقسام الصّلح :
    الصّلح إمّا أن يكون بين المدّعي والمدّعى عليه ، وإمّا أن يكون بين المدّعي والأجنبيّ المتوسّط ، وينقسم إلى ثلاثة أقسام ، صلح عن الإقرار ، وصلح عن الإنكار ، وصلح عن السّكوت .
    الصّلح بين المدّعي والمدّعى عليه :
    وهو ثلاثة أقسام :
    القسم الأوّل :
    الصّلح مع إقرار المدّعى عليه :
    وهو جائز باتّفاق الفقهاء . وهو ضربان : صلح عن الأعيان ، صلح عن الدّيون .
    أ - الصّلح عن الأعيان . وهو نوعان : صلح الحطيطة ، وصلح المعاوضة .
    أوّلاً : صلح الحطيطة :
    وهو الّذي يجري على بعض العين المدّعاة ، كمن صالح من الدّار المدّعاة على نصفها أو ثلثها . وقد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة أقوال .
    أحدها : للمالكيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد : وهو أنّه يعدّ من قبيل هبة بعض المدّعى لمن هو في يده ، فتثبت فيه أحكام الهبة ، سواء وقع بلفظ الهبة أو بلفظ الصّلح .
    قال الشّافعيّة : لأنّ الخاصّيّة الّتي يفتقر إليها لفظ الصّلح ، وهي سبق الخصومة قد حصلت . والثّاني : للحنابلة ، وهو الوجه الثّاني عند الشّافعيّة : وهو أنّه إذا كان له في يده عين ، فقال المقرّ له : وهبتك نصفها ، فأعطني بقيّتها ، فيصحّ ويعتبر له شروط الهبة ؛ لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من هبة بعض حقّه ، كما لا يمنع من استيفائه ، ما لم يقع ذلك بلفظ الصّلح، فإنّه لا يصحّ ؛ لأنّه يكون قد صالح عن بعض ماله ببعضه ، فهو هضم للحقّ ، أو بشرط أن يعطيه الباقي ، كقوله : على أن تعطيني كذا منه أو تعوّضني منه بكذا ؛ لأنّه يقتضي المعاوضة ، فكأنّه عاوض عن بعض حقّه ببعضه ، والمعاوضة عن الشّيء ببعضه محظورة ، أو يمنعه حقّه بدون الصّلح ، فإنّه لا يصحّ كذلك .
    والثّالث : للحنفيّة : وهو أنّه لو ادّعى شخص على آخر داراً ، حصل الصّلح على قسم معيّن منها ، فهناك قولان في المذهب :
    أحدهما : لا يصحّ هذا الصّلح ، وللمدّعي الادّعاء بعد ذلك بباقي الدّار ؛ لأنّ الصّلح إذا وقع على بعض المدّعى به يكون المدّعي قد استوفى بعض حقّه ، وأسقط البعض الآخر ، إلاّ أنّ الإسقاط عن الأعيان باطل ، فصار وجوده وعدمه بمنزلة واحدة ، كما أنّ بعض المدّعى به لا يكون عوضاً عن كلّه ، حيث يكون ذلك بمثابة أنّ الشّيء يكون عوضاً عن نفسه ، إذ البعض داخل ضمن الكلّ .
    والثّاني : يصحّ هذا الصّلح ، ولا تسمع الدّعوى في باقيها بعده ، وهو ظاهر الرّواية ؛ لأنّ الإبراء عن بعض العين المدّعى بها إبراء في الحقيقة عن دعوى ذلك البعض ، فالصّلح صحيح ولا تسمع الدّعوى بعده .
    أمّا لو صالحه على منفعة العين المدّعاة ، بأن صالحه عن بيت ادّعى عليه به وأقرّ له به على سكناه مدّةً معلومةً ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك الصّلح على قولين :
    أحدهما : الجواز وهو قول الحنفيّة : ويعتبر إجارةً . وهو قول الشّافعيّة في الأصحّ ، ويعتبر إعارةً ؛ فتثبت فيه أحكامها . فإن عيّن مدّةً فإعارة مؤقّتة ، وإلاّ فمطلقة .
    والثّاني : عدم الجواز ، وهو للحنابلة ووجه عند الشّافعيّة ؛ لأنّه صالحه عن ملكه على منفعة ملكه ، فكأنّه ابتاع داره بمنفعتها ، وهو لا يجوز .
    ثانياً : صلح المعاوضة :
    وهو الّذي يجري على غير العين المدّعاة ، كأن ادّعى عليه داراً ، فأقرّ له بها ثمّ صالحه منها على ثوب أو دار أخرى .



    وهو جائز صحيح باتّفاق الفقهاء ، ويعدّ بيعاً ، وإن عقد بلفظ الصّلح ؛ لأنّه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع : كمعلوميّة البدل ، والقدرة على التّسليم ، والتّقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النّسيئة .
    كذلك تتعلّق به جميع أحكام البيع : كالرّدّ بالعيب ، وحقّ الشّفعة ، والمنع من التّصرّف قبل القبض ونحو ذلك ، كما يفسد بالغرر والجهالة الفاحشة والشّروط المفسدة للبيع .
    ولو صالحه من العين المدّعاة على منفعة عين أخرى ، كما إذا ادّعى على رجل شيئاً ، فأقرّ به ، ثمّ صالحه على سكنى داره ، أو ركوب دابّته ، أو لبس ثوبه مدّةً معلومةً فلا خلاف بين الفقهاء في جواز هذا الصّلح ، وأنّه يكون إجارةً ، وتترتّب عليه سائر أحكامها ؛ لأنّ العبرة للمعاني ، فوجب حمل الصّلح عليها ، لوجود معناها فيها ، وهو تمليك المنافع بعوض .
    ب - الصّلح عن الدّين :
    وذلك مثل أن يدّعي شخص على آخر ديناً ، فيقرّ المدّعى عليه له به ، ثمّ يصالحه على بعضه ، أو على مال غيره . وهو جائز - في الجملة - باتّفاق الفقهاء ، وإن كان ثمّة اختلاف بينهم في بعض صوره وحالاته .
    وهو عند الفقهاء نوعان : صلح إسقاط وإبراء ، وصلح معاوضة .
    أوّلاً : صلح الإسقاط والإبراء :
    ويسمّى عند الشّافعيّة صلح الحطيطة .
    وهو الّذي يجري على بعض الدّين المدّعى ، وصورته بلفظ الصّلح ، أن يقول المقرّ له : صالحتك على الألف الحالّ الّذي لي عليك على خمسمائة .
    وقد اختلف الفقهاء في حكمه على قولين :
    أحدهما : للحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، هو أنّ هذا الصّلح جائز ؛ إذ هو أخذ لبعض حقّه وإسقاط لباقيه ، لا معاوضة ، ويعتبر إبراءً للمدّعى عليه عن بعض الدّين ؛ لأنّه معناه .
    ثمّ قال الشّافعيّة : ويصحّ بلفظ الإبراء والحطّ ونحوهما ، كالإسقاط والهبة والتّرك والإحلال والتّحليل والعفو والوضع ، ولا يشترط حينئذ القبول على المذهب ، سواء قلنا : إنّ الإبراء تمليك أم إسقاط . كما يصحّ بلفظ الصّلح في الأصحّ . وفي اشتراط القبول إذا وقع به وجهان -كالوجهين فيما لو قال لمن عليه دين : وهبته لك - والأصحّ الاشتراط ؛ لأنّ اللّفظ بوضعه يقتضيه .
    والثّاني : للحنابلة : وهو أنّه إذا كان لرجل على آخر دين ، فوضع عنه بعض حقّه ، وأخذ منه الباقي ، كان ذلك جائزاً لهما إذا كان بلفظ الإبراء ، وكانت البراءة مطلقةً من غير شرط إعطاء الباقي ، كقول الدّائن : على أن تعطيني كذا منه ، ولم يمتنع المدّعى عليه من إعطاء بعض حقّه إلاّ بإسقاط بعضه الآخر . فإن تطوّع المقرّ له بإسقاط بعض حقّه بطيب نفسه جاز، غير أنّ ذلك ليس بصلح ولا من باب الصّلح بسبيل .
    أمّا إذا وقع ذلك بلفظ الصّلح فأشهر الرّوايتين عن الإمام أحمد : أنّه لا يصحّ ، وهي الرّواية الأصحّ في المذهب ؛ وذلك لأنّه صالح عن بعض ماله ببعضه ، فكان هضماً للحقّ .
    والثّانية : وهي ظاهر " الموجز " " والتّبصرة " أنّه يصحّ .
    أمّا لو صالحه عن ألف مؤجّل على خمسمائة معجّلة ، فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على قولين :
    أحدهما : لجمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - والصّحيح عند الحنابلة أنّ ذلك لا يجوز .
    واستثنى الحنفيّة والحنابلة من ذلك دين الكتابة ؛ لأنّ الرّبا لا يجري بينهما في ذلك .
    وعلّل الشّافعيّة عدم الصّحّة : بأنّه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي ، والصّفة بانفرادها لا تقابل بعوض ؛ ولأنّ صفة الحلول لا يصحّ إلحاقها بالمؤجّل ، وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله لم يصحّ التّرك .
    ووجه المنع عند المالكيّة : أنّ من عجّل ما أجّل يعدّ مسلّفاً ، فقد أسلف الآن خمسمائة ليقتضي عند الأجل ألفاً من نفسه .
    وقد علّل الحنفيّة المنع في غير دين الكتابة : بأنّ صاحب الدّين المؤجّل لا يستحقّ المعجّل ، فلا يمكن أن يجعل استيفاءً ، فصار عوضاً ، وبيع خمسمائة بألف لا يجوز .
    وبيان ذلك : أنّ المعجّل لم يكن مستحقّاً بالعقد حتّى يكون استيفاؤه استيفاءً لبعض حقّه ، والتّعجيل خير من النّسيئة لا محالة ، فيكون خمسمائة بمقابلة خمسمائة مثله من الدّين ، والتّعجيل في مقابلة الباقي ، وذلك اعتياض عن الأجل ، وهو باطل ؛ ألا ترى أنّ الشّرع حرّم ربا النّسيئة ، وليس فيه إلاّ مقابلة المال بالأجل شبهةً ، فلأن تكون مقابلة المال بالأجل حقيقةً حرامًا أولى .
    الثّاني : جواز ذلك - وهو رواية عن الإمام أحمد ، حكاها ابن أبي موسى وغيره ، وهو قول ابن عبّاس وإبراهيم النّخعيّ ، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة. قال ابن القيّم : لأنّ هذا عكس الرّبا ، فإنّ الرّبا يتضمّن الزّيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل ، وهذا يتضمّن براءة ذمّته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل ، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل ، فانتفع به كلّ واحد منهما ، ولم يكن هنا رباً لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفاً ، فإنّ الرّبا الزّيادة ، وهي منتفية هاهنا ، والّذين حرّموا ذلك إنّما قاسوه على الرّبا ، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله : إمّا أن تربي ، وإمّا أن تقضي . وبين قوله : عجّل لي وأهب لك مائةً . فأين أحدهما من الآخر ؛ فلا نصّ في تحريم ذلك ، ولا إجماع ، ولا قياس صحيح .
    ولو صالح من ألف درهم حالّ على ألف درهم مؤجّل ، فقد اختلف الفقهاء في صحّة ذلك على قولين :
    أحدهما : للشّافعيّة والحنابلة : وهو أنّ التّأجيل لا يصحّ ، ويعتبر لاغياً ؛ إذ هو من الدّائن وعد بإلحاق الأجل ، وصفة الحلول لا يصحّ إلحاقها ، والوعد لا يلزم الوفاء به .
    والثّاني : للحنفيّة : وهو صحّة التّأجيل ، وذلك ؛ لأنّه إسقاط لوصف الحلول فقط ، وهو حقّ له ، فيصحّ ، ويكون من قبيل الإحسان . قالوا : لأنّ أمور المسلمين محمولة على الصّحّة ، فلو حملنا ذلك على المعاوضة فيلزم بيع الدّراهم بالدّراهم نساءً ، وذلك لا يجوز ؛ لأنّه بيع الدّين بالدّين ؛ لأنّ الدّراهم الحالّة والدّراهم المؤجّلة ثابتة في الذّمّة ، والدّين بالدّين لا يجوز ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن الكالئ بالكالئ » ، فلمّا لم يكن حمله على المعاوضة حملناه على التّأخير تصحيحاً للتّصرّف ؛ لأنّ ذلك جائز كونه تصرّفاً في حقّ نفسه، لا في حقّ غيره .
    ولو اصطلحا عن الدّين الحالّ على وضع بعضه وتأجيل الباقي ، كما لو صالح الدّائن مدينه عن ألف حالّة على خمسمائة مؤجّلة ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال :
    الأوّل : للحنفيّة والمالكيّة وبعض الحنابلة . وهو صحّة الإسقاط والتّأجيل . وقد اختاره الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة . قال ابن القيّم : وهو الصّواب ، بناءً على صحّة تأجيل القرض والعاريّة .
    والثّاني : للحنابلة في الأصحّ والشّافعيّة : وهو أنّه يصحّ الإسقاط دون التّأجيل . وعلّة صحّة الوضع والإسقاط : أنّه أسقط بعض حقّه عن طيب نفسه ، فلا مانع من صحّته ؛ لأنّه ليس في مقابلة تأجيل ، فوجب أن يصحّ كما لو أسقطه كلّه ؛ إذ هو مسامحة وليس بمعاوضة . والثّالث : لبعض الحنابلة : وهو أنّه لا يصحّ الإسقاط ولا التّأجيل ؛ بناءً على أنّ الصّلح لا يصحّ مع الإقرار ، وعلى أنّ الحالّ لا يتأجّل .

    ]v,s td hgavdum hgYsghldm


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي عقد الصلح في الشريعة الإسلامية

    عقد الصلح في الشريعة الإسلامية
    ( الجزء الثاني )

    ثانياً : صلح المعاوضة :
    وهو الّذي يجري على غير الدّين المدّعى ، بأن يقرّ له بدين في ذمّته ، ثمّ يتّفقان على تعويضه عنه . وحكمه حكم بيع الدّين ، وإن كان بلفظ الصّلح . وهو عند الفقهاء على أربعة أضرب :
    الأوّل : أن يقرّ بأحد النّقدين ، فيصالحه بالآخر ، نحو : أن يقرّ له بمائة درهم ، فيصالحه منها بعشرة دنانير ، أو يقرّ له بعشرة دنانير ، فيصالحه منها على مائة درهم .
    وقد نصّ الفقهاء على أنّ له حكم الصّرف ؛ لأنّه بيع أحد النّقدين بالآخر ، ويشترط له ما يشترط في الصّرف من الحلول والتّقابض قبل التّفرّق .
    والثّاني : أن يقرّ له بعرض ، كفرس وثوب ، فيصالحه عن العرض بنقد ، أو يعترف له بنقد، كدينار ، فيصالحه عنه على عرض .
    وقد نصّ الفقهاء على أنّ له حكم البيع ؛ إذ هو مبادلة مال بمال ، وتثبت فيه أحكام البيع . والثّالث : أن يقرّ له بدين في الذّمّة - من نحو بدل قرض أو قيمة متلف - فيصالح على موصوف في الذّمّة من غير جنسه ، بأن صالحه عن دينار في ذمّته ، بإردبّ قمح ، ونحوه في الذّمّة .
    وقد نصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على صحّة هذا الصّلح ، غير أنّه لا يجوز التّفرّق فيه من المجلس قبل القبض ؛ لأنّه إذا حصل التّفرّق قبل القبض كان كلّ واحد من العوضين دينًا - لأنّ محلّه الذّمّة - فصار من بيع الدّين بالدّين ، وهو منهيّ عنه شرعاً .
    وقال الشّافعيّة : يشترط تعيين بدل الصّلح في المجلس ليخرج عن بيع الدّين بالدّين .
    وفي اشتراط قبضه في المجلس وجهان : أصحّهما : عدم الاشتراط إلاّ إذا كانا ربويّين . والرّابع : أن يقع الصّلح عن نقد ، بأن كان على رجل عشرة دراهم ، فصالح من ذلك على منفعة : كسكنى دار ، أو ركوب دابّة مدّة معيّنة ، أو على أن يعمل له عملاً معلوماً .
    وقد نصّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ لهذا الصّلح حكم الإجارة ،وتثبت فيه أحكامها.
    القسم الثّاني :
    الصّلح مع إنكار المدّعى عليه :
    وذلك كما إذا ادّعى شخص على آخر شيئاً ، فأنكره المدّعى عليه ، ثمّ صالح عنه . وقد اختلف الفقهاء في جوازه على قولين :
    أحدهما لجمهور الفقهاء - من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - : وهو جواز الصّلح على الإنكار . بشرط أن يكون المدّعي معتقداً أنّ ما ادّعاه حقّ ، والمدّعى عليه يعتقد أن لا حقّ عليه . فيتصالحان قطعاً للخصومة والنّزاع . أمّا إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه ، فالصّلح باطل في حقّه ، وما أخذه العالم بكذب نفسه حرام عليه ؛ لأنّه من أكل المال بالباطل . واستدلّوا على ذلك :
    أ - بظاهر قوله تعالى : { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } . حيث وصف المولى عزّ وجلّ جنس الصّلح بالخيريّة . معلوم أنّ الباطل لا يوصف بالخيريّة ، فكان كلّ صلح مشروعاً بظاهر هذا النّصّ إلاّ ما خصّ بدليل .
    ب - بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : « الصّلح جائز بين المسلمين » .
    فيدخل ذلك في عمومه .
    ج - وبأنّ الصّلح إنّما شرع للحاجة إلى قطع الخصومة والمنازعة ، والحاجة إلى قطعها في التّحقيق عند الإنكار - إذ الإقرار مسالمة ومساعدة - فكان أولى بالجواز .
    قال ابن قدامة : وكذلك إذا حلّ مع اعتراف الغريم ، فلأن يحلّ مع جحده وعجزه عن الوصول إلى حقّه إلاّ بذلك أولى .
    د - ولأنّه صالح بعد دعوى صحيحة ، فيقضى بجوازه ؛ لأنّ المدّعي يأخذ عوضاً عن حقّه الثّابت له في اعتقاده ، وهذا مشروع ، والمدّعى عليه يؤدّيه دفعاً للشّرّ وقطعاً للخصومة عنه ، وهذا مشروع أيضاً ، إذ المال وقاية الأنفس ، ولم يرد الشّرع بتحريم ذلك في موضع.
    هـ - ولأنّ افتداء اليمين جائز ؛ لما روي عن عثمان وابن مسعود : أنّهما بذلا مالاً في دفع اليمين عنهما . فاليمين الثّابتة للمدّعي حقّ ثابت لسقوطه تأثير في إسقاط المال ، فجاز أن يؤخذ عنه المال على وجه الصّلح ، أصله القود في دم العمد .
    والثّاني للشّافعيّة وابن أبي ليلى : وهو أنّ الصّلح على الإنكار باطل .
    واستدلّوا على ذلك :
    أ - بالقياس على ما لو أنكر الزّوج الخلع ، ثمّ تصالح مع زوجته على شيء، فلا يصحّ ذلك.
    ب - وبأنّ المدّعي إن كان كاذباً فقد استحلّ مال المدّعى عليه ، وهو حرام ، وإن كان صادقًا فقد حرّم على نفسه ماله الحلال ؛ لأنّه يستحقّ جميع ما يدّعيه ، فدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : « إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً » .
    ج - وبأنّ المدّعي اعتاض عمّا لا يملكه ، فصار كمن باع مال غيره ، والمدّعى عليه عاوض على ملكه ، فصار كمن ابتاع مال نفسه من وكيله . فالصّلح على الإنكار يستلزم أن يملك المدّعي ما لا يملك ، وأن يملك المدّعى عليه ما يملك ، وذلك إن كان المدّعي كاذباً . فإن كان صادقاً انعكس الحال .
    د - ولأنّه عقد معاوضة خلا عن العوض في أحد جانبيه ، فبطل كالصّلح على حدّ القذف .
    التّكييف الفقهيّ للصّلح على الإنكار :
    قال ابن رشد في " بداية المجتهد " : وأمّا الصّلح على الإنكار ، فالمشهور فيه عن مالك وأصحابه : أنّه يراعى فيه من الصّحّة ما يراعى في البيوع . ثمّ قال : فالصّلح الّذي يقع فيه ما لا يجوز في البيوع هو في مذهب مالك على ثلاثة أقسام : صلح يفسخ باتّفاق ، وصلح يفسخ باختلاف ، وصلح لا يفسخ باتّفاق إن طال ، وإن لم يطل ففيه اختلاف .
    وفرّق الحنفيّة والحنابلة بين تكييفه في حقّ المدّعي وبينه في حقّ المدّعى عليه وقالوا : يكون الصّلح على مال المصالح به معاوضةً في حقّ المدّعي ؛ لأنّه يعتقده عوضاً عن حقّه ; فيلزمه حكم اعتقاده ، وعلى ذلك : فإن كان ما أخذه المدّعي عوضاً عن دعواه شقصاً مشفوعاً ، فإنّها تثبت فيه الشّفعة لشريك المدّعى عليه ؛ لأنّه أخذه عوضاً ، كما لو اشتراه . - ويكون الصّلح على الإنكار في حقّ المدّعى عليه خلاصاً من اليمين وقطعاً للمنازعة ؛ لأنّ المدّعي في زعم المدّعى عليه المنكر غير محقّ ومبطل في دعواه ، وأنّ إعطاءه العوض له ليس بمعاوضة بل للخلاص من اليمين ، إذ لو لم يصالحه ويعط العوض لبقي النّزاع ولزمه اليمين . وقد عبّر الحنابلة عن هذا المعنى بقولهم : يكون صلح الإنكار إبراءً في حقّ المنكر؛ لأنّه دفع إليه المال افتداءً ليمينه ودفعاً للضّرر عنه لا عوضاً عن حقّ يعتقده عليه .
    وبناءً على ذلك : لو كان ما صالح به المنكر شقصاً لم تثبت فيه الشّفعة ؛ لأنّ المدّعي يعتقد أنّه أخذ ماله أو بعضه مسترجعاً له ممّن هو عنده ، فلم يكن معاوضةً ، بل هو كاسترجاع العين المغصوبة .
    القسم الثّالث :
    الصّلح مع سكوت المدّعى عليه :
    وذلك كما إذا ادّعى شخص على آخر شيئاً ، فسكت المدّعى عليه دون أن يقرّ أو ينكر، ثمّ صالح عنه .
    وقد اعتبر الفقهاء - ما عدا ابن أبي ليلى - هذا الصّلح في حكم الصّلح عن الإنكار ؛ لأنّ السّاكت منكر حكماً . صحيح أنّ السّكوت يمكن أن يحمل على الإقرار ، وعلى الإنكار ، إلاّ أنّه نظراً لكون الأصل براءة الذّمّة وفراغها ، فقد ترجّحت جهة الإنكار .
    ومن هنا كان اختلافهم في جوازه تبعاً لاختلافهم في جواز الصّلح عن الإنكار .
    وعلى هذا ، فللفقهاء في الصّلح عن السّكوت قولان :
    أحدهما : للحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : وهو جواز الصّلح على السّكوت ، وحجّتهم نفس الأدلّة الّتي ساقوها على جوازه عن الإنكار .
    وقد اشترطوا فيه نفس الشّروط ورتّبوا ذات الأحكام الّتي اعتبروها في حالة الإنكار .
    هذا وقد وافقهم على جوازه ابن أبي ليلى - مع إبطاله الصّلح عن الإنكار - حيث اعتبره في حكم الصّلح على الإقرار .
    والثّاني : للشّافعيّة : وهو عدم جواز الصّلح على السّكوت ، وأنّه باطل وذلك لأنّ جواز الصّلح يستدعي حقّاً ثابتاً ، ولم يوجد في موضع السّكوت ؛ إذ السّاكت يعدّ منكراً حكماً حتّى تسمع عليه البيّنة ، فكان إنكاره معارضاً لدعوى المدّعي . ولو بذل المال لبذله لدفع خصومة باطلة ، فكان في معنى الرّشوة .
    الصّلح بين المدّعي والأجنبيّ :
    اختلف الفقهاء في الأحكام المتعلّقة بالصّلح الكائن بين المدّعي والأجنبيّ على النّحو التّالي :
    أوّلاً : مذهب الحنفيّة :
    نصّ الحنفيّة على أنّ الصّلح إذا كان بين المدّعي والأجنبيّ ، فلا يخلو : إمّا أن يكون بإذن المدّعى عليه أو بغير إذنه .
    أ - فإن كان بإذنه ، فإنّه يصحّ الصّلح ، ويكون الأجنبيّ وكيلاً عن المدّعى عليه في الصّلح ، ويجب المال المصالح به على المدّعى عليه دون الوكيل ، سواء أكان الصّلح عن إقرار أم إنكار ؛ لأنّ الوكيل في الصّلح لا ترجع إليه حقوق العقد . وهذا إذا لم يضمن الأجنبيّ بدل الصّلح عن المدّعى عليه ، فأمّا إذا ضمن ، فإنّه يجب عليه بحكم الكفالة والضّمان لا بحكم العقد .
    ب - وأمّا إذا كان بغير إذنه ، فهذا صلح الفضوليّ ، وله وجهان :
    أحدهما : أن يضيف الفضوليّ الصّلح إلى نفسه ، كأن يقول للمدّعي : صالحني عن دعواك مع فلان بألف درهم فيصالحه ذلك الشّخص . فهذا الصّلح صحيح ، ويلزم بدل الصّلح الفضوليّ ، ولو لم يضمن أو يضف الصّلح إلى ماله أو ذمّته ؛ لأنّ إضافة الفضوليّ الصّلح إلى نفسه تنفذ في حقّه ، ويكون قد التزم بدل الصّلح مقابل إسقاط اليمين عن المدّعى عليه، وليس للفضوليّ الرّجوع على المدّعى عليه ببدل الصّلح الّذي أدّاه ، طالما أنّ الصّلح لم يكن بأمر المدّعى عليه . قال السّمرقنديّ في ( التّحفة ) : وإنّما كان هكذا ، لأنّ التّبرّع بإسقاط الدّين، بأن يقضي دين غيره بغير إذنه صحيح ، والتّبرّع بإسقاط الخصومة عن غيره صحيح، والصّلح عن إقرار إسقاط للدّين ، والصّلح عن إنكار إسقاط للخصومة ، فيجوز كيفما كان . والثّاني : أن يضيف الفضوليّ الصّلح إلى المدّعى عليه ، بأن يقول للمدّعي : تصالح مع فلان عن دعواك . ولهذا الوجه خمس صور : في أربع منها يكون الصّلح لازماً ، وفي الخامسة منها يكون موقوفاً .
    ووجه الحصر في هذا الوجه : أنّ الفضوليّ إمّا أن يضمن بدل الصّلح أو لا يضمن ، وإذا لم يضمن ، فإمّا أن يضيف الصّلح إلى ماله أو لا يضيفه . وإذا لم يضفه ، فإمّا أن يشير إلى نقد أو عرض أو لا يشير . وإذا لم يشر ، فإمّا أن يسلّم العوض أو لا يسلّم .
    فالصّور خمس هي :
    الصّورة الأولى : أن يضمن الفضوليّ بدل الصّلح ، كما إذا قال الفضوليّ للمدّعي : صالح فلاناً عن دعواك معه بألف درهم ، وأنا ضامن لك ذلك المبلغ وقبل المدّعي تمّ الصّلح وصحّ؛ لأنّه في هذه الصّورة لم يحصل للمدّعى عليه سوى البراءة ، فكما أنّ للمدّعى عليه أن يحصل على براءته بنفسه ، فللأجنبيّ - أيضاً - أن يحصل على براءة المدّعى عليه .
    وفي هذه الصّورة ، وإن لم يلزم الفضوليّ بدل الصّلح بسبب عقده الصّلح - من حيث كونه سفيراً - إلاّ أنّه يلزمه أداؤه بسبب ضمانه .
    الصّورة الثّانية : أن لا يضمن الفضوليّ بدل الصّلح إلاّ أنّه يضيفه إلى ماله ، كأن يقول الفضوليّ : قد صالحت على مالي الفلانيّ ، أو على فرسي هذه ، أو على دراهمي هذه الألف فيصحّ الصّلح ؛ لأنّ المصالح الفضوليّ بإضافة الصّلح إلى ماله يكون قد التزم تسليمه ، ولمّا كان مقتدراً على تسليم البدل صحّ الصّلح ولزم الفضوليّ تسليم البدل .
    الصّورة الثّالثة : أن يشير إلى العروض أو النّقود الموجودة بقوله : عليّ هذا المبلغ ، أو هذه السّاعة فيصحّ الصّلح ؛ لأنّ بدل الصّلح المشار إليه قد تعيّن تسليمه على أن يكون من ماله وبذلك تمّ الصّلح .
    والفرق بين الصّورة الثّانية والثّالثة : هو أنّ الفضوليّ في الثّانية قد أضاف الصّلح إلى ماله الّذي نسبه إلى نفسه ، أمّا في الثّالثة فبدل الصّلح مع كونه ماله إلاّ أنّه لم ينسبه إلى نفسه عند العقد .
    الصّورة الرّابعة : إذا أطلق بقوله : صالحت على كذا ، ولم يكن ضامناً ولا مضيفاً إلى ماله ولا مشيراً إلى شيء ، وسلّم المبلغ فيصحّ الصّلح ؛ لأنّ تسليم بدل الصّلح يوجب بقاء البدل المذكور سالماً للمدّعي ، ويستلزم حصول المقصود بتمام العقد ، فصار فوق الضّمان والإضافة إلى نفسه .
    وعلى ذلك : إذا حصل للمدّعي عوض في هذه الصّور وتمّ رضاؤه به برئ المدّعى عليه ، ولا شيء للفضوليّ المصالح من المصالح عنه .
    ويستفاد من حصر لزوم التّسليم في الصّورة الرّابعة أنّ تسليم بدل الصّلح في الصّورتين الثّانية والثّالثة ليس شرطاً لصحّة الصّلح ، فيصحّ فيهما ولو لم يحصل التّسليم ، ويجبر الفضوليّ على التّسليم .
    هذا وحيث صحّ الصّلح في هذه الصّور الأربع ، فإنّ الفضوليّ المصالح يكون متبرّعاً بالبدل ; لأنّه أجرى هذا العقد بلا أمر المدّعى عليه .
    الصّورة الخامسة : أن يطلق الفضوليّ بقوله للمدّعي : أصالحك عن دعواك هذه مع فلان على ألف درهم ، ولا يكون ضامناً ، ولا مضيفاً إلى ماله ولا مشيراً إلى شيء ، ثمّ لا يسلّم بدل الصّلح ، فصلحه هذا موقوف على إجازة المدّعى عليه ؛ لأنّ المصالح هاهنا - وهو الفضوليّ - لا ولاية له على المطلوب المدّعى عليه ، فلا ينفذ تصرّفه عليه ، فيتوقّف على إجازته .
    وعلى ذلك : فإن أجاز المدّعى عليه صلحه صحّ ؛ لأنّ إجازته اللّاحقة بمنزلة ابتداء التّوكيل ، ويلزم بدل الصّلح المدّعى عليه دون المصالح ؛ لأنّه التزم هذا البدل باختياره ، ويخرج الأجنبيّ الفضوليّ من بينهما ، ولا يلزمه شيء . وإن لم يجز المدّعى عليه الصّلح فإنّه يبطل؛ لأنّه لا يجب المال عليه والمدّعى به لا يسقط .
    ولا فرق في هذه الصّورة بين أن يكون المدّعى عليه مقرّاً أو منكراً ، وبين أن يكون بدل الصّلح عيناً أو ديناً ؛ لأنّ المصالح الفضوليّ لم يضف بدل الصّلح لنفسه أو ماله ، كما أنّه لم يضمنه ؛ فلا يلزمه البدل المذكور .
    ثانياً : مذهب المالكيّة :
    ذهب المالكيّة إلى أنّه يجوز للرّجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة ، وذلك مثل أن يصالح رجل على دين له على رجل ، ويلزم المصالح ما صالح به .
    جاء في " المدوّنة " في باب الصّلح : ومن قال لرجل : هلمّ أصالحك من دينك الّذي على فلان بكذا ، ففعل ، أو أتى رجل رجلاً فصالحه عن امرأته بشيء مسمّىً لزم الزّوج الصّلح ، ولزم المصالح ما صالح به وإن لم يقل : أنا ضامن ؛ لأنّه إنّما قضى عن الّذي عليه الحقّ ممّا يحقّ عليه .
    ثالثاً : مذهب الشّافعيّة :
    ذهب الشّافعيّة إلى أنّ للصّلح الجاري بين المدّعي والأجنبيّ حالتين :
    الأولى : مع إقرار المدّعى عليه :
    وفي هذه الحال فرّقوا بين ما إذا كان المدّعى عيناً أو ديناً .
    أ - فإن كان المدّعى عيناً ، وقال الأجنبيّ للمدّعي : إنّ المدّعى عليه وكّلني في مصالحتك له عن بعض العين المدّعاة ، أو عن كلّها بعين من مال المدّعى عليه ، أو بعشرة في ذمّته ، فتصالحا عليه ، صحّ الصّلح ؛ لأنّ دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة .
    ثمّ ينظر : فإن كان الأجنبيّ صادقاً في الوكالة ، صار المصالح عنه ملكاً للمدّعى عليه . وإلاّ كان فضوليّاً ولم يصحّ صلحه ، لعدم الإذن فيه ، كشراء الفضوليّ .
    ولو صالحه الوكيل على عين مملوكة للوكيل ، أو على دين في ذمّته صحّ العقد ، ويكون كشرائه لغيره بإذنه بمال نفسه ، ويقع للآذن ، فيرجع المأذون عليه بالمثل إن كان مثليّاً ، وبالقيمة إن كان قيميّاً ؛ لأنّ المدفوع قرض لا هبة .
    أمّا لو صالح عن العين المدّعاة لنفسه بعين من ماله أو بدين في ذمّته فيصحّ الصّلح للأجنبيّ، وكأنّه اشتراه بلفظ الشّراء ، ولو لم يجر مع الأجنبيّ خصومه ؛ لأنّ الصّلح ترتّب على دعوى وجواب .
    ب - وإن كان المدّعى ديناً ، فينظر : فإن صالحه عن المدّعى عليه ، كما لو قال الأجنبيّ للمدّعي : صالحني على الألف الّذي لك على فلان بخمسمائة صحّ الصّلح ؛ لأنّه إن كان قد وكّله المدّعى عليه بذلك فقد قضى دينه بإذنه ، وإن لم يوكّله فقد قضى دينه بغير إذنه وذلك جائز . ومثل ذلك ما لو قال له الأجنبيّ : وكّلني المدّعى عليه بمصالحتك على نصفه ، أو على ثوبه هذا ، فصالحه فإنّه يصحّ ، وإن صالحه عن نفسه فقال : صالحني عن هذا الدّين ليكون لي في ذمّة المدّعى عليه ففيه وجهان - بناءً على الوجهين في بيع الدّين مَن غير من عليه - .
    أحدهما : لا يصحّ ؛ لأنّه لا يقدر على تسليم ما في ذمّة المدّعى عليه .
    والثّاني : يصحّ كما لو اشترى وديعةً في يد غيره .
    والثّانية : مع إنكار المدّعى عليه :
    وفي هذه الحال - أيضاً - فرّقوا بين ما إذا كان المدّعى عيناً أو ديناً .
    أ - فإن كان عيناً ، وصالحه الأجنبيّ عن المنكر ظاهراً بقوله : أقرّ المدّعى عليه عندي ووكّلني في مصالحتك له ، إلاّ أنّه لا يظهر إقراره لئلاّ تنتزعه منه ، فصالحه صحّ ذلك ؛ لأنّ دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة . قال الشّيرازيّ : لأنّ الاعتبار بالمتعاقدين ، وقد اتّفقا على ما يجوز العقد عليه فجاز ، ثمّ ينظر فيه : فإن كان قد أذن له في الصّلح ملك المدّعى عليه العين ؛ لأنّه ابتاعه له وكيله ، وإن لم يكن أذن له في الصّلح لم يملك المدّعى عليه العين ؛ لأنّه ابتاع له عيناً بغير إذنه ، فلم يملكه .
    ولو قال الأجنبيّ للمدّعي : هو منكر ، غير أنّه مبطل ، فصالحني له على داري هذه لتنقطع الخصومة بينكما فلا يصحّ على الأصحّ ؛ لأنّه صلح إنكار .
    وإن صالح لنفسه فقال : هو مبطل في إنكاره ؛ لأنّك صادق عندي ، فصالحني لنفسي بداري هذه أو بعشرة في ذمّتي فهو كشراء المغصوب ، فيفرّق بين ما إذا كان قادراً على انتزاعه فيصحّ ، وبين ما إذا كان عاجزًا عن انتزاعه فلا يصحّ .
    ب - وإن كان المدّعى ديناً : وقال الأجنبيّ : أنكر الخصم وهو مبطل ، فصالحني له بدابّتي هذه لتنقطع الخصومة بينكما ، فقبل صحّ الصّلح ، إذ لا يتعذّر قضاء دين الغير بدون إذنه ، بخلاف تمليك الغير عين ماله بغير إذنه فإنّه لا يمكن .
    وإن صالحه عن الدّين لنفسه فقال : هو منكر ، ولكنّه مبطل ، فصالحني لنفسي بدابّتي هذه أو بعشرة في ذمّتي لآخذه منه فلا يصحّ ؛ لأنّه ابتياع دين في ذمّة غيره .
    رابعاً : مذهب الحنابلة :
    تكلّم الحنابلة عن صلح الأجنبيّ مع المدّعي في حالة الإنكار فقط ، ولم يتعرّضوا لصلحه في حالة الإقرار ، وقالوا :
    أ - إنّ صلح الأجنبيّ عن المنكر ، إمّا أن يكون عن عين أو دين :
    فإن صالح عن منكر لعين بإذنه ، أو بدون إذنه صحّ الصّلح ، سواء اعترف الأجنبيّ للمدّعي بصحّة دعواه على المنكر ، أو لم يعترف له بصحّتها ، ولو لم يذكر الأجنبيّ أنّ المنكر وكّله في الصّلح عنه ؛ لأنّه افتداء للمنكر من الخصومة وإبراء له من الدّعوى ، ولا يرجع الأجنبيّ بشيء ممّا صالح به على المنكر إن دفع بدون إذنه ؛ لأنّه أدّى عنه ما لا يلزمه فكان متبرّعاً، كما لو تصدّق عنه . أمّا إذا صالح عنه بإذنه فهو وكيله ، والتّوكيل في ذلك جائز ويرجع عليه بما دفع عنه بإذنه إن نوى الرّجوع عليه بما دفع عنه .
    وإن صالح عن منكر لدين بإذنه أو بدون إذنه ، صحّ الصّلح ، سواء اعترف الأجنبيّ للمدّعي لصحّة دعواه على المطلوب ، أو لم يعترف ؛ لأنّ قضاء الدّين عن غيره جائز بإذنه وبغير إذنه ، فإنّ « عليّاً وأبا قتادة - رضي الله عنهما - قضيا الدّين عن الميّت ، وأقرّهما النّبيّ صلى الله عليه وسلم » ، ولو لم يقل الأجنبيّ إنّ المنكر وكّله في الصّلح عنه ؛ لأنّه افتداء للمنكر من الخصومة ، وإبراء له من الدّعوى ، ولا يرجع الأجنبيّ على المنكر بشيء ممّا صالح به إن دفع بدون إذنه ؛ لأنّه أدّى عنه ما لا يلزمه فكان متبرّعاً ، كما لو تصدّق عنه . فإن أذن المنكر للأجنبيّ في الصّلح ، أو الأداء عنه رجع عليه بما ادّعى عنه إن نوى الرّجوع بما دفع عنه .
    ب - وإن صالح الأجنبيّ المدّعي لنفسه ، لتكون المطالبة له فلا يخلو : إمّا أن يعترف للمدّعي بصحّة دعواه ، أو لا يعترف له :
    فإن لم يعترف له كان الصّلح باطلاً ؛ لأنّه اشترى من المدّعي ما لم يثبت له ، ولم تتوجّه إليه خصومة يفتدي منها ، أشبه ما لو اشترى منه ملك غيره .
    وإن اعترف له بصحّة دعواه وصالح المدّعي ، والمدّعى به دين لم يصحّ ؛ لأنّه اشترى ما لا يقدر البائع على تسليمه ؛ ولأنّه بيع للدّين من غير من هو في ذمّته . وإذا كان بيع الدّين المقرّ به من غير من هو في ذمّته لا يصحّ ؛ فبيع دين في ذمّة منكر معجوز عن قبضه منه أولى .
    وإن كان المدّعى به عيناً ، وعلم الأجنبيّ عجزه عن استنقاذها من مدّعىً عليه لم يصحّ الصّلح ؛ لأنّه اشترى ما لا يقدر البائع على تسليمه كشراء الشّارد . وإن ظنّ الأجنبيّ القدرة على استنقاذها صحّ ؛ لأنّه اشترى من مالك ملكه القادر على أخذه منه في اعتقاده ، أو ظنّ عدم المقدرة ثمّ تبيّنت قدرته على استنقاذها صحّ الصّلح ؛ لأنّ البيع تناول ما يمكن تسليمه فلم يؤثّر ظنّ عدمه .
    ثمّ إن عجز الأجنبيّ بعد الصّلح ظانّاً القدرة على استنقاذها خُيّر الأجنبيّ بين فسخ الصّلح - ولأنّه لم يسلّم له المعقود عليه ؛ فكان له الرّجوع إلى بدله - وبين إمضاء الصّلح ؛ لأنّ الحقّ له كخيار العيب . وإن قدر على انتزاعه استقرّ الصّلح .
    ج - وإن قال الأجنبيّ للمدّعي : أنا وكيل المدّعى عليه في مصالحتك عن العين ، وهو مقرّ لك بها في الباطن ، وإنّما يجحدك في الظّاهر فظاهر كلام الخرقيّ : لا يصحّ الصّلح ؛ لأنّه يجحدها في الظّاهر لينتقص المدّعي بعض حقّه ، أو يشتريه بأقلّ من ثمنه ؛ فهو هاضم للحقّ يتوصّل إلى أخذ المصالح عنه بالظّلم والعدوان ، فهو بمنزلة ما لو شافهه بذلك فقال : أنا أعلم صحّة دعواك ، وأنّ هذا لك ، ولكن لا أسلّمه إليك ولا أقرّ لك به عند الحاكم حتّى تصالحني منه على بعضه أو عوض عنه ، وهو غير جائز . وقال القاضي : يصحّ . ثمّ ينظر إلى المدّعى عليه : فإن صدّقه على ذلك ملك العين ، ولزمه ما أدّى عنه ورجع الأجنبيّ عليه بما أدّى عنه إن كان أذن له في الدّفع . وإن أنكر المدّعى عليه الإذن في الدّفع فالقول قوله بيمينه ، ويكون حكمه كمن أدّى عن غيره ديناً بلا إذنه . وإن أنكر الوكالة فالقول قوله بيمينه ، ولا رجوع للأجنبيّ عليه ولا يحكم له بملكها ؛ ثمّ إن كان الأجنبيّ قد وكّل في الشّراء، فقد ملكها المدّعى عليه باطناً ؛ لأنّه اشتراها بإذنه فلا يقدح إنكاره في ملكها ؛ لأنّ ملكه ثبت قبل إنكاره ، وإنّما هو ظالم بالإنكار للأجنبيّ ، وإن لم يوكّله لم يملكها ؛ لأنّه اشترى له عيناً بغير إذنه .
    ولو قال الأجنبيّ للمدّعي : قد عرف المدّعى عليه صحّة دعواك ، ويسألك الصّلح عنه ، وكّلني فيه فصالحه صحّ ؛ لأنّه هاهنا لم يمتنع من أدائه ، بل اعترف به وصالحه عليه مع بذله فأشبه ما لو لم يجحده .
    أركان الصّلح :
    ذهب الحنفيّة إلى أنّ للصّلح ركناً واحداً : وهو الصّيغة المؤلّفة من الإيجاب والقبول الدّالّة على التّراضي . وخالفهم في ذلك جمهور الفقهاء - من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - حيث عدّوا أركان الصّلح ثلاثةً :
    أ - الصّيغة .
    ب - والعاقدان .
    ج - والمحلّ . " وهو المصالح به والمصالح عنه " .

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي عقد الصُلْح في الشريعة الإسلامية

    عقد الصُلْح في الشريعة الإسلامية
    ( الجزء الثالث )
    شروط الصّلح :
    للصّلح شروط يلزم تحقّقها لوجوده ، هي خارجة عن ماهيّته ، منها ما يرجع إلى الصّيغة ، ومنها ما يرجع إلى العاقدين ، ومنها ما يرجع إلى المصالح عنه ، وهو الشّيء المتنازع فيه ، ومنها ما يرجع إلى المصالح عليه ، وهو بدل الصّلح .
    وبيان ذلك فيما يأتي :
    الشّروط المتعلّقة بالصّيغة :
    المراد بالصّيغة : الإيجاب والقبول الدّالّين على التّراضي . مثل أن يقول المدّعى عليه: صالحتك من كذا على كذا ، أو من دعواك كذا على كذا ، ويقول الآخر : قبلت ، أو رضيت أو ما يدلّ على قبوله ورضاه . فإذا وجد الإيجاب والقبول فقد تمّ الصّلح .
    هذا ، ولم يتعرّض فقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في باب الصّلح لبيان الشّروط المتعلّقة بصيغته ؛ نظراً لاعتبارهم عقد الصّلح غير قائم بذاته ، بل تابعاً لأقرب العقود به في الشّرائط والأحكام ، بحيث يعدّ بيعاً إذا كان مبادلة مال بمال ، وهبةً إذا كان على بعض العين المدّعاة، وإبراءً إذا كان على بعض الدّين المدّعى ، اكتفاءً منهم بذكر ما يتعلّق بالصّيغة من شروط وأحكام في تلك العقود الّتي يلحق بها الصّلح ، بحسب محلّه وما تصالحا عليه .
    أمّا الحنفيّة : فقد تكلّموا على صيغة الصّلح بصورة مستقلّة في بابه ، وأتوا على ذكر بعض شروطها وأحكامها ، وسكتوا عن البعض الآخر ، اكتفاءً بما أوردوه من تفصيلات تتعلّق بالصّيغة في أبواب البيع والإجارة والهبة والإبراء ، الّتي يأخذ الصّلح أحكامها بحسب أحواله وصوره .
    أمّا كلامهم في باب الصّلح عن صيغته وشروطها : فهو أنّه يشترط في الصّلح حصول الإيجاب من المدّعي على كلّ حال ، سواء أكان المدّعى به ممّا يتعيّن بالتّعيين أم لم يكن ، ولذلك لا يصحّ الصّلح بدون إيجاب مطلقاً . أمّا القبول ، فيشترط في كلّ صلح يتضمّن المبادلة بعد الإيجاب .
    ثمّ قالوا : تستعمل صيغة الماضي في الإيجاب والقبول ، ولا ينعقد الصّلح بصيغة الأمر ، وعلى ذلك لو قال المدّعي للمدّعى عليه : صالحني على الدّار الّتي تدّعيها بخمسمائة درهم ، فلا ينعقد الصّلح بقول المدّعى عليه : صالحت ؛ لأنّ طرف الإيجاب كان عبارةً عن طلب الصّلح ، وهو غير صالح للإيجاب ، فقول الطّرف الآخر : قبلت ، لا يقوم مقام الإيجاب .
    أمّا إذا قال المدّعي ثانياً : قبلت . ففي تلك الحالة ينعقد الصّلح .
    وبناءً على ما تقدّم :
    إذا كان المدّعى به ممّا يتعيّن بالتّعيين : كالعقارات ، والأراضي ، وعروض التّجارة ، ونحوها فيشترط القبول بعد الإيجاب لصحّة الصّلح ؛ لأنّ الصّلح في هذه الحالة لا يكون إسقاطاً حتّى يتمّ بإرادة المسقط وحدها ، وسبب عدم كونه إسقاطاً مبنيّ على عدم جريان الإسقاط في الأعيان .
    وإذا كان الصّلح واقعاً على جنس آخر ، فيشترط القبول - أيضاً - سواء أكان المدّعى به ممّا يتعيّن بالتّعيين أو كان ممّا لا يتعيّن بالتّعيين : كالنّقدين ، وما في حكمهما .
    وسبب اشتراط القبول في هاتين المسألتين : أنّ الصّلح فيهما مبادلة ، وفي المبادلة يجب القبول ، ولا يصحّ العقد بدونه .
    أمّا الصّلح الّذي ينعقد بالإيجاب وحده ، فهو الّذي يتضمّن إسقاط بعض الحقوق ، فيكتفى فيه بالإيجاب ، ولا يشترط القبول .
    وعلى ذلك : فإذا وقع الصّلح على بعض الدّين الثّابت في الذّمّة ، بمعنى أن يكون كلّ من المصالح عنه والمصالح به من النّقدين ، وهما لا يتعيّنان بالتّعيين ، فهاهنا ينعقد الصّلح بمجرّد إيجاب الدّائن ، ولا يشترط قبول المدين ؛ لأنّ هذا الصّلح عبارة عن إسقاط بعض الحقّ ، والإسقاط لا يتوقّف على القبول ، بل يتمّ بمجرّد إيجاب المسقط .
    فمثلاً : لو قال الدّائن للمدين : صالحتك على ما في ذمّتك لي من الخمسمائة دينار على مائتي دينار فينعقد الصّلح بمجرّد الإيجاب ، ولا يشترط قبول المدين ، ويلزم الصّلح ما لم يردّه الدّين . إلاّ أنّه يشترط في ذلك أن يكون الموجب المدّعي ؛ لأنّه لو كان المدّعى عليه هو الموجب ، فيشترط قبول المدّعي ؛ سواء أكان الصّلح عمّا يتعيّن بالتّعيين ، أم عمّا لا يتعيّن بالتّعيين ، وذلك لأنّ هذا الصّلح إمّا أن يكون إسقاطاً ، فيجب أن يكون المسقط المدّعي أو الدّائن ، إذ لا يمكن سقوط حقّه بدون قبوله ورضاه ، وإمّا أن يكون معاوضةً ، وفي المعاوضة يشترط وجود الإيجاب والقبول معاً . أمّا في الصّلح عمّا لا يتعيّن بالتّعيين الّذي يقع على عين الجنس ، فيقوم طلب المدّعى عليه الصّلح مقام القبول .
    الصّلح بالتّعاطي :
    ذهب الحنفيّة إلى انعقاد الصّلح بالتّعاطي إذا كانت قرائن الحال دالّةً على تراضيهما به، كما لو أعطى المدّعى عليه مالاً للمدّعي لا يحقّ له أخذه وقبض المدّعي ذلك المال . وبيان ذلك : أنّه لو ادّعى شخص على آخر بألف درهم ، وأنكر المدّعى عليه الدّين ، وأعطى المدّعي شاةً وقبضها المدّعي منه فإنّه ينعقد الصّلح بالتّعاطي ، وليس للمدّعي بعد ذلك الادّعاء بالألف درهم ، كما أنّه ليس للمدّعى عليه استرداد تلك الشّاة .
    أمّا إذا أعطى المدّعى عليه للمدّعي بعض المال الّذي كان للمدّعي حقّ أخذه وقبضه المدّعي، ولم يجر بينهما كلام يدلّ على الصّلح فلا ينعقد الصّلح بالتّعاطي ، وللمدّعي طلب باقي الدّين؛ لأنّ أخذ المدّعي بعضاً من المال الّذي له حقّ أخذه ، يحتمل أنّه قصد به استيفاء بعض حقّه على أن يأخذ البعض الباقي بعد ذلك ، كما أنّه يحتمل أنّه اكتفى بالمقدار الّذي أخذه وعدل عن المطالبة بالباقي ، والحقّ لا يسقط بالشّكّ .
    الشّروط المتعلّقة بالعاقدين :
    وهي على ثلاثة أقسام : منها ما يرجع إلى الأهليّة ، ومنها ما يرجع إلى الولاية ، ومنها ما يرجع للتّراضي .
    الشّروط المتعلّقة بالمصالح عنه :
    المصالح عنه : هو الشّيء المتنازع فيه ، وهو نوعان : حقّ اللّه ، وحقّ العبد .
    أمّا حقّ اللّه : فلا خلاف بين الفقهاء في عدم صحّة الصّلح عنه . وعلى ذلك ، فلا يصحّ الصّلح عن حدّ الزّنا والسّرقة وشرب الخمر ، بأن صالح زانياً أو سارقاً من غيره أو شارب خمر على مال على أن لا يرفعه إلى وليّ الأمر ؛ لأنّه حقّ اللّه تعالى فلا يجوز ، ويقع باطلاً ؛ لأنّ المصالح بالصّلح متصرّف في حقّ نفسه ، إمّا باستيفاء كلّ حقّه ، أو باستيفاء البعض وإسقاط الباقي ، أو بالمعاوضة ، وكلّ ذلك لا يجوز في غير حقّه .
    وكذا إذا صالح من حدّ القذف ، بأن قذف رجلاً ، فصالحه على مال على أن يعفو عنه ؛ لأنّه وإن كان للعبد فيه حقّ ، فالمغلّب فيه حقّ اللّه تعالى ، والمغلوب ملحق بالعدم شرعاً ، فكان في حكم الحقوق المتمحّضة حقّاً للّه عزّ وجلّ ، وهي لا تحتمل الصّلح ، فكذلك ما كان في حكمها .
    وكذلك لو صالح شاهداً يريد أن يشهد عليه على مال ليكتم شهادته فهو باطل ؛ لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسب حقّاً للّه عزّ وجلّ لقوله سبحانه : { وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } والصّلح عن حقوق اللّه باطل .
    وإذا بطل الصّلح في حقوق اللّه تعالى وجب عليه ردّ ما أخذ ؛ لأنّه أخذه بغير حقّ ، ولا يحلّ لأحد أخذ مال أحد إلاّ بسبب شرعيّ .
    وأمّا حقّ العبد : فهو الّذي يصحّ الصّلح عنه عند تحقّق شروطه الشّرعيّة ، وشروطه عند الفقهاء ثلاثة :
    أحدها : أن يكون المصالح عنه حقّاً ثابتاً للمصالح في المحلّ :
    وعلى ذلك : فما لا يكون حقّاً له ، أو لا يكون حقّاً ثابتاً له في المحلّ لا يجوز الصّلح عنه ، حتّى لو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل، فصالحت عن النّسب على شيء فالصّلح باطل ؛ لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها ، فلا تملك الاعتياض عن حقّ غيرها ؛ ولأنّ الصّلح إمّا إسقاط أو معاوضة ، والنّسب لا يحتملهما. وكذا لو صالح الشّفيع من الشّفعة الّتي وجبت له على شيء ، على أن يسلّم الدّار للمشتري فالصّلح باطل ؛ لأنّه لا حقّ للشّفيع في المحلّ ، إنّما الثّابت له حقّ التّملّك ، وهو ليس لمعنىً في المحلّ ، بل هو عبارة عن الولاية ، وأنّها صفة الوالي فلا يحتمل الصّلح عنه ، وهو قول الجمهور - خلافاً للمالكيّة - فيجوز عندهم الصّلح عن الشّفعة .
    وكذلك لو صالح الكفيل بالنّفس المكفول له على مال ، على أن يبرّئه من الكفالة فالصّلح باطل ؛ لأنّ الثّابت للطّالب قبل الكفيل بالنّفس حقّ المطالبة بتسليم نفس المكفول بنفسه ، وذلك عبارة عن ولاية المطالبة ، وأنّها صفة الوالي فلا يجوز الصّلح عنها كالشّفعة .
    أمّا لو ادّعى على رجل مالاً وأنكر المدّعى عليه ، ولا بيّنة للمدّعي ، فطلب منه اليمين فصالح عن اليمين على أن لا يستحلفه جاز الصّلح وبرئ من اليمين ، بحيث لا يجوز للمدّعي أن يعود إلى استحلافه . وكذا لو قال المدّعى عليه : صالحتك من اليمين الّتي وجبت لك عليّ. أو قال : افتديت منك يمينك بكذا وكذا صحّ الصّلح ؛ لأنّ هذا صلح عن حقّ ثابت للمدّعي ؛ لأنّ اليمين حقّ للمدّعي قبل المدّعى عليه ، وهو ثابت في المحلّ - وهو الملك في المدّعي في زعمه - فكان الصّلح في جانب المدّعي عن حقّ ثابت في المحلّ ، وهو المدّعي، وفي جانب المدّعى عليه بذل المال لإسقاط الخصومة والافتداء عن اليمين . قاله الكاسانيّ . ونصّ الحنفيّة والحنابلة : على أنّه لو ادّعى رجل على المرأة نكاحاً فحجّته ، وصالحته على مال بذلته حتّى يترك الدّعوى جاز هذا الصّلح ؛ لأنّ النّكاح حقّ ثابت في جانب المدّعي حسب زعمه ، فكان الصّلح على حقّ ثابت له ، والدّافع يقطع به الخصومة عن نفسه ، فكان في معنى الخلع .
    والثّاني : أن يكون ممّا يصحّ الاعتياض عنه :
    أي : أن يكون ممّا يجوز أخذ العوض عنه ، سواء أكان ممّا يجوز بيعه أو لا يجوز ، وسواء أكان مالاً أو غير مال .
    وعلى ذلك : فيجوز الصّلح عن قود نفس ودونها ، وعن سكنى دار ونحوها ، وعن عيب في عوض أو معوّض ، قطعاً للخصومة والمنازعة .
    ومتى صالح عمّا يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقلّ جاز . لقوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ }فقوله عزّ وجلّ { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ } أي : أعطى له . كذا روي عن عبد اللّه بن عبّاس - رضي الله عنهما - وقوله عزّ شأنه { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ }أي : فليتبع " مصدر بمعنى الأمر " فقد أمر اللّه تعالى الوليّ بالاتّباع بالمعروف إذا أعطي له شيء ، واسم الشّيء يتناول القليل والكثير ، فدلّت الآية على جواز الصّلح عن القصاص على القليل والكثير . وقال الزّيلعيّ : ولأنّ القصاص حقّ ثابت في المحلّ ، ويجري فيه العفو مجّاناً ، فكذا تعويضاً لاشتماله على الأوصاف الجميلة من إحسان الوليّ ، وإحياء القاتل ... والكثير والقليل سواء في الصّلح عن القصاص ؛ لأنّه ليس فيه شيء مقدّر ، فيفوّض إلى اصطلاحهما ، كالخلع على مال .
    أمّا إذا صالح عن قتل الخطأ بأكثر من ديته من جنسها لم يجز . وكذلك لو أتلف شيئاً غير مثليّ لغيره ، فصالح عنه بأكثر من قيمته من جنسها لم يجز أيضاً ، وذلك لأنّ الدّية والقيمة ثبتت في الذّمّة مقدّرةً ، فلم يجز أن يصالح عنها بأكثر من جنسها الثّابتة عن قرض أو ثمن مبيع ؛ ولأنّه إذا أخذ أكثر منها فقد أخذ حقّه وزيادةً لا مقابل لها ، فيكون أكل مال بالباطل . فأمّا إذا صالحه على غير جنسها بأكثر من قيمتها ، فيجوز ؛ لأنّه بيع ، ويجوز للمرء أن يشتري الشّيء بأكثر من قيمته أو أقلّ ؛ ولأنّه لا ربا بين العوض والمعوّض عنه فصحّ . وبناءً على ما تقدّم : لا يجوز الصّلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه ، مثل أن يصالح امرأةً على مال لتقرّ له بالزّوجيّة ؛ لأنّه صلح يحلّ حراماً ؛ ولأنّها لو أرادت بذل نفسها بعوض لم يجز .
    الثّالث : أن يكون معلوماً :
    وقد اختلف الفقهاء في اشتراطه أو في مداه على ثلاثة أقوال :
    أحدها للشّافعيّة : وهو عدم صحّة الصّلح عن المجهول .
    قال الإمام الشّافعيّ في " الأمّ " : أصل الصّلح أنّه بمنزلة البيع ، فما جاز في البيع جاز في الصّلح ، وما لم يجز في البيع لم يجز في الصّلح ، ثمّ يتشعّب ... ولا يجوز الصّلح عندي إلاّ على أمر معروف ، كما لا يجوز البيع إلاّ على أمر معروف ، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - : « الصّلح جائز بين المسلمين إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً » .
    ومن الحرام الّذي يقع في الصّلح أن يقع عندي على المجهول الّذي لو كان بيعاً كان حراماً .
    هذا ، وقد نصّ الشّافعيّة على صحّة الصّلح عن المجمل عندهم ، فلو ادّعى عليه شيئاً مجملاً فأقرّ له به وصالحه عنه على عوض ، صحّ الصّلح .
    قال الشّيخ أبو حامد وغيره : هذا إذا كان المعقود عليه معلوماً لهما فيصحّ الصّلح وإن لم يسمّياه ، كما لو قال : بعتك الشّيء الّذي نعرفه أنا وأنت بكذا فقال : اشتريت صحّ .
    والثّاني للحنفيّة : وهو أنّه يشترط كون المصالح عنه معلوماً إن كان ممّا يحتاج إلى التّسليم، فإنّه لمّا كان مطلوب التّسليم اشترط كونه معلوماً لئلاّ يفضي إلى المنازعة .
    جاء في فتاوى قاضي خان : إذا ادّعى حقّاً في دار رجل ولم يسمّ ، فاصطلحا على مال معلوم يعطيه المدّعي ليسلّم المدّعى عليه ما ادّعاه المدّعي لا يصحّ هذا الصّلح ؛ لأنّ المدّعى عليه يحتاج إلى تسليم ما ادّعاه المدّعي ، فإذا لم يعلم مقدار ذلك لا يدري ماذا يسلّم إليه ، فلا يجوز .
    أمّا إذا كان ممّا لا يحتاج التّسليم - كترك الدّعوى مثلاً - فلا يشترط كونه معلوماً ؛ لأنّ جهالة السّاقط لا تفضي إلى المنازعة ، والمصالح عنه هاهنا ساقط ، فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول ، وهو جائز . قال الإسبيجابيّ : لأنّ الجهالة لا تبطل العقود لعينها ، وإنّما تبطل العقود لمعنىً فيها ، وهو وقوع المنازعة . فإن كان ممّا يستغنى عن قبضه ولا تقع المنازعة في ثاني الحال فيه جاز ، وإن كان ممّا يحتاج إلى قبضه ، وتقع المنازعة في ثاني الحال عند القبض والتّسليم لم يجز .
    والثّالث للمالكيّة والحنابلة : وهو التّفريق بين ما إذا كان المصالح عنه ممّا يتعذّر علمه . وبين ما إذا كان ممّا لا يتعذّر .
    فإن كان ممّا يتعذّر علمه ، فقد نصّ المالكيّة والحنابلة على صحّة الصّلح عنه .
    قال الحنابلة : سواء أكان عيناً أم ديناً ، وسواء جهلاه أو جهله من عليه الحقّ ، وسواء أكان المصالح به حالّاً أو نسيئةً ، واستدلّوا على ذلك :
    أ - بما ورد عن أمّ سلمة - رضي الله عنها - قالت : « جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ، ليس بينهما بيّنة ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّكم تختصمون إليّ ، وإنّما أنا بشر ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته أو قد قال : لحجّته من بعض ، فإنّي أقضي بينكم على نحو ممّا أسمع ، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار ، يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة . فبكى الرّجلان ، وقال كلّ واحد منهما حقّي لأخي . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : أمّا إذ قلتما ، فاذهبا ، فاقتسما ثمّ توخّيا الحقّ ، ثمّ استهما ، ثمّ ليحلل كلّ واحد منكما صاحبه » .
    ب - ولأنّه إسقاط حقّ ، فصحّ في المجهول كالطّلاق للحاجة .
    ج - ولأنّه إذا صحّ الصّلح مع العلم وإمكان أداء الحقّ بعينه فلأن يصحّ مع الجهل أولى . وذلك لأنّه إذا كان معلومًا فلهما طريق إلى التّخلّص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه ، ومع الجهل لا يمكن ذلك ، فلو لم يجز الصّلح لأفضى ذلك إلى ضياع الحقّ ، أو بقاء شغل الذّمّة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كلّ واحد منهما قدر حقّه منه .
    أمّا إذا كان ممّا لا يتعذّر علمه ، كتركة باقية ، صالح الورثة الزّوجة عن حصّتها منها مع الجهل بها . فقال المالكيّة ، وأحمد في قول له : لا يجوز الصّلح إلاّ بعد المعرفة بذلك .
    وقال الحنابلة في المشهور عندهم : يصحّ لقطع النّزاع .
    الشّروط المتعلّقة بالمصالح به :
    المصالح به ، أو المصالح عليه : هو بدل الصّلح . وشروطه عند الفقهاء اثنان .
    أحدهما : أن يكون مالاً متقوّماً :
    وعلى ذلك ، فلا يصحّ الصّلح على الخمر ، والخنزير ، والميتة ، والدّم ، وصيد الإحرام والحرم ، وذلك لأنّ في الصّلح معنى المعاوضة ، فما لا يصحّ عوضاً في البياعات لا يصحّ جعله بدل صلح ، ولا فرق بين أن يكون المال ديناً أو عيناً أو منفعةً .
    فلو صالحه على مقدار من الدّراهم ،أو على سكنى دار أو ركوب دابّة وقتاً معلوماً صحّ ذلك. قال الكاسانيّ : الأصل أنّ كلّ ما يجوز بيعه وشراؤه يجوز الصّلح عليه ، وما لا فلا .
    والثّاني : أن يكون معلوماً :
    وعلى ذلك قال الحنابلة : فإن وقع الصّلح بمجهول لم يصحّ ؛ تسليمه واجب والجهل يمنعه . أمّا الحنفيّة ، فقد فصّلوا في المسألة وقالوا : يشترط كون المصالح به معلوماً إن كان ممّا يحتاج إلى القبض والتّسليم ؛ لأنّ جهالة البدل تؤدّي إلى المنازعة ، فتوجب فساد العقد ، أمّا إذا كان شيئاً لا يفتقر إلى القبض والتّسليم فلا يشترط معلوميّته ، مثل أن يدّعي حقّاً في دار رجل ، وادّعى المدّعى عليه حقّاً في أرض بيد المدّعي فاصطلحا على ترك الدّعوى جاز ، وإن لم يبيّن كلّ منهما مقدار حقّه ؛ لأنّ جهالة السّاقط لا تفضي إلى المنازعة .
    قال الكاسانيّ : لأنّ جهالة البدل لا تمنع جواز العقد لعينها ، بل لإفضائها إلى المنازعة المانعة من التّسليم والتّسلّم ، فإذا كان مالاً يستغنى عن التّسليم والتّسلّم فيه ، لا يفضي إلى المنازعة فلا يمنع الجواز .
    آثار الصّلح :
    قال الفقهاء : إنّ الآثار المترتّبة على انعقاد الصّلح هو حصول البراءة عن الدّعوى ووقوع الملك في بدل الصّلح للمدّعي ، وفي المصالح به للمدّعى عليه إن كان ممّا يحتمل التّمليك ، وأنّ الصّلح يعتبر بأقرب العقود إليه - إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني - فما كان في معنى البيع أو الإجارة أو الإسقاط أخذ حكمه .
    وعلى ذلك قالوا : إذا تمّ الصّلح على الوجه المطلوب دخل بدل الصّلح في ملك المدّعي ، وسقطت دعواه المصالح عنها ، فلا يقبل منه الادّعاء بها ثانياً ، ولا يملك المدّعى عليه استرداد بدل الصّلح الّذي دفعه للمدّعي .
    وأصل ذلك : أنّ الصّلح من العقود اللّازمة ، فلذلك لا يملك أحد العاقدين فسخه ، أو الرّجوع عنه بعد تمامه أمّا إذا لم يتمّ فلا حكم له ولا أثر يترتّب عليه . فلو ادّعى أحد على آخر حقّاً وتصالح مع المدّعى عليه على شيء ، ثمّ ظهر بأنّ ذلك الحقّ أو المال لا يلزم المدّعى عليه فلا يتمّ ولا حكم له ، وللمدّعى عليه استرداد بدل الصّلح ، وكذلك لو تصالح البائع مع المشتري عن خيار العيب ، ثمّ ظهر عدم وجود العيب ، أو زال العيب من نفسه وبدون معالجة أو كلفة بطل الصّلح ، ويجب على المشتري ردّ بدل الصّلح الّذي أخذه للبائع . وكذا إذا كان المدّعي مبطلاً وغير محقّ في دعواه ، فلا يحلّ له ديانةً بدل الصّلح في جميع أنواع الصّلح ، ولا يطيب له ، ما لم يسلّم المدّعى عليه للمدّعي بدل الصّلح عن طيب نفس ، وفي تلك الحالة يصبح التّمليك بطريق الهبة .
    وعلى أساس ما تقدّم نصّ الفقهاء على : أنّه إذا مات أحد المتصالحين بعد تمام الصّلح ، فليس لورثته فسخه .
    وقال المالكيّة : من ادّعى على آخر حقًّا ، فأنكره ، فصالحه ، ثمّ ثبت الحقّ بعد الصّلح باعتراف أو بيّنة فله الرّجوع في الصّلح ، إلاّ إذا كان عالمًا بالبيّنة وهي حاضرة ولم يقم بها، فالصّلح له لازم . أمّا إذا كان أحد المتصالحين قد أشهد قبل الصّلح إشهاد تقيّة : أنّ صلحه إنّما هو لما يتوقّعه من إنكار صاحبه أو غير ذلك ، فإنّ الصّلح لا يلزمه إذا ثبت أصل حقّه .
    ما يترتّب على انحلال الصّلح :
    إذا بطل الصّلح بعد صحّته ، أو لم يصحّ أصلاً فيرجع المدّعي إلى أصل دعواه إن كان الصّلح عن إنكار . وإن كان عن إقرار فيرجع على المدّعى عليه بالمدّعى لا غيره ، إلاّ في الصّلح عن القصاص إذا لم يصحّ فإنّ لوليّ الدّم أن يرجع على القاتل بالدّية دون القصاص ، إلاّ أن يصير مغروراً من جهة المدّعى عليه ، فيرجع عليه بضمان الغرور أيضاً .

  5. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الشفعة في الشريعة الإسلامية

    الشُفْعَة في الشريعة الإسلامية - الجزء الأول


    التّعريف :
    الشّفعة بضمّ الشّين وسكون الفاء اسم مصدر بمعنى التّملّك ، وتأتي أيضاً اسماً للملك المشفوع كما قال الفيّوميّ .
    وهي من الشّفع الّذي هو ضدّ الوتر ، لما فيه من ضمّ عدد إلى عدد أو شيء إلى شيء ، يقال : شفع الرّجل الرّجل شفعاً إذا كان فرداً فصار له ثانياً وشفع الشّيء شفعاً ضمّ مثله إليه وجعله زوجاً .
    وفي الاصطلاح عرّفها الفقهاء بأنّها : تمليك البقعة جبراً على المشتري بما قام عليه . أو هي حقّ تملّك قهريّ يثبت للشّريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض .
    الألفاظ ذات الصّلة :
    أ - البيع الجبريّ :
    البيع الجبريّ في اصطلاح الفقهاء هو : البيع الحاصل من مكره بحقّ ، أو البيع عليه نيابةً عنه ، لإيفاء حقّ وجب عليه ، أو لدفع ضرر ، أو لتحقيق مصلحة عامّة .
    فالبيع الجبريّ أعمّ من الشّفعة .
    ب - التّولية :
    التّولية في الاصطلاح هي : بيع ما ملكه بمثل ما قام عليه ، وكلّ من بيع التّولية والشّفعة بيع بمثل ما اشترى ويختلفان من وجوه أخرى .
    الحكم التّكليفيّ :
    الشّفعة حقّ ثابت بالسّنّة والإجماع ولصاحبه المطالبة به أو تركه ، لكن قال الشّبراملّسي - من الشّافعيّة - إن ترتّب على ترك الشّفعة معصية - كأن يكون المشتري مشهوراً بالفسق والفجور - فينبغي أن يكون الأخذ بها مستحبّاً بل واجباً إن تعيّن طريقاً لدفع ما يريده المشتري من الفجور .
    واستدلّوا من السّنّة بحديث جابر بن عبد اللّه - رضي الله عنهما - قال : » قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالشّفعة في كلّ ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود ، وصرّفت الطّرق ، فلا شفعة « وفي رواية أخرى قال جابر - رضي الله عنه - : » قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشّفعة في كلّ شركة لم تقسم ربعة أو حائط ، لا يحلّ له أن يبيع حتّى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحقّ به « .
    وعن سمرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » جار الدّار أحقّ بالدّار « .
    وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على إثبات الشّفعة للشّريك الّذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط .
    حكمة مشروعيّة الشّفعة :
    لمّا كانت الشّركة منشأ الضّرر في الغالب وكان الخلطاء كثيراً ما يبغي بعضهم على بعض شرع اللّه سبحانه وتعالى رفع هذا الضّرر بأحد طريقين :
    أ - بالقسمة تارةً وانفراد كلّ من الشّريكين بنصيبه .
    ب - وبالشّفعة تارةً أخرى وانفراد أحد الشّريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك . فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحقّ به من الأجنبيّ وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيّهما كان فكان الشّريك أحقّ بدفع العوض من الأجنبيّ ويزول عنه ضرر الشّركة ولا يتضرّر البائع لأنّه يصل إلى حقّه من الثّمن وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد . كما قال ابن القيّم .
    وحكمة مشروعيّة الشّفعة كما ذكر الشّافعيّة ، دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق وغيرها كمنور ومصعد وبالوعة في الحصّة الصّائرة إليه ، وقيل ضرر سوء المشاركة .
    أسباب الشّفعة :
    اتّفق الفقهاء على ثبوت الشّفعة للشّريك الّذي له حصّة شائعة في نفس العقار المبيع ما لم يقسم .
    واختلفوا في الاتّصال بالجوار وحقوق المبيع فاعتبرهما الحنفيّة من أسباب الشّفعة خلافاً لجمهور الفقهاء ، وتفصيل ذلك فيما يلي :
    الشّفعة للشّريك على الشّيوع :
    اتّفق الفقهاء على جواز الشّفعة للشّريك الّذي له حصّة شائعة في ذات العقار المبيع ما دام لم يقاسم ، وقد استدلّوا على ذلك بحديث جابر رضي الله عنه السّابق .
    الشّركة الّتي تكون محلاً للشّفعة :
    اختلف الفقهاء في الشّركة الّتي تكون محلاً للشّفعة على اتّجاهين :
    الأوّل : ذهب مالك في إحدى روايتيه ، والشّافعيّ في الأصحّ والحنابلة في ظاهر المذهب إلى أنّ كلّ ما لا ينقسم - كالبئر ، والحمّام الصّغير ، والطّريق - لا شفعة فيه .
    لأنّ إثبات الشّفعة فيما لا ينقسم يضرّ بالبائع لأنّه لا يمكنه أن يتخلّص من إثبات الشّفعة في نصيبه بالقسمة وقد يمتنع المشتري لأجل الشّفيع فيتضرّر البائع وقد يمتنع البيع فتسقط الشّفعة فيؤدّي إثباتها إلى نفيها .
    الاتّجاه الثّاني : ذهب الحنفيّة ، ومالك في الرّواية الثّانية ، والشّافعيّة في الصّحيح والحنابلة في رواية إلى أنّ الشّفعة تجب في العقار سواء قبل القسمة أم لم يقبلها .
    واستدلّوا على ذلك بعموم حديث جابر قال : » قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالشّفعة في كلّ ما لم يقسم « .
    ولأنّ الشّفعة إنّما شرعت لدفع الضّرر اللاحق بالشّركة فتجوز فيما لا ينقسم ، فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان ، لم يكن دفع ضرر أحدهما بأولى من دفع ضرر الآخر فإذا باع نصيبه كان شريكه أحقّ به من الأجنبيّ ، إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرّر صاحبه ، فإنّه يصل إلى حقّه من الثّمن ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع فيزول الضّرر عنهما جميعاً .
    وقالوا أيضاً : إنّ الضّرر بالشّركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضّرر بالعقار الّذي يقبل القسمة ، فإذا كان الشّارع مريداً لدفع الضّرر الأدنى فالأعلى أولى بالدّفع ، ولو كانت الأحاديث مختصّةً بالعقارات المقسومة فإثبات الشّفعة فيها تنبيه على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة .
    الشّفعة في المنفعة :
    الشّركة المجيزة للشّفعة هي الشّركة في الملك فقط ، فتثبت الشّفعة للشّريك في رقبة العقار .
    أمّا الشّركة في ملك المنفعة فلا تثبت فيها الشّفعة عند الجمهور ، وفي قول لمالك للشّريك في المنفعة المطالبة بالشّفعة أيضاً . قال الشّيخ عليش : " لا شفعة لشريك في كراء ، فإن اكترى شخصان داراً مثلاً ثمّ أكرى أحدهما نصيبه من منفعتها فلا شفعة فيه لشريكه على أحد قولي مالك ، وله الشّفعة فيه على قوله الآخر " .
    واشترط بعض المالكيّة للشّفعة في الكراء أن يكون ممّا ينقسم وأن يشفع ليسكن .
    شفعة الجار المالك والشّريك في حقّ من حقوق المبيع :
    اتّفق الفقهاء كما سبق على ثبوت شفعة للشّريك الّذي له حصّة شائعة في ذات المبيع ما دام لم يقاسم .
    ولكنّهم اختلفوا في ثبوتها للجار الملاصق والشّريك في حقّ من حقوق المبيع ، ولهم في ذلك اتّجاهان :
    الأوّل : ذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى عدم ثبوت الشّفعة للجار ولا للشّريك في حقوق البيع ، وبه قال : أهل المدينة وعمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار والزّهريّ ويحيى الأنصاريّ وأبو الزّناد وربيعة والمغيرة بن عبد الرّحمن والأوزاعيّ وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر .
    واستدلّوا على ذلك بحديث جابر وفيه : » فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة « .
    ووجه الدّلالة من هذا الحديث : أنّ في صدره إثبات الشّفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم، لأنّ كلمة إنّما لإثبات المذكور ونفي ما عداه ، وآخره نفي الشّفعة عند وقوع الحدود وصرف الطّرق والحدود بين الجارين واقعة والطّرق مصروفة فكانت الشّفعة منفيّةً في هذه الحالة .
    وقالوا : إذا كان الشّارع يقصد رفع الضّرر عن الجار فهو أيضاً يقصد رفعه عن المشتري . ولا يدفع ضرر الجار بإدخال الضّرر على المشتري ، فإنّ المشتري في حاجة إلى دار يسكنها هو وعياله ، فإذا سلّط الجار على انتزاع داره منه أضرّ به ضرراً بيّناً ، وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا .
    وتطلّبه داراً لا جار لها كالمتعذّر عليه ، فكان من تمام حكمة الشّارع أن أسقط الشّفعة بوقوع الحدود وتصريف الطّرق لئلاّ يضرّ النّاس بعضهم بعضاً ، ويتعذّر على من أراد شراء دار لها جار أن يتمّ له مقصوده .
    الاتّجاه الثّاني : ذهب الحنفيّة ، وابن شبرمة والثّوريّ وابن أبي ليلى إلى إثبات الشّفعة للجار الملاصق والشّريك في حقّ من حقوق المبيع ، فسبب وجوب الشّفعة عندهم أحد شيئين : الشّركة أو الجوار .
    ثمّ الشّركة نوعان :
    أ - شركة في ملك المبيع .
    ب - شركة في حقوقه ، كالشّرب والطّريق .
    قال المرغينانيّ : " الشّفعة واجبة للخليط في نفس المبيع ، ثمّ للخليط في حقّ المبيع كالشّرب والطّريق ، ثمّ للجار .
    واستدلّ هؤلاء بحديث عمرو بن الشّريد قال : " وقفت على سعد بن أبي وقّاص ، فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبيّ إذ جاء أبو رافع مولى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا سعد ، ابتع منّي بيتي في دارك . فقال سعد : واللّه ما أبتاعهما فقال المسور : واللّه لتبتاعنهما ، فقال سعد : واللّه لا أزيدك على أربعة آلاف منجّمةً أو مقطّعةً ، قال أبو رافع : لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : » الجار أحقّ بسقبه « ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار فأعطاها إيّاه " .
    ففي هذا الحديث دليل على أنّ الشّفعة تستحقّ بسبب الجوار ، واستدلّوا بحديث جابر قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » الجار أحقّ بشفعته ينتظر به وإن كان غائباً ، إذا كان طريقهما واحداً « .
    وعن الشّريد بن سويد قال : قلت يا رسول اللّه : » أرضي ليس لأحد فيها شركة ولا قسمة إلاّ الجوار ، فقال : الجار أحقّ بسقبه « .
    واستدلّوا من المعقول بأنّه إذا كان الحكم بالشّفعة ثبت في الشّركة لإفضائها إلى ضرر المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثّبوت فيها ، وهذا لأنّ المقصود دفع ضرر المتأذّي بسوء المجاورة على الدّوام وضرر التّأذّي بسوء المجاورة على الدّوام باتّصال أحد الملكين بالآخر على وجه لا يتأتّى الفصل فيه .
    والنّاس يتفاوتون في المجاورة حتّى يرغب في مجاورة بعض النّاس لحسن خلقه ويرغب عن جوار البعض لسوء خلقه ، فلمّا كان الجار القديم يتأذّى بالجار الحادث على هذا الوجه ثبت له حقّ الملك بالشّفعة دفعاً لهذا الضّرر .
    شروط الشّفعة بالجوار :
    يرى الحنفيّة أنّ الجوار سبب للشّفعة ولكنّهم لم يأخذوا بالجوار على عمومه ، بل اشترطوا لذلك أن تتحقّق الملاصقة في أيّ جزء من أيّ حدّ من الحدود ، سواء امتدّ مكان الملاصقة حتّى عمّ الحدّ أم قصر حتّى لو لم يتجاوز .
    فالملاصق للمنزل والملاصق لأقصى الدّار سواء في استحقاق الشّفعة لأنّ ملك كلّ حدّ منهم متّصل بالبيع .
    أمّا الجار المحاذي فلا شفعة له بالمجاورة سواء أكان أقرب باباً أم أبعد ، لأنّ المعتبر في الشّفعة هو القرب واتّصال أحد الملكين بالآخر وذلك في الجار الملاصق دون الجار المحاذي فإنّ بين الملكين طريقاً نافذاً .
    وقال شريح : الشّفعة بالأبواب ، فأقرب الأبواب إلى الدّار أحقّ بالشّفعة . لما ورد أنّ عائشة رضي الله عنها قالت : » يا رسول اللّه إنّ لي جارين فإلى أيّهما أهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك باباً « .
    ولا تثبت الشّفعة أيضاً عند الحنفيّة للجار المقابل . لأنّ سوء المجاورة لا يتحقّق إذا لم يكن ملك أحدهما متّصلاً بملك الآخر ولا شركة بينهما في حقوق الملك .
    وحقّ الشّفعة يثبت للجار الملاصق ليترفّق به من حيث توسّع الملك والمرافق ، وهذا في الجار الملاصق يتحقّق لإمكان جعل إحدى الدّارين من مرافق الدّار الأخرى .
    ولا يتحقّق ذلك في الجار المقابل لعدم إمكان جعل إحدى الدّارين من مرافق الدّار الأخرى بطريق نافذ بينهما
    ولكن تثبت الشّفعة للجار المقابل إذا كانت الدّور كلّها في سكّة غير نافذة ، لإمكان جعل بعضها من مرافق البعض بأن تجعل الدّور كلّها داراً واحدةً .
    ولا تثبت الشّفعة إلاّ للجار المالك ، فلا تثبت لجار السّكنى ، كالمستأجر والمستعير ، لأنّ المقصود دفع ضرر التّأذّي بسوء المجاورة على الدّوام وجوار السّكنى ليس بمستدام ، وضرر التّأذّي بسوء المجاورة على الدّوام ، باتّصال أحد الملكين بالآخر على وجه لا يتأتّى الفصل فيه .
    الشّفعة بين ملاك الطّبقات :
    ملاك الطّبقات عند الحنفيّة متجاورون فيحقّ لهم الأخذ بالشّفعة بسبب الجوار .
    وإن لم يأخذ صاحب العلوّ السّفل بالشّفعة حتّى انهدم العلوّ فعلى قول أبي يوسف بطلت الشّفعة ، لأنّ الاتّصال بالجوار قد زال ، كما لو باع الّتي يشفع بها قبل الأخذ .
    وعلى قول محمّد تجب الشّفعة ، لأنّها ليست بسبب البناء بل بالقرار وحقّ القرار باق .
    وإن كانت ثلاثة أبيات بعضها فوق بعض وباب كلّ إلى السّكّة فبيع الأوسط تثبت الشّفعة للأعلى والأسفل وإن بيع الأسفل أو الأعلى ، فالأوسط أولى ، بما له من حقّ القرار ، لأنّ حقّ التّعلّي يبقى على الدّوام ، وهو غير منقول فتستحقّ به الشّفعة كالعقار .
    ولو كان سفل بين رجلين عليه علوّ لأحدهما مشترك بينه وبين آخر فباع هو السّفل والعلوّ كان العلوّ لشريكه في العلوّ والسّفل لشريكه في السّفل ، لأنّ كلّ واحد منهما شريك في نفس المبيع في حقّه وجار في حقّ الآخر أو شريك في الحقّ إذا كان طريقهما واحداً .
    ولو كان السّفل لرجل والعلوّ لآخر فبيعت دار بجنبها فالشّفعة لهما .
    أركان الشّفعة :
    أركان الشّفعة ثلاثة :
    أ - الشّفيع : وهو الآخذ .
    ب - والمأخوذ منه : وهو المشتري الّذي يكون العقار في حيازته .
    ج - المشفوع فيه : وهو العقار المأخوذ أي محلّ الشّفعة .
    ولكلّ ركن من هذه الأركان شروط وأحكام تتعلّق بها كما سيأتي .
    الشّروط الواجب توافرها في الشّفيع :
    الشّرط الأوّل : ملكيّة الشّفيع لما يشفع به :
    اشترط الفقهاء للأخذ بالشّفعة أن يكون الشّفيع مالكاً للعقار المشفوع به وقت شراء العقار المشفوع فيه . لأنّ سبب الاستحقاق جواز الملك ، والسّبب إنّما ينعقد سبباً عند وجود الشّرط ، والانعقاد أمر زائد على الوجود .
    قال الكاسانيّ : لا شفعة له بدار يسكنها بالإجارة والإعارة ولا بدار باعها قبل الشّراء ولا بدار جعلها مسجداً ولا بدار جعلها وقفاً .
    وقد روي عن مالك جواز الشّفعة في الكراء كما سبق .
    الشّرط الثّاني : بقاء الملكيّة لحين الأخذ بالشّفعة :
    يجب أن يبقى الشّفيع مالكاً للعقار المشفوع به حتّى يمتلك العقار المشفوع فيه بالرّضاء أو بحكم القضاء ليتحقّق الاتّصال وقت البيع .
    الشّفعة للوقف :
    لا شفعة للوقف لا بشركة ولا بجوار . فإذا بيع عقار مجاور لوقف ، أو كان المبيع بعضه ملك وبعضه وقف وبيع الملك فلا شفعة للوقف ، لا لقيّمه ولا للموقوف عليه .
    واشترط الفقهاء جميعاً ألاّ يتضمّن التّملّك بالشّفعة تفريق الصّفقة لأنّ الشّفعة لا تقبل التّجزئة . وينبني على ذلك أنّه إذا كان المبيع قطعةً واحدةً والمشتري واحداً فلا يجوز للشّفيع أن يطلب بعض المبيع ويترك البعض الآخر ، أمّا إذا كانت القطعة واحدةً ، وكان المشتري متعدّداً فيجوز للشّفيع أن يطلب نصيب واحد أو أكثر أو يطلب الكلّ ، ولا يعتبر هذا تجزئةً للشّفعة ، لأنّ كلّ واحد من الشّركاء مستقلّ بملكيّة نصيبه تمام الاستقلال . وإذا كانت القطع متعدّدةً والمشتري واحداً أخذ كلّ شفيع القطعة الّتي يشفع فيها ، فإن تعدّد المشترون أيضاً فلكلّ شفيع أن يأخذ نصيب بعضهم أو يأخذ الكلّ ويقدّر لكلّ قطعة ما يناسبها من الثّمن إن لم يكن مقدّراً في العقد .
    المشفوع منه :
    وتجوز الشّفعة على أيّ مشتر للعقار المبيع سواء أكان قريباً للبائع أم كان أجنبيّاً عنه . لعموم النّصوص المثبّتة للشّفعة .
    التّصرّفات الّتي تجوز فيها الشّفعة :
    اتّفق الفقهاء على أنّ التّصرّف المجيز للشّفعة هو عقد المعاوضة ، وهو البيع وما في معناه .
    فلا تثبت الشّفعة في الهبة والصّدقة والميراث والوصيّة لأنّ الأخذ بالشّفعة يكون بمثل ما ملك فإذا انعدمت المعاوضة تعذّر الأخذ بالشّفعة .
    وحكي عن مالك في رواية أنّ الشّفعة تثبت في كلّ ملك انتقل بعوض أو بغير عوض كالهبة لغير الثّواب ، والصّدقة ، ما عدا الميراث فإنّه لا شفعة فيه باتّفاق . ووجه هذه الرّواية أنّها اعتبرت الضّرر فقط .
    واختلف الفقهاء في المهر وأرش الجنايات والصّلح وبدل الخلع وما في معناها :
    فذهب الحنفيّة والحنابلة في رواية صحّحها المرداويّ إلى عدم ثبوت الشّفعة في هذه الأموال لأنّ النّصّ ورد في البيع فقط وليست هذه التّصرّفات بمعنى البيع ، ولاستحالة أن يتملّك الشّفيع بمثل ما تملّك به هؤلاء .
    وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في رواية أخرى إلى ثبوت الشّفعة في هذه التّصرّفات قياساً على البيع بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضّرر ثمّ نصّ الحنابلة على أنّ الصّحيح عندهم أنّه إذا ثبتت الشّفعة في هذه الحال فيأخذه الشّفيع بقيمته وفي قول : بقيمة مقابله .
    الهبة بشرط العوض :
    ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة - إلى أنّه إذا كانت الهبة بشرط العوض ، فإن تقابضا وجبت الشّفعة ، لوجود معنى المعاوضة عند التّقابض عند الحنفيّة ورأي للشّافعيّة ، وإن قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد ، وعند زفر تجب الشّفعة بنفس العقد وهو الأظهر عند الشّافعيّة .
    الشّفعة مع شرط الخيار :
    اتّفق الفقهاء على أنّه إن كان الخيار للبائع وحده أو للبائع والمشتري معاً فلا شفعة حتّى يجب البيع ، لأنّهم اشترطوا لجواز الشّفعة زوال ملك البائع عن المبيع .
    وإذا كان الخيار للمشتري فقال الحنفيّة : تجب الشّفعة لأنّ خياره لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وحقّ الشّفعة يقف عليه .
    وعند المالكيّة : لا تجب الشّفعة ، لأنّه غير لازم . لأنّ بيع الخيار منحلّ على المشهور ، إلاّ بعد مضيّه ولزومه فتكون الشّفعة .
    وأمّا الشّافعيّة فقد قالوا : إن شرط الخيار للمشتري وحده فعلى القول بأنّ الملك له ففي أخذه بالشّفعة قولان :
    الأوّل : المنع ، لأنّ المشتري لم يرض بلزوم العقد وفي الأخذ إلزام وإثبات للعهدة عليه .
    والثّاني : وهو الأظهر يؤخذ ، لأنّه لا حقّ فيه إلاّ للمشتري والشّفيع سلّط عليه بعد لزوم الملك واستقراره فقبله أولى .
    وعند الحنابلة : لا تثبت الشّفعة قبل انقضاء الخيار كما قال المالكيّة .
    وقال الحنفيّة : ولو شرط البائع الخيار للشّفيع فلا شفعة له ، لأنّ شرط الخيار للشّفيع شرط لنفسه وأنّه يمنع وجوب الشّفعة ، فإن أجاز الشّفيع البيع جاز ولا شفعة ، لأنّ البيع تمّ من جهته فصار كأنّه باع ابتداءً . وإن فسخ البيع فلا شفعة له لأنّ ملك البائع لم يزل ، والحيلة للشّفيع في ذلك ألاّ يفسخ ولا يجيز حتّى يجيز البائع أو يجوّز البيع بمضيّ المدّة فتكون له الشّفعة .
    الشّفعة في بعض أنواع البيوع :
    أ - البيع بالمزاد العلنيّ :
    إذا بيع العقار بالمزاد العلنيّ فمقتضى صيغ الفقهاء أنّهم لا يمنعون الشّفعة فيه لأنّهم ذكروا شروطاً للشّفعة إذا تحقّقت ثبتت الشّفعة للشّفيع ولم يستثنوا البيع بالمزايدة .
    ب - ما بيع ليجعل مسجداً :
    ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو قول أبي بكر من الحنابلة إلى أنّه إذا اتّخذ المشتري الدّار مسجداً ثمّ حضر الشّفيع كان له أن ينقض المسجد ويأخذ الدّار بالشّفعة في ظاهر الرّواية . وروي عن أبي حنيفة أنّه ليس له ذلك ، لأنّ المسجد يتحرّر عن حقوق العباد فيكون بمنزلة إعتاق العبد . وحقّ الشّفيع لا يكون أقوى من حقّ المرتهن ثمّ حقّ المرتهن لا يمنع حقّ الرّاهن فكذلك حقّ الشّفيع لا يمنع صحّة جعل الدّار مسجداً .
    ووجه ظاهر الرّواية أنّ للشّفيع في هذه البقعة حقّاً مقدّماً على حقّ المشتري ، وذلك يمنع صحّة جعله مسجداً ، لأنّ المسجد يكون للّه تعالى خالصاً ، ألا ترى أنّه لو جعل جزءاً شائعاً من داره مسجداً أو جعل وسط داره مسجداً لم يجز ذلك ، لأنّه لم يصر خالصاً للّه تعالى فكذلك ما فيه حقّ الشّفعة إذا جعله مسجداً ، وهذا لأنّه في معنى مسجد الضّرار لأنّه قصد الأضرار بالشّفيع من حيث إبطال حقّه فإذا لم يصحّ ذلك كان للشّفيع أن يأخذ الدّار بالشّفعة ويرفع المشتري بناءه المحدث .
    المال الّذي تثبت فيه الشّفعة :
    اتّفق الفقهاء على أنّ العقار وما في معناه من الأموال الثّابتة تثبت فيه الشّفعة .
    وأمّا الأموال المنقولة ففيها خلاف يأتي بيانه .
    واستدلّوا على ثبوت الشّفعة في العقار ونحوه بحديث جابر رضي الله عنه قال : » قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالشّفعة في كلّ شركة لم تقسم ربعة أو حائط « .
    وبأنّ الشّفعة في العقار ما وجبت لكونه : مسكناً ، وإنّما وجبت لخوف أذى الدّخيل وضرره على سبيل الدّوام وذلك لا يتحقّق إلاّ في العقار .
    وتجب الشّفعة في العقار أو ما في معناه وهو العلوّ ، سواء كان العقار ممّا يحتمل القسمة أو ممّا لا يحتملها كالحمّام والرّحى والبئر ، والنّهر ، والعين ، والدّور الصّغار . وكلّ ما يتعلّق بالعقار ممّا له ثبات واتّصال بالشّروط المتقدّم ذكرها .
    واختلف الفقهاء في ثبوت الشّفعة في المنقول على قولين :
    القول الأوّل : لا تثبت في المنقول وهو قول الحنفيّة والشّافعيّة ، والصّحيح من مذهبي المالكيّة والحنابلة .
    واستدلّوا على ذلك بحديث جابر - رضي الله عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم » قضى بالشّفعة في كلّ ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة « .
    ووجه الدّلالة من هذا الحديث أنّ وقوع الحدود وتصريف الطّرق إنّما يكون في العقار دون المنقول .
    عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : » لا شفعة إلاّ في دار أو عقار « ، وهذا يقتضي نفيها عن غير الدّار والعقار ممّا لا يتبعهما وهو المنقول ، وأمّا ما يتبعهما فهو داخل في حكمها .
    قالوا : ولأنّ الشّفعة إنّما شرعت لدفع الضّرر ، والضّرر في العقار يكثر جدّاً فإنّه يحتاج الشّريك إلى إحداث المرافق ، وتغيير الأبنية وتضييق الواسع وتخريب العامر وسوء الجوار وغير ذلك ممّا يختصّ بالعقار بخلاف المنقول .
    وقالوا أيضاً : الفرق بين المنقول وغيره أنّ الضّرر في غير المنقول يتأبّد بتأبّده وفي المنقول لا يتأبّد فهو ضرر عارض فهو كالمكيل والموزون .
    القول الثّاني : تثبت الشّفعة في المنقول وهو رواية عن مالك وأحمد .
    واستدلّوا على ذلك بما رواه البخاريّ عن جابر - رضي الله عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم » قضى بالشّفعة في كلّ ما لم يقسم « .
    قالوا : إنّ الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم أثبت الشّفعة في كلّ ما لم يقسم وهذا يتناول العقار والمنقول . لأنّ " ما " من صيغ العموم فتثبت الشّفعة في المنقول كما هي ثابتة في العقار . وقالوا : ولأنّ الضّرر بالشّركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضّرر بالعقار الّذي يقبل القسمة فإذا كان الشّارع مريداً لدفع الضّرر الأدنى فالأعلى أولى بالدّفع .
    مراحل طلب الأخذ بالشّفعة :
    على الشّفيع أن يظهر رغبته بمجرّد علمه بالبيع بما يسمّيه الفقهاء طلب المواثبة ، ثمّ يؤكّد هذه الرّغبة ويعلنها ويسمّى هذا طلب التّقرير والإشهاد ، فإذا لم تتمّ له الشّفعة تقدّم للقضاء بما يسمّى بطلب الخصومة والتّملّك .
    أ - طلب المواثبة :
    وقت هذا الطّلب هو وقت علم الشّفيع بالبيع ، وعلمه بالبيع قد يحصل بسماعه بالبيع بنفسه ، وقد يحصل بإخبار غيره له .
    واختلف الحنفيّة في اشتراط العدد والعدالة في المخبر :
    فقال أبو حنيفة : يشترط أحد هذين إمّا العدد في المخبر وهو رجلان أو رجل وامرأتان وإمّا العدالة .
    وقال أبو يوسف ومحمّد : لا يشترط فيه العدد ولا العدالة ، فلو أخبره واحد بالشّفعة عدلاً كان أو فاسقاً ، فسكت ولم يطلب على فور الخبر على رواية الأصل أو لم يطلب في المجلس على رواية محمّد ، بطلت شفعته عندهما إذا ظهر كون الخبر صادقاً . وذلك لأنّ العدد والعدالة لا يعتبران شرعاً في المعاملات وهذا من باب المعاملة فلا يشترط فيه العدد ولا العدالة .
    ووجه قول أبي حنيفة : أنّ هذا إخبار فيه معنى الإلزام . ألا ترى أنّ حقّ الشّفيع يبطل لو لم يطلب بعد الخبر فأشبه الشّهادة فيعتبر فيه أحد شرطي الشّهادة وهو العدد أو العدالة .
    وشرط طلب المواثبة أن يكون من فور العلم بالبيع . إذا كان قادراً عليه ، حتّى لو علم بالبيع وسكت عن الطّلب مع القدرة عليه بطل حقّ الشّفعة في رواية الأصل .
    وروي عن محمّد أنّه على المجلس كخيار المخيّرة وخيار القبول ما لم يقم عن المجلس أو يتشاغل عن الطّلب بعمل آخر لا تبطل شفعته وله أن يطلب ، وذكر الكرخيّ أنّ هذا أصحّ الرّوايتين ، ووجه هذه الرّواية أنّ حقّ الشّفعة ثبت نظراً للشّفيع دفعاً للضّرر عنه فيحتاج إلى التّأمّل أنّ هذه الدّار هل تصلح بمثل هذا الثّمن وأنّه هل يتضرّر بجوار هذا المشتري فيأخذ بالشّفعة ، أم لا يتضرّر به فيترك . وهذا لا يصحّ بدون العلم بالبيع ، والحاجة إلى التّأمّل شرط المجلس في جانب المخيّرة ، والقبول ، كذا هاهنا .
    ووجه رواية الأصل ما روي أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : » الشّفعة كحلّ العقال « ولأنّه حقّ يثبت على خلاف القياس ، إذ الأخذ بالشّفعة تملّك مال معصوم بغير إذن مالكه لخوف ضرر يحتمل الوجود والعدم فلا يستقرّ إلاّ بالطّلب على المواثبة .
    واستثنى الحنفيّة القائلون بوجوب المواثبة حالات يعذر فيها بالتّأخير كما إذا سمع بالبيع في حال سماعه خطبة الجمعة أو سلّم على المشتري قبل طلب الشّفعة ونحو ذلك .
    وكذلك إذا كان هناك حائل بأن كان بينهما نهر مخوف ، أو أرض مسبعة ، أو غير ذلك من الموانع ، لا تبطل شفعته بترك المواثبة إلى أن يزول الحائل .
    وذهب المالكيّة إلى أنّ الشّفعة ليست على الفور بل وقت وجوبها متّسع ، واختلف قول مالك في هذا الوقت هل هو محدود أم لا ؟ فمرّةً قال : هو غير محدود وأنّها لا تنقطع أبداً ، إلاّ أن يحدث المبتاع بناءً أو تغييراً كثيراً بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت ، ومرّةً حدّد هذا الوقت بسنة ، وهو الأشهر كما يقول ابن رشد وقيل أكثر من السّنة وقد قيل عنه إنّ الخمسة الأعوام لا تنقطع فيها الشّفعة .
    والأظهر عند الشّافعيّة أنّ الشّفعة يجب طلبها على الفور لأنّها حقّ ثبت لدفع الضّرر فكان على الفور كالرّدّ بالعيب ، وهو موافق لرواية الأصل والصّحيح من مذهب الحنابلة ، ومقابل الأظهر ثلاثة أقوال :
    أحدها : أنّ حقّ الشّفعة مؤقّت بثلاثة أيّام بعد المكنة ، فإن طلبها إلى ثلاث كان على حقّه ، وإن مضت الثّلاث قبل طلبه بطلت .
    والقول الثّاني : تمتدّ مدّةً تسع التّأمّل في مثل ذلك الشّقص .
    والثّالث : أنّ حقّ الشّفعة ممتدّ على التّأبيد ما لم يسقطه أو يعرّض بإسقاطه .
    وقد استثنى بعض الشّافعيّة عشر صور لا يشترط فيها الفور هي :
    أ - لو شرط الخيار للبائع أو لهما فإنّه لا يؤخذ بالشّفعة ما دام الخيار باقياً .
    ب - إنّ له التّأخير لانتظار إدراك الزّرع حصاده على الأصحّ .
    ج - إذا أخبر بالبيع على غير ما وقع من زيادة في الثّمن فترك ثمّ تبيّن خلافه فحقّه باق .
    د - إذا كان أحد الشّفيعين غائباً فللحاضر انتظاره وتأخير الأخذ إلى حضوره .
    هـ إذا اشترى بمؤجّل .
    و - لو قال : لم أعلم أنّ لي الشّفعة وهو ممّن يخفى عليه ذلك .
    ز - لو قال العامّيّ : لم أعلم أنّ الشّفعة على الفور ، فإنّ المذهب هنا وفي الرّدّ بالعيب قبول قوله .
    ح - لو كان الشّقص الّذي يأخذ بسببه مغصوباً كما نصّ عليه البويطيّ فقال : وإن كان في يد رجل شقص من دار فغصب على نصيبه ثمّ باع الآخر نصيبه ثمّ رجع إليه فله الشّفعة ساعة رجوعه إليه ، نقله البلقينيّ
    ط - الشّفعة الّتي يأخذها الوليّ لليتيم ليست على الفور ، بل حقّ الوليّ على التّراخي قطعاً ، حتّى لو أخّرها أو عفا عنها لم يسقط لأجل اليتيم .
    ي - لو بلغه الشّراء بثمن مجهول فأخّر ليعلم لا يبطل ، قاله القاضي حسين .
    والصّحيح في مذهب الحنابلة : أنّ حقّ الشّفعة على الفور إن طالب بها ساعة يعلم بالبيع وإلاّ بطلت ، نصّ عليه أحمد في رواية أبي طالب ، وحكي عنه رواية ثانية أنّ الشّفعة على التّراخي لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدلّ على الرّضى من عفو أو مطالبة بقسمة ونحو ذلك . وإن كان للشّفيع عذر يمنعه الطّلب مثل أن لا يعلم بالبيع فأخّر إلى أن علم وطالب ساعة علم أو علم الشّفيع بالبيع ليلاً فأخّر الطّلب إلى الصّبح أو أخّر الطّلب لشدّة جوع أو عطش حتّى يأكل ويشرب ، أو أخّر الطّلب محدث لطهارة أو إغلاق باب أو ليخرج من الحمّام أو ليقضي حاجته ، أو ليؤذّن ويقيم ويأتي بالصّلاة بسننها ، أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها ونحوه ، كمن علم وقد ضاع منه مال فأخّر الطّلب يلتمس ما سقط منه لم تسقط الشّفعة ، لأنّ العادة تقديم هذه الحوائج ونحوها على غيرها فلا يكون الاشتغال بها رضاً بترك الشّفعة ، كما لو أمكنه أن يسرع في مشيه أو يحرّك دابّته فلم يفعل ومضى على حسب عادته ، وهذا ما لم يكن المشتري حاضراً عند الشّفيع في هذه الأحوال ، فتسقط بتأخيره ، لأنّه مع حضوره يمكنه مطالبته من غير اشتغال عن أشغاله إلاّ الصّلاة فلا تسقط الشّفعة بتأخير الطّلب للصّلاة وسننها ، ولو مع حضور المشتري عند الشّفيع ، لأنّ العادة تأخير الكلام عن الصّلاة ، وليس على الشّفيع تخفيف الصّلاة ، ولا الاقتصار على أقلّ ما يجزئ في الصّلاة .
    الإشهاد على طلب المواثبة :
    الإشهاد ليس بشرط لصحّة طلب المواثبة فلو لم يشهد صحّ طلبه فيما بينه وبين اللّه ، وإنّما الإشهاد للإظهار عند الخصومة على تقدير الإنكار ، لأنّ من الجائز أنّ المشتري لا يصدّق الشّفيع في الطّلب أو لا يصدّقه في الفور ويكون القول قوله فيحتاج إلى الإظهار بالبيّنة عند القاضي على تقدير عدم التّصديق ، لا أنّه شرط صحّة الطّلب ، هذا عند الحنفيّة والشّافعيّة .
    قال الشّافعيّة إن كان للشّفيع عذر يمنع المطالبة ، فليوكّل في المطالبة أو يشهد على طلب الشّفعة، فإن ترك المقدور عليه منها بطل حقّه في الأظهر .
    وعند الحنابلة : تسقط الشّفعة بسيره إلى المشتري في طلبها بلا إشهاد ، ولا تسقط إن أخّر طلبه بعد الإشهاد ، أي إنّ الحنابلة يشترطون الإشهاد لصحّة الطّلب .
    ويصحّ الطّلب بكلّ لفظ يفهم منه طلب الشّفعة كما لو قال : طلبت الشّفعة أو أطلبها أو أنا طالبها، لأنّ الاعتبار للمعنى .
    ب - طلب التّقرير والإشهاد :
    هذه المرحلة من المطالبة اختصّ بذكرها الحنفيّة فقالوا : يجب على الشّفيع بعد طلب المواثبة أن يشهد ويطلب التّقرير وطلب التّقرير .
    هو أن يشهد الشّفيع على البائع إن كان العقار المبيع في يده ، أو على المشتري وإن لم يكن العقار في يده ، أو عند المبيع بأنّه طلب ويطلب فيه الشّفعة الآن .
    والشّفيع محتاج إلى الإشهاد لإثباته عند القاضي ولا يمكنه الإشهاد ظاهراً على طلب المواثبة لأنّه على فور العلم بالشّراء - عند البعض - فيحتاج بعد ذلك إلى طلب الإشهاد والتّقرير .
    ولبيان كيفيّته نقول : المبيع إمّا أن يكون في يد البائع وإمّا أن يكون في يد المشتري ، فإن كان في يد البائع فالشّفيع بالخيار إن شاء طلب من البائع ، وإن شاء طلب من المشتري وإن شاء طلب عند المبيع .
    أمّا الطّلب من البائع والمشتري فلأنّ كلّ واحد منهما خصم البائع باليد والمشتري بالملك ، فصحّ الطّلب من كلّ واحد منهما .
    وأمّا الطّلب عند المبيع فلأنّ الحقّ متعلّق به ، فإن سكت عن الطّلب من أحد المتبايعين وعند المبيع مع القدرة عليه بطلت شفعته لأنّه فرّط في الطّلب .
    وإن كان في يد المشتري فإن شاء طلب من المشتري وإن شاء عند المبيع ، ولا يطلب من البائع لأنّه خرج من أن يكون خصماً لزوال يده ولا ملك له فصار بمنزلة الأجنبيّ .
    هذا إذا كان قادراً على الطّلب من المشتري أو البائع أو عند المبيع .
    والإشهاد على طلب التّقرير ليس بشرط لصحّته وإنّما هو لتوثيقه على تقدير الإنكار كما في طلب المواثبة . وتسمية المبيع وتحديده ليست بشرط لصحّة الطّلب والإشهاد في ظاهر الرّواية ، وروي عن أبي يوسف أنّه شرط ، لأنّ الطّلب لا يصحّ إلاّ بعد العلم والعقار لا يصير معلوماً إلاّ بالتّحديد فلا يصحّ الطّلب والإشهاد بدونه
    واختلفت عبارات مشايخ الحنفيّة في ألفاظ الطّلب ، وصحّح الكاسانيّ أنّه لوأتى بلفظ يدلّ على الطّلب أيّ لفظ كان يكفي ، نحو أن يقول : ادّعيت الشّفعة أو سألت الشّفعة ونحو ذلك ممّا يدلّ على الطّلب ، قال الكاسانيّ : لأنّ الحاجة إلى الطّلب ، ومعنى الطّلب يتأدّى بكلّ لفظ يدلّ عليه ، سواء أكان بلفظ الطّلب أم بغيره ، ومن صور هذا الطّلب ما ذكر في الهداية والكنز ، وهي أن يقول الشّفيع : إنّ فلاناً اشترى هذه الدّار وأنا شفيعها ، وقد كنت طلبت الشّفعة وأطلبها الآن فاشهدوا على ذلك .
    وأمّا حكم هذا الطّلب عند الحنفيّة فهو استقرار الحقّ ، فالشّفيع إذا أتى بطلبين صحيحين -طلب المواثبة وطلب التّقرير - استقرّ الحقّ على وجه لا يبطل بتأخير المطالبة أمام القاضي بالأخذ بالشّفعة أبداً حتّى يسقطها بلسانه ، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الرّوايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى قال : إذا ترك المخاصمة إلى القاضي في زمان يقدر فيه على المخاصمة بطلت شفعته ، ولم يؤقّت فيه وقتاً ، وروي عنه أنّه قدّره بما يراه القاضي ، وقال محمّد وزفر ، إذا مضى شهر بعد الطّلب ولم يطلب من غير عذر بطلت شفعته ، وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً وبه أخذت المجلّة .
    وجه قول محمّد وزفر : أنّ حقّ الشّفعة ثبت لدفع الضّرر عن الشّفيع ولا يجوز دفع الضّرر عن الإنسان على وجه يتضمّن الإضرار بغيره ، وفي إبقاء هذا الحقّ بعد تأخير الخصومة أبداً إضرار بالمشتري ، لأنّه لا يبني ولا يغرس خوفاً من النّقض والقلع فيتضرّر به ، فلا بدّ من التّقدير بزمان ، وقدّر بالشّهر لأنّه أدنى الآجال ، فإذا مضى شهر ولم يطلب من غير عذر فقد فرّط في الطّلب فتبطل شفعته .
    ووجه قول أبي حنيفة ، أنّ الحقّ للشّفيع قد ثبت بالطّلبين والأصل أنّ الحقّ متى ثبت لإنسان لا يبطل إلاّ بإبطاله ولم يوجد لأنّ تأخير المطالبة منه لا يكون إبطالاً ، كتأخير استيفاء القصاص وسائر الدّيون .
    ج - طلب الخصومة والتّملّك :
    طلب الخصومة والتّملّك هو طلب المخاصمة عند القاضي ، فيلزم أن يطلب الشّفيع ويدعى في حضور الحاكم بعد طلب التّقرير والإشهاد .
    ولا تسقط الشّفعة بتأخير هذا الطّلب عند أبي حنيفة ، وهو رواية عن أبي يوسف ، وقال محمّد وزفر إن تركها شهراً بعد الإشهاد بطلت .
    ولا فرق في حقّ المشتري بين الحضر والسّفر ، ولو علم أنّه لم يكن في البلد قاض لا تبطل شفعته بالتّأخير بالاتّفاق . لأنّه لا يتمكّن من الخصومة إلاّ عند القاضي فكان عذراً .
    وإذا تقدّم الشّفيع إلى القاضي فادّعى الشّراء وطلب الشّفعة سأله القاضي فإن اعترف بملكه الّذي يشفع به ، وإلاّ كلّفه بإقامة البيّنة ، لأنّ اليد ظاهر محتمل فلا تكفي لإثبات الاستحقاق .
    فإن عجز عن البيّنة استحلف المشتري باللّه ما يعلم أنّ المدّعي مالك للّذي ذكره ممّا يشفع به ، فإن نكل أو قامت للشّفيع بيّنة ثبت حقّه في المطالبة ، فبعد ذلك يسأل القاضي المدّعى عليه هل ابتاع أم لا ؟ فإن أنكر الابتياع قيل للشّفيع : أقم البيّنة لأنّ الشّفعة لا تجب إلاّ بعد ثبوت البيع وثبوته بالحجّة ، فإن عجز عنها استحلف المشتري باللّه ما ابتاع أو باللّه ما استحقّ عليه في هذه الدّار شفعةً من الوجه الّذي ذكره .
    ولا يلزم الشّفيع إحضار الثّمن وقت الدّعوى بل بعد القضاء ، فيجوز له المنازعة وإن لم يحضر الثّمن إلى مجلس القضاء .
    الشّفعة للذّمّيّ على المسلم :
    أجمع الفقهاء على ثبوت الشّفعة للمسلم على الذّمّيّ ، وللذّمّيّ على الذّمّيّ ، واختلفوا في ثبوتها للذّمّيّ على المسلم ولهم في ذلك قولان :
    القول الأوّل : ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، إلى ثبوتها للذّمّيّ على المسلم أيضاً . واستدلّوا بعموم الأحاديث الواردة في الشّفعة الّتي سبقت كحديث جابر - رضي الله عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم » قضى بالشّفعة في كلّ شركة لم تقسم ، ربعة أو حائط لا يحلّ له أن يبيع حتّى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحقّ به « . وبالإجماع لما روي عن شريح أنّه قضى بالشّفعة للذّمّيّ على المسلم وكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - فأجازه وأقرّه ، وكان ذلك في محضر من الصّحابة ولم ينكر أحد منهم عليه فكان ذلك إجماعاً .
    ولأنّ الذّمّيّ كالمسلم في السّبب والحكمة وهما اتّصال الملك بالشّركة أو الجوار ، ودفع الضّرر عن الشّريك أو الجار ، فكما جازت الشّفعة للمسلم على المسلم فكذلك تجوز للذّمّيّ على المسلم . القول الثّاني : ذهب الحنابلة إلى عدم ثبوتها للذّمّيّ على المسلم ، واستدلّوا على ذلك بما رواه الدّارقطنيّ في كتاب العلل عن أنس رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » لا شفعة لنصرانيّ « .
    وبأنّ الشّريعة إنّما قصدت من وراء تشريع الشّفعة الرّفق بالشّفيع ، والرّفق لا يستحقّه إلاّ من أقرّ بها وعمل بمقتضاها والذّمّيّ لم يقرّ بها ولم يعمل بمقتضاها فلا يستحقّ الرّفق المقصود بتشريع الشّفعة فلا تثبت له على المسلم .
    وبأنّ في إثبات الشّفعة للذّمّيّ على المسلم تسليطاً له عليه بالقهر والغلبة وذلك ممتنع بالاتّفاق .

  6. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الشفعة في الشريعة الإسلامية

    الشفعة في الشريعة الإسلامية - الجزء الثاني

    تعدّد الشّفعاء وتزاحمهم :
    أوّلاً : عند اتّحاد سبب الشّفعة :
    اختلف الفقهاء في كيفيّة توزيع المشفوع فيه على الشّفعاء عند اتّحاد سبب الشّفعة لكلّ منهم بأن كانوا جميعاً من رتبة واحدة - أي شركاء مثلاً - فذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، في الأظهر ، والحنابلة على الصّحيح من المذهب إلى أنّه إذا تعدّد الشّفعاء وزّعت الشّفعة عليهم بقدر الحصص من الملك ، لا على عدد الرّءوس . ووجه ذلك عندهم ، أنّها مستحقّة بالملك فقسّط على قدره كالأجرة والثّمن .
    وذهب الحنفيّة والشّافعيّة في قول : والحنابلة في قول ، إلى أنّها تقسم على عدد الرّءوس لا على قدر الملك
    ووجه ذلك أنّ السّبب في موضوع الشّركة أصل الشّركة ، وقد استويا فيه فيستويان في الاستحقاق .
    وكما يقسم المشفوع فيه على الشّركاء بالتّساوي عند الحنفيّة ، يقسم أيضاً على الجيران بالتّساوي بصرف النّظر عن مقدار المجاورة ، فإذا كان لدار واحدة شفيعان جاران جوارهما على التّفاوت بأن كان جوار أحدهما بخمسة أسداس الدّار وجوار الآخر بسدسها ، كانت الشّفعة بينهما نصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق ، وهو أصل الجوار .
    فالقاعدة عند الحنفيّة هي أنّ العبرة في السّبب أصل الشّركة لا قدرها ، وأصل الجوار لا قدره ، وهذا يعمّ حال انفراد الأسباب واجتماعها .
    ثانياً : عند اختلاف سبب الشّفعة :
    ذهب الحنفيّة إلى أنّ أسباب الشّفعة إذا اجتمعت يراعى فيها التّرتيب بين الشّفعاء فيقدّم الأقوى فالأقوى ، فيقدّم الشّريك في نفس المبيع على الخليط في حقّ المبيع ، ويقدّم الخليط في حقّ المبيع على الجار الملاصق لما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » الشّريك أحقّ من الخليط والخليط أحقّ من غيره « ولأنّ المؤثّر في ثبوت حقّ الشّفعة هو دفع ضرر الدّخيل وأذاه ، وسبب وصول الضّرر والأذى هو الاتّصال ، والاتّصال على هذه المراتب ، فالاتّصال بالشّركة في عين المبيع أقوى من الاتّصال بالخلط ، والاتّصال بالخلط أقوى من الاتّصال بالجوار ، والتّرجيح بقوّة التّأثير ترجيح صحيح . فإن سلّم الشّريك وجبت للخليط .
    وإن اجتمع خليطان يقدّم الأخصّ على الأعمّ ، وإن سلّم الخليط وجبت للجار لما قلنا ، وهذا على ظاهر الرّواية ، وروي عن أبي يوسف أنّه إذا سلّم الشّريك فلا شفعة لغيره .
    فعلى ظاهر الرّواية ليس للمتأخّر حقّ إلاّ إذا سلّم المتقدّم ، فإن سلّم فللمتأخّر أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ السّبب قد تقرّر في حقّ الكلّ إلاّ أنّ للشّريك حقّ التّقدّم .
    ولكن بشرط أن يكون الجار طلب الشّفعة مع الشّريك إذا علم بالبيع ليمكنه الأخذ إذا سلّم الشّريك، فإن لم يطلب حتّى سلّم الشّريك فلا يحقّ له بعد ذلك .
    والشّافعيّة والحنابلة لا يثبتون الشّفعة إلاّ للشّريك في الملك .
    أمّا المالكيّة فلا يتأتّى التّزاحم عندهم لأنّهم وإن وافقوهم في ذلك ، إلاّ أنّهم ذهبوا مذهباً آخر فجعلوها للشّركاء في العقار دون ترتيب إذا ما كانوا في درجة واحدة ، وذلك عندما يكون كلّ شريك أصلاً في الشّركة لا خلفاً فيها عن غيره . أمّا إذا كان بعضهم خلفاً في الشّركة عن غيره دون بعض فلا تكون لهم على السّواء وإنّما يقدّم الشّريك في السّهم المباع بعضه على الشّريك في أصل العقار ، ويظهر ذلك في الورثة ، فإذا كانت دار بين اثنين فمات أحدهما عن جدّتين ، وزوجتين ، وشقيقتين ، فباعت إحدى هؤلاء حظّها من الدّار كانت الشّفعة أوّلاً لشريكتها في السّهم دون بقيّة الورثة والشّريك الأجنبيّ ، فتكون الجدّة - مثلاً - أولى بما تبيع صاحبتها - وهي الجدّة الأخرى - لاشتراكهما في السّدس ، وهكذا .
    وعند المالكيّة أيضاً ، إن أعار شخص أرضه لقوم يبنون فيها أو يغرسون فيها ففعلوا ثمّ باع أحدهم حظّه من البناء أو الشّجر قدّم الشّخص المعير على شركاء البائع في أخذ الحظّ المبيع بقيمة نقضه منقوضاً أو بثمنه الّذي بيع به فالخيار له عند ابن الحاجب ، هذا في الإعارة المطلقة، وأمّا المقيّدة بزمن معلوم ولم ينقض فقال ابن رشد : إن باع أحدهم حظّه قبل انقضاء أمد الإعارة على البقاء فلشريكه الشّفعة ولا مقال لربّ الأرض إن باعه على البقاء ، وإن باعه على النّقض قدّم ربّ الأرض .
    فإذا بنى رجلان في عرصة رجل بإذنه ، ثمّ باع أحدهما حصّته من النّقض فلربّ الأرض أخذه بالأقلّ من قيمته مقلوعاً أو من الثّمن الّذي باعه به ، فإن أبى فلشريكه الشّفعة للضّرر إذ هو أصل الشّفعة .
    ثالثاً : مزاحمة المشتري الشّفيع لغيره من الشّفعاء :
    إذا كان المشتري شفيعاً ، فإنّه يزاحم غيره من الشّفعاء بقوّة سببه ويزاحمونه كذلك بقوّة السّبب ويقاسمهم ويقاسمونه إذا كانوا من درجة واحدة .
    فالمشتري الشّفيع يقدّم على من دونه في سبب الشّفعة ، ويقدّم عليه من هو أعلى منه في السّبب .
    وعلى هذا إذا تساوى المشتري مع الشّفعاء في الرّتبة فإنّه يكون شفيعاً مثلهم فيشاركهم ولا يقدّم أحدهم على الآخر بشيء ويقسم العقار المشفوع فيه على قدر رءوسهم عند الحنفيّة ، وعلى قدر أملاكهم عند غيرهم كما هو أصل كلّ منهم في تقسيم المشفوع فيه على الشّفعاء في حالة ما إذا كان المشتري أجنبيّاً .
    طريق التّملّك بالشّفعة :
    اختلف الفقهاء في كيفيّة التّملّك بالشّفعة ، فذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يثبت الملك للشّفيع إلاّ بتسليم المشتري بالتّراضي ، أو بقضاء القاضي .
    أمّا التّملّك بالتّسليم من المشتري فظاهر ، لأنّ الأخذ بتسليم المشتري برضاه ببدل يبذله الشّفيع وهو الثّمن يفسّر الشّراء والشّراء تملّك .
    وأمّا قضاء القاضي فلأنّه نقل للملك عن مالكه إلى غيره قهراً ، فافتقر إلى حكم الحاكم كأخذ دينه. وإذا قضى القاضي بالشّفعة وكان المبيع في يد البائع ، فقال بعض مشايخ الحنفيّة : البيع لا ينتقض بل تتحوّل الصّفقة إلى الشّفيع .
    وقال بعضهم : ينتقض البيع الّذي جرى بين البائع والمشتري وينعقد للشّفيع بيع آخر ، وهو المشهور ووجه من قال بالتّحوّل ، أنّ البيع لو انتقض لتعذّر الأخذ بالشّفعة ، لأنّ البيع من شرائط وجوب الشّفعة فإذا انتقض لم يجب فتعذّر الأخذ .
    ووجه من قال إنّه ينتقض ، نصّ كلام محمّد حيث قال : انتقض البيع فيما بين البائع والمشتري وهذا نصّ في الباب .
    ومن المعقول أنّ القاضي إذا قضى بالشّفعة قبل القبض فقد عجز المشتري عن قبض المبيع والعجز عن قبضه يوجب بطلان البيع لخلوّه عن الفائدة ، كما إذا هلك المبيع قبل القبض .
    ولأنّ الملك قبل الأخذ بالشّفعة للمشتري لوجود آثار الملك في حقّه ولو تحوّل الملك إلى الشّفيع لم يثبت الملك للمشتري .
    وإن كان المبيع في يد المشتري أخذه منه ودفع الثّمن إلى المشتري ، والبيع الأوّل صحيح، لأنّ استحقاق التّملّك وقع على المشتري فيجعل كأنّه اشترى منه .
    ثمّ إذا أخذ الدّار من يد البائع يدفع الثّمن إلى البائع وكانت العهدة عليه ، ويستردّ المشتري الثّمن من البائع إن كان قد نقد .
    وإن أخذها من يد المشتري دفع الثّمن إلى المشتري ، وكانت العهدة عليه ، لأنّ العهدة هي من الرّجوع بالثّمن عند الاستحقاق فيكون على من قبضه .
    وروي عن أبي يوسف ، أنّ المشتري إذا كان نقد الثّمن ولم يقبض الدّار حتّى قضي للشّفيع بمحضر منهما أنّ الشّفيع يأخذ الدّار من البائع وينقد الثّمن للمشتري والعهدة على المشتري ، وإن كان لم ينقد دفع الشّفيع الثّمن إلى البائع ، والعهدة على البائع .
    وشرط جواز القضاء بالشّفعة عند الحنفيّة : حضور المقضيّ عليه ، لأنّ القضاء على الغائب لا يجوز ، فإن كان المبيع في يد البائع فلا بدّ من حضور البائع والمشتري جميعاً ، لأنّ كلّ واحد منهما خصم ، أمّا البائع فباليد ، وأمّا المشتري فبالملك فكان كلّ واحد منهما مقضيّاً عليه فيشترط حضورهما لئلاّ يكون قضاءً على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر .
    وأمّا إن كان في يد المشتري فحضور البائع ليس بشرط ، ويكتفى بحضور المشتري لأنّ البائع خرج من أن يكون خصماً لزوال ملكه ويده عن المبيع فصار كالأجنبيّ ، وكذا حضور الشّفيع أو وكيله شرط جواز القضاء له بالشّفعة ، لأنّ القضاء على الغائب كما لا يجوز ، فالقضاء للغائب لا يجوز أيضاً ، ثمّ القاضي إذا قضى بالشّفعة يثبت الملك للشّفيع ولا يقف ثبوت الملك له على التّسليم ، لأنّ الملك للشّفيع يثبت بمنزلة الشّراء ، والشّراء الصّحيح يوجب الملك بنفسه .
    ووقت القضاء بالشّفعة ، هو وقت المنازعة والمطالبة بها فإذا طالبه بها الشّفيع يقضي له القاضي بالشّفعة ، سواء أحضر الثّمن أم لا في ظاهر الرّواية ، وللمشتري أن يحبس الدّار حتّى يستوفي الثّمن من الشّفيع وللبائع حقّ حبس المبيع لاستيفاء الثّمن ، فإن أبى أن ينقد حبسه القاضي ، لأنّه ظهر ظلمه بالامتناع من إيفاء حقّ واجب عليه ، فيحبسه ولا ينقض الشّفعة ، وإن طلب أجلاً أجّله يوماً أو يومين أو ثلاثةً ، لأنّه لا يمكنه النّقد للحال فيحتاج إلى مدّة يتمكّن فيها من النّقد فيمهله ولا يحبسه ، فإن مضى الأجل ولم ينقد حبسه .
    وقال محمّد : لا ينبغي للقاضي أن يقضي بالشّفعة حتّى يحضر الشّفيع المال ، فإن طلب أجلاً أجّله يوماً أو يومين أو ثلاثة أيّام ولم يقض له بالشّفعة ، فإن قضى بالشّفعة ثمّ أبى الشّفيع أن ينقد حبسه .
    وذهب المالكيّة إلى أنّ الشّفيع يملك الشّقص بأحد أمور ثلاثة :
    أ - حكم الحاكم له .
    ب - دفع ثمن من الشّفيع للمشتري .
    ج - الإشهاد بالأخذ ولو في غيبة المشتري ، وقيل لا بدّ أن يكون بحضوره .
    وقال الشّافعيّة : لا يشترط في التّملّك بالشّفعة حكم الحاكم ، ولا إحضار الثّمن ، ولا حضور المشتري ولا رضاه ، ولا بدّ من جهة الشّفيع من لفظ ، كقوله : تملّكت ، أو اخترت الأخذ بالشّفعة ، أو أخذته بالشّفعة ، وما أشبهه ، وإلاّ فهو من باب المعاطاة . ولو قال : أنا مطالب بالشّفعة ، لم يحصل به التّملّك على الأصحّ ، وبه قطع المتولّي . ولذلك قالوا : يعتبر في التّملّك بها ، أن يكون الثّمن معلوماً للشّفيع ، ولم يشترطوا ذلك في الطّلب .
    ثمّ لا يملك الشّفيع بمجرّد اللّفظ ، بل يعتبر معه أحد أمور :
    الأوّل : أن يسلّم العوض إلى المشتري ، فيملك به إن استلمه ، وإلاّ فيخلى بينه وبينه ، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتّى يلزمه التّسليم . قال النّوويّ : أو يقبض عنه القاضي .
    الثّاني : أن يسلّم المشتري الشّقص ويرضى بكون الثّمن في ذمّة الشّفيع ، إلاّ أن يبيع ، ولو رضي بكون الثّمن في ذمّته ، ولم يسلّم الشّقص ، فوجهان :
    أحدهما : لا يحصل الملك ، لأنّ قول المشتري وعد .
    وأصحّهما : الحصول ، لأنّه معاوضة ، والملك في المعاوضات لا يقف على القبض .
    الثّالث : أن يحضر مجلس القاضي ويثبت حقّه بالشّفعة ، ويختار التّملّك ، فيقضي القاضي له بالشّفعة ، فوجهان :
    أحدهما : لا يحصل الملك حتّى يقبض عوضه ، أو يرضى بتأخّره ، وأصحّهما : الحصول .
    وإذا ملك الشّفيع الشّقص بغير الطّريق الأوّل ، لم يكن له أن يتسلّمه حتّى يؤدّي الثّمن ، وأن يسلّمه المشتري قبل أداء الثّمن ولا يلزمه أن يؤخّر حقّه بتأخير البائع حقّه . وإذا لم يكن الثّمن حاضراً وقت التّملّك ، أمهل ثلاثة أيّام . فإن انقضت ولم يحضره فسخ الحاكم تملّكه ، هكذا قاله ابن سريج والجمهور . وقيل : إذا قصّر في الأداء ، بطل حقّه . وإن لم يوجد ، رفع الأمر إلى الحاكم وفسخ منه .
    وذهب الحنابلة إلى أنّ الشّفيع يملك الشّقص بأخذه بكلّ لفظ يدلّ على أخذه ، بأن يقول قد أخذته بالثّمن أو تملّكته بالثّمن أو اخترت الأخذ بالشّفعة ، ونحو ذلك إذا كان الثّمن والشّقص معلومين ، ولا يفتقر إلى حكم حاكم .
    وقال القاضي وأبو الخطّاب : يملكه بالمطالبة ، لأنّ البيع السّابق سبب ، فإذا انضمّت إليه المطالبة كان كالإيجاب في البيع انضمّ إليه القبول .
    واستدلّوا بأنّ حقّ الشّفعة ثبت بالنّصّ والإجماع فلم يفتقر إلى حكم حاكم كالرّدّ بالعيب .
    وعلى هذا فإنّه إذا قال قد أخذت الشّقص بالثّمن الّذي تمّ عليه العقد ، وهو عالم بقدره وبالمبيع صحّ الأخذ ، وملك الشّقص ولا خيار للشّفيع ولا للمشتري ، لأنّ الشّقص يؤخذ قهراً والمقهور لا خيار له . والآخذ قهراً لا خيار له أيضاً .
    وإن كان الثّمن أو الشّقص مجهولاً لم يملكه بذلك ، لأنّه بيع في الحقيقة ، فيعتبر العلم بالعوضين كسائر البيوع ، وله المطالبة بالشّفعة ، ثمّ يتعرّف مقدار الثّمن من المشتري أو من غيره والمبيع فيأخذه بثمنه ويحتمل أنّ له الأخذ مع جهالة الشّقص بناءً على بيع الغائب .
    البناء والغراس في المال المشفوع فيه :
    اختلف الفقهاء فيما إذا بنى المشتري في الأرض المشفوع فيها أو غرس فيها ، ثمّ قضي للشّفيع بالشّفعة ، وسبب الاختلاف على ما قال ابن رشد هو تردّد تصرّف المشفوع عليه العالم بوجوب الشّفعة عليه بين شبهة تصرّف الغاصب وتصرّف المشتري الّذي يطرأ عليه الاستحقاق وقد بنى في الأرض وغرس وذلك أنّه وسط بينهما .
    فمن غلب عليه شبه الاستحقاق لم يكن له أن يأخذ القيمة ، ومن غلب عليه شبه التّعدّي كان له أن يأخذه بنقضه أو يعطيه قيمته منقوضاً .
    وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا بنى المشتري في الأرض المشفوع فيها أو غرس ، ثمّ قضي للشّفيع بالشّفعة فهو بالخيار ، إن شاء أخذها بالثّمن والبناء والغرس بقيمته مقلوعاً ، وإن شاء أجبر المشتري على قلعهما ، فيأخذ الأرض فارغةً . وهذا هو جواب ظاهر الرّواية .
    ووجه ظاهر الرّواية : أنّه بنى في محلّ تعلّق به حقّ متأكّد للغير من غير تسليط من جهة من له الحقّ فينقض كالرّاهن إذا بنى في المرهون ، وهذا لأنّ حقّه أقوى من حقّ المشتري ، لأنّه يتقدّم عليه ، ولهذا ينقض بيعه وهبته وتصرّفاته .
    وروي عن أبي يوسف ، أنّه لا يجبر المشتري على القلع ويخيّر الشّفيع بين أن يأخذ بالثّمن وقيمة البناء والغرس وبين أن يترك ، ووجه ذلك عنده أنّه محقّ في البناء ، لأنّه بناه على أنّ الدّار ملكه ، والتّكليف بالقلع من أحكام العدوان وصار كالموهوب له والمشتري شراءً فاسداً ، وكما إذا زرع المشتري فإنّه لا يكلّف القلع ، وهذا لأنّ في إيجاب القيمة دفع أعلى الضّررين بتحمّل الأدنى فيصار إليه .
    أمّا الزّرع فالقياس قلعه ولكنّ الاستحسان عدم قلعه ، لأنّ له نهايةً معلومةً ويبقى بالأجر وليس فيه كثير ضرر .
    وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا أحدث المشتري بناءً أو غرساً أو ما يشبه ذلك في الشّقص قبل قيام الشّفيع ، ثمّ قام الشّفيع بطلب شفعته فلا شفعة إلاّ أن يعطى المشتري قيمة ما بنى وما غرس . وللمشتري الغلّة إلى وقت الأخذ بالشّفعة لأنّه في ضمانه قبل الأخذ بها والغلّة بالضّمان .
    وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا بنى المشتري أو غرس أو زرع في الشّقص المشفوع ثمّ علم الشّفيع فله الأخذ بالشّفعة وقلع بنائه وغرسه وزرعه مجّاناً لا بحقّ الشّفعة ، ولكن لأنّه شريك وأحد الشّريكين إذا انفرد بهذه التّصرّفات في الأرض المشتركة كان للآخر أن يقلع مجّاناً .
    وإن بنى المشتري وغرس في نصيبه بعد القسمة والتّمييز ثمّ علم الشّفيع لم يكن له قلعه مجّاناً ، لأنّه بنى في ملكه الّذي ينفذ تصرّفه فيه فلا يقلع مجّاناً .
    فإن اختار المشتري قلع البناء أو الغراس فله ذلك ولا يكلّف تسوية الأرض . لأنّه كان متصرّفاً في ملكه ، فإن حدث في الأرض نقص فالشّفيع إمّا أن يأخذه على صفته ، وإمّا أن يترك ، فإن لم يختر المشتري القلع ، فللشّفيع الخيار بين إبقاء ملكه في الأرض بأجرة وبين تملّكه بقيمته يوم الأخذ ، وبين أن ينقضه ويغرم أرش النّقص .
    ولو كان قد زرع فيبقى زرعه إلى أن يدرك فيحصده ، وليس للشّفيع أن يطالبه بالأجرة على المشهور عندهم .
    وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا بنى المشتري أو غرس أعطاه الشّفيع قيمة بنائه أو غرسه ، إلاّ أن يشاء المشتري أن يأخذ بناءه وغراسه ، فله ذلك إذا لم يكن في أخذه ضرر . لأنّه ملكه ، فإذا قلعه فليس عليه تسوية الحفر ولا نقص الأرض ، ذكره القاضي ، لأنّه غرس وبنى في ملكه ، وما حدث من النّقص إنّما حدث في ملكه ، وذلك لا يقابله ثمن .
    وظاهر كلام الخرقيّ ، أنّ عليه ضمان النّقص الحاصل بالقلع ، لأنّه اشترط في قلع الغرس والبناء عدم الضّرر ، وذلك لأنّه نقص دخل على ملك غيره لأجل تخليص ملكه فلزمه ضمانه ، لأنّ النّقص الحاصل بالقلع إنّما هو في ملك الشّفيع . فأمّا نقص الأرض الحاصل بالغرس والبناء فلا يضمنه .
    فإن لم يختر المشتري القلع فالشّفيع بالخيار بين ثلاثة أشياء :
    أ - ترك الشّفعة .
    ب - دفع قيمة الغراس والبناء فيملكه مع الأرض .
    ج - قلع الغرس والبناء ويضمن له ما نقص بالقلع .
    وإن زرع في الأرض فللشّفيع الأخذ بالشّفعة ويبقى زرع المشتري إلى أوان الحصاد ، لأنّ ضرره لا يبقى ولا أجرة عليه لأنّه زرعه في ملكه ، ولأنّ الشّفيع اشترى الأرض وفيها زرع للبائع مبقىً إلى الحصاد بلا أجرة كغير المشفوع ، وإن كان في الشّجر ثمر ظاهر أثمر في ملك المشتري فهو له مبقىً إلى الجذاذ كالزّرع .
    استحقاق المشفوع فيه للغير :
    اختلف الفقهاء في عهدة الشّفيع أهي على المشتري أم على البائع . يعني إذا أخذ الشّفيع الشّقص فظهر مستحقّاً ، فعلى من يرجع الثّمن ؟
    فذهب المالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا أخذ الشّفيع الشّقص فظهر مستحقّاً فرجوعه بالثّمن على المشتري ، ويرجع المشتري على البائع به . وإن وجده معيباً فله ردّه على المشتري أو أخذ أرشه منه ، والمشتري يردّ على البائع أو يأخذ الأرش منه سواء قبض الشّقص من المشتري أو من البائع فالعهدة عندهم على المشتري .
    ووجه ذلك عندهم ، أنّ الشّفعة مستحقّة بعد الشّراء وحصول الملك للمشتري ثمّ يزول الملك من المشتري إلى الشّفيع بالثّمن فكانت العهدة عليه ، ولأنّه ملكه من جهة المشتري بالثّمن فملك ردّه عليه بالعيب كالمشتري في البيع الأوّل .
    وذهب الحنفيّة ، إلى أنّه إذا قضي للشّفيع بالعقار المشفوع فيه فأدّى ثمنه ثمّ استحقّ المبيع ، فإن أدّاه للمشتري فعليه ضمانه سواء استحقّ قبل تسليمه إليه أو بعده ، وإن كان أدّاه للبائع واستحقّ المبيع وهو في يده فعليه ضمان الثّمن للشّفيع .
    ويرجع الشّفيع بالثّمن فقط إن بنى أوغرس ثمّ استحقّت العين ، ولا يرجع بقيمة البناء والغرس على أحد لأنّه ليس مقرّراً به .
    وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتّيّ : العهدة على البائع ، لأنّ الحقّ ثبت له بإيجاب البائع فكان رجوعه عليه كالمشتري .
    تبعة الهلاك :
    ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا هدم المشتري بناء الدّار المشفوعة أو هدمه غيره أو قلع الأشجار الّتي كانت مغروسةً في الأرض المشفوعة فإنّ الشّفيع يأخذ العرصة أو الأرض بحصّتها من الثّمن بأن يقسم الثّمن على قيمة العرصة أو الأرض وقيمة البناء أو الشّجر وما خصّ العرصة أو الأرض منه يدفعه الشّفيع وتكون الأنقاض والأخشاب للمشتري .
    وإذا تخرّبت الدّار المشفوعة أو جفّت أشجار البستان المشفوع بلا تعدّي أحد عليها يأخذها الشّفيع بالثّمن المسمّى ، فإن كان بها أنقاض أو خشب وأخذه المشتري تسقط حصّته من الثّمن بأن يقسم الثّمن على قيمة الدّار أو البستان يوم العقد وقيمة الأنقاض والخشب يوم الأخذ ، وإذا تلف بعض الأرض المشفوعة بغرق أو نحوه سقطت حصّة التّالف من أصل الثّمن ، وللشّفيع أن يأخذ الأرض مع الثّمر والزّرع بالثّمن الأوّل إذا كان متّصلاً ، فأمّا إذا زال الاتّصال ثمّ حضر الشّفيع فلا سبيل للشّفيع عليه وإن كانت عينه قائمةً سواء أكان الزّوال بآفة سماويّة أم بصنع المشتري أو الأجنبيّ ، لأنّ حقّ الشّفعة في هذه الأشياء إنّما ثبت معدولاً به عن القياس معلولاً بالتّبعيّة وقد زالت التّبعيّة بزوال الاتّصال فيردّ الحكم فيه إلى أصل القياس .
    وذهب المالكيّة إلى أنّه لا يضمن المشتري نقص الشّقص إذا طرأ عليه بعد الشّراء بلا سبب منه وإنّما بسبب سماويّ أو تغيّر سوق أو كان بسبب منه ولكنّه فعله لمصلحة كهدم لمصلحة من غير بناء ، وسواء علم أنّ له شفيعاً أم لا . فإن هدم لا لمصلحة ضمن ، فإن هدم وبنى فله قيمته على الشّفيع قائماً لعدم تعدّيه وتعتبر يوم المطالبة وله قيمة النّقص الأوّل منقوضاً يوم الشّراء . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن تعيّبت الدّار المشترى بعضها أخذ الشّفيع بكلّ الثّمن أو ترك كتعيّبها بيد البائع ، وكذا لو انهدمت بلا تلف لشيء منها ، فإن وقع تلف لبعضها فبالحصّة من الثّمن يأخذ الباقي .
    وذهب الحنابلة إلى أنّه إن تلف الشّقص أو بعضه في يد المشتري فهو من ضمانه . لأنّه ملكه تلف في يده ، ثمّ إن أراد الشّفيع الأخذ بعد تلف بعضه أخذ الموجود بحصّته من الثّمن سواء أكان التّلف بفعل اللّه تعالى أم بفعل آدميّ ، وسواء أتلف باختيار المشتري كنقضه للبناء أم بغير اختياره مثل أن انهدم .
    ثمّ إن كانت الأنقاض موجودةً أخذها مع العرصة بالحصّة وإن كانت معدومةً أخذ العرصة وما بقي من البناء وهو قول الثّوريّ والعنبريّ ، ووجهه أنّه تعذّر على الشّفيع أخذ الجميع وقدر على أخذ البعض فكان له بالحصّة من الثّمن كما لو تلف بفعل آدميّ سواه أو لو كان له شفيع آخر . أو نقول : أخذ بعض ما دخل معه في العقد ، فأخذه بالحصّة كما لو كان معه سيف .
    وأمّا الضّرر فإنّما حصل بالتّلف ولا صنع للشّفيع فيه والّذي يأخذه الشّفيع يؤدّي ثمنه فلا يتضرّر المشتري بأخذه .
    وإنّما قالوا بأخذ الأنقاض وإن كانت منفصلةً لأنّ استحقاقه للشّفعة كان حال عقد البيع وفي تلك الحال كان متّصلاً اتّصالاً ليس مآله إلى الانفصال وانفصاله بعد ذلك لا يسقط حقّ الشّفعة . وإن نقضت القيمة مع بقاء صورة المبيع مثل انشقاق الحائط وانهدام البناء ، وشعث الشّجر فليس له إلاّ الأخذ بجميع الثّمن أو التّرك . لأنّ هذه المعاني لا يقابلها الثّمن بخلاف الأعيان .
    ميراث الشّفعة :
    اختلف الفقهاء في ميراث حقّ الشّفعة :
    فذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، إلى أنّ حقّ الشّفعة يورث ، فإذا مات الشّفيع ينتقل حقّ الشّفعة إلى ورثته .
    وقيّده الحنابلة بما إذا كان الشّفيع قد طالب بالشّفعة قبل موته .
    ووجه الانتقال عندهم أنّه خيار ثابت لدفع الضّرر عن المال فورث كالرّدّ بالعيب .
    وذهب الحنفيّة ، إلى أنّه إذا مات الشّفيع بعد البيع وقبل الأخذ بالشّفعة لم يكن لورثته حقّ الأخذ بها ، فتسقط الشّفعة بموت الشّفيع ولا تنتقل إلى الورثة لأنّ حقّ الشّفعة ليس بمال وإنّما مجرّد الرّأي والمشيئة وهما لا يبقيان بعد موت الشّفيع ولأنّ ملك الشّفيع الّذي هو سبب الأخذ بالشّفعة قد زال بموته . أمّا إذا مات الشّفيع بعد قضاء القاضي له بالشّفعة أو بعد تسليم المشتري له بها فلورثته أخذها بالشّفعة .
    وإذا مات المشتري والشّفيع حيّ فله الشّفعة ، لأنّ المستحقّ باق ، وبموت المستحقّ عليه لم يتغيّر الاستحقاق .
    مسقطات الشّفعة :
    تسقط الشّفعة بما يلي :
    أوّلاً : ترك أحد الطّلبات الثّلاثة في وقته وهي طلب المواثبة ، وطلب التّقرير والإشهاد ، وطلب الخصومة والتّملّك إذا ترك على الوجه المتقدّم .
    ثانياً : إذا طلب الشّفيع بعض العقار المبيع وكان قطعةً واحدةً والمشتري واحداً ، لأنّ الشّفعة لا تقبل التّجزئة .
    ثالثاً : موت الشّفيع عند الحنفيّة قبل الأخذ بها رضاءً أو قضاءً سواء أكانت الوفاة قبل الطّلب أم بعده . ولا تورث عنه عندهم .
    رابعاً : الإبراء والتّنازل عن الشّفعة : فالإبراء العامّ من الشّفيع يبطلها قضاءً مطلقاً لا ديانةً إن لم يعلم بها
    وقد تكلّم الفقهاء في التّنازل عن الشّفعة بالتّفصيل كالتّالي :
    إذا تنازل الشّفيع عن حقّه في طلب الشّفعة سقط حقّه في طلبها ، والتّنازل هذا إمّا أن يكون صريحاً وأمّا أن يكون ضمنيّاً . فالتّنازل الصّريح نحو أن يقول الشّفيع : أبطلت الشّفعة أو أسقطتها أو أبرأتك عنها ونحو ذلك ، لأنّ الشّفعة خالص حقّه فيملك التّصرّف فيها استيفاءً وإسقاطاً كالإبراء عن الدّين والعفو عن القصاص ونحو ذلك سواء علم الشّفيع بالبيع أم لم يعلم بشرط أن يكون بعد البيع .
    أمّا التّنازل الضّمنيّ فهو أن يوجد من الشّفيع ما يدلّ على رضاه بالبيع وثبوت الملك للمشتري ، لأنّ حقّ الشّفعة إنّما يثبت له دفعاً لضرر المشتري فإذا رضي بالشّراء أو بحكمه فقد رضي بضرر جواره فلا يستحقّ الدّفع بالشّفعة .
    التّنازل عن الشّفعة قبل البيع :
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا تنازل الشّفيع عن حقّه في طلب الشّفعة قبل بيع العقار المشفوع فيه لم يسقط حقّه في طلبها بعد البيع ، لأنّ هذا التّنازل إسقاط للحقّ ، وإسقاط الحقّ قبل وجوبه ووجود سبب وجوبه محال .
    وقد روي عن أحمد ما يدلّ على أنّ الشّفعة تسقط بالتّنازل عنها قبل البيع ، فإنّ إسماعيل بن سعيد قال : قلت لأحمد : ما معنى قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من كان بينه وبين أخيه ربعة فأراد بيعها فليعرضها عليه « . وقد جاء في الحديث : » ولا يحلّ له إلاّ أن يعرضها عليه «إذا كانت الشّفعة ثابتةً له ؟ فقال : ما هو ببعيد من أن يكون على ذلك وألاّ تكون له الشّفعة ، وهذا قول الحكم والثّوريّ وأبي عبيد وأبي خيثمة وطائفة من أهل الحديث .
    واحتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : » من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتّى يؤذن شريكه فإن رضي أخذ وإن كره ترك « .
    وقوله صلى الله عليه وسلم : » فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحقّ به « ، فمفهومه أنّه إذا باعه بإذنه لا حقّ له
    ولأنّ الشّفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لكونه يأخذ ملك المشتري من غير رضائه ، ويجبره على المعاوضة به لدخوله مع البائع في العقد الّذي أساء فيه بإدخال الضّرر على شريكه ، وتركه الإحسان إليه في عرضه عليه وهذا المعنى معدوم هاهنا فإنّه قد عرضه عليه ، وامتناعه من أخذه دليل على عدم الضّرر في حقّه ببيعه وإن كان فيه ضرر فهو أدخله على نفسه فلا يستحقّ الشّفعة كما لو أخّر المطالبة بعد البيع .
    التّنازل عن الشّفعة مقابل تعويض أو صلح عنها :
    اختلف الفقهاء في جواز التّنازل عن الشّفعة مقابل تعويض يأخذه الشّفيع :
    فقال الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، لا يصحّ الصّلح عن الشّفعة على مال ، فلو صالح المشتري الشّفيع عن الشّفعة على مال لم يجز الصّلح ولم يثبت العوض ويبطل حقّ الشّفعة .
    قال الشّافعيّة : تبطل شفعته إن علم بفساده .
    أمّا بطلان الصّلح فلانعدام ثبوت الحقّ في المحلّ لأنّ الثّابت للشّفيع حقّ التّملّك ، وأنّه عبارة عن ولاية التّملّك وأنّها معنىً قائم بالشّفيع فلم يصحّ الاعتياض عنه فبطل الصّلح ولم يجب العوض . وأمّا بطلان حقّ الشّفيع في الشّفعة ، فلأنّه أسقطه بالصّلح فالصّلح وإن لم يصحّ فإسقاط حقّ الشّفعة صحيح ، لأنّ صحّته لا تقف على العوض بل هو شيء من الأموال لا يصلح عوضاً عنه فالتحق ذكر العوض بالعدم فصار كأنّه سلّم بلا عوض .
    وذهب مالك إلى جواز الصّلح عن الشّفعة بعوض ، لأنّه عوض عن إزالة الملك فجاز أخذ العوض عنه .
    وقال القاضي من الحنابلة : لا يصحّ الصّلح ولكنّ الشّفعة لا تسقط . لأنّه لم يرض بإسقاطها وإنّما رضي بالمعاوضة عنها ولم تثبت المعاوضة فبقيت الشّفعة .
    التّنازل عن الشّفعة بعد طلبها :
    يجوز للشّفيع أن يتنازل عن حقّه في طلب الشّفعة بعد أن طلبها وقبل رضى المشتري أو حكم الحاكم له بها ، فإن ترك الشّفيع طلب الشّفعة أو باع حصّته الّتي يشفع بها بعد طلب الشّفعة وقبل تملّكه المشفوع فيه بالقضاء أو الرّضا يسقط حقّه في الشّفعة لأنّه يعدّ تنازلاً منه عن حقّه في طلبها قبل الحكم .
    أمّا إذا كان التّنازل بعد الحكم له بها أو بعد رضاء المشتري بتسليم الشّفعة فليس له التّنازل ، لأنّه بذلك يكون ملك المشفوع فيه والملك لا يقبل الإسقاط .
    مساومة الشّفيع للمشتري :
    المساومة تعتبر تنازلاً عن الشّفعة فإذا سام الشّفيع الدّار من المشتري سقط حقّه في الشّفعة لأنّ المساومة طلب تمليك بعقد جديد وهو دليل الرّضا بملك المتملّك .
    ولأنّ حقّ الشّفعة ممّا يبطل بصريح الرّضا فيبطل بدلالة الرّضا أيضاً ، والمساومة تعتبر تنازلاً بطريق الدّلالة .

  7. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الضمان في الشريعة الإسلامية

    الضَمَان في الشريعة الإسلامية - الجزء الأول


    التّعريف :
    يطلق الضّمان في اللّغة على معان :
    أ - منها الالتزام ، تقول : ضمنت المال ، إذا التزمته ، ويتعدّى بالتّضعيف ، فتقول : ضمّنته المال ، إذا ألزمته إيّاه .
    ب - ومنها : الكفالة ، تقول : ضمّنته الشّيء ضماناً ، فهو ضامن وضمين ، إذا كفله .
    ج - ومنها التّغريم ، تقول : ضمّنته الشّيء تضميناً ، إذا غرّمته ، فالتزمه أمّا في اصطلاح الفقهاء فيطلق على المعاني التّالية :
    أ - يطلق على كفالة النّفس وكفالة المال عند جمهور الفقهاء من غير الحنفيّة ، وعنونوا للكفالة بالضّمان .
    ب - ويطلق على غرامة المتلفات والغصوب والتّعييبات والتّغييرات الطّارئة .
    ج - كما يطلق على ضمان المال ، والتزامه بعقد وبغير عقد .
    د - كما يطلق على وضع اليد على المال ، بغير حقّ أو بحقّ على العموم .
    هـ كما يطلق على ما يجب بإلزام الشّارع ، بسبب الاعتداءات : كالدّيات ضماناً للأنفس ، والأروش ضماناً لما دونها ، وكضمان قيمة صيد الحرم ، وكفّارة اليمين ، وكفّارة الظّهار ، وكفّارة الإفطار عمداً في رمضان .
    وقد وضعت له تعاريف شتّى ، تتناول هذه الإطلاقات في الجملة ، أو تتناول بعضها ، منها :
    أ - أنّه : عبارة عن ردّ مثل الهالك ، إن كان مثليّاً ، أو قيمته إن كان قيميّاً .
    ب - وأنّه : عبارة عن غرامة التّالف .
    ج - وبالمعنى الشّامل للكفالة - كما يقول القليوبيّ - : إنّه التزام دين أو إحضار عين أو بدن .
    د - وفي مجلّة الأحكام العدليّة أنّه إعطاء مثل الشّيء إن كان من المثليّات وقيمته إن كان من القيميّات .
    هـ - وعند المالكيّة : شغل ذمّة أخرى بالحقّ .
    الألفاظ ذات الصّلة :
    أ - الالتزام :
    الالتزام في اللّغة : الثّبوت والدّوام ، وفي الاصطلاح الفقهيّ : إلزام المرء نفسه ما لم يكن لازماً لها .
    ب - العقد :
    العقد : ارتباط أجزاء التّصرّف الشّرعيّ ، بالإيجاب والقبول ، وفي المجلّة : ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محلّه ، فإذا قلت : زوّجت ، وقال : قبلت ، وجد معنىً شرعيّ ، وهو النّكاح ، يترتّب عليه حكم شرعيّ ، وهو : ملك المتعة .
    ج - العهدة :
    العهدة في اللّغة : وثيقة المتبايعين ، لأنّه يرجع إليها عند الالتباس .
    وهي كتاب الشّراء ، أو هي الدّرك أي ضمان الثّمن للمشتري إن استحقّ المبيع أو وجد فيه عيب .
    وفي الاصطلاح تطلق عند جمهور الفقهاء على هذين المعنيين : الوثيقة والدّرك .
    وعرّفها المالكيّة بأنّها : تعلّق ضمان المبيع بالبائع أي كون المبيع في ضمان البائع بعد العقد ، ممّا يصيبه في مدّة خاصّة .
    والضّمان أعمّ ، والعهدة أخصّ .
    د - التّصرّف :
    التّصرّف هو التّقليب ، تقول : صرّفته في الأمر تصريفاً فتصرّف ، أي قلّبته فتقلّب . وفي الاصطلاح يفهم من كلام الفقهاء : أنّه ما يصدر من الشّخص من قول أو فعل ، ويرتّب عليه الشّارع حكماً ، كالعقد والطّلاق والإبراء والإتلاف .
    وهو بهذا المعنى أعمّ من الضّمان .
    مشروعيّة الضّمان :
    شرع الضّمان ، حفظاً للحقوق ، ورعايةً للعهود ، وجبراً للأضرار ، وزجراً للجناة ، وحدّاً للاعتداء ، في نصوص كثيرة من القرآن الكريم ، والسّنّة النّبويّة ، وذلك فيما يلي :
    أ - فيما يتّصل بمعنى الكفالة ، بقوله تعالى : { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } أي كفيل ضامن ، فقد ضمن يوسف عليه السلام لمن جاء بصواع الملك - وهو إناؤه الّذي كان يشرب به - قدر ما يحمله البعير من الطّعام .
    ب - وفيما يتّصل بالإتلافات الماليّة ونحوها ، بحديث : أنس رضي الله تعالى عنه قال : » أهدت بعض أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم طعاماً في قصعة ، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : طعام بطعام ، وإناء بإناء « .
    ج - وفيما يتّصل بضمان وضع اليد : حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « أي ضمانه .
    د - وفيما يتّصل بالجنايات - بوجه عامّ - ونحوها قوله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ }
    هـ وفيما يتّصل بجنايات البهائم : حديث البراء بن عازب : » أنّه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه ، فقضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّ حفظ الحوائط بالنّهار على أهلها ، وأنّ حفظ الماشية باللّيل على أهلها ، وأنّ ما أصابت الماشية باللّيل فهو على أهلها « .
    وحديث النّعمان بن بشير قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » من أوقف دابّةً في سبيل من سبل المسلمين ، أو في سوق من أسواقهم ، فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن « . وقد أجمع الفقهاء على أنّ الدّماء والأموال مصونة في الشّرع ، وأنّ الأصل فيها الحظر ، وأنّه لا يحلّ دم المسلم ولا يحلّ ماله إلاّ بحقّ
    ما يتحقّق به الضّمان :
    لا يتحقّق الضّمان إلاّ إذا تحقّقت هذه الأمور : التّعدّي ، والضّرر ، والإفضاء .
    أوّلاً : التّعدّي :
    التّعدّي في اللّغة : التّجاوز .
    وفي الاصطلاح هو : مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه شرعاً أو عرفاً أو عادةً .
    وضابط التّعدّي هو : مخالفة ما حدّه الشّرع أو العرف .
    ومن القواعد المقرّرة في هذا الموضوع : أنّ كلّ ما ورد به الشّرع مطلقاً ، ولا ضابط له فيه ، ولا في اللّغة ، يرجع فيه إلى العرف .
    وذلك مثل : الحرز في السّرقة ، والإحياء في الموات ، والاستيلاء في الغصب ، وكذلك التّعدّي في الضّمان ، فإذا كان التّعدّي مجاوزة ما ينبغي أن يقتصر عليه ، رجع في ضابطه إلى عرف النّاس فيما يعدّونه مجاوزةً وتعدّياً ، سواء أكان عرفاً عامّاً أم خاصّاً .
    ويشمل التّعدّي : المجاوزة والتّقصير ، والإهمال ، وقلّة الاحتراز ، كما يشتمل العمد والخطأ. ثانياً : الضّرر :
    الضّرر في اللّغة : نقص يدخل على الأعيان .
    وفي الاصطلاح : إلحاق مفسدة بالغير ، وهذا يشمل الإتلاف والإفساد وغيرهما .
    والضّرر قد يكون بالقول ، كرجوع الشّاهدين عن شهادتهما ، بعد القضاء وقبض المدّعي المال ، فلا يفسخ الحكم ، ويضمنان ما أتلفاه على المشهود عليه ، سواء أكان ديناً أم عيناً. وقد ينشأ الضّرر عن الفعل كتمزيق الثّياب ، وقطع الأشجار ، وحرق الحصائد .
    والضّرر قد يكون بالقول والفعل كما سبق ، وقد يكون بالتّرك ، ومثاله : امرأة تصرع أحياناً فتحتاج إلى حفظها ، فإن لم يحفظها الزّوج حتّى ألقت نفسها في النّار عند الصّرع ، فعليه ضمانها .
    ودابّة غصبت فتبعها ولدها ، فأكله الذّئب يضمنه الغاصب ، مع أنّه لم يباشر فيه فعلاً .
    ثالثاً : الإفضاء :
    من معاني الإفضاء في اللّغة : الوصول يقال : أفضيت إلى الشّيء : وصلت إليه . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
    ويشترط لاعتبار الإفضاء في الضّمان ما يلي :
    أن لا يوجد للضّرر أو الإتلاف سبب آخر غيره ، سواء أكان هو مباشرةً أم تسبيباً .
    وأن لا يتخلّل بين السّبب وبين الضّرر ، فعل فاعل مختار ، وإلاّ أضيف الضّمان إليه ، لا إلى السّبب ، وذلك لمباشرته .
    تعدّد محدثي الضّرر :
    إذا اعتدى جمع من الأشخاص ، وأحدثوا ضرراً : فإمّا أن يكون اعتداؤهم من نوع واحد ، بأن يكونوا جميعاً متسبّبين أو مباشرين ، وإمّا أن يختلف بأن يكون بعضهم مباشراً ، والآخر متسبّباً ، فهاتان حالان :
    الحال الأولى :
    أن يكونوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين : فإمّا أن يتّحد عملهم في النّوع ، أو يختلف.
    أ - ففي الصّورة الأولى ، أي إذا كانوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين واتّحد عملهم نوعاً ، كان الضّمان عليهم بالسّويّة ، كما لو تعمّد جماعة إطلاق النّار على شخص واحد ، ولم تعلم إصابة واحد منهم ، يقتصّ منهم جميعاً ، وهذا محمل قول سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه " لو اشترك في قتله أهل صنعاء ، لقتلتهم جميعاً " .
    ب - وإذا كانوا جميعاً مباشرين أو متسبّبين ، واتّحد عملهم نوعاً ، لكن اختلف عملهم قوّةً وضعفاً ، كما لو حفر شخص حفرةً في الطّريق ، وجاء آخر فوسّع رأسها ، أو حفر الأوّل حفرةً وعمّق الآخر أسفلها ، فتردّى في الحفرة حيوان أو إنسان ، فالقياس عند الحنفيّة هو الاعتداد بالسّبب القويّ ، لأنّه كالعلّة ، عند اجتماعها مع السّبب ، وهذا رأي الإمام محمّد منهم .
    والاستحسان عندهم ، هو الاعتداد بالأسباب الّتي أدّت إلى الضّرر جميعاً ، قلّت أو كثرت ، وتوزيع الضّمان عليها بحسب القوّة والضّعف ، فيجب الضّمان أثلاثاً ، وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف وآخرين من الحنابلة ، وإن لم يميّزوا بين القوّة والضّعف ، واعتبروا الاشتراك وربّما رجّح بعضهم السّبب الأوّل ، كحافر الحفرة وناصب السّكّين فيها .
    الحال الثّانية :
    أن يكون المعتدون مختلفين ، بعضهم مباشر ، وبعضهم متسبّب :
    والأصل - عندئذ - تقديم المباشر على المتسبّب في التّضمين وذلك للقاعدة العامّة المعروفة عند جميع الفقهاء : إذا اجتمع المباشر والمتسبّب ، يضاف الحكم إلى المباشر . ومن أمثلة هذه القاعدة ما يلي :
    أ - لو حفر شخص حفرةً في الطّريق ، فألقى آخر نفسه ، أو ألقى غيره فيها عمداً ، لا يضمن الحافر ، بل الملقي وحده ، لأنّه المباشر .
    ب - لو دلّ سارقاً على مال إنسان ، فسرقه ، لا ضمان على الدّالّ .
    ويستثنى من قاعدة تقديم المباشرة على التّسبيب صور ، يقدّم فيها السّبب على العلّة المباشرة ، وذلك إذا تعذّرت إضافة الحكم إلى المباشر بالكلّيّة فيضاف الحكم - وهو الضّمان هنا - إلى المتسبّب وحده ، كما إذا دفع رجل إلى صبيّ سكّيناً ليمسكه له ، فسقط من يده ، فجرحه ، ضمن الدّافع ، لأنّ السّبب هنا في معنى العلّة .
    تتابع الأضرار :
    إذا ترتّبت على السّبب الواحد أضرار متعدّدة ، فالحكم أنّ المتعدّي المتسبّب يضمن جميع الأضرار المترتّبة على تسبّبه ، ما دام أثر تسبّبه باقياً لم ينقطع ، فإن انقطع بتسبّب آخر لم يضمن .
    فمن صور ذلك عند الحنفيّة :
    أ - سقط حائط إنسان على حائط إنسان آخر ، وسقط الحائط الثّاني على رجل فقتله : كان ضمان الحائط الثّاني والقتيل على صاحب الحائط الأوّل لأنّ تسبّب حائطه لم ينقطع .
    فإن عثر إنسان بأنقاض الحائط الثّاني ، فانكسر ، لم يضمن الأوّل ، لأنّ التّفريغ ليس عليه ، ولا يضمن صاحب الحائط الثّاني إلاّ إذا علم بسقوط حائطه ، ولم ينقل ترابه في مدّة تسع النّقل .
    ب - لو أشهد على حائطه بالميل ، فلم ينقضه صاحبه حتّى سقط ، فقتل إنساناً ، وعثر بالأنقاض شخص فعطب ، وعطب آخر بالقتيل ، كان ضمان القتيل الأوّل وعطب الثّاني على صاحب الحائط الأوّل ، لأنّ الحائط وأنقاضه مطلوبان منه ، أمّا التّلف الحاصل بالقتيل الأوّل، فليس عليه ، لأنّ نقله ليس مطلوباً منه ، بل هو لأولياء القتيل .
    إثبات السّببيّة :
    الأصل في الشّريعة ، هو أنّ المعتدى عليه الّذي وقع عليه الضّرر ، أو وليّه إن قتل، هو المكلّف بإثبات الضّرر ، وإثبات تعدّي من ألحق به الضّرر ، وأنّ تعدّيه كان هو السّبب في الضّرر .
    وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : » لو يعطى النّاس بدعواهم ، لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم ، لكن البيّنة على المدّعي ، واليمين على من أنكر « .
    وتثبت السّببيّة بإقرار المعتدي ، كما تثبت بالبيّنة إذا أنكر وتثبت بالقرائن ، وبيمين المدّعي وشاهد - على الجملة - ونحوها من طرق الإثبات .
    شروط الضّمان :
    يمكن تقسيم شروط الضّمان إلى قسمين :
    شروط ضمان الجناية على النّفس ، وشروط ضمان الجناية على المال .
    أوّلاً : شروط ضمان الجناية على النّفس : الجناية على النّفس إن كانت عمداً وكان الجاني مكلّفاً يجب فيها القصاص ، فإن كان الجاني غير مكلّف ، أو كانت الجناية خطأً وجبت فيها الدّية .
    ثانياً : شروط ضمان الجناية على المال : تتلخّص هذه الشّروط في أن يكون الاعتداء ، واقعاً على مال متقوّم ، مملوك ، محترم ، كما يشترط أن يكون الضّرر الحادث دائماً - فلو نبتت سنّ الحيوان لم تضمن المكسورة - ، وأن يكون المعتدي من أهل الوجوب ، فلا تضمن البهيمة ، ولا مالكها إذا أتلفت مال إنسان وهي مسيّبة ، لأنّه جبار .
    ولا يشترط كون الجاني على المال مكلّفاً ، فيضمن الصّبيّ ما أتلفه من مال على الآخرين ، ولا عدم اضطراره ، والمضطرّ في المخمصة ضامن ، لأنّ الاضطرار لا يبطل حقّ الغير .
    أسباب الضّمان :
    من أسباب الضّمان عند الشّافعيّة والحنابلة ما يلي :
    1 - العقد ، كالمبيع والثّمن المعيّن قبل القبض والسّلم في عقد البيع .
    2 - اليد ، مؤتمنةً كانت كالوديعة والشّركة إذا حصل التّعدّي ، أو غير مؤتمنة كالغصب والشّراء فاسداً .
    ج - الإتلاف ، نفساً أو مالاً .
    وزاد الشّافعيّة : الحيلولة ، كما لو نقل المغصوب إلى بلد آخر وأبعده ، فللمالك المطالبة بالقيمة في الحال ، للحيلولة قطعاً ، فإذا ردّه ردّها .
    وجعل المالكيّة أسباب الضّمان ثلاثةً :
    أحدها : الإتلاف مباشرةً ، كإحراق الثّوب .
    وثانيها : التّسبّب للإتلاف ، كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه ممّا شأنه في العادة أن يفضي غالباً للإتلاف
    وثالثها : وضع اليد غير المؤتمنة ، فيندرج فيها يد الغاصب ، والبائع يضمن المبيع الّذي يتعلّق به حقّ توفية قبل القبض .
    الفرق بين ضمان العقد وضمان الإتلاف :
    ضمان العقد : هو تعويض مفسدة ماليّة مقترنة بعقد .
    وضمان الإتلاف : هو تعويض مفسدة ماليّة لم تقترن بعقد .
    وبينهما فروق تبدو فيما يلي :
    أ - من حيث الأهليّة ، ففي العقود : الأهليّة شرط لصحّة التّصرّفات الشّرعيّة ، والأهليّة - هنا - هي : أهليّة أداءً ، وهي : صلاحية الشّخص لممارسة التّصرّفات الشّرعيّة الّتي يتوقّف اعتبارها على العقل ، لأنّها منوطة بالإدراك والعقل ، فإذا لم يتحقّقا لا يعتدّ بها .
    أمّا الإتلافات الماليّة ، والغرامات والمؤن والصّلات الّتي تشبه المؤن ، فالأهليّة المجتزأ بها هي أهليّة الوجوب فقط ، وهي صلاحيته لثبوت الحقوق له وعليه ، فحكم الصّغير غير المميّز فيها كحكم الكبير ، لأنّ الغرض من الوجوب - وهو الضّمان ونحوه - لا يختلف فيه حيّ عن آخر ، وأداء الصّغير يحتمل النّيابة .
    ب - من حيث التّعويض ، ففي ضمان العقد ، لا يقوم التّعويض على اعتبار المماثلة ويكون التّعويض بناءً على ما تراضيا عليه .
    أمّا الإتلافات الماليّة فإنّ التّعويض فيها يقوم على اعتبار المماثلة ، إذ المقصود فيها دفع الضّرر ، وإزالة المفسدة ، والضّرر محظور ، فتعتبر فيه المماثلة ، وذلك بعموم النّصّ الكريم ، وهو قوله تعالى : { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } .
    ج - من حيث الأوصاف والعوارض الذّاتيّة ، فقد فرّق الفقهاء في ضمانها في العقود وفي الإتلافات ، وقرّر الحنفيّة أنّ الأوصاف لا تضمن بالعقد ، وتضمن بالغصب ، وذلك لأنّ الغصب قبض ، والأوصاف تضمن بالفعل ، وهو القبض ، أمّا العقد فيرد على الأعيان ، لا على الأوصاف ، والغصب - وكذا الإتلاف - فعل يحلّ بالذّات بجميع أجزائها ، فكانت مضمونةً .
    محلّ الضّمان :
    محلّ الضّمان هو : ما يجب فيه الضّمان ، سواء أكان الضّمان ناشئاً عن عقد ، أم كان ناشئاً عن إتلاف ويد ، قال ابن رشد : فهو كلّ مال أتلفت عينه ، أو تلفت عند الغاصب عينه ، بأمر من السّماء ، أو سلّطت اليد عليه وتملّك .
    وقال ابن القيّم : محلّ الضّمان هو ما كان يقبل المعاوضة .
    ويمكن التّوسّع في محلّ الضّمان ، بحيث يشمل جميع المضمونات ، بأن يقسّم الفعل الضّارّ ، باعتبار محلّه ، إلى قسمين : فعل ضارّ واقع على الإنسان ، وفعل ضارّ واقع على ما سواه من الأموال ، كالحيوان والأشياء .
    وقد اعتبر بعض الفقهاء الاعتداء على المال والحيوان ضرباً من الجنايات ، فقال الكاسانيّ : الجناية في الأصل نوعان : جناية على البهائم والجمادات وجناية على الآدميّ ، فهذه محالّ الضّمان ، فالآدميّ مضمون بالجناية عليه ، في النّفس ، أو الأطراف .
    وأمّا الأموال فتقسم إلى : أعيان ، ومنافع ، وزوائد ، ونواقص ، وأوصاف .
    ونبحثها فيما يلي :
    أوّلاً : الأعيان :
    وهي نوعان : أمانات ، ومضمونات .
    فالأمانات : يجب تسليمها بذاتها ، وأداؤها فور طلبها ، بالنّصّ ، وهو قوله تعالى : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } ، وتضمن حال التّعدّي ، وإلاّ فلا ضمان فيها ، ومن التّعدّي الموت عن تجهيل لها ، إلاّ ما استثني .
    والمضمونات ، تضمن بالإتلاف ، وبالتّلف ولو كان سماويّاً .
    والأعيان المضمونة نوعان :
    الأوّل : الأعيان المضمونة بنفسها ، وهي الّتي يجب بهلاكها ضمان المثل أو القيمة ، كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، والمهر في يد الزّوج ، وبدل الخلع - إذا كان عيناً معيّنةً- وبدل الصّلح عن دم العمد ، إذا كان عيناً .
    الثّاني : الأعيان المضمونة بغيرها ، وهي الّتي يجب بهلاكها الثّمن أو الدّين ، كالمبيع إذا هلك قبل القبض ، سقط الثّمن ، والرّهن إذا هلك سقط الدّين ، وهذا عند الحنفيّة .
    وعند المالكيّة : الأعيان المضمونة ، إمّا أن تكون مضمونةً بسبب العدوان ، كالمغصوبات ، وإمّا أن تكون مضمونةً بسبب قبض بغير عدوان ، بل بإذن المالك على وجه انتقال تملّكه إليه ، بشراء ، أو هبة ، أو وصيّة ، أو قرض ، فهو ضامن - أيضاً - سواء أكان البيع صحيحاً ، أم كان فاسداً .
    وكذلك الأمر عند الحنابلة فقد عرّفوا الأعيان المضمونة ، بأنّها الّتي يجب ضمانها بالتّلف والإتلاف ، سواء أكان حصولها بيد الضّامن بفعل مباح ، كالعاريّة ، أو محظور كالمغصوب، والمقبوض بعقد فاسد ، ونحوهما .
    وعدّ السّيوطيّ المضمونات ، وأوصلها إلى ستّة عشر ، وبيّن حكم كلّ ، ومنها : الغصب ، والإتلاف ، واللّقطة ، والقرض ، والعاريّة ، والمقبوض بسوم ...
    وهل تشمل الأعيان المضمونة العقارات ؟
    مذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ومحمّد من الحنفيّة ، أنّ العقار يضمن بالتّعدّي ، وذلك بغصبه ، وغصبه متصوّر ، لأنّ الغصب هو : إثبات اليد على مال الغير بغير إذن مالكه ، أو هو : الاستيلاء على حقّ الغير عدواناً ، أو إزالة يد المالك عن ماله كما يقول محمّد من الحنفيّة والفعل في المال ليس بشرط ، وهذا يتحقّق في العقار والمنقول .
    وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيمن استولى على أرض غيره : » من ظلم قيد شبر من الأرض ، طوّقه من سبع أرضين « .
    ومذهب أبي حنيفة : أنّ الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل في المال ، ولهذا عرّفه في الكنز بأنّه إزالة اليد المحقّة ، بإثبات اليد المبطلة ، وهذا لا يوجد في العقار ، ولأنّه لا يحتمل النّقل والتّحويل ، فلم يوجد الإتلاف حقيقةً ولا تقديراً .
    فلو غصب داراً فانهدم البناء ، أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار ، أو غلب الماء على الأرض فبقيت تحت الماء فعليه الضّمان عند الجمهور ، ولا ضمان عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف .
    ولو غصب عقاراً ، فجاء آخر فأتلفه ، فالضّمان على المتلف ، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند الجمهور يخيّر المالك بين تضمين الغاصب أو المتلف .
    وقالوا : لو أتلفه بفعله أو بسكناه ، يضمنه ، لأنّه إتلاف ، والعقار يضمن به ، كما إذا نقل ترابه .
    ثانياً : المنافع :
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المنافع أموال متقوّمة في ذاتها فتضمن بالإتلاف ، كما تضمن الأعيان ، وذلك:
    أ - لأنّها الغرض الأظهر من جميع الأموال .
    ب - ولأنّ الشّارع أجاز أن تكون مهراً في النّكاح ، في قصّة موسى وشعيب - عليهما السلام - مع اشتراط كون المهر فيه مالاً بالنّصّ بقوله تعالى : { أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم } .
    ج - ولأنّ المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به ، أو هو - كما يقول الشّاطبيّ - ما يقع عليه الملك ، ويستبدّ به المالك ، والمنافع منّا أو من غيرنا بهذه الصّفة ، وإنّما تعرف ماليّة الشّيء بالتّموّل والنّاس يعتادون تموّل المنافع بالتّجارة فيها ، فإنّ أعظم النّاس تجارةً الباعة ، ورأس مالهم المنفعة .
    د - ولأنّ المنفعة - كما قال عزّ الدّين بن عبد السّلام - مباحة متقوّمة ، فتجبر في العقود الفاسدة والصّحيحة ، وبالفوات تحت الأيدي المبطلة ، والتّفويت بالانتفاع ، لأنّ الشّرع قد قوّمها ، ونزّلها منزلة الأموال ، فلا فرق بين جبرها بالعقود وبين جبرها بالتّفويت والإتلاف.
    وذهب الحنفيّة إلى أنّ المنافع لا تضمن بالغصب ، سواء استوفاها أم عطّلها أم استغلّها ، ولا تضمن إلاّ بالعقد ، وذلك :
    أ - لأنّها ليست بمال متقوّم ، ولا يمكن ادّخارها لوقت الحاجة ، لأنّها لا تبقى وقتين ، ولكنّها أعراض كلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى فلا يتصوّر فيها التّموّل . وفي ذلك يقول السّرخسيّ : المنافع لا تضمن بإتلاف بغير عقد ولا شبهة .
    ب - ولأنّ المنفعة إنّما ورد تقويمها في الشّرع - مع أنّها ليست ذات قيمة في نفسها - بعقد الإجارة ، استثناءً على خلاف القياس ، للحاجة لورود العقد عليها ، وما ثبت على خلاف القياس يقتصر فيه على مورد النّصّ .
    والمالكيّة يضمّنون الغاصب إذا غصب لغرض المنفعة بالتّعدّي ، كما لو غصب دابّةً أو داراً للرّكوب والسّكنى فقط ، فيضمنها بالاستعمال ، ولو كان استعماله يسيراً .
    ولا يضمن الذّات في هذه الحال لو تلفت بسماويّ .
    ثالثاً : الزّوائد :
    وتتمثّل في زوائد المغصوب ونمائه .
    أ - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها مضمونة ضمان الغصب ، لأنّها مال المغصوب منه ، وقد حصلت في يد الغاصب بالغصب ، فيضمنها بالتّلف كالأصل الّذي تولّدت منه .
    ب - وعند الحنفيّة أنّ زوائد المغصوب - سواء أكانت متّصلةً كالسّمن ، أم منفصلةً كاللّبن والولد ، وثمرة البستان ، وصوف الغنم - أمانة في يد الغاصب ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي عليها ، بالأكل أو الإتلاف ، أو بالمنع بعد طلب المالك . وذلك لأنّ الغصب إزالة يد المالك ، بإثبات اليد عليه ، وذلك لا يتحقّق في الزّوائد ، لأنّها لم تكن في يد المالك .
    ج - وللمالكيّة هذا التّفصيل :
    أوّلاً : ما كان متولّداً من الأصل وعلى خلقته ، كالولد ، فهو مردود مع الأصل .
    ثانياً : وما كان متولّداً من الأصل ، على غير خلقته مثل الثّمر ولبن الماشية ففيه قولان : أحدهما أنّه للغاصب ، والآخر أنّه يلزمه ردّه قائماً ، وقيمته تالفاً .
    ثالثاً : وما كان غير متولّد ، ففيه خمسة أقوال :
    1 - قيل : يردّ الزّوائد مطلقاً ، لتعدّيه ، من غير تفصيل .
    2 - وقيل : لا يردّها مطلقاً من غير تفصيل ، لأنّها في مقابلة الضّمان الّذي عليه .
    3 - وقيل : يردّ قيمة منافع الأصول والعقار ، لأنّه مأمون ولا يتحقّق الضّمان فيه ، ولا يردّ قيمة منافع الحيوان وشبهه ممّا يتحقّق فيه الضّمان .
    4 - وقيل : يردّها إن انتفع بها ، ولا يردّها إن عطّلها .
    5- وقيل : يردّها إن غصب المنافع خاصّةً ، ولا يردّها إن غصب المنافع والرّقاب .
    رابعاً : النّواقص :
    لا يختلف الفقهاء في ضمان نقص الأموال بسبب الغصب ، أو الفعل الضّارّ ، أو الإتلاف أو نحوها ، سواء أكان ذلك النّقص عمداً أم خطأً أم تقصيراً ، لأنّ ضمان الغصب - كما يقول الكاسانيّ - ضمان جبر الفائت ، فيتقدّر بقدر الفوات .
    فمن نقص في يده شيء فعليه ضمان النّقصان ، وفيه تفصيل في المذاهب الفقهيّة :
    أ - مذهب الحنفيّة أنّ النّقص إمّا أن يكون يسيراً ، وإمّا أن يكون فاحشاً .
    والصّحيح عندهم - كما قال الزّيلعيّ - أنّ اليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة ، بل يدخل فيه نقصان في المنفعة ، كالخرق في الثّوب .
    والفاحش : ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة ، ويبقى بعض العين وبعض المنفعة . وقيل اليسير : ما لم يبلغ ربع القيمة ، والفاحش ما يساوي ربع القيمة فصاعداً .
    ففي النّقصان اليسير ليس للمالك إلاّ أخذ عين المغصوب ، لأنّ العين قائمة من كلّ وجه ، ويضمن الغاصب النّقصان .
    وفي النّقص الفاحش ، يخيّر المالك بين أخذ العين ، وتضمين الغاصب النّقصان ، وبين ترك العين للغاصب وتضمينه قيمة العين .
    فلو ذبح حيواناً لغيره مأكول اللّحم ، أو قطع يده ، كان ذلك إتلافاً من بعض الوجوه ، ونقصاً فاحشاً ، فيخيّر فيه المغصوب منه ، ولو كان غير مأكول اللّحم ، ضمن الغاصب الجميع ، لأنّه استهلاك مطلق من كلّ وجه ، وإتلاف لجميع المنفعة .
    ولو غصب العقار ، فانهدم أو نقص بسكناه ، ضمنه ، لأنّه إتلاف بفعله ، والعقار يضمن بالإتلاف ، ولا يشترط لضمان الإتلاف أن يكون بيده .
    وهذا بخلاف ما لو هلك العقار ، بعد أن غصبه وهو في يده فإنّه لا يضمنه ، لأنّه لم يتصرّف فيه بشيء ، فلا يجب الضّمان عند الشّيخين ، لأنّه غاصب للمنفعة ، وليست مالاً ، ولأنّه منع المالك عن الانتفاع ولا يضمن عينه .
    ب - ومذهب المالكيّة في النّقص ، أنّه إمّا أن يكون من قبل الخالق ، أو من قبل المخلوق . فإن كان من قبل الخالق ، فليس للمغصوب منه إلاّ أن يأخذه ناقصاً - كما يقول ابن جنّيّ - أو يضمن الغاصب قيمة المغصوب يوم الغصب .
    وقيل : إنّ له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب .
    وإن كان من قبل المخلوق وبجنايته فالمغصوب منه مخيّر :
    1 - بين أن يضمّنه القيمة يوم الغصب ، ويتركه للغاصب ، وبين أن يأخذه ويأخذ قيمة النّقص ، يوم الجناية عند ابن القاسم ، أو يوم الغصب ، عند سحنون .
    2 - وعند أشهب وابن الموّاز : هو مخيّر بين أن يضمّنه القيمة ، وبين أن يأخذه ناقصاً ، ولا شيء له في الجناية ، كالّذي يصاب بأمر من السّماء .
    ولهم تفصيل في ضمان البناء أو الغرس في العقار ، نذكره في أحكام الضّمان الخاصّة ، إن شاء اللّه تعالى
    ج - ومذهب الشّافعيّة والحنابلة : أنّ كلّ عين مغصوبة ، على الغاصب ضمان نقصها ، إذا كان نقصاً مستقرّاً تنقص به القيمة ، سواء كان باستعماله ، أم كان بغير استعماله ، كمرض الحيوان ، وكثوب تخرّق ، وإناء تكسّر ، وطعام سوّس ، وبناء تخرّب ، ونحوه فإنّه يردّها ، وللمالك على الغاصب أرش النّقص - مع أجرة المثل ، كما قال القليوبيّ - لأنّه نقص حصل في يد الغاصب ، فوجب ضمانه .
    خامساً : الأوصاف وضمانها :
    إذا نقصت السّلعة ، عند الغاصب ، بسبب فوات وصف ، فإمّا أن يكون ذلك بسبب هبوط الأسعار في السّوق ، وإمّا أن يكون بسبب فوات وصف مرغوب فيه :
    أ - فإن كان النّقص بسبب هبوط الأسعار في الأسواق ، فليس على الغاصب أو المتعدّي ضمان نقص القيمة اتّفاقاً ، لأنّ المضمون نقصان المغصوب ، ونقصان السّعر ليس بنقصان المغصوب ، بل لفتور يحدثه اللّه في قلوب العباد ، لا صنع للعبد فيه ، فلا يكون مضموناً ولأنّه لا حقّ للمغصوب منه في القيمة ، مع بقاء العين ، وإنّما حقّه في العين ، وهي باقية ، كما كانت ، ولأنّ الغاصب إنّما يضمن ما غصب ، والقيمة لا تدخل في الغصب .
    ب - وإن كان النّقص بسبب فوات وصف مرغوب فيه ، فهو مضمون باتّفاق الفقهاء كما لو سقط عضو الحيوان المغصوب ، وهو في يد الغاصب بآفة سماويّة ، أو حدث له عند الغاصب عرج أو شلل أو عمىً ، ونحو ذلك فإنّ المالك يأخذ المغصوب ، ويضمن الغاصب النّقصان ، لفوات جزء من البدن ، أو فوات صفة مرغوب فيها ، ولأنّه دخلت جميع أجزائه في ضمانه بالغصب ، فما تعذّر ردّ عينه ، يجب ردّ قيمته .
    وطريق معرفة النّقصان أن يقوّم صحيحاً ، ويقوّم وبه العيب ، فيجب قدر ما بينهما .

  8. #7

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الضمان في الشريعة الإسلامية

    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الثاني

    تصنيف العقود من حيث الضّمان :
    يمكن تصنيف العقود من حيث الضّمان إلى أربعة أقسام :
    أوّلاً : فهناك عقد شرع للضّمان ، أو هو الضّمان بذاته ، وهو : الكفالة - كما يسمّيها الحنفيّة - وهي - أيضاً - الضّمان كما يسمّيها الجمهور .
    ثانياً : وهناك عقود لم تشرع للضّمان ، بل شرعت للملك والرّبح ونحوهما ، لكن الضّمان يترتّب عليها باعتباره أثراً لازماً لأحكامها ، وتسمّى : عقود ضمان ، ويكون المال المقبوض فيها مضموناً على القابض بأيّ سبب هلك ، كعقد البيع ، والقسمة ، والصّلح عن مال بمال، والمخارجة ، والقرض ، وكعقد الزّواج ، والمخالعة .
    ثالثاً : وهناك عقود يتجلّى فيها طابع الحفظ والأمانة ، والرّبح في بعض الأحيان ، وتسمّى عقود أمانة ، ويكون المال المقبوض فيها أمانةً في يد القابض ، لا يضمنه إلاّ إذا تلف بسبب تقصيره في حفظه ، كعقد الإيداع ، والعاريّة ، والشّركة بأنواعها ، والوكالة ، والوصاية .
    رابعاً : وهناك عقود ذات وجهين ، تنشئ الضّمان من وجه ، والأمانة من وجه ، وتسمّى لهذا : عقود مزدوجة الأثر ، كعقد الإجارة ، والرّهن والصّلح عن مال بمنفعة .
    ومناط التّمييز - بوجه عامّ - بين عقود الضّمان ، وبين عقود الأمانة ، يدور مع المعاوضة : فكلّما كان في العقد معاوضة ، كان عقد ضمان ، وكلّما كان القصد من العقد غير المعاوضة ، كالحفظ ونحوه ، كان العقد عقد أمانة .
    ويستند هذا الضّابط المميّز ، إلى قول المرغينانيّ من الحنفيّة ، في تعليل كون يد أحد الشّركاء في مال الشّركة ، يد أمانة : لأنّه قبض المال بإذن المالك ، لا على وجه البدل والوثيقة ، فصار كالوديعة .
    وهذا يشير إلى أنّ القبض الّذي يستوجب الضّمان ، هو : ما كان بغير إذن المالك ، كالمغصوب ، وما كان بسبيل المبادلة ، أي المعاوضة ، أو ما كان بسبيل التّوثيق ، كالرّهن والكفالة .
    والرّهن - في الواقع - يؤوّل إلى المعاوضة ، لأنّه توثيق للبدل ، وكذا الكفالة ، فكان المعوّل عليه في ضمان العقود ، هو المبادلة ، وفي غير العقود ، هو عدم الإذن ، وما المبادلة إلاّ المعاوضة ، فهي منشأ التّمييز ، بين عقود الضّمان ، وبين عقود الحفظ والأمانة.
    وبيان الضّمان في هذه العقود فيما يلي :
    أوّلاً : الضّمان في العقود الّتي شرعت للضّمان :
    الضّمان في عقد الكفالة :
    إذا صحّ الضّمان - أو الكفالة باستجماع شروطها - لزم الضّامن أداء ما ضمنه ، وكان للمضمون له - الدّائن - مطالبته ، ولا يعلم فيه خلاف ، وهو فائدة الضّمان ثمّ :
    إذا كانت الكفالة بأمر المدين ، وهو المكفول عنه ، رجع عليه الكفيل بما أدّى عنه بالاتّفاق - على ما يقول ابن جزيّ - في الجملة .
    أمّا إذا كانت الكفالة بغير إذن المكفول عنه ، ففي الرّجوع خلاف :
    فمذهب الحنفيّة عدم الرّجوع ، إذ اعتبر متبرّعاً في هذه الحال .
    والمالكيّة قرّروا الرّجوع في هذه الحال إن ثبت دفع الكفيل ببيّنة ، أو بإقرار صاحب الحقّ ، وعلّلوه بسقوط الدّين بذلك .
    والشّافعيّة فصّلوا ، وقالوا : إن أذن المكفول عنه ، في الضّمان والأداء فأدّى الكفيل ، رجع. وإن انتفى إذنه فيهما فلا رجوع .
    وإن أذن في الضّمان فقط ، ولم يأذن في الأداء ، رجع في الأصحّ ، لأنّه أذن في سبب الغرم.
    وإن أذن في الأداء فقط ، من غير ضمان ، لا يرجع في الأصحّ ، لأنّ الغرم في الضّمان ، ولم يأذن فيه .
    واعتبر الحنابلة نيّة الرّجوع عند قضاء الدّين عن المكفول عنه ، فقرّروا أنّه : إن قضى الضّامن الدّين متبرّعاً ، لا يرجع ، سواء أضمنه بإذنه أم بغير إذنه ، لأنّه متطوّع بذلك . وإن قضاه ناوياً الرّجوع ، يرجع لأنّه قضاه مبرئاً من دين واجب ، فكان له الرّجوع .
    ولو قضاه ذاهلاً عن قصد الرّجوع وعدمه ، لا يرجع ، لعدم قصد الرّجوع ، سواء أكان الضّمان أو الأداء بإذن المضمون عنه ، أم بغير إذن .
    ولهم تفصيل رباعيّ في نيّة الرّجوع يقرب من تفصيل الشّافعيّة .
    إذا مات الكفيل قبل حلول أجل الدّين ، ففي حلول الدّين ومطالبة الورثة به خلاف .
    ضمان الدّرك :
    قصر الحنفيّة ضمان الدّرك ، على ضمان الثّمن عند استحقاق المبيع ، وقالوا : هو الرّجوع بالثّمن عند استحقاق المبيع .
    والدّرك هو : المطالبة والتّبعة والمؤاخذة .
    ويقال له : ضمان العهدة عند الشّافعيّة والحنابلة .
    وعرّفوه بأنّه : ضمان الثّمن للمشتري ، إن ظهر المبيع مستحقّاً أو معيباً أو ناقصاً ، بعد قبض الثّمن وضمان الدّرك صحيح عند جماهير الفقهاء وذلك : .
    أ - لأنّ المضمون هو الماليّة عند تعذّر الرّدّ ، والمضمون - كما يقول العدويّ - في المعيب قيمة العيب ، وفي المستحقّ الثّمن ، وهو جائز بلا نزاع .
    ب - ولأنّ الضّمان هنا ، كفالة ، والكفالة لالتزام المطالبة ، والتزام الأفعال يصحّ مضافاً إلى المآل ، كما في التزام الصّوم والصّلاة بالنّذر .
    ج - وقال الحنابلة في تعليل جوازه : لأنّ الحاجة تدعو إلى الوثيقة ، وهي ثلاثة :
    الشّهادة والرّهن والضّمان ، فالأولى لا يستوفي منها الحقّ ، والثّانية ممنوعة ، لأنّه يلزم حبس الرّهن إلى أن يؤدّى ، وهو غير معلوم ، فيؤدّي إلى حبسه أبداً ، فلم يبق غير الضّمان .
    د - وقالوا : ولأنّه لو لم يصحّ لامتنعت المعاملات مع من لم يعرف ، وفيه ضرر عظيم ، رافع لأصل الحكمة ، الّتي شرع من أجلها البيع .
    ونصّ الحنفيّة على أنّ شرط ضمان الدّرك ثبوت الثّمن على البائع بالقضاء ، فلو استحقّ المبيع قبل القضاء على البائع بالثّمن ، لا يؤخذ ضامن الدّرك ، إذ بمجرّد الاستحقاق لا ينتقض البيع على الظّاهر ، إذ يعتبر البيع موقوفاً عند أبي حنيفة ، ولهذا لو أجاز المستحقّ البيع قبل الفسخ جاز ولو بعد قبضه ، وهو الصّحيح ، فما لم يقض بالثّمن على البائع لا يجب ردّ الثّمن على الأصيل ، فلا يجب على الكفيل .
    ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يصحّ قبل قبض الثّمن ، لأنّه إنّما يضمن ما دخل في ضمان البائع، وقيل : يصحّ قبل قبضه ، لأنّه قد تدعو الحاجة إليه ، بأن لا يسلّم الثّمن إلاّ بعده .
    ثانياً : العقود الّتي لم تشرع للضّمان ويترتّب عليها الضّمان :
    الضّمان في عقد البيع :
    ذهب جمهور الفقهاء ، إلى أنّ المبيع في البيع الصّحيح ، في ضمان البائع ، حتّى يقبضه المشتري ، مع رواية تفرقة الحنابلة بين المكيلات ، والموزونات ، ونحوها ، وبين غيرها .
    وذهب المالكيّة إلى أنّ الضّمان ينتقل إلى المشتري - كما يقول ابن جزيّ - بنفس العقد ، إلاّ في مواضع منها : ما بيع على الخيار ، وما بيع من الثّمار قبل كمال طيبه .
    وأهمّ ما يستوجب الضّمان في عقد البيع : هلاك المبيع ، وهلاك الثّمن ، واستحقاق المبيع ، وظهور عيب قديم فيه .
    ويلحق به : ضمان المقبوض على سوم الشّراء ، وضمان المقبوض على سوم النّظر ، وضمان الدّرك .
    وبيان ذلك ما يلي :
    هلاك المبيع :
    يفرّق في الحكم فيه ، تبعاً لأحوال هلاكه : هلاك كلّه ، وهلاك بعضه ، وهلاك نمائه ، وهلاكه في البيع الصّحيح ، والفاسد ، والباطل ، وهلاكه وهو في يد البائع ، أو في يد المشتري .
    هلاك نماء المبيع :
    الأصل المقرّر عند الحنفيّة أنّ زوائد المبيع مبيعة - كما يقول الكاسانيّ - إلاّ إذا كانت منفصلةً غير متولّدة من الأصل ، كغلّة المباني والعقارات ، فإنّها إمّا أن تحدث في المبيع قبل قبضه أو بعده :
    أ - فقبل القبض ، إذا أتلف البائع الزّيادة يضمنها ، فتسقط حصّتها من الثّمن عن المشتري، كما لو أتلف جزءاً من المبيع ، وكما لو أتلفها أجنبيّ .
    وإذا هلكت بآفة سماويّة ، كما لو هلك الثّمر ، فلا تضمن ، لأنّها كالأوصاف ، لا يقابلها شيء من الثّمن ، وإنّها وإن كانت مبيعةً ، لكنّها مبيعة تبعاً لا قصداً .
    ب - أمّا لو هلكت بعد أن قبضها المشتري ، أو أتلفها هو ، فهي غير مضمونة بقبضه ، ولها حصّتها من الثّمن ، فيقسم الثّمن على قيمة الأصل يوم العقد وعلى قيمة الزّيادة يوم القبض .
    ولو أتلفها أجنبيّ ، ضمنها بلا خلاف ، لكن المشتري بالخيار : إن شاء فسخ العقد ، ويرجع البائع على الجاني بضمان الجناية ، وإن شاء اختار البيع ، واتّبع الجاني بالضّمان ، وعليه جميع الثّمن كما لو أتلف الأصل .
    الضّمان في البيع الباطل :
    جمهور الفقهاء لا يفرّقون في قواعدهم العامّة بين البيع الباطل ، والبيع الفاسد والحنفيّة هم الّذين فرّقوا بينهما .
    والبيع الباطل لا يثبت الملك أصلاً ، ولا حكم لهذا البيع ، لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة .
    ضمان البيع الفاسد :
    كلّ بيع فاته شرط من شروط الصّحّة فهو فاسد كأن كان في المبيع جهالة ، كبيع شاة من قطيع ، أو غرر كبيع بقرة على أنّها تحلب كذا في اليوم ، أو كان منهيّاً عنه ، كبيع الطّعام قبل قبضه ، وبيع العينة .
    ومع الاتّفاق على وجوب فسخه ، وخبث الرّبح النّاشئ عنه ، فقد اختلف في ضمان المبيع فيه بعد قبضه ، وملكه :
    ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه وإن كان لا يملك بالقبض ، ولا ينفذ التّصرّف فيه ببيع ولا هبة ، لكنّه يضمن ضمان الغصب ، وعليه مؤنة ردّه كالمغصوب ، وإن نقص ضمن نقصانه، وزوائده مضمونة ، وفي تعيّبه أرش النّقص ، وفي تلفه وإتلافه الضّمان .
    وعلّله ابن قدامة بأنّه مضمون بعقد فاسد ، فلم يملكه ، كالميتة ، فكان مضموناً في جملته ، فأجزاؤه مضمونة أيضاً .
    ومذهب الحنفيّة أنّ البيع الفاسد يفيد الملك إذا اتّصل به القبض ، ولم يكن فيه خيار شرط لحديث بريرة المعروف ، ولصدور العقد من أهله ووقوعه في محلّه ، لكنّه ملك خبيث حرام لمكان النّهي ، وهذا هو الصّحيح ، المختار عندهم .
    ويكون مضموناً في يد المشتري ، ويلزمه مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً ، بعد هلاكه أو تعذّر ردّه .
    ومذهب المالكيّة أنّ المشتري إذا قبض المبيع في البيع الفاسد ، دخل في ضمانه ، لأنّه لم يقبضه على جهة الأمانة ، وإنّما قبضه على جهة التّمليك ، بحسب زعمه ، وإن لم ينتقل إليه الملك بحسب الأمر نفسه .
    ونصّ الآبيّ على أنّ ملك الفاسد لا ينتقل إلى المشتري بقبضه ، بل لا بدّ من فواته - سواء أنقد الثّمن أم لا - قال ابن الحاجب : لا ينتقل الملك فيه إلاّ بالقبض والفوات .
    والفوات - كما يقول ابن جزيّ - يكون بخمسة أشياء ، ذكر منها تغيّر الذّات والتّعيّب وتعلّق حقّ الآخرين
    وفي وقت تقدير قيمة المبيع بيعاً فاسداً خلاف بين الفقهاء :
    فعند جمهور الحنفيّة والمالكيّة ، تجب القيمة يوم القبض ، وذلك لأنّ به يدخل في ضمانه ، لا من يوم العقد لأنّ ما يضمن يوم العقد هو العقد الصّحيح .
    وذهب الحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة وقول محمّد من الحنفيّة : أنّه تعتبر قيمته يوم الإتلاف أو الهلاك ، لأنّ بهما يتقرّر الضّمان كما يقول محمّد .
    وعلّله الحنابلة بأنّه قبضه بإذن مالكه فأشبه العاريّة وهي مضمونة عندهم .
    والمذهب عند الشّافعيّة اعتبار أقصى القيمة ، في المتقوّم ، من وقت القبض إلى وقت التّلف.
    وهذا - أيضاً - وجه ذكره الحنابلة في الغصب ، وهو هاهنا كذلك ، كما يقول المقدسيّ . ولو نقص المبيع بيعاً فاسداً ، وهو في يد المشتري ، فالاتّفاق على أنّ النّقص مضمون عليه ، وذلك :
    أ - للتّعيّب .
    ب - ولأنّ جملة المبيع مضمونة ، فتكون أجزاؤها مضمونةً أيضاً .
    ولو زاد المبيع بيعاً فاسداً بعد قبضه ، زيادةً منفصلةً كالولد والثّمرة ، أو متّصلةً كالسّمن ، فهو مضمون على المشتري - كزوائد المغصوب - كما قال النّوويّ .
    وعدم ضمان الزّيادة هو - أيضاً - وجه شاذّ عند الشّافعيّة ، ذكره النّوويّ .
    والحنابلة قالوا : إذا تلفت العين بعد الزّيادة ، أسقطت الزّيادة من القيمة ، وضمنها بما بقي من القيمة حين التّلف .
    وذكر المقدسيّ فيه احتمالين :
    أ - أحدهما : الضّمان ، لأنّها زيادة في عين مضمونة ، فأشبهت الزّيادة في المغصوب .
    ب - والآخر : عدم الضّمان ، لأنّه دخل على أن لا يكون في مقابلة الزّيادة عوض ، فعلى هذا تكون الزّيادة أمانةً في يده : إن هلكت بتفريطه أو عدوانه ، ضمنها ، وإلاّ فلا . والحنفيّة قرّروا أنّ الزّيادة أربعة أنواع :
    أ - الزّيادة المنفصلة المتولّدة من الأصل ، كالولد ، فهذه يضمنها بالاستهلاك لا بالهلاك .
    ب - الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة من الأصل ، كالكسب ، لا تضمن بالاستهلاك ، عند الإمام ، وعند صاحبيه تضمن بالاستهلاك ، لا بالهلاك ، كالمنفصلة المتولّدة .
    ح - الزّيادة المتّصلة المتولّدة من الأصل ، كالسّمن ، يضمنها بالاستهلاك لا بالهلاك .
    د - الزّيادة المتّصلة غير المتولّدة من الأصل ، كالصّبغ والخياطة ، - فإنّها ملك المشتري ، وهلاكها أو استهلاكها من حسابه - وإنّما الخلاف في هذه من حيث الفسخ :
    فعند الإمام يمتنع الفسخ فيها ، وتلزم المشتري قيمتها .
    وعندهما : ينقضها البائع ، ويستردّ المبيع .
    وما سواها لا يمنع الفسخ .
    ولو هلك المبيع فقط ، دون الزّيادة المنفصلة ، فللبائع أخذ الزّيادة ، وأخذ قيمة المبيع يوم القبض .
    ولو هلك المبيع فقط ، دون الزّيادة المنفصلة ، غير المتولّدة ، كالكسب ، فللبائع أخذها مع تضمين المبيع ، لكن لا تطيب له ، ويتصدّق بها .
    إذا استغلّ المشتري المبيع بيعاً فاسداً ، بعد أن قبضه لا يردّ غلّته ، لأنّ ضمانه منه و" الخراج بالضّمان " .
    والخراج هو : الغلّة الحاصلة من المبيع ، كأجرة الدّابّة ، وكلّ ما خرج من شيء فهو خراجه ، فخراج الشّجر ثمره ، وخراج الحيوان درّه ونسله .
    وإذا أنفق عليه لا يرجع على بائعه بنفقته ، لأنّ من له الغلّة عليه النّفقة ، فإن لم يكن له غلّة ، فله الرّجوع بالنّفقة .
    وإذا أحدث فيه ، ما له عين قائمة ، كبناء وصبغ ، رجع بذلك على البائع ، مع كون الغلّة له، كسكناه ولبسه .
    والزّيادة المنفصلة ، غير المتولّدة من الأصل ، كالكسب ، لا تضمن بالاستهلاك عند أبي حنيفة ، فهو كمذهب المالكيّة ، لحديث : » الخراج بالضّمان « .
    وعند الصّاحبين تضمن بالاستهلاك لا بالهلاك .
    ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّ غلات المبيع بيعاً فاسداً مضمونة على كلّ حال ، كمنافع المغصوب .
    ونصّ الشّافعيّة على أنّه تلزمه أجرة المثل ، للمدّة الّتي كان في يده ، وذلك للمنفعة ، وإن لم يستوفها ، وكذلك نصّوا على أنّه متى حكم بأنّه غاصب للدّار أو لبعضها ضمن الأجرة . ونصّ المقدسيّ على أنّ أجرة مثل المبيع بيعاً فاسداً مدّة بقائه في يده تجب على المشتري وعليه ردّها .
    ضمان المقبوض على سوم الشّراء :
    المقبوض على سوم الشّراء : هو أن يقبض المساوم المبيع ، بعد معرفة الثّمن ، وبعد الشّراء ، فيقول للبائع : هاته ، فإن رضيته اشتريته .
    ولا بدّ فيه عند الحنفيّة من توافر شرطين :
    أ - أن يكون الثّمن مسمّىً في العقد ، من البائع أو المشتري .
    ب - وأن يكون القبض بقصد الشّراء ، لا لمجرّد النّظر .
    ويضمنه القابض في هذه الحال ، إذا هلك في يده ، بالقيمة بالغةً ما بلغت يوم القبض ، كما في البيع الفاسد ، خلافاً للطّرسوسيّ الّذي ذهب إلى أنّه ينبغي أن لا يزاد بها على المسمّى ، كما في الإجارة الفاسدة .
    أمّا لو استهلكه فيجب فيه الثّمن لا القيمة ، لأنّه بالاستهلاك يعتبر راضياً بإمضاء العقد بثمنه.
    وقال القليوبيّ من الشّافعيّة : المأخوذ بالسّوم مضمون كلّه إن أخذه لشراء كلّه ، وإلاّ فقدر ما يريد شراءه .
    وفي كشّاف القناع : المقبوض على وجه السّوم مضمون إذا تلف مطلقاً ، لأنّه مقبوض على وجه البدل والعوض .
    أمّا المقبوض على سوم النّظر ، فهو أن يقول المساوم : هاته حتّى أنظر إليه ، أو حتّى أريه غيري ، ولا يقول : فإن رضيته أخذته فهذا غير مضمون مطلقاً بل هو أمانة ، ذكر الثّمن أو لا ، ويضمن بالاستهلاك .
    والفرق بينهما - كما حرّره ابن عابدين - :
    أ - أنّ المقبوض على سوم الشّراء لا بدّ فيه من ذكر الثّمن ، أمّا الآخر فلا يذكر فيه ثمن .
    ب - وأنّه لا بدّ أن يقول المشتري : إن رضيته أخذته . فلو قال : حتّى أراه لم يكن مقبوضاً على سوم الشّراء ، وإن صرّح البائع بالثّمن .
    وعند الحنابلة إن أخذ إنسان شيئاً بإذن ربّه ليريه الآخذ أهله فإن رضوه أخذه وإلاّ ردّه من غير مساومة ولا قطع ثمن فلا يضمنه إذا تلف بغير تفريط .
    الضّمان في عقد القسمة :
    تشتمل القسمة على الإفراز والمبادلة .
    والإفراز : أخذ الشّريك عين حقّه ، وهو ظاهر في المثليّات .
    والمبادلة : أخذه عوض حقّه ، وهو ظاهر في غير المثليّات .
    ولوجود وصف المبادلة فيها ، كانت عقد ضمان .
    ويد كلّ شريك على المشترك قبل القسمة ، يد أمانة ، وبعدها يد ضمان .
    وإذا قبض كلّ شريك نصيبه بعد القسمة ، ملكه ملكاً مستقلاً ، يخوّله حقّ التّصرّف المطلق فيه ، وإذا هلك في يده هلك من ضمانه هو فقط .
    الضّمان في عقد الصّلح عن المال بمال :
    يعتبر هذا النّوع من الصّلح بمثابة البيع ، لأنّه مبادلة كالبيع ، ولهذا قال الكاسانيّ : الأصل أنّ كلّ ما يجوز بيعه وشراؤه ، يجوز الصّلح عليه وما لا فلا .
    وقال المالكيّة : الصّلح على غير المدّعى - به - بيع ، فتشترط فيه شروط البيع والبيع أبرز عقود الضّمان ، فكذلك الصّلح عن المال بمال .
    فإذا قبض المصالح عليه ، وهو بدل الصّلح ، وهلك في يد المصالح ، هلك من ضمانه ، كما لو هلك المبيع بعد قبضه في عقد البيع ، في يد المشتري .
    الضّمان في عقد التّخارج :
    التّخارج : اصطلاح الورثة على إخراج بعضهم من التّركة ، بشيء معلوم .
    ويعتبر بمثابة تنازل أحد الورثة عن نصيبه من التّركة ، في مقابل ما يتسلّمه من المال ، عقاراً كان أو عروضاً أو نقوداً ، فيمكن اعتباره بيعاً ، فإذا قبض المخرج من التّركة بدل المخارجة أخذ حكم المبيع بعد قبضه ، تملّكاً وتصرّفاً واستحقاقاً ، فإذا هلك هلك من حسابه الخاصّ ، كالمبيع إذا هلك في يد المشتري بعد قبضه ، وهذا لأنّه أمكن اعتباره بيعاً ، فكان مضموناً كضمان المبيع .
    الضّمان في عقد القرض :
    يشبه القرض العاريّة في الابتداء ، لما فيه من الصّلة ، والمعاوضة في الانتهاء ، لوجود ردّ المثل ، لكنّه ليس بتبرّع محض ، لمكان العوض ، وليس جارياً على حقيقة المعاوضات ، بدليل الرّجوع فيه ما دام باقياً
    ويملك القرض بالقبض ، كالموهوب - عند الجمهور - لأنّه لا يتمّ التّبرّع إلاّ بالقبض . وعند المالكيّة ، وفي قول للشّافعيّة ، بالتّصرّف والعقد .
    فإذا قبضه المقترض ، ضمنه ، كلّما هلك ، بآفة أو تعدّ منه أو من غيره ، كالمبيع والموهوب بعد القبض ، لأنّ قبضه قبض ضمان ، لا قبض حفظ وأمانة كقبض العاريّة .
    ونصّ الحنفيّة على أنّ المقبوض بقرض فاسد كالمقبوض ، ببيع فاسد ، سواء ، فإذا هلك ضمنه المقترض فيحرم الانتفاع به ، لكن يصحّ بيعه ، لثبوت الملك ، وإن كان البيع لا يحلّ ، لأنّ الفاسد يجب فسخه ، والبيع مانع من الفسخ ، فلا يحلّ ، كما لا تحلّ سائر التّصرّفات المانعة من الفسخ .
    والقرض الفاسد يملك بقبضه ، ويضمن بمثله أو قيمته ، كبيع فسد .
    ولو أقرض صبيّاً ، فهلك القرض في يده ، لا يضمن بالاتّفاق ، عند الحنفيّة ، لأنّه سلّطه عليه .
    أمّا لو استهلكه الصّبيّ ، فالحكم كذلك عند أبي حنيفة ومحمّد ، وعند أبي يوسف يضمن بالتّعمّد والاستهلاك . قال في الخانيّة : وهو الصّحيح .
    وهذا إذا كان الصّبيّ غير مأذون له بالبيع فإن كان مأذوناً له بالبيع ، كان كالبائع ، يضمن القرض ، بالهلاك والاستهلاك .
    الضّمان في عقد الزّواج :
    لا بدّ من المهر في عقد الزّواج ، فيجري فيه الضّمان .
    فإن كان المهر ديناً ، ثبت في الذّمّة .
    وإن كان عيناً معيّنةً ، فإنّ الزّوجة تملكها بمجرّد العقد ، ويجب على الزّوج أن يسلّمها العين، ولو لم تتسلّمها بقيت في ضمان الزّوج ما دامت في يده ، عيناً مضمونةً بنفسها ، لأنّها غير مقابلة بمال ، فإذا هلكت قبل تسليمها إلى الزّوجة : فالحنفيّة يرون أنّ المضمون في هذه الحال ، هو قيمة العين أو مثلها ، كسائر الأعيان المضمونة بنفسها ، كالمغصوب ، والمبيع بيعاً فاسداً ، وبدل الصّلح عن دم ، والمقبوض على سوم الشّراء . ولا يبطل الزّواج بهلاك بدل المهر .
    والمنصوص عند الشّافعيّة ، أنّه لو أصدق عيناً ، فهي من ضمانه قبل قبضها ، ضمان عقد، لا ضمان يد ، ولو تلفت في يده أو أتلفها هو ، وجب لها مهر مثلها ، لانفساخ عقد الصّداق بالتّلف .
    وكذلك الخلع ، ويجري فيه الضّمان ، فلو خالعته على عين معيّنة ، وهلكت العين قبل الدّفع إلى الزّوج : فمذهب الحنفيّة : أنّ عليها مثلها أو قيمتها .
    قال الحصكفيّ : ولو هلك بدله - يعني بدل الخلع - في يدها ، قبل الدّفع ، أو استحقّ ، فعليها قيمته لو البدل قيميّاً ، ومثله لو مثليّاً ، لأنّ الخلع لا يقبل الفسخ .
    ومذهب الشّافعيّة أنّ عليها مهر مثلها .

  9. #8

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الضمان في الشريعة الإسلامية

    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الثالث
    ثالثاً : الضّمان في عقود الأمانة :
    ضمان الوديعة :
    تعتبر الوديعة من عقود الأمانة ، وهي أمانة في يد المودع - أو الوديع - فهو أمين غير ضامن لما يصيب الوديعة ، من تلف جزئيّ أو كلّيّ ، إلاّ أن يحدث التّلف بتعدّيه أو تقصيره أو إهماله .
    وهذا الحكم متّفق عليه بين الفقهاء ويشهد له ما روي عن عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال » ليس على المستعير غير المغلّ ضمان ولا على المستودع غير المغلّ ضمان «
    والمغلّ هو : الخائن ، في المغنم وغيره .
    وما روي - أيضاً - عن عبد اللّه بن عمرو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » من أودع وديعةً فلا ضمان عليه « .
    ومن أسباب الضّمان في الوديعة التّعدّي أو التّقصير أو الإهمال .
    ضمان العاريّة :
    مشهور مذهب الشّافعيّ ، ومذهب أحمد ، وأحد قولي مالك - كما نصّ ابن رشد - وقول أشهب من المالكيّة ، أنّ العاريّة مضمونة ، سواء أتلفت بآفة سماويّة ، أم تلفت بفعل المستعير ، بتقصير أو بغير تقصير وهو مرويّ عن ابن عبّاس وأبي هريرة ، وإليه ذهب عطاء وإسحاق ، واستدلّوا : بحديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أميّة أدرعاً ، يوم حنين ، فقال : أغصباً يا محمّد ؟ قال : بل عاريّة مضمونة « وفي رواية : » فقال : يا رسول اللّه ، أعاريّة مؤدّاة ، قال : نعم عاريّة مؤدّاة « .
    وحديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « .
    ولأنّه أخذ ملك غيره ، لنفع نفسه ، منفرداً بنفعه ، من غير استحقاق ولا إذن ، فكان مضموناً ، كالغاصب ، والمأخوذ على وجه السّوم .
    ومذهب الحنفيّة ، وهو قول ضعيف عند الشّافعيّة أنّ العاريّة أمانة عند المستعير ، فلا تضمن إذا هلكت من غير تعدّ ولا تقصير وذلك لحديث : »ليس على المستعير غير المغلّ ضمان « .
    ولأنّ عقد العاريّة تمليك أو إباحة للمنفعة ، ولا تعرّض فيه للعين ، وليس في قبضها تعدّ ، لأنّه مأذون فيه ، فانتفى سبب وجوب الضّمان .
    وإنّما يتغيّر حال العاريّة من الأمانة إلى الضّمان ، بما يتغيّر به حال الوديعة .
    وذهب المالكيّة إلى تضمين المستعير ما يغاب عليه من العاريّة ، وهو : ما يمكن إخفاؤه كالثّياب والحليّ والكتب ، إلاّ أن تقوم البيّنة على هلاكها أو ضياعها بلا سبب منه فلا يضمن حينئذ ، خلافاً لأشهب القائل : إنّ ضمان العواريّ ضمان عداء ، لا ينتفي بإقامة البيّنة كما ذهبوا إلى عدم تضمينه ما لا يغاب عليه ، كالحيوان والعقار ، فلا يضمنه المستعير ، ولو شرط عليه المعير الضّمان ، ولو كان لأمر خافه ، من طريق مخوف أو لصوص على المعتمد كما قرّره الدّسوقيّ .
    أمّا لو شرط المستعير نفي الضّمان عن نفسه ، فيما يغاب عليه ، فلهم فيه قولان :
    أحدهما : أنّه لا عبرة بالشّروط ، ويضمن ، لأنّ الشّرط يزيده تهمةً ، ولأنّه من إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، فلا يعتبر .
    الآخر : أنّه يعتبر الشّرط ، ولا يضمن ، لأنّه معروف من وجهين : فالعاريّة معروف ، وإسقاط الضّمان معروف آخر ، ولأنّ المؤمنين عند شروطهم كما جاء في الحديث : » المسلمون عند شروطهم « .
    الضّمان في الشّركة :
    الشّركة قسمان - كما يقول الحنابلة - شركة أملاك وشركة عقد .
    فالأولى يعتبر فيها كلّ من الشّركاء ، كأنّه أجنبيّ في حقّ صاحبه ، فلا يجوز له التّصرّف فيه بغير إذنه ، فإن فعل ضمن .
    والثّانية شركة أموال ، والفقهاء متّفقون على أنّ يد أحد الشّركاء في مال الشّركة ، يد أمانة، وذلك لأنّه قبضه بإذن صاحبه ، لا على وجه المبادلة ، كالمقبوض على سوم الشّراء، ولا على وجه الوثيقة كالرّهن .
    فإن قصّر في شيء أو تعدّى ، فهو ضامن .
    وكذلك كلّ ما كان إتلافاً للمال ، أو كان تمليكاً للمال بغير عوض ، لأنّ الشّركة - كما يقول الحصكفيّ - وضعت للاسترباح وتوابعه ، وما ليس كذلك لا ينتظمه عقدها ، فيكون مضموناً.
    وكذا إذا مات مجهلاً نصيب صاحبه ، إذا كان مال الشّركة ديوناً على النّاس ، فإنّه يضمن ، كما يضمن لو مات مجهلاً عين مال الشّركة الّذي في يده ، وكذا بقيّة الأمانات ، إلاّ إذا كان يعلم أنّ وارثه يعلم ذلك ، فلا يضمن .
    ولو هلك شيء من أموال الشّركة في يده من غير تعدّ ولا تفريط ، لا يضمنه لأنّه أمين .
    أمّا لو هلك مال الشّريكين ، أو مال أحدهما قبل التّصرّف فتبطل الشّركة ، لأنّ المال هو المعقود عليه فيها .
    الضّمان في عقد المضاربة :
    يعتبر المضارب أميناً في مال المضاربة وأعيانها ، لأنّه متصرّف فيه بإذن مالكه ، على وجه لا يختصّ بنفعه ، فكان أميناً ، كالوكيل ، وفارق المستعير ، لأنّه يختصّ بنفع العاريّة .
    وهذا ما لم يخالف ما قيّده به ربّ المال ، فيصبح عندئذ غاصباً .
    ومع اختلاف الفقهاء في جواز تقييد المضارب ببعض القيود ، لأنّه مفيد ، كما يقول الكاسانيّ ، وفي عدم الجواز لما فيه من التّحجير الخارج عن سنّة القراض كما يقول الدّردير، كالاتّجار بالدّين ، والإيداع ، لكن هناك قيوداً ، لا تجوز له مخالفتها ، منها :
    أ - السّفر إذا لم يأذن به ربّ المال ، وهذا لما فيه من الخطر ، والتّعريض للتّلف ، فلو سافر بالمال بغير إذنه ، ضمنه .
    ب - إذا قيّده بأن لا يسافر ببحر ، أو يبتاع سلعةً عيّنها له ، فخالفه ، ضمن .
    ج - وإذا دفع مال المضاربة قراضاً - أي ضارب فيه - بغير إذن ، ضمن لأنّ الشّيء لا يتضمّن مثله إلاّ بالتّنصيص عليه ، أو التّفويض إليه .
    ضمان المضارب في غير المخالفات العقديّة :
    المضارب وإن كان أميناً ، لكنّه يضمن - في غير المخالفات العقديّة - فيما يلي :
    أ - إذا باع بأقلّ من ثمن المثل ، أو اشترى بأكثر منه ، ممّا لا يتغابن فيه النّاس ، ضمن .
    ب - إذا تصدّق بشيء من مال القراض ، أو أنفق من مال المضاربة في الحضر ، على نفسه أو على من يموّله ، ضمن ، لأنّ النّفقة جزاء الاحتباس ، فإذا كان في مصره لا يكون محتبساً .
    أمّا لو أنفق في السّفر ، ففيه خلاف وأوجه وشروط في انتفاء ضمانه .
    ج - إذا هلك مال المضاربة في يده ، بسبب تعدّيه أو تقصيره أو تفريطه ، فإنّه يضمنه ، وإلاّ فالخسران والضّياع على ربّ المال ، دون العامل ، لأنّه أمين ، كالوديع .
    ولو هلك في يده من غير تفريط ، لا يضمنه ، لأنّه متصرّف فيه بإذن مالكه ، على وجه لا يختصّ بنفعه .
    د - إذا أتلف العامل مال القراض - المضاربة - ضمنه ، ووجب عليه بدله ، لكن يرتفع القراض ، لأنّه وإن وجب عليه بدله ، لكن لا يدخل في ملك المالك إلاّ بالقبض ، فيحتاج إلى استئناف القراض .
    الضّمان في عقد الوكالة :
    الوكيل أمين وذلك لأنّه نائب عن الموكّل ، في اليد والتّصرّف ، فكانت يده كيده ، والهلاك في يده كالهلاك في يد المالك ، كالوديع .
    ولأنّ الوكالة عقد إنفاق ومعونة ، والضّمان مناف لذلك .
    وعلى هذا لا يضمن الوكيل ما تلف في يده بلا تعدّ ، وإن تعدّى ضمن ، وكلّ ما يتعدّى فيه الوكيل مضمون عند من يرى أنّه تعدّى - كما يذكر ابن رشد - .
    الوكيل بالشّراء يتقيّد شراؤه بمثل القيمة وغبن يسير - وهو ما يدخل تحت تقويم المقوّمين - إذا لم يكن سعره معروفاً ، فإن كان سعره معروفاً ، لا ينفذ على الموكّل وإن قلّت الزّيادة ، " فيضمنها الوكيل " وهذا لأنّ التّهمة في الأكثر متحقّقة ، فلعلّه اشتراه لنفسه فإذا لم يوافقه ألحقه بغيره .
    والوكيل بالبيع ، إذا كانت الوكالة مطلقةً ، لا يجوز بيعه ، إلاّ بمثل القيمة ، عند الصّاحبين ومالك والشّافعيّ ولا يجوز بيعه بنقصان لا يتغابن النّاس في مثله ، ولا بأقلّ ممّا قدّره له الموكّل ، فلو باع كذلك كان ضامناً ، ويتقيّد مطلق الوكالة بالمتعارف .
    وممّا يضمنه الوكيل قبض الدّين ، وهو وكيل بالخصومة .
    والوكيل بالخصومة لا يملك القبض ، لأنّ الخصومة غير القبض حقيقةً ، وهي لإظهار الحقّ.
    ويعتبر قبض الوكيل بالخصومة للدّين تعدّياً ، فيضمنه إن هلك في يده ، لأنّ كلّ ما يعتدي فيه الوكيل ، يضمنه عند من يرى أنّه تعدّى ، وهذا عند جمهور الفقهاء وهو المفتى به عند الحنفيّة .
    وهناك أحكام تتعلّق بالضّمان في عقد الوكالة منها :
    1 - إذا اشترى الوكيل شيئاً ، وأخّر تسليم الثّمن لغير عذر ، فهلك في يده ، فهو ضامن له، لأنّه مفرّط في إمساكه .
    2 - إذا قبض ثمن المبيع ، فهو أمانة في يده ، فإن طلبه الموكّل ، فأخّر ردّه مع إمكانه فتلف ، ضمنه .
    3 - إذا دفع الوكيل ديناً عن الموكّل ، ولم يشهد ، فأنكر الّذي له الدّين القبض ، ضمن الوكيل لتفريطه بعدم الإشهاد .
    وقيّده الحنفيّة بأن يكون الموكّل قال له : لا تدفع إلاّ بشهود ، فدفع بغير شهود .
    4 - إذا سلّم الوكيل المبيع قبل قبض ثمنه ، ضمن قيمته للموكّل .
    وكذا إذا وكّله بشراء شيء ، أو قبض مبيع ، فإنّه لا يسلّم الثّمن حتّى يتسلّم المبيع .
    فلو سلّم الثّمن قبل تسلّم المبيع ، وهلك المبيع قبل تسلّمه ضمنه للموكّل ، إلاّ بعذر .
    للوكيل بالشّراء نسيئةً أن يحبس المبيع لاستيفاء الثّمن ، عند الحنفيّة ثمّ :
    أ - إن هلك قبل الحبس ، يهلك على الموكّل ، ولا يضمن الوكيل .
    ب - وإن هلك بعد الحبس ففيه تفصيل :
    أ - يهلك بالثّمن ، هلاك المبيع ، ويسقط الثّمن عن الموكّل في قول أبي حنيفة .
    ب - ويهلك بأقلّ من قيمته ومن الثّمن ، عند أبي يوسف ، حتّى لو كان الثّمن أكثر من قيمته رجع الوكيل بذلك الفضل على موكّله .
    ج - وقال : زفر يهلك على الوكيل هلاك المغصوب ، لأنّ الوكيل عنده لا يملك الحبس من الموكّل ، فيصير غاصباً بالحبس .
    واشترط الشّافعيّة على الوكيل إذا باع إلى أجل ، أن يشهد ، وإلاّ ضمن . وتردّدت النّقول ، في أنّ عدم الإشهاد ، شرط صحّة أو شرط للضّمان .
    ونقل الجمل أنّه إن سكت الموكّل عن الإشهاد ، أو قال : بع وأشهد ، ففي الصّورتين يصحّ البيع ، ولكن يجب على الوكيل الضّمان .
    ضمان الوصيّ في عقد الوصاية - أو الإيصاء - :
    الإيصاء : تفويض الشّخص التّصرّف في ماله ، ومصالح أطفاله ، إلى غيره ، بعد موته .
    ويعتبر الوصيّ نائباً عن الموصي ، وتصرّفاته نافذة ، ويده على مال المتوفّى يد أمانة ، فلا يضمن ما تلف من المال بدون تعدّ أو تقصير ، ويضمن في الأحوال التّالية :
    أ - إذا باع أو اشترى بغبن فاحش ، وهو : الّذي لا يدخل تحت تقويم المتقوّمين ، لأنّ ولايته للنّظر ، ولا نظر في الغبن الفاحش .
    ب - كما يضمن الوصيّ إذا دفع المال إلى اليتيم بعد الإدراك ، قبل ظهور رشده ، لأنّه دفعه إلى من ليس له دفعه إليه ، وهذا مذهب الصّاحبين .
    وقال الإمام : بعدم الضّمان ، إذا دفعه إليه بعد خمس وعشرين سنةً ، لأنّ له ولاية الدّفع إليه حينئذ .
    ج - ليس للوليّ الاتّجار في مال اليتيم لنفسه ، فإن فعل : فعند أبي حنيفة ومحمّد يضمن رأس المال ، ويتصدّق بالرّبح .
    وعند أبي يوسف يسلّم له الرّبح ، ولا يتصدّق بشيء .
    الضّمان في عقد الهبة :
    لمّا كانت الهبة عقد تبرّع ، فقد ذهب الفقهاء إلى أنّ قبض الهبة هو قبض أمانة ، فإذا هلكت أو استهلكت لم تضمن ، لأنّه - كما يقول الكاسانيّ - لا سبيل إلى الرّجوع في الهالك ، ولا سبيل إلى الرّجوع في قيمته لأنّها ليست بموهوبة لانعدام ورود العقد عليها . وتضمن عند الحنفيّة في هاتين الحالين فقط :
    أ - حال ما إذا طلب الواهب ردّها - لأمر ما - وحكم القاضي بوجوب الرّدّ ، وامتنع الموهوب له من الرّدّ ، ثمّ هلكت بعد ذلك ، فإنّه يضمنها حينئذ ، لأنّ قبض الهبة قبض أمانة، والأمانة تضمن بالمنع والجحد بالطّلب ، لوجود التّعدّي منه .
    ب - حال ما إذا وهبه مشاعاً قابلاً للقسمة كالأرض الكبيرة ، والدّار الكبيرة ، فإنّها هبة صحيحة عند الجمهور ، لأنّها عقد تمليك ، والمحلّ قابل له ، فأشبهت البيع لكنّها فاسدة عند الحنفيّة ، لأنّ القبض شرط في الهبة ، وهو غير ممكن في المشاع ، ولا ينفذ تصرّف الموهوب له فيها ، وتكون مضمونةً عليه ، وينفذ تصرّف الواهب فيها .
    رابعاً : العقود المزدوجة الأثر :
    ضمان الإجارة :
    إذا كانت الإجارة : تمليك المنفعة بعوض ، فإنّ المنفعة ضربان :
    أ - فقد تكون المنفعة بمجرّدها هي المعقود عليها ، وتتحدّد بالمدّة ، كإجارة الدّور للسّكنى ، والحوانيت للتّجارة ، والسّيّارات للنّقل ، والأواني للاستعمال .
    ب - وقد تكون المنفعة المعقود عليها عملاً معلوماً يؤدّيه العامل ، كبناء الدّار ، وخياطة الثّوب ، وإصلاح الأجهزة الآليّة ، ونحو ذلك .
    ج - فإذا كانت المنفعة المعقود عليها ، وهي مجرّد السّكنى أو الرّكوب ، أو نحوهما ، يفرّق في الضّمان ، بين العين المأجورة ، وبين المنفعة المعقود عليها :
    أ - فتعتبر الدّار المأجورة ، والسّيّارة المستأجرة - مثلاً - أمانةً في يد المستأجر ، حتّى لو خربت الدّار ، أو عطبت السّيّارة ، وهي في يده ، بغير تفريط ولا تقصير ، لا ضمان عليه ، لأنّ قبض الإجارة - كما يقول الكاسانيّ - قبض مأذون فيه ، فلا يكون مضموناً ، كقبض الوديعة والعاريّة ، سواء أكانت الإجارة صحيحةً أم فاسدةً .
    ونصّ الشّافعيّة على أنّ يد المستأجر على العين المأجورة يد أمانة كذلك ، بعد انتهاء عقد الإجارة ، إذا لم يستعملها ، في الأصحّ ، استصحاباً لما كان ، كالمودع ، وفي قول ثان : يد ضمان .
    قال السّبكيّ : فإن تلفت عقب انقضاء المدّة ، قبل التّمكّن من الرّدّ على المالك ، أو إعلامه ، فلا ضمان جزماً ، أمّا إذا استعملها فإنّه يضمنها قطعاً .
    فلو شرط المؤجّر على المستأجر ضمان العين المأجورة ، فهو شرط فاسد ، لأنّه ينافي مقتضى العقد ، وفي فساد الإجارة فيه وجهان ، بناءً على الشّروط الفاسدة في البيع . وصرّح الحنفيّة بأنّ اشتراط الضّمان على الأمين باطل .
    وقال ابن قدامة : ما لا يجب ضمانه ، لا يصيّره الشّرط مضموناً ، وما يجب ضمانه ، لا ينتفي ضمانه بشرط نفيه .
    وروي عن أحمد ما يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، ووجوبه بشرطه ، استدلاّ بحديث : » المسلمون على شروطهم « .
    ب - أمّا المنفعة المعقود عليها ، وهي : السّكنى أو الرّكوب ، فهي مضمونة ، بضمان بدلها على المستأجر بمجرّد تمكّنه من استيفائها ، إذا كانت الإجارة صحيحةً ، بلا خلاف ، سواء انتفع بها المستأجر أم لم ينتفع وفيها : تلزم الأجرة في الإجارة الصّحيحة - أيضاً - بالاقتدار على استيفاء المنفعة ، مثلاً : لو استأجر أحد داراً بإجارة صحيحة ، فبعد قبضها يلزمه إعطاء الأجرة ، وإن لم يسكنها .
    أمّا إذا كانت الإجارة فاسدةً فقد اختلف في الضّمان الواجب فيها : فمذهب الجمهور ، وزفر من الحنفيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد - أشار إليها ابن رجب - أنّها كالصّحيحة ، وأنّه يجب في الضّمان أجر المثل ، بالغاً ما بلغ ، لأنّ المنافع متقوّمة ، فتجب القيمة بالغةً ما بلغت ، والإجارة بيع المنافع ، فتعتبر ببيع الأعيان ، وفي بيع الأعيان إذا فسد البيع تعتبر القيمة ، بالغةً ما بلغت ، فكذا بيع المنافع .
    والحنفيّة عدا زفر ، وهو الرّاوية الثّانية عن الإمام أحمد ، يرون التّفرقة بين الصّحيحة والفاسدة : ففي الصّحيحة : يضمن الأجرة المتّفق عليها ، مهما بلغت .
    أمّا في الفاسدة ، فضمان الأجرة منوط باستيفاء المنفعة ، ولا تجب الأجرة إلاّ بالانتفاع ، ويقول ابن رجب في توجيه هذه الرّواية : ولعلّها راجعة إلى أنّ المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه ، إلاّ بالانتفاع ، وهو الأشبه .
    أمّا إذا كانت المنفعة المعقود عليها هي إنجاز عمل من الأعمال ، كالبناء والخياطة ونحوهما ، فإنّ الضّمان يختلف بحسب صفة العامل ، وهو الأجير في اصطلاحهم لأنّه إمّا أن يكون أجيراً خاصّاً ، أو مشتركاً أي عامّاً .
    والأجير الخاصّ هو الّذي يتقبّل العمل من واحد ، أو يعمل لواحد مدّةً معلومةً ، ويستحقّ الأجر بالوقت دون العمل .
    والأجير المشترك ، هو الّذي يتقبّل العمل من غير واحد ، ولا يستحقّ الأجر حتّى يعمل ، والضّابط : أنّ : كلّ من ينتهي عمله بانتهاء مدّة معلومة فهو أجير واحد - أي خاصّ - وكلّ من لا ينتهي عمله بانتهاء مدّة مقدّرة ، فهو أجير مشترك .
    ضمان الرّهن :
    اختلف الفقهاء في ضمان الرّهن ، إذا هلكت العين المرهونة عند المرتهن ، بعد قبضها وبعد تحقّق شروط الرّهن :
    فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الرّهن أمانة في يد المرتهن ، لا يلزمه ضمانه ، إلاّ إذا تعدّى فيه ، أو امتنع من ردّه بعد طلبه منه أو بعد البراءة من الدّين ، ولا يسقط بشيء من الدّين بهلاكه - أي الرّهن - من غير تعدّ ، وذلك : لما روى الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » لا يغلق الرّهن من صاحبه الّذي رهنه ، له غنمه ، وعليه غرمه « .
    وذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّهن إذا قبضه المرتهن ، كانت ماليّته مضمونةً ، أمّا عينه فأمانة ، وذلك : لما روي عن عطاء أنّه حدّث : » أنّ رجلاً رهن فرساً ، فنفق في يده ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمرتهن : ذهب حقّك « .
    ولحديث عطاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » الرّهن بما فيه « ومعناه : أنّه مضمون بالدّين الّذي وضع في مقابله .
    وذهب المالكيّة إلى ضمان الرّهن بشروط :
    أ - أن يكون الرّهن في يد المرتهن ، لا في يد غيره ، كالعدل .
    ب - أن يكون الرّهن ممّا يغاب عليه ، أي يمكن إخفاؤه ، كالحليّ والسّلاح والكتب والثّياب.
    ج - أن لا تقوم بيّنة على هلاكه أو تلفه بغير سببه ، كالحريق الغالب ، وغارات الأعداء ، ومصادرة البغاة ، فإذا وجدت هذه الشّروط ، ضمن المرتهن ، ولو شرط في عقد الرّهن البراءة وعدم ضمانه ، لأنّ هذا إسقاط للشّيء قبل وجوبه ، والتّهمة موجودة ، خلافاً لأشهب ، القائل بعدم الضّمان عند الشّرط .
    وفي اعتبار قيمة الرّهن المضمون ، بعض الخلاف والتّفصيل :
    فنصّ الحنفيّة ، على أنّ قيمة المرهون إذا هلك ، تعتبر يوم القبض ، لأنّه يومئذ دخل في ضمانه ، وفيه يثبت الاستيفاء يداً ، ثمّ يتقرّر بالهلاك .
    أمّا إذا استهلكه المرتهن أو أجنبيّ ، فتعتبر قيمته يوم الاستهلاك ، لوروده على العين المودعة ، وتكون القيمة رهناً عنده .
    وللمالكيّة - في اعتبار قيمة الرّهن التّالف - ثلاثة أقوال ، كلّها مرويّة عن ابن القاسم : الأوّل : يوم التّلف لأنّ عين الرّهن كانت قائمةً ، فلمّا تلفت قامت قيمتها مقامها .
    الثّاني : يوم القبض ، لأنّه كشاهد ، وضع خطّه ومات ، فيعتبر خطّه ، وتعتبر عدالته يوم كتبه .
    الثّالث : يوم عقد الرّهن ، قال الباجيّ : وهو أقرب ، لأنّ النّاس إنّما يرهنون ما يساوي الدّين المرهون فيه غالباً .
    ضمان الرّهن الموضوع على يد العدل :
    يصحّ وضع الرّهن عند عدل ثالث ، غير الرّاهن والمرتهن ، ويتمّ ويلزم بقبض العدل، لأنّ يده كيد المرتهن
    ولا يأخذه أحدهما منه ، لأنّه تعلّق حقّ الرّاهن في الحفظ بيده ، وتعلّق حقّ المرتهن به استيفاءً ، فلا يملك أحدهما إبطال حقّ الآخر .
    ولو دفع الرّهن إلى أحدهما ضمن ، لتعلّق حقّهما به ، لأنّه مودع الرّاهن في حقّ العين ، ومودع المرتهن في حقّ الماليّة ، وكلاهما أجنبيّ عن صاحبه ، والمودع يضمن بالدّفع إلى الأجنبيّ .
    ولو هلك الرّهن في يد العدل :
    فعند الحنفيّة يهلك من ضمان المرتهن ، لأنّ يده في حقّ الماليّة يد المرتهن ، وهي المضمونة ، فإذا هلك ، هلك في ضمان المرتهن .
    ومذهب مالك : أنّه إذا هلك في يد الأمين ، هلك من ضمان الرّاهن .
    ونصّ المالكيّة : على أنّ الأمين إذا دفع الرّهن إلى الرّاهن أو المرتهن بغير إذن وتلف : فإن سلّمه إلى الرّاهن ، ضمن قيمته للمرتهن ، أو ضمن له الدّين المرهون هو فيه ، فيضمن أقلّهما .
    وإن سلّمه إلى المرتهن ، ضمن قيمة الرّهن للرّاهن .
    الضّمان في الصّلح عن مال بمنفعة :
    إذا وقع الصّلح عن مال بمنفعة ، كسكنى دار ، وركوب سيّارة ، مدّةً معلومةً ، اعتبر هذا الصّلح بمثابة عقد إجارة ، وعبارة التّنوير : وكإجارة إن وقع عن مال بمنفعة .
    كما لو كان لشخص على آخر ألف دينار ، فصالحه المدين على سكنى داره ، أو على زراعة أرضه ، أو ركوب سيّارته ، مدّةً معلومةً ، جاز هذا الصّلح .
    وتثبت لهذا النّوع من الصّلح شروط الإجارة ، منها التّوقيت - إن احتيج إليه - وتثبت فيه أحكامها - كما يقول النّوويّ - ومن أهمّها : اعتبار العين المتصالح على منفعتها ، كالدّار والسّيّارة ، أمانةً في يد المصالح ، أمّا المنفعة ذاتها فإنّها مضمونة على المصالح ، بمجرّد تسلّم العين ، فإذا مضت مدّة الصّلح المتّفق عليها ، اعتبر المصالح مستوفياً لبدل الصّلح حكماً ، سواء استوفى المنفعة فعلاً أو عطّلها ، كما تقرّر في العين المستأجرة في يد المستأجر في الإجارة .

  10. #9

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الضمان في الشريعة الإسلامية

    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الرابع

    يد الأمانة ويد الضّمان :
    المشهور تقسيم اليد إلى قسمين : يد أمانة ، ويد ضمان .
    ويد الأمانة : حيازة الشّيء أو المال ، نيابةً لا تملّكاً ، كيد الوديع ، والمستعير ، والمستأجر، والشّريك ، والمضارب وناظر الوقف ، والوصيّ .
    ويد الضّمان : حيازة المال للتّملّك أو لمصلحة الحائز ، كيد المشتري والقابض على سوم الشّراء ، والمرتهن ، والغاصب والمالك ، والمقترض .
    وحكم يد الأمانة ، أنّ واضع اليد أمانةً ، لا يضمن ما هو تحت يده ، إلاّ بالتّعدّي أو التّقصير، كالوديع فإنّه إذا أودع الوديعة عند من لا يودع مثلها عند مثله يضمنها .
    وحكم يد الضّمان ، أنّ واضع اليد على المال ، على وجه التّملّك أو الانتفاع به لمصلحة نفسه ، يضمنه في كلّ حال ، حتّى لو هلك بآفة سماويّة ، أو عجز عن ردّه إلى صاحبه ، كما يضمنه بالتّلف والإتلاف .
    فالمالك ضامن لما يملكه وهو تحت يده ، فإذا انتقلت اليد إلى غيره بعقد البيع ، أو بإذنه ، كالمقبوض على سوم الشّراء ، أو بغير إذنه كالمغصوب ، فالضّمان في ذلك على ذي اليد . ولو انتقلت اليد إلى غيره ، بعقد وديعة أو عاريّة ، فالضّمان - أيضاً - على المالك .
    أهمّ الأحكام والفوارق بين هاتين اليدين :
    أ - تأثير السّبب السّماويّ :
    إذا هلك الشّيء بسبب لا دخل للحائز فيه ولا لغيره ، انتفى الضّمان في يد الأمانة ، لا في يد الضّمان ، فلو هلكت العاريّة في يد المستعير بسبب الحرّ أو البرد ، لا يضمن المستعير ، لأنّ يده يد أمانة .
    بخلاف يد البائع قبل تسليم المبيع إلى المشتري ، فإنّه لا ينتفي الضّمان بهلاكه بذلك ، بل يفسخ العقد ، ويسقط الثّمن ، لعدم الفائدة من بقائه ، لعجز البائع عن تسليم المبيع كلّما طالب بالثّمن ، فامتنعت المطالبة ، وارتفع العقد كأن لم يكن .
    والمذهب عند مالك ، انتقال الضّمان إلى المشتري بنفس العقد .
    ب - تغيّر صفة وضع اليد :
    تتغيّر صفة يد الأمين وتصبح يد ضمان بالتّعدّي ، فإذا تلف الشّيء بعد ذلك ضمنه ، مهما كان سبب التّلف ، ولو سماويّاً .
    أ - ففي الإجارة ، يعتبر الأجير المشترك أميناً - عند أبي حنيفة - والمتاع في يده أمانة ، لا يضمن إن هلك بغير عمله ، إلاّ إن قصّر في حفظه ، كالوديع إذا قصّر في حفظ الوديعة ، أو تعمّد الإتلاف ، أو تلف المتاع بفعله ، كتمزّق الثّوب من دقّه .
    ب - وفي الوديعة ، يضمن إذا ترك الحفظ الملتزم ، كأن رأى إنساناً يسرق الوديعة ، فتركه وهو قادر على المنع ، أو خالف في كيفيّة الحفظ ، أو أودعها من ليس في عياله ، أو عند من لا تودع عند مثله ، أو سافر بها ، أو جحدها كما تقدّم .
    ج - وفي العاريّة ، وهي أمانة عند الجمهور ، ما عدا الحنابلة ، لا تضمن إن هلكت بالانتفاع المعتاد ، وتضمن بالتّعدّي ، كأن يدلّ عليها سارقاً أو يتلفها أو يمنعها من المعير بعد الطّلب ، على تفصيل بين ما يغاب وما لا يغاب عند المالكيّة .
    ج - الموت عن تجهيل :
    معنى التّجهيل : أن لا يبيّن حال الأمانة الّتي عنده ، وهو يعلم أنّ وارثه لا يعلم حالها، كذلك فسّرها ابن نجيم ، فالوديع إذا مات مجهلاً حال الوديعة الّتي عنده ، ووارثه لا يعلم حالها ، يضمنها بذلك .
    ومعنى ضمانها - كما يقول ابن نجيم - صيرورتها ديناً في تركته .
    وكذلك ناظر الوقف ، إذا مات مجهلاً لحال بدل الوقف ، فإنّه يضمنه .
    وكذا كلّ شيء أصله أمانة يصير ديناً في التّركة بالموت عن تجهيل .
    ونصّ الشّافعيّة على أنّ ترك الإيصاء في الوديعة يستوجب الضّمان ، وقالوا : إذا مرض المودع مرضاً مخوفاً ، أو حبس ليقتل لزمه أن يوصي ، فإن سكت عن ذلك لزمه الضّمان ، لأنّه عرّضها للفوات ، لأنّ الوارث يعتمد ظاهر العين ، ولا بدّ في الوصيّة من بيان الوديعة ، حتّى لو قال : عندي لفلان ثوب ، ولم يوجد في تركته ، ضمن لعدم بيانه .
    د - الشّرط :
    لا أثر للشّرط في صفة اليد المؤتمنة عند الأكثرين .
    قال البغداديّ : اشتراط الضّمان على المستعير باطل ، وقيل : تصير مضمونةً .
    وقال التّمرتاشيّ : واشتراط الضّمان على الأمين باطل ، به يفتى ، فلو شرط المؤجّر على المستأجر ضمان العين المؤجّرة ، فالشّرط فاسد .
    ولو شرط المودع على الوديع ضمان الوديعة فالشّرط باطل ، ولا ضمان لو تلفت وكذا الحكم في سائر الأمانات .
    وعلّله المالكيّة ، بأنّه لما فيه من إخراجها عن حقيقتها الشّرعيّة .
    وقال الحنابلة : لأنّه شرط ينافي مقتضى العقد ، ولو قال الوديع : أنا ضامن لها لم يضمن ما تلف بغير تعدّ ولا تقصير ، لأنّ ضمان الأمانات غير صحيح .
    ونصّ القليوبيّ على أنّ شرط الأمانة في العاريّة - وهي مضمونة عند الشّافعيّة إذا هلكت بغير الاستعمال - هو شرط مفسد على المعتمد ، وشرط أن لا ضمان فيها فاسد لا مفسد . وجاء في نصوص الحنابلة : كلّ ما كان أمانةً لا يصير مضموناً بشرطه ، لأنّ مقتضى العقد كونه أمانةً ، فإذا شرط ضمانه ، فقد التزم ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه ، فلم يلزمه ، كما لو اشترط ضمان الوديعة ، أو ضمان مال في يد مالكه .
    وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه ، لأنّ مقتضى العقد الضّمان ، فإذا شرط نفي ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه ، كما لو اشترط نفي ضمان ما يتعدّى فيه .
    وعن أحمد أنّه ذكر له ذلك ، فقال : " المؤمنون على شروطهم " ، وهذا يدلّ على نفي الضّمان بشرطه ، والأوّل ظاهر المذهب ، لما ذكرناه .
    القواعد الفقهيّة في الضّمان :
    القواعد في الضّمان كثيرة ، نشير إلى أهمّها ، باختصار في التّعريف بها ، والتّمثيل لها ، كلّما دعت الحاجة مرتّبةً بحسب أوائل حروفها :
    القاعدة الأولى :
    الأجر والضّمان لا يجتمعان :
    الأجر هو : بدل المنفعة . والضّمان - هنا - هو : الالتزام بقيمة العين المنتفع بها ، هلكت أو لم تهلك ، وهذه القاعدة من قواعد الحنفيّة ، المتّصلة برأيهم في عدم ضمان منافع المغصوب ، خلافاً للجمهور .
    فلو استأجر دابّةً أو سيّارةً ، لحمل شيء معيّن ، فحمّلها شيئاً آخر أو أثقل منه بخلاف جنسه ، كأن حمل مكان القطن حديداً فتلفت ، ضمن قيمتها ، ولا أجر عليه ، لأنّها هلكت بغير المأذون فيه .
    وكذا لو استأجرها ، ليركبها إلى مكان معيّن ، فذهب بها إلى مكان آخر فهلكت ، ضمن قيمتها ، ولا أجر عليه ، لأنّ الأجر والضّمان لا يجتمعان ، عند الحنفيّة .
    لكن القاعدة مشروطة عندهم ، بعدم استقرار الأجر في ذمّة الضّامن ، كما لو استوفى منفعة الدّابّة - مثلاً - فعلاً ، ثمّ تجاوز فصار غاصباً ، وضمن ، يلزمه أجر ما سمّى عندهم ، إذا سلمت الدّابّة ولم تهلك .
    والجمهور يوجبون الأجر كلّما كان للمغصوب أجر ، لأنّ المنافع متقوّمة كالأعيان ، فإذا تلفت أو أتلفها فقد أتلف متقوّماً ، فوجب ضمانه كالأعيان وإذا ذهب بعض أجزاء المغصوب في مدّة الغصب ، وجب مع الأجرة أرش نقصه لانفراد كلّ بإيجاب .
    وللمالكيّة أقوال : وافقوا في بعضها الحنفيّة ، وفي بعضها الجمهور وانفردوا بتفصيل في بعضها .
    القاعدة الثّانية :
    إذا اجتمع المباشر والمتسبّب يضاف الحكم إلى المباشر .
    المباشر للفعل : هو الفاعل له بالذّات ، والمتسبّب هو المفضي والموصّل إلى وقوعه، ويتخلّل بين فعله وبين الأثر المترتّب عليه فعل فاعل مختار ، والمباشر يحصل الأثر بفعله من غير تخلّل فعل فاعل مختار .
    وإنّما قدّم المباشر لأنّه أقرب لإضافة الحكم إليه من المتسبّب ، قال خليل : وقدّم عليه المردي فلو حفر رجل بئراً في الطّريق العامّ ، بغير إذن من وليّ الأمر ، فألقى شخص حيوان غيره في تلك البئر ، ضمن الّذي ألقى الحيوان ، لأنّه العلّة المؤثّرة ، دون حافر البئر، لأنّ التّلف لم يحصل بفعله .
    ولو وقع الحيوان فيه بغير فعل أحد ، ضمن الحافر ، لتسبّبه بتعدّيه بالحفر بغير إذن . وكذلك لو دلّ سارقاً على متاع ، فسرقه المدلول ، ضمن السّارق لا الدّالّ .
    ولذا لو دفع إلى صبيّ سكّيناً ، فوجأ به نفسه ، لا يضمن الدّافع ، لتخلّل فعل فاعل مختار . ولو وقع السّكّين على رجل الصّبيّ فجرحها ضمن الدّافع .
    القاعدة الثّالثة :
    الاضطرار لا يبطل حقّ الغير .
    تطّرد هذه القاعدة سواء أكان الاضطرار فطريّاً كالجوع ، أم غير فطريّ كالإكراه ، فإنّه يسقط الإثم ، وعقوبة التّجاوز ، أمّا حقّ الآخرين فلا يتأثّر بالاضطرار ، ويبقى المال مضموناً بالمثل إن كان مثليّاً ، والقيمة إن كان قيميّاً .
    فلو اضطرّ في مخمصة إلى أكل طعام غيره ، جاز له أكله ، وضمن قيمته ، لعدم إذن المالك، وإنّما الّذي وجد هو إذن الشّرع الّذي أسقط العقوبة فقط .
    القاعدة الرّابعة :
    الأمر بالتّصرّف في ملك الغير باطل .
    الأمر : هو طلب الفعل جزماً ، فإذا أمر شخص غيره بأخذ مال شخص آخر أو بإتلافه عليه فلا عبرة بهذا الأمر ، ويضمن الفاعل .
    وهذه القاعدة مقيّدة : بأن يكون المأمور عاقلاً بالغاً ، فإذا كان صغيراً ، كان الضّمان على الآمر .
    وأن لا يكون الآمر ذا ولاية وسلطان على المأمور .
    فلو كان الآمر هو السّلطان أو الوالد ، كان الضّمان عليهما .
    القاعدة الخامسة :
    جناية العجماء جبار .
    هذه القاعدة مقتبسة من حديث شريف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : » العجماء جرحها جبار «.
    والعجماء : البهيمة ، لأنّها لا تفصح ، ومعنى جبار : أنّه هدر وباطل .
    والمراد أنّها إذا كانت مسيّبةً حيث تسيّب الحيوانات ، ولا يد عليها ، أمّا لو كان معها راكب فيضمن ، فلو اصطادت هرّته طائراً لغيره لم يضمن .
    القاعدة السّادسة :
    الجواز الشّرعيّ ينافي الضّمان .
    يعني إذا ترتّب على الفعل الجائز المباح شرعاً ، ضرر للآخرين ، لا يضمن الضّرر . فلو حفر حفرةً في ملكه ، أو في الطّريق ، بإذن الحاكم ، فتردّى فيها حيوان أو إنسان ، لا يضمن الحافر شيئاً .
    وهذا مقيّد بشرطين :
    1 - أن لا يكون المباح مقيّداً بشرط السّلامة ، فيضمن - مثلاً - راكب السّيّارة وقائد الدّابّة أو راكبها في الطّريق .
    2 - أن لا يكون في المباح إتلاف الآخرين وإلاّ كان مضموناً .
    فيضمن ما يتلفه من مال غيره للمخمصة ، مع أنّ أكله لأجلها جائز ، بل واجب .
    القاعدة السّابعة :
    الخراج بالضّمان .
    الخراج : هو غلّة الشّيء ومنفعته ، إذا كانت منفصلةً عنه ، غير متولّدة منه . كسكنى الدّار ، وأجرة الدّابّة
    والضّمان : هو التّعويض الماليّ عن الضّرر المادّيّ .
    والمعنى : أنّ منافع الشّيء يستحقّها من يلزمه ضمانه لو هلك ، فتكون المنفعة في مقابل تحمّل خسارة هلاكه ، فما لم يدخل في ضمانه لا يستحقّ منافعه وقد » نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن « .
    القاعدة الثّامنة :
    الغرم بالغنم .
    هذه القاعدة معناها أنّ التّكلّفات والغرامات الّتي تترتّب على الشّيء ، تجب على من استفاد منه وانتفع به ، مثال ذلك :
    1 - نفقة ردّ العاريّة على المستعير ، لأنّه هو الّذي انتفع بها .
    2 - ونفقة ردّ الوديعة على المودع ، لأنّه هو الّذي استفاد من حفظها .
    3 - وأجرة كتابة عقد الملكيّة على المشتري ، لأنّها توثيق لانتقال الملكيّة إليه ، وهو المستفيد من ذلك .
    القاعدة التّاسعة :
    لا يجوز لأحد أخذ مال أحد بلا سبب شرعيّ .
    هذه القاعدة مأخوذة من حديث : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه « .
    فيحرم أخذ أموال الآخرين بالباطل كالغصب والسّرقة ونحوهما .


  11. #10

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,921
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي حكام الضّمان


    الضمان في الشريعة الإسلامية - الجزء الخامس
    أحكام الضّمان :
    أحكام الضّمان - بوجه عامّ - تقسّم إلى هذه الأقسام :
    1 - ضمان الدّماء - الأنفس والجراح - .
    2 - ضمان العقود .
    3 - ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال ، كالإتلافات ، والغصوب .
    وحيث تقدّم القول في ضمان العقود في أنواع الضّمان ومحلّه ، فنقصر القول على ضمان الدّماء ، وضمان الأفعال الضّارّة بالأموال .
    ضمان الدّماء - الأنفس والجراح - :
    ضمان الدّماء أو الأنفس هو : الجزاء المترتّب على الضّرر الواقع على النّفس فما دونها .
    ويشمل القصاص والحدود ، وهي مقدّرة ، كما يشمل التّعزير و حكومة العدل وهي غير مقدّرة من جهة الشّارع .
    ويقسّم الضّمان - بحسب الجناية - إلى ثلاثة أقسام :
    أ - ضمان الجناية على النّفس .
    ب - ضمان الجناية على ما دون النّفس ، من الأطراف والجراح .
    ج - ضمان الجناية على الجنين ، وهي : الإجهاض .
    وبيان ذلك فيما يلي :
    أوّلاً : ضمان الجناية على النّفس :
    يتمثّل فيما يلي ، باعتبار أنواعها :
    القتل العمد :
    القتل العمد ، إذا تحقّقت شروطه ، فضمانه بالقصاص .
    وأوجب الشّافعيّة وآخرون الكفّارة فيه أيضاً .
    فإن امتنع القصاص ، أو تعذّر أو صالح عنه ، كان الضّمان بالدّية أو بما صولح عنه .
    ويوجب المالكيّة حينئذ التّعزير ، كما يوجبون في القتل غيلةً - القتل على وجه المخادعة والحيلة - قتل القاتل تعزيراً ، إن عفا عنه أولياء المقتول .
    كما يحرم القاتل من ميراث المقتول ووصيّته .
    القتل الشّبيه بالعمد :
    هو : القتل بما لا يقتل في الغالب - عند الجمهور - وبالمثقلات كذلك - عند أبي حنيفة ، من غير الحديد والمعدن - وإن كان المالكيّة يرون هذا من العمد .
    وهو مضمون بالدّية المغلّظة في الحديث : » ألا وإنّ قتيل الخطأ شبه العمد ، ما كان بالسّوط والعصا ، مائة من الإبل ، أربعون في بطونها أولادها « .
    القتل الخطأ :
    وهو مضمون بالدّية على العاقلة اتّفاقاً بالنّصّ الكريم ، وفيه كذلك الكفّارة والحرمان من الإرث والوصيّة وهذا لعموم النّصّ .
    والضّمان كذلك في القتل الشّبيه بالخطأ في اصطلاح الحنفيّة ، ويتمثّل بانقلاب النّائم على شخص فيقتله ، أو انقلاب الأمّ على رضيعها فيموت بذلك .
    القتل بسبب :
    قال به الحنفيّة ، ويتمثّل بما لو حفر حفرةً في الطّريق ، فتردّى فيها إنسان فمات . وهو مضمون بالدّية فقط ، عندهم ، فلا كفّارة فيه ، ولا حرمان ، لانعدام القتل فيه حقيقةً ، وإنّما أوجبوا الدّية صوناً للدّماء عن الهدر .
    والجمهور من الفقهاء ، يلحقون هذا النّوع من القتل بالخطأ في أحكامه ، ديةً ، وكفّارةً ، وحرماناً ، لأنّ الشّارع أنزله منزلة القاتل .
    ثانياً : ضمان الجناية على ما دون النّفس :
    وتتحقّق في الأطراف ، والجراح في غير الرّأس ، وفي الشّجاج .
    أ - أمّا الأطراف : فحدّدت عقوبتها بالقصاص بالنّصّ ، في قوله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } .
    وزاد مالك على ذلك التّعزير بالتّأديب ، ليتناهى النّاس .
    فإذا امتنع القصاص ، بسبب العفو أو الصّلح أو لتعذّر المماثلة ، كان الضّمان بالدّية والأرش، وهو : اسم للواجب من المال فيما دون النّفس .
    ب - وأمّا الجراح : فخاصّة بما كان في غير الرّأس ، فإذا كانت جائفةً ، أي بالغة الجوف ، فلا قصاص فيها اتّفاقاً ، خشية الموت .
    وإذا كانت غير جائفة ، ففيها القصاص عند جمهور الفقهاء في الجملة خلافاً للحنفيّة الّذين منعوا القصاص فيها مطلقاً لتعذّر المماثلة .
    فإن امتنع القصاص في الجراح ، وجبت الدّية : ففي الجائفة يجب ثلث الدّية ، لحديث : » في الجائفة ثلث العقل « .
    وفي غير الجائفة حكومة عدل ، وفسّرت بأنّها أجرة الطّبيب وثمن الأدوية .
    ج - وأمّا الشّجاج : وهي ما يكون من الجراح في الوجه والرّأس فإن تعذّر القصاص فيها : ففيه الأرش مقدّراً ، كما في الموضحة ، لحديث : »قضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الموضحة ، خمس من الإبل « .
    وقد يكون غير مقدّر ، فتجب الحكومة .
    ومذهب الجمهور : أنّ ما دون الموضحة ، ليس فيه أرش مقدّر ، لما روي : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقض فيما دون الموضحة بشيء « . فتجب فيه الحكومة .
    ومذهب أحمد أنّه ورد التّقدير في أرش الموضحة ، وفيما دونها ، كما ورد فيما فوقها فيعمل به .
    ثالثاً : ضمان الجناية على الجنين :
    وهي الإجهاض ، فإذا سقط الجنين ميّتاً بشروطه ، فضمانه بالغرّة اتّفاقاً ، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان ، بغرّة عبد أو أمة « .
    وتجب عند الجمهور في مال العاقلة خلافاً للمالكيّة والحنابلة الّذين أوجبوها في مال الجاني . ولا كفّارة فيها عند الحنفيّة ، وإنّما تندب ، وأوجبها الشّافعيّة والحنابلة لأنّ الجنين آدميّ معصوم ، وإذا لم توجد الرّقبة ، انتقلت العقوبة إلى بدلها مالاً ، وهو : نصف عشر دية الرّجل ، وعشر دية المرأة .
    ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال :
    تتمثّل الأفعال الضّارّة بالأموال في الإتلافات الماليّة ، والغصوب ، ونحوها .
    ولضمان هذا النّوع من الأفعال الضّارّة ، أحكام عامّة ، وأحكام خاصّة :
    أوّلاً : الأحكام العامّة في ضمان الأفعال الضّارّة بالأموال :
    تقوم فكرة هذا النّوع من الضّمان - خلافاً لما تقدّم في ضمان الأفعال الضّارّة بالأنفس - على مبدأ جبر الضّرر المادّيّ الحائق بالآخرين ، أمّا في تلك فهو قائم على مبدأ زجر الجناة وردع غيرهم .
    والتّعبير بالضّمان عن جبر الضّرر وإزالته ، هو التّعبير الشّائع في الفقه الإسلاميّ ، وعبّر بعض الفقهاء من المتأخّرين بالتّعويض ، كما فعل ابن عابدين .
    وتوسّع الفقهاء في هذا النّوع في أنواع الضّمان وتفصيل أحكامه ، حتّى أفرده البغداديّ بالتّصنيف في كتابه : مجمع الضّمانات .
    ومن أهمّ قواعد الضّمان قاعدة : الضّرر يزال .
    وإزالة الضّرر الواقع على الأموال يتحقّق بالتّعويض الّذي يجبر فيه الضّرر .
    وقد عرّف الفقهاء الضّمان بهذا المعنى ، بأنّه : ردّ مثل الهالك أو قيمته .
    وعرّفه الشّوكانيّ بأنّه : عبارة عن غرامة التّالف .
    وكلا التّعريفين يستهدف إزالة الضّرر ، وإصلاح الخلل الّذي طرأ على المضرور ، وإعادة حالته الماليّة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الضّرر .
    طريقة التّضمين :
    القاعدة العامّة في تضمين الماليّات هي : مراعاة المثليّة التّامّة بين الضّرر ، وبين العوض ، كلّما أمكن ، قال السّرخسيّ : " ضمان العدوان مقدّر بالمثل بالنّصّ " يشير إلى قوله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ } .
    والمثل وإن كان به يتحقّق العدل ، لكن الأصل أن يردّ الشّيء الماليّ المعتدى فيه نفسه ، كلّما أمكن ، ما دام قائماً موجوداً ، لم يدخله عيب ينقص من منفعته ، وهذا الحديث الحسن، عن سمرة رضي الله تعالى عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : » على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي « .
    بل هذا هو الموجب الأصليّ في الغصب ، الّذي هو أوّل صور الضّرر وأهمّها .
    فإذا تعذّر ردّ الشّيء بعينه ، لهلاكه أو استهلاكه أو فقده ، وجب حينئذ ردّ مثله ، إن كان مثليّاً ، أو قيمته إن كان قيميّاً .
    والمثليّ هو : ما له مثل في الأسواق ، أو نظير ، بغير تفاوت يعتدّ به ، كالمكيلات ، والموزونات ، والمذروعات ، والعدديّات المتقاربة .
    والقيميّ هو : ما ليس له مثل في الأسواق ، أو هو ما تتفاوت أفراده ، كالكتب المخطوطة ، والثّياب المفصّلة المخيطة لأشخاص بأعيانهم .
    والمثل أعدل في دفع الضّرر ، لما فيه من اجتماع الجنس والماليّة .
    والقيمة تقوم مقام المثل ، في المعنى والاعتبار الماليّ .
    وقت تقدير التّضمين :
    تناول الفقهاء هذه المسألة ، في المغصوب - على التّخصيص - إذا كان مثليّاً ، وفقد من السّوق ، وقد اختلفت أنظارهم فيها على الوجه التّالي :
    ذهب أبو يوسف : إلى اعتبار القيمة يوم الغصب ، لأنّه لمّا انقطع من السّوق التحق بما لا مثل له ، فتعتبر قيمته يوم انعقاد السّبب ، وهو الغصب ، كما أنّ القيميّ تعتبر قيمته كذلك يوم الغصب .
    وذهب محمّد : إلى اعتبار القيمة يوم الانقطاع ، لأنّ الواجب هو المثل في الذّمّة وإنّما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع ، فتعتبر قيمته يوم الانقطاع .
    ومذهب أبي حنيفة : اعتبار القيمة يوم القضاء ، لأنّ الواجب هو المثل ، ولا ينتقل إلى القيمة بمجرّد الانقطاع ، لأنّ للمغصوب منه أن ينتظر حتّى يوجد المثل ، بل إنّما ينتقل بالقضاء ، فتعتبر القيمة يوم القضاء .
    أمّا القيميّ إذا تلف ، فتجب قيمته يوم الغصب اتّفاقاً .
    أمّا في الاستهلاك : فكذلك عند الإمام وعندهما يوم الاستهلاك .
    ومذهب المالكيّة : أنّ ضمان القيمة يعتبر يوم الغصب والاستيلاء على المغصوب سواء أكان عقاراً ، أم غيره ، لا يوم حصول المفوّت ، ولا يوم الرّدّ ، وسواء أكان التّلف بسماويّ أم بجناية غيره عليه .
    وفي الإتلاف والاستهلاك - في غير المثليّات - كالعروض والحيوان ، تعتبر يوم الاستهلاك والإتلاف .
    والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّ المثليّ إذا تعذّر وجوده ، في بلده وحواليه تعتبر أقصى قيمة ، من وقت الغصب إلى تعذّر المثل ، وفي قول إلى التّلف ، وفي قول إلى المطالبة .
    وإذا كان المثل مفقوداً عند التّلف ، فالأصحّ وجوب أكثر القيم من وقت الغصب إلى التّلف ، لا إلى وقت الفقد .
    وأمّا المتقوّم فيضمن في الغصب بأقصى قيمة من الغصب إلى التّلف .
    وأمّا الإتلاف بلا غصب ، فتعتبر قيمته يوم التّلف ، لأنّه لم يدخل في ضمانه قبل ذلك ، وتعتبر في موضع الإتلاف ، إلاّ إذا كان المكان لا يصلح لذلك كالمفازة ، فتعتبر القيمة في أقرب البلاد .
    ومذهب الحنابلة : أنّه يجب ردّ قيمة المغصوب ، إن لم يكن مثليّاً ، يوم تلفه في بلد غصبه من نقده ، لأنّ ذلك زمن الضّمان وموضع الضّمان ومنصرف اللّفظ عند الإطلاق كالدّينار- كما يقول البهوتيّ إن لم تختلف قيمة التّالف ، من حين الغصب إلى حين الرّدّ . فإن اختلفت لمعنىً في التّالف من كبر وصغر وسمن وهزال - ونحوها - ممّا يزيد في القيمة وينقص منها ، فالواجب ردّ أكثر ما تكون عليه القيمة من حين الغصب إلى حين الرّدّ، لأنّها مغصوبة في الحال الّتي زادت فيها ، والزّيادة مضمونة لمالكها .
    وإن كان المغصوب مثليّاً يجب ردّ مثله ، فإن فقد المثل ، فتجب القيمة يوم انقطاع المثل ، لأنّ القيمة وجبت في الذّمّة حين انقطاع المثل ، فاعتبرت القيمة حينئذ ، كتلف المتقوّم . وقال القاضي : تجب قيمته يوم قبض البدل ، لأنّ الواجب هو المثل ، إلى حين قبض البدل ، بدليل أنّه لو وجد المثل بعد فقده ، لكان الواجب هو المثل دون القيمة ، لأنّه الأصل ، قدر عليه قبل أداء البدل ، فأشبه القدرة على الماء بعد التّيمّم
    تقادم الحقّ في التّضمين :
    التّقادم - أو مرور الزّمان - هو : مضيّ زمن طويل ، على حقّ أو عين في ذمّة إنسان ، لغيره دون مطالبة بهما ، مع قدرته عليها .
    والشّريعة - بوجه عامّ - اعتبرت التّقادم مانعاً من سماع الدّعوى ، في الملك وفي الحقّ ، مع بقائهما على حالهما السّابقة ، ولم تعتبره مكسباً لملكيّة أو قاطعاً لحقّ .
    فيقول الحصكفيّ : القضاء مظهر لا مثبت ، ويتخصّص بزمان ومكان وخصومة حتّى لو أمر السّلطان بعدم سماع الدّعوى ، بعد خمس عشرة سنةً ، فسمعها القاضي ، لم ينفذ .
    ونقل ابن عابدين عن الأشباه وغيرها ، أنّ الحقّ لا يسقط بتقادم الزّمان .
    فبناءً على هذا يقال : إذا لم يرفع الشّخص المضرور دعوى ، يطالب فيها بالضّمان أو التّعويض عن الضّرر ، ممّن ألحقه به ، مدّة خمسة عشر عاماً ، سقط حقّه ، قضاءً فقط لا ديانةً ، في إقامة الدّعوى من جديد ، إلاّ إذا كان المضرور غائباً ، أو كان مجنوناً أو صبيّاً وليس له وليّ ، أو كان المدّعى عليه حاكماً جائراً ، أو كان ثابت الإعسار خلال هذه المدّة ، ثمّ أيسر بعدها ، فإنّه يبقى حقّه في إقامة الدّعوى قائماً ، مهما طال الزّمن بسبب العذر ، الّذي ينفي شبهة التّزوير .
    وكذلك إذا أمر السّلطان العادل نفسه بسماع هذه الدّعوى ، بعد مضيّ خمسة عشر عاماً أو سمعها بنفسه - كما يقول ابن عابدين - حفظاً لحقّ المضرور ، إذا لم يظهر منه ما يدلّ على التّزوير .
    وكذلك إذا أقرّ الخصم بحقّ المضرور في الضّمان ، والتّعويض عن الضّرر ، بعد مضيّ هذه المدّة ، فإنّه يتلاشى بذلك مضيّ الزّمن ويسقط لظهور الحقّ بإقراره وهذا كما جاء في كتب الحنفيّة .


 

 
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. ملخصات في الشريعة الإسلامية .
    بواسطة Ć.ŖŎήaĻđo في المنتدى العلوم التجريبية - الرياضيات - التقني رياضي BAC 2018
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-05-2014, 23:15
  2. مصادر الشريعة الإسلامية- مقياس الشريعة -
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-12-2012, 15:22

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •