أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



محاضرات في علم الإجرام

محاضرات في علم الإجرام الدتور بشير سعد زغلول أهـــداف المحاضرة: إعطاء الطالب نبذة تاريخية عن علم الإجرام وتعريفه بالمبادئ الولية لهذا العلم وهو ما يشمل : 1- تعريف علم الإجرام.



محاضرات في علم الإجرام


النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,925
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي محاضرات في علم الإجرام

     
    محاضرات في علم الإجرام

    الدتور بشير سعد زغلول

    أهـــداف المحاضرة:
    إعطاء الطالب نبذة تاريخية عن علم الإجرام وتعريفه بالمبادئ الولية لهذا العلم وهو ما يشمل :
    1- تعريف علم الإجرام.
    2- موضوع علم الإجرام:
    أ*- مدلول الجريمة فى الدراسات الإجرامية.
    ب*- مفهوم المجرم فى الدراسات الإجرامية.
    وعقب ذلك نستكمل ما يتعلق بالمبادئ الأولية لعمل الإجرام والتى ينبغى على الطالب الإلمام بها وهى :
    1- فروع علم الإجرام.
    2- أهمية دراسات علم الإجرام.
    3- علاقة علم الإجرام بالعلوم الجنائية الأخرى.
     تاريخ علم الإجرام:
    • عرفت البشرية الجريمة منذ أقدم عصورها وتحولت الجريمة إلى ظاهرة اجتماعية شاذة في حياة التجمعات البشرية منذ القدم، وأصبحت الجريمة تمثل مشكلة على مر الأزمنة وباختلاف المجتمعات الإنسانية. وظهرت العديد من الآراء في محاولة لتفسير هذه الظاهرة لبحث دوافعها ولمحاولة السيطرة عليها.
    • واتخذت هذه الآراء في البداية طابعاً غير علمي في تفسير الظاهرة الإجرامية؛ حيث كان الفلاسفة يرجعون ارتكاب الجريمة إلى أن الأرواح الشريرة تتقمص جسد المجرم وتدفعه لإغضاب الآلهة وارتكاب جريمته، أو يرجعونها إلى لعنة الآلهة وغضبها التي تنزل بالمجرم فتؤدي به إلى ارتكاب الجريمة، ولذلك كانوا يرون أن الوسيلة الوحيدة لمعالجة المجرم هي في تعذيبه حتى يتم طرد هذه الأرواح الشريرة من جسده أو يتم إرضاء الآلهة.
    • وفي تطور لاحق وتحت تأثير الأفكار المسيحية كان ينظر إلى الجريمة على أنها خطيئة دينية؛ فالمجرم قد خالف التعاليم الدينية واتبع الشيطان وتوافرت لديه إرادة متجهة إلى الشر.
    • وهذه المحاولات أو الآراء التي قيل بها لتفسير ارتكاب الجريمة لا تتسم بالطابع العلمي وبالتالي لا يمكن القول بأن هذه المحاولات قد عرفت علم الإجرام بالمفهوم العلمي الحديث. وظهرت بعد ذلك وفي القرن الثامن عشر الإرهاصات الأولى لمحاولة إيجاد تفسير علمي للجريمة، وكانت هذه المحاولات تركز فقط على المجرم دون الظاهرة الإجرامية، وانصبت هذه الدراسات على الربط بين الجريمة وبين وجود عيوب خلقية ظاهرة في الجمجمة والوجه وكذلك بينها وبين وجود خلل عقلي أصاب المجرم فدفعه إلى ارتكابها.
    • ويمكن القول بأن دراسة الأسباب المؤدية إلى ارتكاب الجريمة لم تأخذ الطابع العلمي إلا في بدايات القرن التاسع عشر بفضل جهود المدرسة الفرنسية – البلجيكية التي تزعمها العالمان الفرنسي "جيري" والبلجيكي "كيتيليه"؛ حيث اصدر جيري مؤلفين، الأول في عام 1833 حلل فيه إحصاءات الجرائم في فرنسا ومركزاً فيه على أهمية العوامل الفردية كالجنس والسن والعوامل الاجتماعية كالحالة الثقافية والاقتصادية والأحوال المناخية، والثاني أصدره في عام 1864 تعرض فيه للعلاقة بين الفقر والجهل من ناحية والإجرام من ناحية أخرى. أما العالم البلجيكي كيتيليه فقد أصدر مؤلفه في عام 1935 حول الطبيعة الاجتماعية وترجيح دور العوامل الاجتماعية في ارتكاب الجريمة وذلك من خلال دراسة الإحصاءات حول ظاهرة الإجرام في عدة مناطق.
    • وقد كان لأفكار هذه المدرسة الفرنسية – البلجيكية الفضل في إلقاء الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية في نطاق دراسة الظاهرة الإجرامية إلى جانب العوامل الفردية.
    • وقد كان لظهور المدرسة الوضعية الإيطالية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أثراً بالغ الأهمية في تقدم الدراسات المتعلقة بعلم الإجرام وفي إعطاء هذه الدراسات بعداً منهجياً جديداً من خلال استخدام رائدها لومبروزو المنهج التجريبي في دراسة الشخصية الإجرامية، وقد ذهب بعض الفقه إلى القول بأن الأبحاث التي قام بها لومبروزو تمثل بداية الدراسة العلمية للظاهرة الإجرامية بالمعنى الدقيق. وقد تزعم هذه المدرسة ثلاثة من مشاهيرها وهم لومبروزو وجاروفالو وفيري.
    • وكان من نتيجة الأبحاث التي قام بها لومبروزو أن نشر كتاب في عام 1876 بعنوان "الإنسان المجرم"، وذكر أن هذا الإنسان المجرم يتميز بخصائص تكوينية جسدية تختلف عن تلك التي تلاحظ لدى غير المجرمين، وأرجع ذلك إلى أن المجرم يرتد بالشبه إلى الإنسان البدائي الذي اتخذ منه نموذجاً أو نمطاً للإنسان المجرم. وقد خلص لومبروزو كذلك إلى أن الإنسان المجرم مصاب بخلل في سير أجهزة جسمه الداخلية وإلى أنه يعاني من اضطرابات نفسية وعقلية ترتد به إلى الإنسان البدائي.
    • ونتيجة لما تعرضت له نظرية لومبروزو من انتقادات، خاصة فيما يتعلق بفكرة الإنسان المجرم وفيما يتعلق بإهمال دور العوامل الاجتماعية في ارتكاب الجريمة، فقد حاول كل من جاروفالو وفيري تطوير أفكار المدرسة الوضعية الإيطالية وذلك لإنقاذها من التطرف الذي اتسمت به هذه النظرية، وقد أدى ذلك إلى تطور الدراسات المتعلقة بعلم الإجرام. فذهب جاروفالو في مؤلفه الذي أصدره عام 1885 إلى أن الجريمة ترتكب نتيجة خلل عضوي ونفسي لدى المجرم، ولكنه أضاف إلى ذلك أن العوامل الخارجية المحيطة بالفرد تلعب دوراً في ذلك وإن اعتبر جاروفالو هذا الدور ضئيلاً وهامشياً.
    أما فيري فقد اعتبر الجريمة نتاجاً لعدة عوامل وهي:
    • عوامل داخلية مثل السن والجنس والتكوين العقلي والبدني للمجرم، وعوامل اجتماعية كالوسط العائلي والحرفة والظروف الاقتصادية من فقر وبطالة، وعوامل بيئية طبيعية مثل المناخ. وقد أعطى فيري للعوامل الاجتماعية أهمية كبيرة. وقد ضمن فيري أفكاره هذه مؤلفه الذي أصدره عام 1893 عن "علم الاجتماع الجنائي".
    • وفي المرحلة التالية لظهور المدرسة الوضعية، اهتمت الدراسات الإجرامية بعلم الاجتماع الجنائي اهتماماً كبيراً؛ حيث تركزت الدراسات حول دور البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد في دفعه لارتكاب الجريمة.
    • ولا شك أن تقدم الأبحاث الخاصة بعلم الإجرام كان مرتبطاً بتقدم العديد من العلوم الأخر التي تمد الدراسات في علم الإجرام بالعديد من البحوث والمادة العلمية اللازمة لمعرفة شخصية المجرم وتكوينه وتأثره بالبيئة المحيطة به، ومن هذه العلوم علم الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع، وكان نتيجة تقدم هذه العلوم أن تقدمت البحوث الإجرامية ونشأت علوم متفرعة عن علم الإجرام مثل علم البيولوجيا الجنائية، ثم علم النفس الجنائي وعلم الاجتماع الجنائي.
    (1) تعريف علم الإجرام:
    • أثار وضع تعريف دقيق لعلم الإجرام صعوبات كبيرة نظراً لحداثة هذا العلم، واتسمت التعريفات المتعددة التي حاول البعض وضعها لهذا العلم بالعمومية وعدم التحديد.
    • فقيل بأن علم الإجرام هو علم الجريمة أو علم ظاهرة الإجرام أو هو علم العلم الذي يهتم بدراسة الظاهرة الإجرامية أو هو العلم الذي يدرس أسباب الجريمة، سواء تعلقت هذه الأسباب بشخص المجرم أم بالبيئة المحيطة به.
    • وقد وسع البعض من مفهوم علم الإجرام، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث اعتبر العالم الأمريكي سذرلاند أن علم الإجرام لا يشمل فقط دراسة أسباب الجريمة وإنما أيضاً علم العقاب وعلم الاجتماع القانوني باعتبار أن الجريمة تشكل الجانب الاجتماعي لقانون العقوبات.
    • ويلاحظ على هذه التعريفات كما سبق أن ذكرنا أنها تتسم بالعمومية وعدم التحديد أو أنها تنطوي على توسيع واضح لمضمون علم الإجرام وتخلط بينه وبين علوم أخرى. ولذلك فإن الفقه السائد استقر على تعريف علم الإجرام بأنه "هو ذلك الفرع من العلوم الجنائية الذي يدرس الجريمة كظاهرة فردية واجتماعية دراسة علمية لمعرفة العوامل المؤدية إليها بغية مكافحتها والحد من تأثيرها".
    • وهذا العلم يحتوي على علوم فرعية أخرى تتخصص في البحث عن أسباب الجريمة، كما يستعين ببعض العلوم الحديثة مثل علم الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع كما سبق الإشارة لذلك.
    (2) موضوع علم الإجرام:
    • من التعريف الذي بيناه لعلم الإجرام يتبين أن هذا العلم يتناول بالدراسة كل من الجريمة والمجرم والعوامل الإجرامية. ونظراً لأننا سوف نخصص باباً مستقلاً لدراسة العوامل الإجرامية، فإننا سوف نقتصر في هذا المبحث على بيان مفهوم الجريمة والمجرم في أبحاث علم الإجرام.
    أ- مدلول الجريمة في الدراسات الإجرامية
    • يميز الفقه بين مدلولين للجريمة: الأول هو المدلول القانوني أو الشكلي للجريمة والثاني هو المدلول الاجتماعي لها.
    – المدلول القانوني أو الشكلي للجريمة
    • وفقاً لهذا المدلول تعرف الجريمة بأنها محل فعل أو امتناع يقع بالمخالفة لأحكام قانون العقوبات أو القوانين المكملة له. ومؤدى هذا التعريف أنه يخرج من مدلول الجريمة الأفعال ذات الخطورة الاجتماعية التي لا تتوافر بالنسبة لها الشروط الموضوعية والشكلية اللازمة لاعتبارها جرائم من وجهة نظر قانون العقوبات.
    • ويؤخذ على المدلول الشكلي أو القانوني للجريمة أنه يتجاهل كون الجريمة واقعة مادية ذات آثار اجتماعية قبل أن تكون واقعة قانونية. ثم إن هذا المدلول القانوني يضيق من أبحاث على الإجرام وذلك باستبعاده الأفعال ذات الخطورة الاجتماعية غير المنصوص عليها في قانون العقوبات. ويضاف إلى ذلك أن هذا المدلول القانوني للجريمة يجعل منها فكرة نسبية تختلف باختلاف الزمان والمكان، ومؤدى ذلك إنكار وصف العلم عن علم الإجرام لأنه لن يقـدم نتائـج مؤكدة طالما أن موضـوعه لا يتميز بالثبات والتجانس.

    - المدلول الاجتماعي للجريمة
    • ونظراً لهذه الصعوبات التي ارتبطت بالتعريف القانوني للجريمة فقد ذهب جانب من الفقه إلى تعريف الجريمة من وجهة اجتماعية. فعرفوها بأنها كل سلوك مخالف للقيم والمبادئ الأخلاقية السائدة في المجتمع ولو لم يكن قد ورد ضمن نصوص قانون العقوبات. وانطلاقاً من هذا المدلول استبدل جاروفالو بفكرة الجريمة القانونية فكرة "الجريمة الطبيعية" وهي تعني كل انتهاك لمشاعر الشفقة والرحمة والأمانة السائدة في المجتمع ومن أمثلة الجرائم الطبيعية جرائم القتل والسرقة، وتتميز الجريمة الطبيعية بالعمومية والثبات حيث أن مضمونها لا يتغير باختلاف الزمان والمكان.
    • والجريمة الطبيعية تقابل ما يطلق عليه "الجريمة المصطنعة أو الجريمة الاتفاقية" وهي التي تقع اعتداء على مشاعر ومصالح اجتماعية متغيرة باختلاف الزمان والمكان ويلجأ إليها المشرع من أجل حماية مصالح اجتماعية معينة ومن أمثلتها الجرائم الاقتصادية.
    • ويؤخذ على هذا المدلول الاجتماعي للجريمة أنه يتعارض مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ذلك المبدأ الذي يمثل ضمانة هامة لحماية الحريات الفردية. بالإضافة إلى ذلك فإن المشرع الجنائي لا يجرم سوكاً ما لأنه مخالف للأخلاق وإنما لأنه يمثل اعتداء على مصلحة جوهرية للمجتمع، وهذا لا يمنع من أن الصلة وثيقة بين القانون الجنائي والأخلاق وإن كان للأخيرة نطاق أوسع من الأول.
    • ومن ناحية أخرى فإن فكرة الجريمة الطبيعية التي قال بها جاروفالو فكرة يعتبرها البعض غير واقعية، لأن طبيعة المجتمعات تختلف من مكان لآخر، ويختلف المجتمع الواحد من زمان لآخر، وبناء عليه فمن المتصور أن ما يعد جريمة في مجتمع ما أو في زمان ما لا يعد كذلك في مجتمع آخر أو في زمان آخر.
    - ترجيح المدلول القانوني للجريمة:
    • رغم الانتقادات التي سبق بيانها والتي وجهت للمدلول القانوني للجريمة، إلا أن الغالبية من الفقه تؤيد الأخذ بالمدلول القانوني للجريمة فيما يتعلق بالدراسات الإجرامية. ويتميز الأخذ بهذا المدلول في أنه يعطي لمفهوم الجريمة قدراً من الثبات والتحديد.
    • علاوة على أنه لا يخشى على صفة العمومية من الأخذ بالمدلول القانوني للجريمة لأن معظم الأنظمة القانونية تتفق على أغلب المظاهر والسلوكيات التي تشكل اعتداء على مصالح جوهرية للمجتمع.
    • وقد يؤدي هذا الثبات وهذه العمومية لمفهوم الجريمة إلى الحفاظ على صفة العمومية للدراسات الإجرامية، والثبات للنتائج المستخلصة منها فترة طويلة من الزمن.
    • ويرى هذا الاتجاه أنه ليس هناك ما يمنع من أن تمتد أبحاث علم الإجرام إلى الأفعال التي تكشف عن خطورة اجتماعية رغم عدم خضوعها لنصوص التجريم طالما ردت هذه الأفعال أو المظاهر الاجتماعية عن تكوين شخص لدى مرتكبيها ينذر بارتكابهم فيما بعد جريمة بالمعنى القانوني. وفي هذا ما يؤدي إلى إثراء الأبحاث الإجرامية ويساعد في وضع أنسب الوسائل للوقاية من الجريمة ومكافحتها.
    ب- مفهوم المجرم في الدراسات الإجرامية:
    • تهتم أبحاث علم الإجرام بدراسة المجرم باعتباره موضوعاً لها وذلك حتى تتعرف على مختلف جوانب شخصيته وتكوينه البدني والنفسي وحالته النفسية والعقلية وما يحيط به من ظروف اجتماعية حتى يمكن في النهاية تحديد العوامل التي أدت به إلى ارتكاب الجريمة والوقوف على ما قد يكون ملائماً لمقاومتها ومكافحتها. إذا كان ذلك كذلك فإن تحديد مفهوم المجرم في نطاق الدراسات الإجرامية ليس بالأمر اليسير، فلم يحدد القانون متى تبدأ الحالة التي يوصف فيها الشخص بأنه مجرم كما أنه لا يحدد نهايتها، وفي نفس الوقت فإن اعتبار الشخص مجرماً من عدمه تحكمه اعتبارات ومعتقدات اجتماعـية راسخة وأفكار مسبقة، كل ذلك يعطي مدلولاً نسبياً لمفهوم المجرم.
    - صعوبة تحديد مفهوم المجرم
    • يبين مما سبق أن تحديد مفهوم المجرم يكتفه بعض الصعوبات وذلك على النحو التالي.
    • فمن ناحية، يعرف الفقه التقليدي المجرم بأنه ذلك الشخص الذي يرتكب جريمة مما نص عليه في قانون العقوبات. وهذا يعني أن الشخص يجب أن يثبت ارتكابه للجريمة من خلال محاكمته قانوناً. ويتميز هذا التعريف بأنه يسهل من خلاله التعرف على المجرم.
    • ومع ذلك فقد وجه لهذا التعريف عدة انتقادات. من ناحية، يعرف التشريع الحديث عدداً هائلاً من النصوص الجنائية التي لا يعرف بوجودها الكثيرون. ومن هذه النصوص ما يهدف إلى تنظيم إداري لبعض أوجه الحياة في المجتمع، ومخالفة هذه القواعد لا تسعف في إضفاء صفة المجرم على من يخالفها. ومن ذلك مخالفات المرور والبناء وغير ذلك. وفي مقابل ذلك يفلت البعض من الوقوع تحت قبضة القانون رغم مخالفتهم له وذلك لما يتمتعون به من مهارة شخصية، فليس من الملائم استبعاد هؤلاء من دائرة الدراسات الإجرامية نظراً لما يتمتعون به من عقلية إجرامية واضحة.
    • وقد أدت هذه الانتقادات إلى نشأة اتجاه حديث يبحث عن تعريف جديد للمجرم يتلاءم مع طبيعة الدراسات الإجرامية. ويرى هذا الاتجاه أن هناك أنواع من السلوك تعتبر ذات طبيعة إجرامية في حقيقتها بصرف النظر عما إذا كان المشرع قد خلع عليها هذا الوصف الإجرامي أو لا.
    • وأهم ما يميز المجرم وفقاً لهذا المفهوم الحديث أنه يتمتع بعقلية لا اجتماعية أي عقلية غير قادرة على التكيف اجتماعياً. ويترتب على ذلك أن الإجرام من الناحـية القانونيـة لا يمثل إلا دليلاً يسـتدل من خلاله على وجود العقلية اللا اجتماعية. ومع ذلك فإن هذا المدلول الحديث للمجرم يصطدم مع مبدأ الشرعية والاحترام الواجب للحريات الفردية، لأنه من الصعب تدخل المشرع في الحالات التي تنذر بالإجرام نتيجة تمتع الشخص بعقلية لا اجتماعية تقربه من احتمال ارتكاب جريمة ما.
    • والخلاصة أن الأخذ بالمفهوم التقليدي للمجرم يؤدي إلى التضييق من نطاق الأبحاث الإجرامية ويغلق الباب أمام فرص الوقاية من الجريمة قبل وقوعها نظراً لاستبعاد الشخص المتمتع بعقلية لا اجتماعية من مفهوم المجرم.
    • كما أن الأخذ بالمفهوم الحديث يؤدي إلى التضحية بالحريات الفردية ويوسع بصورة كبيرة من نطاق أبحاث علم الإجرام. وللخروج من هذه الأزمة ينادي جانب من الفقه بضرورة اللجوء إلى حل توفيقي يجمع بين المفهومين معاً، على أن تكون الأولوية لدراسة المجرمين وفقاً للمفهوم التقليدي أو القانوني، مع إمكانية شمول الدراسة لأشخاص لم يعتبروا بعد مجرمين من الناحية القانونية، خاصة فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب في الخفاء أو التي لم يبلغ عنها، مع ملاحظة عدم التوسع في هذا الدراسات احتراماً للحرية الفردية للمواطنين.
    • ولم تقتصر الصعوبات المتعلقة بتحديد مفهوم المجرم على مدى ملائمة الأخذ بالمفهوم القانوني أو المفهوم الاجتماعي للمجرم، وإنما تثور المشكلة أيضاً فيما يتعلق بنوعية المجرمين الذين يجب أن تشملهم الدراسات الإجرامية.
    • وتثور هذه المشكلة بسبب ما جرى عليه الفقه من تقسيم للمجرمين إلى أنواع ثلاثة: المجرم العادي، المجرم المجنون والمجرم الشاذ. فالمجرم العادي هو الذي يتمتع بالإدراك والتمييز وحرية الاختيار – أي أنه يتمتع بالأهلية الجنائية ويكون مسئولاً عن أفعاله مسئولية كاملة. والمجرم المجنون هو شخص مصاب بأحد الأمراض العقلية على نحو يعدم لديه الإدراك والتمييز وبالتالي يعدم أهليته الجنائية، ويعتبر الشخص تبعاً لذلك غير مسئول جنائياً عن أفعاله التي يرتكبها تحت تأثير هذا الجنون. أما المجرم الشاذ فهو شخص مصاب بخلل نفسي أو عقلي لا يعدم لديه الإدراك والتمييز بصورة كاملة، ولذلك يتمتع هذا الشخص بأهلية جنائية ناقصة تؤدي إلى تعرضه لنوع من المسئولية الجنائية يتفق مع حالته من حيث درجة التمييز والإدراك وحرية الاختيار.
    • وتثور المشكلة بصدد بحث ما إذا كان يتعين إخضاع جميع أنواع المجرمين للأبحاث الإجرامية أم الاقتصار علي دراسة نوعين من المجرمين العاديين أو الأسوياء فقط؟
    • ذهب جانب من الفقه إلي أن أبحاث علم الإجرام ينبغي أن تركز بصفة أساسية علي المجرمين الأسوياء.
    • فهذا النوع من المجرمين يكون مسئولاً عن أفعاله من الناحية الجنائية وبناء عليه فإن إخضاعه للدراسة سوف يفيد في تحديد العوامل الحقيقية الدافعة إلي الجريمة. أما المجرمين غير الأسوياء فإن إخضاعهم للدراسة لن يقدم شيئاً كبيراً، لأنه غالباً ما يفسر إجرامهم علي ضوء الخلل النفسي أو العقلي الذي أصابهم. ومع ذلك فلم ينكر أنصار هذا الاتجاه أهمية دراسة المجرمين غير الأسوياء في حالات معينة تتعلق باستظهار العلاقة بين نوع الخلل الذي يعانون منه ونوعية الإجرام الناجم عنه.
    • ورغم وجاهة هذا الرأي، فإن الاتجاه الغالب في الفقه يري أن دراسات علم الإجرام يجب أن تشمل جميع أنواع المجرمين الأسوياء وغير الأسوياء.
    • والعلة في شمول الدراسات الإجرامية للمجرمين غير الأسوياء تكمن في أن هذه الدراسة قد تفيد في تحديد الأسباب التي أدت بمريض ما إلي ارتكاب الجريمة رغم أن غيره من المصابين بنفس المرض لم يقدموا علي ارتكابها. وهذا قد يفيد في معرفة العوامل التي ساهمت مع المرض أو الخلل في الدفع إلي ارتكاب الجريمة. ومما لا شك فيه أن هذه المعرفة تفيد في الوقاية من الجريمة وحماية المجتمع من خطورة هؤلاء المجرمين، كما تفيد في منع هؤلاء من العودة إلي ارتكاب الجريمة بعد علاجهم من المرض العقلي أو الخلل النفسي الذي يعانون منه.
     1- فروع علم الإجرام:
    • يشمل علم الإجرام الحديث مجموعة من العلوم التي يمكن أن تمثل فروعاً لهذا العلم، وهي" علم طبائع المجرم، وعلم النفس الجنائي، وعلم الاجتماع الجنائي. وسوف نبين ماهية كل فرع من هذه الفروع فيما يلي:
    أ- علم طبائع المجرم
    • ويطلق عليه كذلك علم البيولوجيا الجنائية، ويرجع الفضل في نشأته إلى العالم الإيطالي لومبروزو مؤسس المدرسة الوضعية الإيطالية.
    • ويهتم هذا العلم بدراسة الخصائص والصفات العضوية للمجرم وذلك من ناحية التكوين البدني الخارجي أو من حيث أجهزة الجسم الداخلية. وخلص لومبروزو في أبحاثه إلى أن هناك علاقة ثابتة بين التكوين العضوي للمجرم وبين الجريمة، وأن المجرم يعتبر صورة أو نمطاً للإنسان البدائي. وذهب لومبروزو إلى القول بوجود ما يسمى "المجرم بالميلاد" وهو من تتوافر لديه مجموعة من الخصائص العضوية تميزه عن غير المجرمين.
    • ورغم ما تعرضت له أفكار لومبروزو من نقد خاصة فيما يتعلق بفكرة الإنسان المجرم والمجرم بالميلاد، إلا أن علم البيولوجيا الجنائية كشف عن حقيقة هامة وهي أن بعض العوامل الدافعة للجريمة ترجع إلى وجود خلل أو شذوذ في التكوين العضوي للمجرم. وحتى مع الاعتراف بأن هذه العوامل لا يمكن الاستناد إليها لإعطاء تفسير عام للظاهرة الإجرامية، إلا أن معرفة الخلل في الجانب العضوي للمجرم تفيد في اختيار أسلوب المعاملة العقابية الملائمة له وبالتالي في مكافحة الظاهرة الإجرامية.
    ب- علم النفس الجنائي
    • يهتم هذا العلم بدراسة الجوانب النفسية للمجرم والتي تدفعه لارتكاب الجريمة، وهي ما تسمى بعوامل التكوين النفسي للمجرم.
    • ويقوم هذا العلم على دراسة القدرات الذهنية للمجرم ومدى استعداده أو ميله الذهني لارتكاب الجريمة. ويستعين الباحثون في علم النفس الجنائي بأساليب التحليل النفسي التي قال بها فرويد وغيره من علماء النفس والتي تلقي الضوء على عناصر هذا الاستعداد الذهني لارتكاب الجريمة.
    • ويرى جانب من الفقه أن علم النفس الجنائي ما هو إلا جزء من علم البيولوجيا الجنائية أو علم طبائع المجرم، باعتبار هذا الأخير يتناول أيضاً بالدراسة التكوين النفسي للمجرم، وأنه من الصعب الفصل بين التكوين العضوي والتكوين النفسي للمجرم، كما أن الصفات الجسمانية للشخص تباشر تأثيراً ملحوظاً على نفسيته وميله إلى الإجرام.
    جــ- علم الاجتماع الجنائي
    • يدرس هذا العلم العوامل الإجرامية ذات الطابع الاجتماعي فهو يدرس الجـريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية ناتجة عن تأثير البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد.
    • وتنطلق الفكرة الأساسية لهذا العلم من أن أسباب الجريمة لا يمكن أن تنحصر في الخصائص العضوية والنفسية للمجرم، وأن العوامل الاجتماعية تباشر تأثيراً هاماً لتنشيط هذه العوامل الداخلية والتفاعل معها في إنتاج الجريمة.
     2- أهمية دراسات علم الإجرام



    • إن علم الإجرام بما يقوم به من دراسة للعوامل المؤدية إلى ارتكاب الجريمة بطريقة علمية يمثل أهمية كبيرة من نواح متعددة، فهو يفيد كل من المشرع والقاضي وسلطة التنفيذ العقابي على حد سواء.
    أ- من الناحية التشريعية
    • تفيد أبحاث علم الإجرام المشرع فيما يتعلق بالتدخل عن طريق التشريع للمساهمة في مكافحة الظاهرة الإجرامية، ويتم ذلك من خلال ما تقدمه أبحاث علم الإجرام من دراسات حول تصنيف المجرمين إلى طوائف متباينة من خلال دراسة متكاملة لشخصية المجرم تحدد العقوبة المناسبة له والأسلوب الملائم له من ناحية المعاملة العقابية.
    • وفي ضوء هذه الأبحاث والدراسات يمكن للمشرع أن يتدخل باختيار العقوبات أو التدابير الاجتماعية والاحترازية المناسبة لكل طائفة من المجرمين. ولا شك أن دراسات علم الإجرام هي التي دفعت المشرع إلى أن يفرد للمجرمين الأحداث نظاماً عقابياً خاصاً يتناسب معهم ويختلف عن ذلك المقرر للمجرمين البالغين.
    ب- من الناحية القضائية
    • تفيد الدراسات التي تتم في نطاق علم الإجرام القاضي الجنائي في اختيار العقوبة أو التدبير الملائم لكل متهم وذلك في ضوء استعماله لسلطته التقديرية التي منحها له المشرع. وحتى يتم ذلك بطريقة سليمـة يتعين أن يقدم للقاضي ما يمكنه من التعرف على شخصية المتهم الإجرامية للوقوف على مدى خطورته الإجرامية على المجتمع. ولا شك أن ذلك يساعد في مكافحة الإجرام في المجتمع من خلال تطبيق الحد الأدنى أو الأقصى للعقوبة، أو توقيع تدبير احترازي بدلاً من العقوبة الجنائية أو اللجوء لنظام وقف التنفيذ إذا كانت ظروف المتهم تستوجب ذلك.
    جــ- من ناحية التنفيذ العقابي
    • تتيح الدراسات الحديثة في علم الإجرام للسلطات القائمة على تنفيذ العقوبة اختيار أنسب وسائل المعاملة العقابية للمحكوم عليه، ويتم ذلك من خلال تصنيف المجرمين من حيث السن والجنس والخطورة الإجرامية ومن حيث اختيار نوع العمل داخل المؤسسة العقابية الذي يحقق تأهيل المحكوم عليه حتى يخرج مواطناً قادراً على التكيف مع المجتمع مرة أخرى.
    • واختيار أسلوب المعاملة العقابية يتم كذلك من خلال الفحص البدني والنفسي والعقلي والاجتماعي للمحكوم عليه، فهذا الفحص يساعد في معرفة العوامل التي أدت إلى ارتكاب الجريمة وبالتالي يفيد ذلك في معالجتها والقضاء عليها.
     3- علاقة علم الإجرام بالعلوم الجنائية الأخرى
    • هناك ارتباط واضح وعلاقة وثيقة بين فروع العلم الجنائي المختلفة، فهي جميعاً تدور حول فكرة الجريمة وتهتم بدراستها إما بمعرفة العوامل التي تؤدي إليها أو لوضع العقوبات المقررة لها أو الإجراءات التي تؤدي إلى تقرير سلطة الدولة في العقاب أو لتنفيذ ما يتم توقيعه على المجرم من عقوبات. وسوف نعرض فيما يلي لأوجه الصلة بين علم الإجرام وبين أهم فروع العلم الجنائي للوقوف على مدى التأثير المتبادل بين تلك العلوم من ناحية وبين علم الإجرام من ناحية أخرى باعتباره محل دراستنا.
    • وعلى ذلك فسوف نبين علاقة علم الإجرام بكل من علم العقاب وقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية والسياسة الجنائية.
    أ- علم الإجرام وعلم العقاب
    • سبق أن أوضحنا أن علم الإجرام يهتم بدراسة الظاهرة الإجرامية لمعرفة العوامل المختلفة فردية كانت أو اجتماعية التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة، وذلك للوقوف على الوسائل الملائمة لمكافحتها والحد من تأثيرها.
    • ويقصـد بعلم العقـاب ذلك العلم الذي يتناول مرحلة رد الفعـل الاجتمـاعي تجاه مرتكـبي الجـريمة أي مرحلـة التنفـيذ التي تحقـق هذه الأغراض.
    • ورغم استقلال كل من العلمين فيما يتعلق بالموضوع الذي تنصب عليه أبحاث كل منهما، إلا أنهما يتفقان في سعيهما لتحقيق غاية واحدة وهي مكافحة الجريمة.
    • ووسيلة علم الإجرام في ذلك هو دراسة الظاهرة الإجرامية للتوصل إلى القانون الذي يحكمها وبالتالي السيطرة عليها قبل وقوعها، أما علم العقاب فهو يهتم بالبحث في أفضل الوسائل لمعاملة المجرمين لتحقيق أغراض الجزاء الجنائي في الإصلاح والتأهيل.
    • وتتجسد العلاقة بين علمي الإجرام والعقاب في أن كل منهما يكمل الآخر ويعتبر وسيلة من وسائله.
    • فتحقيق فاعلية علم العقاب في اختيار الوسائل الملائمة لتنفيذ العقوبة لا تتم إلا بعد معرفة الأسباب التي رفعت المجرم إلى ارتكاب الجريمة وبعد معرفة سمات شخصية المجرم وهذا هو مجال علم الإجرام.
    • ومن ناحية أخرى فإن علم العقاب يمد علم الإجرام بالكثير من النماذج البشـرية لإجـراء الأبحاث التي تفيد في التأكد من صحة افتراضاته.
    ب- علم الإجرام وقانون العقوبات
    • يشمل قانون العقوبات مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الجرائم وتلك التي تبين العقوبات والتدابير الأخرى التي توقع على مرتكبي الجرائم.
    • ورغم الارتباط بين كل من علم الإجرام وقانون العقوبات القائم على وحدة الغاية والهدف الذي يتمثل في مكافحة الجريمة، إلا أن طبيعة كل منهما تختلف عن طبيعة الآخر. فعلم الإجرام علم وصفي بمعنى أنه يصف السلوك الإجرامي ويحاول تفسيره. بينما قانون العقوبات علم قاعدي أو معياري يدرس الجريمة كواقعة قانونية لتحديد نطاقها وأنواعها وتحديد المسئولية الجنائية لمرتكبيها.
    • ومع ذلك فإن التأثير متبادل بين كل من علم الإجرام وقانون العقوبات. فقانون العقوبات يرسم الإطار الذي تتم فيه الدراسات الإجرامية وذلك فيما يتعلق بالجريمة والمجرم. ومن جهة أخرى يلجأ قانون العقوبات إلى أبحاث علم الإجرام وما توصلت إليه من نتائج للاستفادة منها في تقرير بعض الأنظمة والقواعد المتعلقة بتفريد العقوبة، ونظام وقف التنفيذ ونظرية الظروف المشددة والمخففة وتطبيق أنظمة التدابير الاحترازية.
    جــ- علم الإجرام وقانون الإجراءات الجنائية
    • يشمل قانون الإجراءات الجنائية مجموعة القواعد الإجرائية التي تسلكها الدولة منذ لحظة وقوع الجريمة وحتى لحظة صدور حكم بات، بما يتضمنه ذلك من إجراءات تحرى وتحقيق ومحاكمة وطرق طعن وما يحيط بكل هذه المراحل والإجراءات من ضمانات تكفل حماية الحقوق الشخصية والحريات الفردية للأشخاص محل الملاحقة الجنائية.
    • وإن كان من الواضح أن مجال قانون الإجراءات الجنائية يختلف عن موضوع علم الإجرام، إلا أن الاتجاهات الحديثة في قانون الإجراءات الجنائية تهتم بمعرفة شخصية الجاني لتحديد ملامحها الإجرامية ومدي خطورتها من أجل مساعدة القاضي في اختيار العقوبة أو التدبير الملائم لشخصية الجاني، ولا شك أن السبيل إلي ذلك هو الاستعانة بالدراسات الإجرامية التي تبحث في الظروف الشخصية والاجتماعية للمجرم.
    • وعلي سبيل المثال فقد ساهمت الدراسات الإجرامية في تبني بعض الأنظمة القانونية للعديد من النظم الإجرائية الهامة والتي تهدف إلى حسن تطبيق مبدأ التفريد العقابي، ومن ذلك تخصيص قضاء للأحداث والأخذ بنظام قاضي التنفيذ.
    د- علم الإجرام والسياسة الجنائية
    • يقصد بالسياسة الجنائية مجموعة الوسائل التي يستخدمها المشرع أو التي يجب عليه أن يستخدمها والتي من شأنها أن تؤدي إلي مكافحة الظاهرة الإجرامية في المجتمع.
    • أي أن السياسة الجنائية تهتم بتحديد الأفعال التي تقضي المصلحة الاجتماعية بالعقاب عليها وتلك التي توصي بإخراجها من دائرة التجريم والعقـاب، وكذلك بتحديد صور الجزاء الجنائي التي تحقق أغراضه بطريقة فعالة.
    • ورغم اختلاف علم السياسة الجنائية عن علم الإجرام في الموضوع الذي تهتم دراسات كل منهما بمعالجته، إلا أن أبحاث علم الإجرام تعين السياسة الجنائية علي رسم وضبط الإطار العام لسياسة التجريم والعقاب في المجتمع.

    lphqvhj td ugl hgY[vhl


  2. # ADS
    Circuit advertisement
    تاريخ التسجيل
    Always
    المشاركات
    Many
     

  3. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,925
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الاتجاهات والمذاهب المختلفة فى تفسير الظاهرة الإجرامية

    المحاضرة الثانية
    أهداف المحاضرة :
    دراسة للاتجاهات والمذاهب المختلفة فى تفسير الظاهرة الإجرامية تفسيراً علمياً.
    وفى هذه المحاضرة نتناول الاتجاه الفردى فى تفسير الظاهرة الإجرامية ونركز حول أهم نظريتين قيل بهما فى هذا الاتجاه وهما :
    1- نظرية الخلل العضوى «نظرية لومبروزو».
    2- نظرية التحليل النفسى «نظرية فرويد».
     الاتجاه الفردي في تفسير الظاهرة الإجرامية:
    • يستند أنصار الاتجاه الفردي في تفسير الظاهرة الإجرامية إلى أن الجريمة تقع استناداً لوجود خلل في تكوين الشخص هو الذي يدفعه إلى ارتكاب الجـريمة، هذا الخلل التكويني يميز المجرمين فقط، وهو لا يوجد لدى غير المجرمـين.
    • وهذا الخلل التكويني قد يكون خللاً عضوياً أو بدنياً وقد يكون خللاً نفسياً، ولذلك فقد ظهرت العديد من النظريات التي تفسر ارتكاب الجريمة سواء استناداً إلى الخلل العضوي أو استناداً إلى الخلل النفسي، ومع ذلك سوف نتعرض لأهم نظريتين قيل بهما في هذا الخصوص إحداهما عضوية والأخرى نفسية وذلك في المبحثين التاليين
    (1) نظرية الخلل العضوي "نظرية لومبروزو"
    • قال بهذه النظرية أنصار المدرسة الوضعية الإيطالية؛ حيث أرجعت هذه النظرية الجريمة إلى وجود خلل عضوي في تكوين المجرم ومع ذلك لم يغفل أنصار هذه النظرية الجانب النفسي في تكوين المجرم. وسوف تقتصر دراستنا على ما يمكن أن نطلق عليه نظرية أو أفكار لومبروزو حول تفسير الظاهرة الإجرامية وسنبين أولاً مضمون النظرية ثم نعرض ثانياً لتقدير هذه النظرية.
    - مضمون النظرية:
    • كان لومبروزو طبيباً من في الجيش الإيطالي ثم أصبح أستاذاً للطب الشرعي في إحدى الجامعات الإيطالية. وقد أتاحت له طبيعة عمله كطبيب وكضابط بالجيش وكأستاذ بالجامعة أن يقوم بفحص عدد كبير من الجنود والضباط المجرمين والأسوياء على حد سواء وذلك خلال خدمته بالجيش، كما قام بتشريح عدد من جماجم المجرمين ومقارنتها بجماجم غير المجرمين. وقد لاحظ لومبروزو في بداية أبحاثه وجود تجويف غير عادي في مؤخرة جمجمة أحد قطاع الطرق، قال بأنه يشبه التجويف الذي يوجد لدى القردة. وقد دعاه ذلك لمواصلة أبحاثه حيث قام بفحص 383 جمجمة لمجرمين بعد وفاتهم وقارنها مع عدد آخر لجماجم مجرمين أحياء يبلغ عددهم 5907. ومن بين ذلك ما قام به من فحص لأحد المجرمين الخطرين الذي اتهم بقتل ما يقرب من عشرين امرأة بطرق وحشية، وخلص لومبروزو إلى أن هذا المجرم يتميز بخصائص تشبه خصائص الإنسان البدائي.
    • وقد جمع لومبروزو أفكاره في كتاب شهير أصدره في عام 1876 تحت عنوان "الإنسان المجرم" خلص فيه إلى نتيجتين أساسيتين تفسران في نظره الظاهرة الإجرامية.
    • النتيجة الأولى: أن الإنسان المجرم يتميز بشذوذ في تكوينه العضوي وبخصائص بدنية لا تتوافر لدى غير المجرمين، ومن هذه الخصائص عدم الانتظام في شكل الجمجمة، ضيق في الجبهة يقابله ضخامة في الفكين وشذوذ في تركيب الأسنان, وبروز في عظم الخدين، فرطحة أو اعوجاج في الأنف، طول أو قصر غير عادي في الأذنين، طول غير عادي في الأطراف أو الأصابع مع قصر في القامة وكذلك غزارة في الشعر. وقد دعم من أفكار لومبروزو في تشبيه المجرم الذي يتصف بهذه الخصائص بالإنسان البدائي ظهور نظرية داروين عن التطور والارتقاء.
    • النتيجة الثانية: أن المجرم يتميز ببعض السمات النفسية التي يستدل منها على وجود خلل في التكوين النفسي لدى هؤلاء المجرمين ومن أمثلة ذلك: ضعف الإحساس بالألم، غلظة القلب وقسوة المشاعر، انعدام الشعور بالخجل. وقد استدل لومبروزو على هذه السمات النفسية مما لاحظه من كثرة الوشمات والرسوم القبيحة والخليعة التي يرسمها المجرمون على أجسادهم.
    • وخلص لومبروزو من ذلك إلى أن الإنسان الذي يتميز بهاتين الطائفتين من الخصائص يمكن أن يعتبر نمطاً إجرامياً، وأنه إنسان مطبوع على الإجرام ولابد أنه سيرتكب الجريمة حتماً وأطلق عليه تعبير "المجرم بالميلاد أو المجرم بالفطرة".
    • وفي مرحلة لاحقة، لاحظ لومبروزو أن هناك طوائف عديدة من المجرمين لا يمكن إدراجهم تحت هذا النموذج الوحيد المعروف بالمجرم بالميلاد، ولذلك فقد أشار في الطبعات اللاحقة من كتابه "الإنسان المجرم" إلى وجود طوائف أخرى من المجرمين ومن بين ذلك ما أطلق عليه المجرم الصرعي، حيث أثبت لومبروزو وجود علاقة بين الإجرام وبين مرض الصرع. وقد توصل لومبروزو إلى هذه النتيجة عندما قام بفحص أحد الجنود الإيطاليين عقب ارتكابه لجريمة قتل. وتتلخص هذه الحالة في أن هذا الجندي التحق بالجيش الإيطالي عدة سنوات، لم يرتكب خلالها أية جريمة أو سلوك غير مشروع، ولكنه ونتيجة لقيام أحد زملائه بالسخرية من مقاطعته التي ينتمي إليها، قام بمطاردة ثمانية من زملائه وقتلهم جميعاً، ثم سقط فاقداً للوعي لمدة اثنتي عشرة ساعة، وعندما أفاق من غيبوبته لم يتذكر شيئاً عن جريمته. وعندما فحص لومبروزو حالة هذا الجندي اكتشف أنه يعاني من الصرع وأنه يتميز ببعض الصفات الوحشية، فقام بإدخال تصنيف المجرم الصرعي ضمن تصنيفات المجرمين الأخرى.
    - تقدير النظرية
    • كان لأفكار لومبروزو، رائد المدرسة الوضعية الإيطالية، فضل كبير في التنبيه إلي ضرورة دراسة المجرم من الناحية التكوينية سواء تركيبه العضوي البدني أو تركيبه النفسي، واتسمت هذه الدراسة بالطابع العلمي واعتمدت علي أسلوب البحث التجريبي في دراسة الظاهرة الإجرامية ومع ذلك تعرضت هذه النظرية لعدة انتقالات أهمها:
    أولاً: بالغت هذه النظرية في وضع خصائص وصفات بدنية ونفسية تميز المجرمين عن غير المجرمين، وأرجعت الجريمة إلي توافر هذه الخصائص لدي الشخص المجرم.
    • والحقيقة انه يصعب من الناحية العلمية الربط بين توافر هذه الخصائص الجسدية وبين الإقدام علي ارتكاب الجريمة وذلك لأن هذه الخصائص تمثل حالة ساكنة غير قادرة علي إحداث نتيجة ملموسة في العالم الخارجي كارتكاب جريمة.
    ثانياً: أدت هذه النظرية إلي نتائج مبالغ فيها ولا يمكن التسليم بها كحقيقة علمية، ذلك أن هذه الصفات التي تقول النظرية بتوافرها لدى المجرمين توجد أيضاً وبنفس الدرجة لدى غير المجرمين.
    ثالثاً: أغفلت النظرية أي دور يمكن أن تقوم بع العوامل الخارجية المحيطة بالفرد في دفعه لارتكاب الجريمة، وفسرت الجريمة بالاستناد إلي خصائص جسدية أو نفسية تتعلق بالمجرم ذاته، رغم أنه لا يمكن إنكار ما تقوم به العوامل الخارجية المحيطة بالفرد في تكوين شخصيته وقد يكون من بين ذلك تكوين الشخصية الإجرامية.
    رابعاً: عدم صحة ما قالت به النظرية من تشبيه المجرم بالإنسان البدائي، لأنه لم يثبت أن لومبروزو قام بدراسة تاريخ البشرية حتى يكون فكرة صحيحة عن الإنسان البدائي، وفي نفس الوقت لم يثبت أن العلم الحديث قد توصل إلى رسم صورة لما يمكن أن يطلق عليه الإنسان البدائي، وأخيراً لا يمكن قبول فكرة أن كل إنسان بدائي قد ارتكب جريمة وبالتالي القول بأن الإنسان البدائي إنسان مجرم.
    خامساً: أن التسليم بفكرة المجرم بالميلاد تهدم مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومضمون هذا المبدأ "أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء علي قانون"، وعندما يتدخل قانون العقوبات بالتجريم والعقاب فإنه يتدخل استجابة لمتطلبات اجتماعية ورغبة في حماية مصالح اجتماعية يري الشارع ضرورة حمايتها جنائياً، ومن المعلوم أن الجريمة فكرة نسبية تختلف باختلاف المكان وتختلف من زمن إلي آخر، وبناء عليه يصعب الربط بين الجريمة كفكرة نسبية وبين توافر خصائص جسدية ثابتة لدى المجرمين عبر مختلف العصور.
    ( 2 ) نظرية التحليل النفسي "نظرية فرويد"
    • ركزت هذه النظرية في تفسير الظاهرة الإجرامية على الجانب النفسي لدى الفرد، حيث غلبت العوامل المرتبطة بالتكوين النفسي للمجرم، دون إعطاء أهمية تذكر للتكوين العضوي للفرد أو للعوامل الخارجية أو الاجتماعية المحيطة بالفرد وقال بنظرية التحليل النفسي عالم النفس الشهير "فرويد"، وسوف نتعرض لمضمون النظرية ثم لتقديرها.
    - مضمون النظرية
    • لم يهدف فرويد من أبحاثه بصفة أساسية وضع نظرية لتفسير السلوك الإجرامي بصفة خاصة، ولكنه أراد دراسة تأثير الجهاز النفسي للفرد على سلوكياته ومن بين هذه السلوكيات السلوك الإجرامي باعتباره سلوكاً بشرياً. وقد قسم فرويد النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام، وهي النفس والعقل والضمير وذلك على التفصيل التالي:
    1- النفس "الأنا الدنيا أو الذات الدنيا"
    • ويطلق عليها النفس ذات الشهوة حيث تكمن فيها الميول الفطرية والنزعات الغريزية، وتقف فيما وراء الشعور، وفيها يتركز الاهتمام على إشباع الرغبات والشهوات دون مراعاة للقيود الاجتماعية التي تفرضها المبادئ والقيم السائدة في المجتمع. فإذا كانت الغريزة الجنسية على سبيل المثال تتطلب إشباعاً فإن الشخص الذي يريد أن يأتي سلوكه متمشياً مع المبادئ والقيم الاجتماعية عليه إما أن يكبت هذه الغريزة ويتحكم فيها وإما أن يشبعها عن طريق الزواج باعتباره النظام الاجتماعي المقبول في هذا الخصوص.
    2- الأنا "العقل"
    • ويطلق عليها الذات الشعورية حيث تتركز في الجانب الشعوري للإنسان والذي هو على صلة دائمة بالواقع، لأن العقل يمثل الجانب الواعي أو المدرك في النفس البشرية. والوظيفة الرئيسية للأنا هي محاولة التوفيق بين الميول والنزعات الغريزية وبين ما تقتضيه الحياة الاجتماعية من احترام للقيم والمبادئ السائدة في المجتمع.
    3- الأنا العليا "الضمير"
    • ويطلق عليها الذات المثالية حيث تمثل الجانب المثالي للنفس البشرية حيث تتركز فيها المبادئ والقيم الأخلاقية المستمدة من الأديان السماوية والمتوارثة عن الأجيال السابقة.
    • وتتمثل وظيفة الأنا العليا في أنها تمد العقل أو الأنا بالقوة اللازمة لردع الميول والنزعات الغريزية التي تصعد من الأنا الدنيا، وتمارس هذه الوظيفة عن طريق تأنيب العقل وإشعاره بالذنب كلما سمح بتغليب الغرائز والشهوات على مقتضيات الحياة الاجتماعية.
    • وعلى ضوء ذلك التقسيم للنفس البشرية فسر فرويد السلوك الإجرامي بأحد أمرين: إما إخفاق العقل "الأنا" عن تهذيب النفس "الأنا الدنيا" وعجزه عن تحقيق التوافق بين الميول والنزعات الغريزية وبين القيم والمبادئ السائدة في المجتمع، وإما انعدام الضمير "الأنا العليا" أو عجزه عن ممارسة وظيفته في السمو بهذه الميول والنزعات الغريزية وذلك لعدم قيامه بتأنيب العقل "الأنا". وفي كلتا الحالتين تنطلق النزعات الغريزية من منطقة اللاشعور إلى منطقة الشعور دون أي احترام أو تقيد بالقواعد والضوابط الاجتماعية والأخلاقية الواجبة الاتباع.
    • وقدم فرويد صوراً عديدة لما يحدث للنفس البشرية من خلل يؤدي إلى ارتكاب الجريمة نذكر من ذلك عقدة الذنب وعقدة أوديب.
    • ويقصد "بعقدة الذنب" ما يصيب الشخص من شعور بعد ارتكاب جريمة ما أو سلوكاً غير مشروع نتيجة عدم ممارسة الضمير وظيفته في مراقبة العقل وردعه، وينتاب الشخص هذا الشعور عندما يستيقظ الضمير ويستعيد وظيفته في تأنيب العقل وإشعاره بالذنب، وقد يسيطر هذا الشعور بالذنب على الفرد لدرجة الإحساس بأنه جدير بالعقاب، فيندفع تحت تأثير هذا الإحساس بالذنب إلى ارتكاب الجريمة مفضلاً في ذلك ألم العقوبة حتى يتخلص من الألم النفسي الذي يعانيه. وغالباً ما يحرص هذا النوع من المجرمين على ترك أدلة أو آثار تساعد في التعرف والقبض عليه وقد يصل به الأمر إلى حد الاعتراف بجريمة لم يرتكبها.
    • أما "عقدة أوديب" فتنشأ نتيجة صراع كامن في اللا شعور وتفسر ارتكاب بعض الجرائم.
    • ومؤدى "عقدة أوديب" أن الغريزة الجنسية للابن تتجه لا شعورياً نحو الأم والذي ينتج عنها إحساس الابن بالغيرة من أبيه نتيجة العلاقة العاطفية التي تربط الأب والأم. وفي نفس الوقت يشعر الابن نحو أبيه بالحب نتيجة قيام الأب برعاية هذا الابن وتلبية رغباته ومتطلبات حياته. ونتيجة ذلك يتولد داخل الطفل شعور مزدوج بالحب والكراهية نحو أبيه. وإذا لم يقم العقل "الأنا" بوظيفته في ضبط هذه المشاعر ووضعها في إطارها الذي يتفق مع القيم والمبادئ السائدة في المجتمع فإن الابن سوف يقدم على ارتكاب الجريمة.
    - تقدير النظرية
    • أبرزت هذه النظرية دور الجانب النفسي للشخصية الإنسانية وتفسيره للسلوك الإجرامي، وهو ما كشف عن إمكانية علاج بعض طوائف المجرمين المصابين بخلل نفسي. ومع ذلك فقد وجهت إلى هذه النظرية عدة انتقادات منها:
    أولاً: حاولت هذه النظرية إرجاع كل صور سلوك الفرد وردود أفعاله إلى عامل نفسي، والحقيقة أن طريقة التحليل النفسي تؤدي إلى نتائج مبالغ فيها ولا يمكن التسليم بها بصورة كلية.
    ثانياً: ليس صحيحاً أن ضعف الضمير أو الأنا العليا يقود حتماً إلى ارتكاب الجريمة، فهناك من الناس من يضعف ضميرهم ولكنهم لا يقدمون على ارتكاب الجريمة.
    • فقد أغفلت هذه النظرية دراسة العوامل الأخرى التي قد تساهم مع الخلل النفسي في إقدام الفرد على إتيان السلوك الإجرامي.
    ثالثاً: يقود منطق النظرية إلى اعتبار أن جميع المجرمين يتميزون بالقسوة وغلظة القلب وانعدام العواطف وذلك كنتيجة منطقية لتخلف الأنا العليا وسيطرة الأنا الدنيا، وهذه النتيجة لا يمكن التسليم بها حيث أثبتت الدراسات والأبحاث أن هذه الصفات لا تصدق على كافة المجرمين.

  4. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,925
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي تفسير الظاهرة الإجرامية

    المحاضرة الثالثة
     المحاضرة :
    نتناول فى هذه المحاضرة بعض النظريات التى قيل بها ضمن الاتجاه الاجتماعى فى تفسير الظاهرة الإجرامية وهو يشمل :
    1- نظرية التفكك الاجتماعى.
    2- نظرية المخالفة الفارقية.
    3- نظرية النظام الرأسمالى.
    وبعد ذلك نختم دراستنا المتعلقة بتفسير الظاهرة الإجرامية بالتعرف على أهم نظريات الاتجاه التكاملى فى تفسير هذه الظاهرة وهى نظرية :
    - التكوين أو الاستعداد الإجرامى.
     الاتجاه الاجتماعي في تفسير الظاهرة الإجرامية
    • يستند الاتجاه الاجتماعي في تفسير الجريمة، على عكس المذهب الفردي، إلى عوامل خارجية لا تتصل بالتكوين العضوي والنفسي للفرد، وإنما تتعلق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها من الظروف المحيطة بالفرد.
    • وقد نشأ هذا المذهب الاجتماعي في تفسير الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أخضع علماء الاجتماع السلوك الإجرامي لنفس القواعد التي تخضع لها كافة صور السلوك الاجتماعي. وقد تعددت الدراسات التي أجريت في هذا الخصوص واتسمت هذه الدراسات في بادئ الأمر بالطابع الفردي وذلك بدراسة حالات فردية وبحث نوعية معينة من الجرائم كل على حدة. وفي تطور لاحق وفي محاولة لوضع تفسير عام ظهرت بعض النظريات المفسرة للسلوك الإجرامي استناداً لعوامل اجتماعية.
    وقد سلكت هذه الدراسات الأخيرة أحد طريقين:
    الأول: دراسة صور التنظيم الإجرامي وعلاقته بمعدل الجريمة وذلك لمحاولة التعرف على كيفية ظهور الجريمة وارتباطها بالتنظيم أو التركيب الاجتماعي.
    الثاني: دراسة الكيفية التي يصير الفرد وفقاً لها مجرماً بدلاً من أن يأتي سلوكه متمشياً مع القانون والضوابط الاجتماعية ولذلك تعددت النظريات الاجتماعية المفسرة للسلوك الإجرامي، إلا أن دراستنا سوف تقتصر على بيان أهم هذه النظريات وهي نظرية التفكك الاجتماعي، نظرية المخالطة الفارقية، نظرية النظام الرأسمالي وذلك على النحو التالي.
    (1) نظرية التفكك الاجتماعي
    - مضمون النظرية
    • تستند هذه النظرية في تفسيرها للجريمة إلى ما يسود المجتمع من تنازع أو تضارب وهو ما يعبر عنه بالتفكك الاجتماعي. وفي دراستهم لبيان علاقة التفكك الاجتماعي بالجريمة ميز أنصار هذه النظرية بين أنواع المجتمعات من ناحية وبين تطور حياة الفرد داخل نفس المجتمع من ناحية أخرى. فمن ناحية، ميز أنصار هذه النظرية بين المجتمع الريفي البدائي ومجتمع الحضر الحديث حيث لاحظوا أن المجتمع الريفي يتميز بالانسجام والرقابة المتبادلة بين أعضائه وتسوده مجموعة متشابهة من القيم والعادات والتقاليد، ويعيش أفراده حياة مشتركة لخدمة مصالح الجماعة ولذلك تخلو حياتهم غالباً من النزعة الفردية والصراعات المتبادلة. وقد ترتب على ذلك انخفاض معدل الجريمة بصورة كبيرة داخل المجتمع الريفي. وعلى العكس من ذلك فإن طبيعة الحياة داخل المجتمع الحديث تتسم بالتعقيد والتشابك وتضارب المصالح وما نتج عن ذلك من تصارع بين أفراده الذين غالباً ما ينحدرون من مجتمعات متباينة في عاداتها وتقاليدها. ولذلك تسود في هذا المجتمع روح الفردية ومحاولة تحقيق كل فرد لمصلحته الشخصية ولو على حساب الآخرين دون مراعاة للقيم والمبادئ والضوابط اللازمة للحياة في المجتمع وهو ما يقود الفرد إلى مخالفة القانون وارتكاب الجريمة.
    • ومن ناحية أخرى، فإن الفرد وخلال مراحل حياته المختلفة يتعامل مع مجموعات متنوعة من الأشخاص المحيطين به، ففي مرحلة الطفولة يعيش الطفل في أسرته ويتلقى داخلها ما يؤثر على سلوكياته وتصرفاته ومنها سلوكه الإجرامي. فلو كان الوالدين أو أحدهما يمثل قدوة سيئة فسوف يأتي سلوك الطفل مخالفاً للقيم الاجتماعية، ولو فرض وكان أبواه صالحين ولقناه القيم والمبادئ الأخلاقية فإنه سوف يخرج في مرحلة تالية ليتعامل مع جماعة من الأشخاص المختلفين في سلوكياتهم وتصرفاتهم وذلك في مجتمع المدرسة ثم مجتمع الأصدقاء ومجتمع العمل.
    • وهذا التطور في تعاملاته وفقاً لتطور مراحل عمره قد يضعه، خاصة في المجتمعات الحديثة، في تناقض وأزمة اختيار ما بين السلوك القويم والسلوك المستهجن، وقد ينتهي به الأمر في النهاية إلى انتهاج السلوك الإجرامي.

    - تقدير النظرية
    • لا شك أن هذه النظرية قد أصابت الحقيقة في قدر منها وذلك عندما فسرت الجريمة استناداً لما أصاب المجتمع الحديث من تفكك وتناقض أصاب هذا المجتمع في ثقافاته وقيمه ومبادئه، الأمر الذي يشكل عاملاً دافعاً إلى ارتكاب الجريمة.
    • ومع ذلك فإن هذه النظرية لا تصلح لتفسير الجريمة كظاهرة عامة في حياة المجتمع، لأن فكرة التفكك الاجتماعي لا يمكن الاستناد إليها وحدها وإهمال غيرها من العوامل الخارجية والفردية التي تحكم السلوك الإنساني وتؤثر بشكل ملحوظ في السلوك الإجرامي.
    • وفي النهاية لا يمكن لهذه النظرية أن تقدم تفسيراً مقبولاً لعدم ارتكاب بعض أفراد المجتمع للجريمة رغم أنهم يعيشون في نفس المجتمع وفي نفس ظروف التفكك الاجتماعي التي تسوده.
    (2) نظرية المخالطة الفارقية:
    - مضمون النظرية
    • تنسب هذه النظرية إلى عالم الاجتماع الأمريكي سذرلاند، الذي يسلم بنظرية التفكك الاجتماعي وبما خلصت إليه من نتائج ومع ذلك فقد وضع نظرية جديدة لتفسير السلوك الإجرامي باعتباره ظاهرة اجتماعية.
    • ويرفض سذرلاند تفسير السلوك الإجرامي باعتباره تعبيراً عن مجموعة من الحاجات، تأسيساً على أن السلوك غير الإجرامي يأتي هو الآخر تعبيراً عن نفس الحاجات. فالحاجة كما تصلح لتفسير السلوك الإجرامي تصلح أيضاً وبنفس الدرجة لتفسير السلوك المطابق للقانون. فالحاجة إلى المال قد تدفع الشخص إلى السرقة وقد تدفعه إلى مضاعفة العمل الشريف.
    • ويرى سذرلاند أن السلوك الإجرامي يأتي من خلال التعلم فهو ليس سلوكاً موروثاً، فالشخص يكتسب السلوك الإجرامي من خلال اختلاطه بالأشرار وخلطاء السوء وانفصاله عن الجماعة التي تحترم القانون. مع ملاحظة أن السلوك الإجرامي وفقاً لما يراه سذرلاند يتم تفسيره من خلال التعلم المباشر القائم على العلاقات الشخصية المباشرة، ولذلك يرى سذرلاند أن وسائل الإعلام ، باعتبارها وسائل تعليم غير مباشرة، تلعب دوراً ثانوياً في هذا الخصوص.
    وهناك عدة عوامل تساهم في تحديد مدى تأثر الفرد بجماعة معينة عند واختلاطه بها وهي:

    أولها: أسبقية تأثر الفرد بالسلوك السائد في جماعة معينة سواء كان هذا السلوك مطابقاً للقانون أم مخالفاً له، فيستمر تأثر الفرد بسلوكيات هذه الجماعة رغم اختلاطه بجماعات أخرى.
    وثانيها: استمرار التأثر فترة من الزمن تسمح للفرد باكتساب مسلك الجماعة في مخالفة القانون. وثالثها: عمق التأثير الذي يتعرض له الفرد داخل هذه الجماعة ومدى فاعليته في دفعه إلى طريق الإجرام، وهذا يتوقف على حدة وقوة التأثير الذي تمارسه الجماعة المخالطة للفرد على سلوكه الإجرامـي.
    • وقد احتل التنظيم الاجتماعي أهمية كبيرة في نظرية سذرلاند، فالسلوك الإجرامي ما هو إلا انعكاس للتنظيم الاجتماعي السائد. فاختلاطات الفرد مع غيره تعتمد إلى حد بعيد على التنظيم الاجتماعي، وهذا التنظيم قد يبني بطريقة تشجع على ظهور السلوك الإجرامي وقد يبنى بطريقة تحول دون ذلك.
    - تقدير النظرية
    • لا شك أن هذه النظرية قد لفتت الأنظار إلى أهمية العلاقات الشخصية للفرد وما قد ينتج عن ذلك من اختلاط بمجموعات إجرامية تؤثر تأثيراً سيئاً على سلوكياته مما يدفعه إلى ارتكاب الجريمة. ومع هذا يؤخذ عليها ما يلي:
    • فمن ناحية أولى، أغفلت النظرية دور العوامل الفردية وما يصيب الشخص من خلل عضوي أو نفسي في الدفع إلى ارتكاب الجريمة.
    • ومن ناحية ثانية، فكرة التعلم التي اتخذتها النظرية أساساً لتفسير السلوك الإجرامي لا يمكن التسليم بها، لأنه لو كان الشخص يتعلم الإجرام من مخالطته للمجرمين، فمن الذي علم المجرم الأول أسلوب ارتكاب الجريمة. بل إن البعض قد ذهب إلى القول بأن السلوك غير الإجرامي هو الذي يتم اكتسابه من خلال التعلم.
    • ومن ناحية ثالثة، تقود النظرية إلى نتائج لا يمكن التسليم بها، وهي أن الذين يخالطون المجرمين سوف يرتكبون الجريمة وهو أمر لا يثبت الواقع صحته، وإلا لاعتبر رجال الشرطة وأعضاء النيابة وغيرهم ممن يخالطون المجرمين ممن يخالفون القانون ويرتكبون الجريمة، فهؤلاء يخالطون المجرمين ومع ذلك لم تنتقل إليهم عدوى ارتكاب الجريمة، وفي المقابل يثبت الواقع مخالطة البعض لأفراد يحترمون القانون ومع ذلك يرتكبون الجريمة.
    (3) نظرية النظام الرأسمالي:
    • ظهر التفسير الاقتصادي للظاهرة الإجرامية بصورة واضحة على يد ماركس وأنجلز أصحاب فكرة النظام الشيوعي الاشتراكي. وترتكز هذه النظرية على ما يشوب النظام الرأسمالي من مساوئ وما يتميز به من غياب لفكرة العدالة الاجتماعية.
    • فالنظام الرأسمالي يؤدي إلى فتح باب المنافسة غير المشروعة بين التجار مما يؤدي إلى احتكار السلع والخدمات ويدفعهم إلى بذل الأساليب غير المشروعة لتحقيق أكبر ربح مثل الغش والاحتيال والمبالغة في رفع السعار والانتقاص من جودة السلع والخدمات التي يقدمونها.
    • وتظهر مساوئ النظام الرأسمالي كذلك في التفاوت الهائل في مستوى معيشة طبقة أصحاب العمل وطبقة العمال، وما يقوم به أرباب العمل من استغلال للعمال وتشغيل النساء والأطفال وزيادة عدد ساعات العمل وعدم إعطاء العامل الأجر الذي يستحقه، علاوة على انخفاض مستوى التعليم والرعاية الصحية لدى طائفة العمال، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الفقر والبطالة بين أفراد الطبقة العاملة وزيادة ثراء الطبقة الرأسمالية، وهذه بلا شك عوامل تدفع إلى ارتكاب الجريمة.
    • وتحت تأثير هذه الأفكار نشر العالم الهولندي بونجر كتاباً في عام 1905 عن "الجريمة والظروف الاقتصادية" انتقد فيه النظام الرأسمالي لأنه يولد انعدام المسئولية الاجتماعية ويدفع إلى ارتكاب الجريمة بسبب ما يسود هذا النظام من ظلم للطبقات الاجتماعية الفقيرة يدفعهم لارتكاب الجريمة في محاولة منهم لتحسين أحوالهم والتنفيس عما بداخلهم من حقد تجاه طبقة الرأسماليين وذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى يدفع النظام الرأسمالى بسبب ما يؤدي إليه هذا النظام من تشجيع للطبقات الرأسمالية على ارتكاب العديد من الجرائـم الاقتصادية.
    - تقدير النظرية
    • ولا شك أن هذه النظرية قد لفتت الأنظار إلى دور العوامل أو الظروف الاقتصادية في الدفع إلى ارتكاب الجريمة، خاصة فيما يتعلق بتفسير ارتكاب جرائم الاعتداء على الأموال.
    ومع ذلك فقد وجهت لهذه النظرية بعض الانتقادات:
    • من ناحية، لا تصلح هذه النظرية لإعطاء تفسير مقبول لارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص أو جرائم الاعتداء على العرض، وعليه فالظروف الاقتصادية لا يمكن الاستناد إليها دون غيرها في تفسير الظاهرة الإجرامية.
    • ومن ناحية أخرى، فإن الواقع يكذب هذه النظرية حيث أنه لا يمكن القول بأن المجتمعات الاشتراكية تخلو من ظاهرة ارتكاب الجريمة، كما أنه لم يثبت أن جميع أفراد المجتمع الرأسمالي قد سلكوا طريق الجريمة.
     الاتجاه التكاملي في تفسير الظاهرة الإجرامية
    • من دراسة النظريات التي حاولت تفسير السلوك الإجرامي، سواء تلك التي تنتمي للاتجاه الفردي أو تلك التي قيل بها في نطاق المذهب الاجتماعي، تبين عدم صلاحيتها لتفسير الظاهرة الإجرامية باعتبارها ظاهرة عامة. ويرجع فشل هذه النظريات إلى أن كلاً منها اكتفى بالتركيز على دراسة عامل واحد من العوامل الدافعة إلى ارتكاب الجريمة وأغفلت تماماً دور العوامل الأخرى أو أعطتها دوراً هامشياً في تفسير السلوك الإجرامي. ونتيجة ما وجه من انتقادات شديدة إلى كل من المذهب الفردي والمذهب الاجتماعي، حاول علماء الإجرام المحدثين تفسير الظاهرة الإجرامية استناداً إلى الجمع بين العوامل الفردية المتعلقة بالتكوين البدني والنفسي للفرد وبين العوامل الخارجية المحيطة به والتي تتعلق بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها وقد أطلق على هذا المذهب أو الاتجاه "التفسير التكاملي للظاهرة الإجرامية".
    • وقد تعددت النظريات التي قيل بها ضمن هذا الاتجاه التكاملي في تفسير الظاهرة الإجرامية وسوف نعــرض لدراسة أهم هذه النظريات وهي نظرية التكوين أو الاستعداد الإجرامــي التي قال بها العالم الإيطالي دي توليو.
    (4) نظرية التكوين أو الاستعداد الإجرامي
    - مضمون النظرية
    • لم تقتصر هذه النظرية على فكرة تعدد الأسباب التي تؤدي إلى تحقق السلوك الإجرامي، وإنما بينت الكيفية التي من خلالها يحدث التفاعل بين هذه الأسباب المتعددة في إنتاج الظاهرة الإجرامية.
    • وتقوم هذه النظرية على أن المجرم يتوافر لديه استعداد بعدم تقبل قواعد السلوك الاجتماعي واحترام الآخرين في المجتمع، وهو ما يمكن أن يطلق عليه الاستعداد الإجرامي لدى الفرد. ولكن هذا الاستعداد الإجرامي يعتبر حالة ساكنة لا تؤدي بالضرورة إلى ارتكاب الجريمة وإنما تخلق لدى الفرد ميلاً تجاه الإجرام. هذا الميل لا يتحول إلى تنفيذ فعلي للجريمة إلا إذا اقترن وتفاعل مع عوامل أخرى خارجية، بحيث يمكن القول أن الجريمة ما هي إلا نتيجة تفاعل عوامل داخلية تتعلق بتكوين الشخص وعوامل خارجية تتعلق بالبيئة المحيطـة بـه.
    • وذهب دي توليو إلى أن الكشف عن الاستعداد الإجرامي لدى الفرد يتطلب دراسة متكاملة لتكوينه وشخصيته من ثلاث نواحي.
    • الناحية الأولى تتعلق بدراسة الأعضاء الخارجية لجسم الإنسان للتعرف على ما يتوافر لديه من شذوذ، حيث لاحظ دي توليو تميز المجرمين عن غير المجرمين بنسبة كبيرة من العيوب الجسمانية. الناحية الثانية تتعلق بدراسة وظائف الأعضاء والأجهزة الداخلية للجسم كالجهـاز الدوري والتنفسـي والبولي والهضمي والتناسلي، ودراسـة إفرازات الغـدد إلى غير ذلك، وقد لاحـظ دي توليو وجود خلل فى الجهاز البولي والعصبي والبولي لدي المجرمين بنسبة أكبر من نسبتها لدى غير المجرمين. الناحية الثالثة تتعلق بدراسة الناحية النفسية للفرد للوقوف على مدى نشاط غرائزه وحاجاته. وقد لوحظ أن المجرم غالباً ما يكون مصاباً بشذوذ في بعض الغرائز مثل الشذوذ الذي يصيب غريزة التملك فيدفع الفرد إلى ارتكاب جرائم اعتداء على الأموال، والشذوذ الذي يصيب غريزة الدفاع فيؤدي بالفرد إلى ارتكاب جرائم اعتداء على الأشخاص، والشذوذ الذي يصيب الغريزة الجنسية فيرتكب الفرد نتيجة لذلك جرائم اعتداء على العرض.
    • وذهب دي توليو إلى أن الاستعداد الإجرامي لدى الشخص يظل كامناً بداخله إلى أن يوقظه ويتفاعل معه بعض العوامل والمؤثرات الخارجية مما يدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة. ويقرر دي توليو أن هذا الاستعداد الإجرامي لا يتوافر لدى جميع الناس، بدليل أن العوامل الخارجية التي تدفع المجرم لارتكاب الجريمة لا تحدث هذا التأثير لدى غير المجرمين.
    • والعلة في ذلك أن السلوك الإجرامي أشبه بالمرض الذي تتوقف إصابة الجسم به على قدر ما يتمتع به من مناعة وقدرة على مقاومة جراثيمه. فلذلك الوضع بالنسبة للسلوك الإجرامي حيث يتوقف ارتكاب الجريمة على ضعف قدرة الشخص على التكييف مع مقتضيات الحياة الاجتماعية بسبب ما يصيبه من خلل عضوي ونفسي أدى إلى توافر الاستعداد الإجرامي لديه.
    • وقد قسم دي توليو الاستعداد الإجرامي إلى نوعين، الأول استعداد إجرامي أصيل والثاني استعداد إجرامي عارض. فالاستعداد الإجرامي الأصيل يتميز بالثبات والاستمرار ويرجع إلى وجود خلل عضوي ونفسي لدى الفرد ويجعله يميل إلى ارتكاب الجريمة وقد يصل ذلك إلى حد الاعتياد على ارتكابها والإقدام على ارتكاب أشدها خطورة. أما الاستعداد الإجرامي العارض فهو ذو صفة عارضة ويرجع إلى عوامل داخلية تتعلق بتكوين الفرد وإلى عوامل خارجية تؤثر عليه وتضعف من قدرته على التحكم في نزعاته الفطرية فيرتكب الجريمة على سبيل المصادفة.
    • واستناداً إلى فكرة الاستعداد الإجرامي قسم دي توليو طائفة المجرمين المجانين إلى نوعين: المجرم المجنون، والمجنون المجرم.
    • فالمجرم المجنون هو شخص يرجع ارتكابه للجريمة إلى تكوين كامن فيه وسابق على إصابته بالجنون، ولذلك فإن شفاء هذا المجرم من جنونه لا يمنع من احتمال عودته إلى ارتكاب الجريمة لأن لديه الاستعداد الإجرامي لذلك، وهذا الاستعداد يتصف بالثبات والاستمرار. أما المجنون المجرم فيرجع سبب ارتكابه للجريمة إلى إصابته بالجنون فقط، ولذلك فإن شفاء هذا المجرم من جنونه يؤدي إلى زوال سبب إجرامه نظراً لعدم توافر استعداد إجرامي لديه سابق على حالة الجنون.
    - تقدير النظرية
    • تميزت هذه النظرية بالنظرة التكاملية في تفسير الظاهرة الإجرامية مستندة في ذلك إلى العوامل الفردية المتعلقة بتكوين المجرم وشخصيته وإلى العوامل الخارجية المحيطة به، وهي بذلك تجنبت التطرف الذي اتسمت به نظريات كل من الاتجاه الفردي والاتجاه الاجتماعي كما سبق بيانه.
    ومع ذلك فقد أخذ على هذه النظرية بعض الملاحظات:
    • أولى هذه الملاحظات، أن فكرة الاستعداد الإجرامي يصعب التسليم بها لكونها لا تصدق على جميع أنواع الجرائم، لأن الجريمة كواقعة قانونية تختلف من زمان لآخر ومن مكان لآخر حسب ما يسود مجتمع ما في زمان ما من قيم ومصالح تدفع المشرع إلى التدخل لحمايتها وهو ما يطلق عليه "الجريمة المصطنعة"، وعليه فإن فكرة الاستعداد الإجرامي لا تصلح لتفسير هذه النوعية من الجرائم. ولذلك قيل بأن فكرة الاستعداد الإجرامي تصلح فقط لتفسير ما يطلق عليه تعبير "الجريمة الطبيعية" التي قال بها جاروفالو وهي الجريمة التي تتعارض مع القيم الأخلاقية والاجتماعية الراسخة في الضمير الإنساني مثل جريمة القتل وجريمة السرقة.
    • وثاني هذه الملاحظات، أن هذه النظرية تقود إلى اعتبار العوامل الاجتماعية غير كافية بمفردها لدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة، باعتبار أن ذلك لا يتم إلا إذا تفاعلت مع استعداد إجرامي كامن لدى الشخص وما عليها إلى أن توقظه لتحدث الجريمة.
    • ولا شك أن هذه القول لا يمكن التسليم بصحته في جميع الفروض، لأنه قد ترتكب الجريمة تحت تأثير العوامل الخارجية وحدها كما هو الحال بالنسبة للزوج الذي يفاجأ زوجته متلبسة بالزنا فيقتلها في الحال هي ومن يزني بها. في هذه الحالة يرتكب الزوج جريمته تحت تأثير ظروف وعوامل خارجية دون أن يتوافر لديه استعداد إجرامي سابق.
    • ومع ذلك يمكن القول أن هذا الزوج قد توافر لديه استعداد إجرامي عارض تم إثارته بهذا المؤثر الخارجي ثم حدث تفاعل بينهما أدى إلى ارتكابه للجريمة.
    • وعلى أية حال فإن هذه النظرية لاقت تأييد واسع من جانب الفقه الحديث الذي يفضل تسميتها بنظرية "الاستعداد اللا اجتماعي أو الانحرافي" ذلك أن هذه التسمية تعتبر أكثر شمولاً من تعبير "الاستعداد الإجرامي"، ويسمح بتفسير الجريمة كواقعة قانونية متغيرة بحسب الزمان والمكان.
    • كما يطلق جانب من الفقه على هذه النظرية تعبير "نظرية العقلية اللااجتماعية". وهو تعبير يتفق في معناه مع فكرة الاستعداد اللا اجتماعي.
    • ومجمل القول أن تفسير الظاهرة الإجرامية تفسيراً علمياً يجب أن يستند إلى الجمع بين العوامل الفردية والعوامل الخارجية.

  5. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,925
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي العوامل الداخلية لارتكاب الجرم

    المحاضرة الرابعة
    أهداف المحاضرة :
    التعرف على أهم العوامل الداخلية التى قد تدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة موضحين العلاقة بين كل عامل على حده وبين الظاهرة الإجرامية مع دراسة ما قد يوجه من انتقادات فى هذا الشأن. ويشمل ذلك :
    1- الوراثة.
    2- السن.
     العوامل الإجرامية الداخلية الدافعة إلى ار تكاب الجريمة
    • يقصد بالعوامل الداخلية المفسرة للسلوك الإجرامي مجموعة العوامل الفردية المتعلقة بشخص المجرم من الناحية البدنية أو النفسية أو العقلية والتي يكون في توافرها أو توافر أحدها لدى هذا الشخص دوراً هاماً في تحديد السلوك الإجرامي كما وكيفاً.
    وأهم هذه العوامل الداخلية أو الفردية والتي اهتمت دراسات علم الإجرام ببيان دورها في مجال الظاهرة الإجرامية وعلاقتها بالإجرام نذكر ما يلي:
    الوراثة، التكوين البدني، الجنس، السن، الإمكانات الذهنية، الحياة الغريزية، المرض، إدمان الخمور والمخدرات.
    (1) الوراثـة
    • يقصد بالوراثة انتقال خصائص معينة من السلف إلى الخلف عن طريق التناسل. وإذا كان انتقال بعض الأمراض أو انتقال بعض العوامل المهيئة للإصابة ببعض الأمراض من الأصل إلى الفرع لا يثير مشكلة من الناحية الطبية، إلا أن الأمر ليس بنفس الصورة من ناحية علم الإجرام. فالمشكلة التي تثار في مجال البحث في علم الإجرام تنحصر فيما إذا كان الإجرام أو الاستعداد لارتكاب الجريمة يمكن أن ينتقل من الأصل إلى الفرع؟ وإذا كان الوضع يختلف من حالة إلى أخرى، فما هو المعيار الذي يمكن على أساسه معرفة ما إذا كان الاستعداد الإجرامي قد انتقل بالوراثة؟ وقبل البحث في علاقة الوراثة بالإجرام، يتعين الإشارة إلى أن المقصود ليس وراثة الجريمة ذاتها ولكن المقصود هو وراثة بعض الإمكانات أو الاتجاهات التي تعتبر مهيئة لارتكاب الجريمة إذا ما صادفتها ظروف معينة.
    • وقد اختلف العلماء القدامى إلى اتجاهين، الاتجاه الأول يرى أن ميراث خصائص إجرامية معينة بدنية أو عقلية أو نفسية هو الذي يقود حتماً إلى ارتكاب الجريمة وذلك هو فحوى نظرية لومبروزو عن المجرم بالميلاد الذي يولد حاملاً خصائص تجعله حتماً مجرماً. وفي مقابل هذا الاتجاه ذهب اتجاه آخر إلى إنكار دور الوراثة في ارتكاب الجريمة، مؤكداً على أن ارتكاب الجريمة يرجع إلى بعض العوامل البيئية المحيطة بالفرد.
    • وقد شاب كلاً من الاتجاهين السابقين التطرف في الرأي، فمن الصعب إغفال دور البيئة المحيطة بالفرد في تكوين شخصيته الإجرامية، كما أن ما ينتقل بالوراثة ليس خصائص إجرامية معينة وإنما مجرد إمكانات أو اتجاهات قد تولد لدى الفرد – وهذا ليس يقينياً – الميل أو الاستعداد لارتكاب الجريمة.
    • وترتيباً على ذلك يرجع العلماء المعاصرون ارتكاب الجريمة إلى مجموعة من العوامل من بينها وراثة بعض الإمكانات التي قد تولد لدى الفرد الاستعداد لارتكاب الجريمة، مع ملاحظة أن تأثير هذه الإمكانات ليس حتمياً وإنما تنحصر أهميتها في أنها تشكل أحد العوامل الإجرامية.
    • وفي دراستهم للعلاقة بين الوراثة والظاهرة الإجرامية يلجأ الباحثون إلى أحد أساليب ثلاثة: دراسة شجرة العائلة والدراسة الإحصائية لبعض العائلات ودراسة التوائم.
    أ- دراسة شجرة العائلة
    • هذا الأسلوب يستند إلى دراسة عائلة معينة لمعرفة مدى انتشار الإجرام بين أفرادها ولتحديد مدى إمكانية انتقاله من الأصول إلى الفروع في هذه العائلة.
    • وكانت أولى هذه الدراسات وأهمها في هذا المجال تلك الدراسة التي أجريت على عائلة "جوك Jukes" الأمريكية والتي قام بها "دوجدال Dugdale"، حيث لاحظ أثناء زيارته لسجون ولاية نيويورك ارتفاع معدل الجريمة بين مجموعة من الأفراد المنحدرين من أصل واحد. وأوضحت الدراسة التي أجريت حول هؤلاء الأفراد أن أصلهم المشترك كان مدمناً على الخمر وكانت زوجته مشتهرة بارتكاب جرائم السرقة. وأوضحت الدراسة أن ذرية هذه العائلة على مدى سبعة أجيال متعاقبة ضمت 709 شخصاً، كان بينهم عدد كبير من القتلة والسارقين والداعرات ومدمني الخمر والمتشردين وعدد آخر من المتسولين والمصابين بأمراض عقلية.
    • ومن الأبحاث الأخرى في هذا المجال تلك التي أجريت على تاريخ عائلة "كاليكاك Kalikak" والتي قـام بها العالم الأمريكي "جودارد Goddard". وقد تبين للباحث أن الجد الأكبر لهذه العائلة قد أنجب ابناً من امرأة سيئة السمعة وأن هذا الابن قد أنجب بعد ذلك ذرية من 480 فرداً كان بينهم عدد كبير من المنحرفين والمجرمين ومدمني الخمور والبغايا والمصابين بمرض عقلي. في حين أثبتت الدراسة أن الجد الأكبر كان قد تزوج من امرأة أخرى طيبة السمعة وأنجب ذرية مختلفة أثبتت الدراسة أنه لم يكن لديها نفس الانحرافات السابقة، الأمر الذي دعا إلى التأكيد على دور الوراثة في مجال الإجرامٍ.
    • وفي اتجاه مقابل أجريت دراسة على عائلة شريفة كان كبيرها واعظاً ويدعى "جوناثان إدوارد Jonathan Edwards" وقد بينت هذه الدراسة عدم إقدام أي فرد من هذه العائلة على ارتكاب الجريمة، بل إن بعض أفرادها قد تقلد مناصب هامة من بينها رئاسة الولايات المتحدة وحكام لبعض الولايات وقضاة بالمحكمة العليا.
    ومن أهم ما يؤخذ على هذا الأسلوب في دراسة تفسير السلوك الإجرامي أنه أغفل تماماً دور البيئة في ارتكاب الجريمة. فإذا كان الأب أو الجد مجرماً فإن إجرام الأبناء أو الأحفاد قد يرجع للتأثير السيئ للبيئة التي يعيشون فيها وهي بلا شك بيئة مهيئة في الأغلب لارتكاب السلوك الإجرامي. ثم أنه وبنفس المنهجية في التفكير لم تبين هذه الدراسات لماذا لم يكن للوراثة دور في الابتعاد عن طريق الإجرام عندما كان أحد الأبوين غير متصف بالإجرام أي أن الدراسة أغفلت العوامل الداخلية الخاصة بأحد الأبوين.
    ب- الدراسة الإحصائية لبعض العائلات
    • هذه الوسيلة لدراسة العلاقة بين الوراثة والظاهرة الإجرامية لا تركز على دراسة الإجرام في ذرية فرد معين وإنما تمد الدراسة إلى أقاربهم كالأخوة والأعمام والأخوال، كما أنها تتسع لتشمل مجموعة غير منتقاة من المجرمين وذلك لتفادي تأثير البيئة الواحدة عليهم. وتقوم هذه الوسيلة على أحد أسلوبين: إما اختيار مجموعة من المجرمين لمعرفة مدى انتشار الإجرام بين أسلافهم وأقاربهم، وإما اختيار مجموعة من الشواذ وبيان مدى انتشار ظاهرة ارتكاب الجريمة بين أسرهم وأقاربهم. ومن أشهر الدراسات في هذا الشأن تلك الدراسة التي قام بها العالم الألماني "ستمبل Stumple"؛ حيث أجرى دراسته على عدد من المجرمين العائدين وعدد من المجرمين الذين ارتكبوا الجريمة لأول مرة وعدد من غير المجرمين، كما شملت الدراسة حوالي 20 ألف من ذوي قرباهم.
    • وكان من نتائج الدراسة أن نسبة الإجرام أعلى في عائلات المجرمين منها في عائلات غير المجرمين وأن الجرائم الخطيرة يكثر ارتكابها في العائلات الإجرامية الخطيرة.
    • وفي دراسة أخرى قام بها العالم الإنجليزي "جورنج Goring" أكد فيها على دور الوراثة في نقل الاستعداد الإجرامي من الأصول إلى الفروع. وقد دلل هذا العالم على هذا الدور بأن الأبناء الذين عاشوا منذ سن مبكرة بعيداً عن آبائهم لوحظت لديهم نفس النسبة من الإجرام التي وجدت لدى الأبناء الذين عاشوا في كنف عائلاتهم. وقد لاحظ كذلك نفس النسبة من الجرائم الجنسية لدى الآباء والأبناء وهي جرائم يخفيها الآباء عادة عن أبنائهم.
    • ومع كل هذه الملاحظات التجريبية إلا أنه من الصعب الجزم بدور الوراثة في هذا الشأن وإغفال باقي العوامل خاصة دور البيئة المحيطة بالفرد وما لها من تأثير في سلوك الفرد وميله نحو ارتكاب الجريمة.
    جــ- دراسة التوائم
    • تنقسم التوائم إلى نوعين: الأول ينشأ من تلقيح بويضة واحدة بواسطة حيوان منوي واحد ثم انقسام هذه البويضة الملقحة إلى جزأين ويطلق على هذا النوع "التوائم المتماثلة" حيث أن هذا النوع من التوائم يتشابه أفراده في اغلب الخصائص. والثاني ينشأ عن تلقيح بويضتين مختلفتين ويسمى "التوائم غير المتماثلة" وتكون نسبة التشابه بين أفراد هذا النوع في الخصائص أقل من درجته بالنسبة للتوائم المتماثلة.
    • وقد أجرى الباحث الألماني "لانج Lange" وكان طبيباً للأمراض العقلية دراسته على عدد من التوائم المتماثلة وعدد آخر من التوائم غير المتماثلة. وكان الهدف من هذه الدراسة وغيرها في هذا المجال هو إظهار مدى التشابه أو الاختلاف بين التوائم من حيث السلوك الإجرامي.
    • وقد أظهرت نتائج هذه الأبحاث أن التشابه في السلوك الإجرامي بين التوائم المتماثلة بلغ نسبة مرتفعة في حين كانت النسبة منخفضة فيما يتعلق بالتوائم غير المتماثلة.
    • وقد أكد الباحثون في هذا المجال على دور الوراثة في الدفع إلى سلوك سبيل الجريمة خاصة فيما يتعلق بالتوائم المتماثلة.
    • هذا وإن كانت هذه الدراسات تبرز دور العامل الوراثي في تفسير السلوك الإجرامي إلا أنه يجب الحذر من تعميم هذه النتائج خاصة إذا أخذ في الاعتبار عدم تقديم تفسير للحالات التي لا يتحقق فيها التوافق في السلوك الإجرامي بين التوائم ومنها المتماثلة، الأمر الذي يدل على أن البيئة المحيطة بالفرد تلعب دوراً هاماً في هذا المجال.
    • وما يمكن استخلاصه من كافة الدراسات التي أجريت لبيان دور الوراثة في الظاهرة الإجرامية أن العوامل الداخلية تلعب دوراً ما في مجال تفسير الظاهرة الإجرامية وذلك عن طريق انتقال بعض الخصائص أو الإمكانات وراثياً من الآباء إلى الأبناء تجعل لديهم استعداداً ما إلى ارتكاب الجريمة إذا تضافرت مع هذه الإمكانات أو الخصائص الداخلية عوامل أخرى مستمدة من البيئة التي يعيش فيها الفرد. ولأن هذه الإمكانات أو الخصائص لا تنتقل بالضرورة بنفس الدرجة من الأصول إلى الفروع، فإن احتمال ارتكاب الجريمة يختلف في الفروع عن الأصول وعليه فإن انتقال الاستعداد الإجرامي من الأصل إلى الفرع لا يتحتم أن يتحول بالضرورة إلى سلوك إجرامي خاصة إذا لم يصادف هذا الاستعداد بيئة محفزة ومهيئة لترجمة هذا الاستعداد الإجرامي إلى سلوك إجرامي بالفعل.
    (2) الســن:
    • يمر الإنسان في حياته بمراحل عمرية عديدة، وتختلف خصائص الفرد من حيث التكوين البدني والنفسي في كل مرحلة من هذه المراحل العمرية. كما أن للبيئة المحيطة بالفرد دور هام في تحديد اتجاهات سلوكه في كل مرحلة عمرية.
    • ومن أهم المراحل التي يمكن التعرض لها لبيان مدى ارتباطها بالظاهرة الإجرامية كماً وكيفاً مرحلة الطفولة، مرحلة المراهقـة، مرحلة النضوج ومرحلة الشيخوخة.
    أ- مرحلة الطفولة
    • تمتد هذه المرحلة حتى سن الثانية عشرة، وتتميز الفترة من التاسعة إلى الثانية عشرة بخطوات نحو الاستقرار النفسي والانتظام في الحياة المدرسية. وخلال هذه المرحلة لا تظهر أفعال إجرامية إلا على سبيل الاستثناء، ويرجع ذلك للضعف الذي يميز الطفل في هذه السن، بالإضافة إلى محدودية الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل في هذه السن المتقدمة.
    • وفي حالة رصد حالات إجرامية في هذه السن فإنها غالباً تتركز حول ارتكاب جرائم الأموال مثل السرقة التي تتم داخل محيط الأسرة.
    ب- مرحلة المراهقة
    • تمتد هذه المرحلة من الثانية عشرة إلى الثامنة عشرة، وأهم ما يميزها هو البلوغ الجنسي بما يصاحبه من نمو بدني وذهني وتغيرات نفسية نتيجة الزيادة في إفرازات الغدد.
    • هذه التغيرات البيولوجية والفسيولوجية، علاوة على ما يصاحبها من اتساع مساحة العلاقات الاجتماعية للحدث وتنوع الوسط البيئي والاجتماعي الذي يتعامل معه الحدث، تزيد من نسبة ارتكاب الجريمة. هذا من ناحية الكم، أما من ناحية الكيف فإن جرائم الحدث في هذه المرحلة تدور حول ارتكاب جرائم الأموال وكذلك ارتكاب الجنسية الأخلاقية مثل هتك العرض والاغتصاب.
    جـ- مرحلة النضوج
    • تمتد هذه المرحلة المركبة من الثامنة عشرة إلى الخمسين. وداخل هذه المرحلة يمكن التمييز بين ثلاثة مراحل، الأولـى : وتعرف بالنضج المبكر وتمتد من الثامنة عشرة إلى الخامسة والعشرين، الثانيــة : وتعرف بالنضج المتوسط وتمتد من الخامسة والعشرين إلى الخامسة والثلاثين، والثالثــة : وتعرف بالنضج الكامل وتمتد من الخامسة والثلاثين إلى الخمسين.
    • وفي مرحلة النضج المبكر تصل الاضطرابات الفسيولوجية والنفسية المتصلة بمرحلة المراهقة إلى نهايتها حيث تبدأ مرحلة الشباب. وفي هذه المرحلة يستمر ارتفاع معدل جرائم الأموال وذلك بظهور نوعية جديدة من هذه الجرائم مثل النصب وخيانة الأمانة.
    • وكذلك يلاحظ ارتفاع نسبة جرائم الاعتداء على الأشخاص مثل الضرب والجرح والضرب المفضي إلى الموت وجرائم القتل، كذلك جرائم القتل الخطأ المرتبط بقيادة السيارات. كما ترتفع نسبة جرائم الفعل الفاضح إلى أعلى معدلاتها.
    • أما في مرحلة النضج المتوسط، فإن ملامح الشخصية تقترب من صورتها النهائية حيث يتجه الفرد إلى النشاط والحيوية في عمله لتحقيق الاستقرار المهني والمالي مع شعوره بالحاجة إلى الحياة العاطفية لتحقيق الاستقرار العائلي.
    • ويأخذ منحنى الإجرام في بداية الهبوط خلال هذه المرحلة مع استمرار ارتكاب نوعية معينة من الجرائم مثل جرائم النصب والسرقة والقتل الخطأ المرتبط بحوادث الطرق وقيادة السيارات.
    • أما مرحلة النضج الكامل فهي تتميز بذروة النمو في الإمكانات الذهنية والنفسية، وكذلك تأخذ الحياة طابع الاستقرار على كافة المستويات المهنية والاجتماعية والعائلية.
    • ويلاحظ على هذه المرحلة هبوط نسبة الإجرام بصفة عامة مع ملاحظة أن جرائم الاعتداء على الشرف والاعتبار تبلغ ذروتها في هذه المرحلة خاصة وأن هذه النوعية من الجرائم لا تحتاج إلى مجهود عضلي لارتكابها.
    د- مرحلة الشيخوخة
    وداخل هذه المرحلة يمكن التمييز بين مرحلتين:
    الأولـي : وتعـرف بمرحلة السن الحرجة وتمتد من الخمسين وحتى الستين أو الخامسة والستين في بعض الأحيان.
    والثانيـة : مرحلة الشيخوخة بالمعنى الضيق وتمتد من الستين أو الخامسة والستين وحتى نهاية العمر.
    • وفي مرحلة السن الحرجة يبدأ الضعف من الناحية البدنية والذهنية وكذلك تضعف الغريزة الجنسية، ويصاحب هذه المرحلة عدم الإحساس بالأمان وعدم الرضا عما حققه الشخص في حياته.
    • أما في مرحلة الشيخوخة فإنها تتميز بهرم الخلايا وضعف الحواس وهبوط في العاطفة مع استقرار الشعور باليأس.
    • ومرحلة الشيخوخة بمعناها الواسع يصاحبها هبوط حاد في معدل الجرائم خاصة تلك التي تحتاج إلى مجهود بدني وعضلي كجرائم الاعتداء على الأشخاص وكذلك جرائم السرقة بإكراه.
    • ولكن يلاحظ ارتكاب بعض الجرائم المرتبطة بما قد يحدث خلال هذه المرحلة من انحراف في سير الغريزة الجنسية مثل جرائم هتك العرض والاغتصاب خاصة ما يقع منها على أطفال صغار السن.
    • ويستخلص من هذا التقسيم لمراحل العمر أن هناك علاقة بين السن وبين الإجرام حيث لوحظ أن كل مرحلة عمرية تتميز بنوع معين من الإجرام كما أن نسبة الإجرام من حيث الكم تختلف انخفاضاً وزيادةً حسب المرحلة العمرية التي يمر بها الفرد. ولكن بالتدقيق في هذا الشأن نجد أن كل مرحلة عمرية تتميز بخصائص بيولوجية وفسيولوجية معينة تنعكس بدورها على التكوين البدني والنفسي للفرد، بحيث يمكن القول أن هذا التغير البيولوجي باعتباره عاملاً داخلياً دافعاً لارتكاب الجريمة هو الأساس في تفسير اختلاف نوع وكم الإجرام من مرحلة عمرية إلى مرحلة عمرية أخرى في حياة الفرد.
    • ورغم صحة هذا التفسير إلا أنه يصعب الأخذ به كلية وإهمال دور البيئة المحيطة والعامل الاجتماعي وتأثيرهما على توجيه سلوك الفرد نحو الجريمة بما يتلاءم مع المرحلة العمرية التي يمر بها. ويمكن التدليل على أهمية دور البيئة الاجتماعية والوسط الذي يختلط به الفرد بدراسة مرحلتين هامتين من المراحل العمرية وهما مرحلة المراهقة ومرحلة الشيخوخة.
    1- إجرام الأحداث
    • من أهم العوامل البيئية الاجتماعية التي تساعد على انحراف الحدث ما قد يتعرض له الحدث في هذه المرحلة من تشرد وفقر وجهل وغياب للقدوة الحسنة ومصاحبة رفقاء السوء. فعندما تصادف هذه العوامل الخارجية ما يصيب الحدث في هذه المرحلة العمرية من اضطرابات نفسية وتغيرات فسيولوجية مع عدم النضوج الذهني والرغبة الجارفة في الاستمتاع بالحياة، كل ذلك يدفع الحدث إلى ارتكاب الجريمة، ولذلك نجده يبحث عن إشباع نزواته وغرائزه باللجوء إلى السرقة من منزله أو من الخارج، كذلك ارتكاب الجريمة الجنسية رغبة في إشباع غريزته الجنسية في هذه المرحلة المضطربة جنسياً، كما أنه قد يلجأ إلى ارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص خاصة التشاجر مع الغير وهذا قد يعوض لديه شعوراً بالحرمان مما يجده متوافراً لدى الآخرين.
    2- إجرام الشيوخ
    • إذا كان للتغيرات البيولوجية الداخلية دور كبير في تحديد نوع وكم إجرام الشيوخ، فإن إجرام الشيوخ يمكن تفسيره كذلك على أساس اجتماعي نابع من البيئة الخارجية المحيطة بالفرد في هذه المرحلة العمرية.
    • فالملاحظ أن العلاقات الاجتماعية للفرد في مرحلة الشيخوخة تتقلص بشكل ملحوظ ويقل نشاطه المهني وقد يتوقف تماماً، وهذا كله يجعله حبيس نوع معين من العزلة عن المجتمع.
    • وإذا أضفنا إلى ذلك الضعف العام الذي يصيب الفرد في مرحلة الشيخوخة من الناحية البدنية بصفة خاصة، نجد أن الشيخ يلجأ إلى ارتكاب نوعية معينة من الجرائم رغبة منه في إثبات الذات أو التأكيد على أن وجوده وبقاءه في الحياة مازال له أهمية – وذلك كله قد يدفعه لارتكاب جرائم معينة مثل النصب وخيانة الأمانة أو الاشتراك في بعض الجرائم مثل إخفاء الأشـياء المسروقة أو المتحصلة من بعض الجرائم التي يرتكبها الغير.
    • وفي ذات التوجه يلجأ الفرد في هذه السن المتأخرة إلى ارتكاب جرائم اعتداء على العرض خاصة مع صغار السن وتفسير ذلك أن انهيار قوته الجنسية تجعله يخجل أو يجبن عن التعبير عنها بصورة طبيعية مع امرأة تقترب من سنه.

  6. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,925
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي أهم العوامل الداخلية الدافعة لارتكاب الجريمة

    المحاضرة الخامسة
    المحاضرة :
    وهى استكمال لما قد بدأناه فى المحاضرة السابقة من دراسة لأهم العوامل الداخلية الدافعة لارتكاب الجريمة ويشمل ذلك:
    1- الجنس
    2- الحياة الغريزية
    3- إدمان الخمور والمخدرات
    • ثم خاتمة عما يمكن استخلاصه من حقيقة علمية حول الربط بين هذه العوامل الداخلية المتعلقة بالفرد وبين ارتكاب هذا الأخير للجريمة.
    (1) الجنـس
    • إذا كانت الدراسات التي أجريت عن العلاقة بين الجنس أو النوع وبين الظاهرة الإجرامية قد أثبتت اختلافاً واضحاً بين إجرام كل من المرأة والرجل سواء من حيث الكم أو الكيف، فإن التساؤل المطروح يدور حول السبب الذي يقف وراء هذا الاختلاف؟ وإذا تجاوزنا الجدل الذي ثار حول حقيقة هذا الاختلاف الكمي والنوعي بين إجرام الرجل والمرأة، نجد أن هناك اتجاهين أساسيين في تفسير هذا الاختلاف.
    • يعتمد الاتجاه الأول على الاختلاف البيولوجي أي الاختلاف في التكوين البدني والنفسي لكل من الرجل والمرأة، في حين يعتمد الاتجاه الثاني في تفسير هذا الاختلاف على ظروف البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها كل منهما.
    أ- التفسير البيولوجي أو التكويني
    • وهذا التفسير يقوم على أساس أن المرأة تختلف عن الرجل من ناحية التكوين البدني والنفسي، فإذا ما اعتبرنا أن تكوين المرأة بدنياً أضعف من تكوين الرجل، دل ذلك على قلة إقدامها على ارتكاب جرائم العنف، أو على التجائها إلى وسائل سهلة إذا ما فكرت فى ارتكاب هذه النوعية من الجرائم مثل القتل بالسم. ومن الناحية النفسية فإن التغيرات الفسيولوجية التي تمر بها المرأة في فترات مختلفة من حياتها والمرتبطة في الأصل بطبيعتها كأنثى كالحمل والوضع والرضاعة وفترات الحيض، هذه التغيرات تقف وراء ارتكابها نوعية معينة من الجرائم.
    • ورغم وجاهة هذا التفسير فإنه يجب النظر إليه على أنه تفسير جزئي للاختلاف بين إجرام الرجل والمرأة حيث أنه لا يجب إغفال دور البيئة الاجتماعية والظروف التي تعيش فيها المرأة والتي قد تدفعها إلى ارتكاب نوعية معينة من الجرائم. وهو ما سيتضح من دراسة التفسير الاجتماعي لاختلاف إجرام المرأة عن إجرام الرجل.
    • ولكن قبل استعراض التفسير الاجتماعي لاختلاف إجرام كل من الرجل والمرأة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن هناك رأياً يرى أن اختلاف الجنس في حد ذاته لا يمكن اعتباره سبباً للإجرام، وأنه رغم التسليم بوجود اختلاف في طابع الإجرام عند الرجل عنه عند المرأة فإن هذا الاختلاف لا يعكس سوى حقيقة مسلم بها وهي اختلاف التكوين البيولوجي لكل من الرجل والمرأة. فاختلاف طابع الإجرام أمر مختلف تماماً عن البحث في سبب الإجرام. ويخلص هذا الرأي إلى أنه يجب بحث الاختلاف بين إجرام الرجل والمرأة ضمن عامل التكوين البدني والنفسي. وهذا الرأي في نظر قائله يصدق كذلك على دراسة عامل السن باعتبار أن اختلاف كل مرحلة عمرية للشخص تصاحبها اختلافات بيولوجية تتعلق بالتكوين البدني والنفسي للشخص.
    ب- التفسير الاجتماعي
    • يستند هذا الاتجاه في تفسير اختلاف إجرام الرجل عن إجرام المرأة إلى طبيعة الظروف الاجتماعية التي يعيش فيها كل منهما. فضآلة الدور الذي تلعبه المرأة في المجتمع وعدم خروجها إلى الحياة العامة هو الذي يقلل من فرص ارتكابها للجريمة. وعليه فإن الفجوة بين إجرام كل من الرجل والمرأة تضيق كلما لعبت المرأة دوراً كبيراً في المجتمع وشاركت بصورة إيجابية في نواحي الحياة المختلفة لأن ذلك يجعلها عرضة للاحتكاك بالغير.
    • ومن ناحية أخرى يرجح البعض اختلاف إجرام المرأة عن إجرام الرجل إلى طريقة تربية الأولاد الذكور والإناث؛ حيث يتم التركيز على ضرورة احترام البنت للعديد من القواعد الأخلاقية والاجتماعية مما يقلل لديها القدرة على انتهاك هذه القواعد وبالتالي انخفاض نسبة ارتكابها للجريمة.
    • وما يمكن أن نستخلصه من استعراض الاتجاهات السابقة في تفسير اختلاف إجرام المرأة عن إجرام الرجل هو أنه يجب عدم إغفال أي من الاعتبارات أو التفسيرات السابقة، بل إنه يجب النظر إليها نظرة تكاملية وعدم الاستناد إلى أحد هذه التفسيرات على سبيل الانفراد. فقد خلص الفقه الحديث إلى أن اختلاف إجرام المرأة عن إجرام الرجل يرجع في حقيقة الأمر إلى اختلاف التكوين البدني والنفسي لكل منهما وفي نفس الوقت إلى طبيعة الظروف الاجتماعية التي تعيشها المرأة والتي تحدد حجم الدور الذي تلعبه في المجتمع.
    (2) الحياة الغريزية
    • يقصد بالغريزة مجموعة الميول الفطرية الكامنة في النفس البشرية والتي تقف – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – وراء تصرفات وسلوك الإنسان. فهي تعتبر بمثابة الدافع أو المحرك لهذا التصرف أو السلوك.
    • ويميز الباحثون في علم الإجرام بين نوعين من الغرائز: الغرائز النفسية والغرائز الحيوية. فالغرائز النفسية تتميز بأنها واعية وتستهدف تحقيق غاية معينة أي أنها هادفة وغالباً ما يكون هذا الهدف ذا طبيعة معنوية ومن ذلك حب السيطرة وحب الاستطلاع. أما الغرائز الحيوية فهي مرتبطة بالعمليات الفسيولوجية للجسم وهي غرائز غير واعية ولا تتجه إلى تحقيق هدف ما ومن أمثلتها غريزة حفظ الذات وغريزة حفظ النوع.
    • ويهتم علم الإجرام بدراسة العلاقة بين ما قد يعرض لهذه الغرائز من شذوذ أو اضطراب أو انحراف وبين الاتجاه لارتكاب الجريمة. وتركزت هذه الدراسات حول الشذوذ الذي يصيب الغرائز الحيوية وذلك على أساس أن النوع الآخر وهو الغرائز النفسية نادراً ما تكون عاملاً دافعاً للسلوك الإجرامي حيث أنها على العكس من ذلك لأنها تدفع الشخص إلى التسامى بغرائزه والترقي الاجتماعي.
    وسوف نبين فيما يلي العلاقة بين الجريمة وبين غريزة حفظ الذات وغريزة حفظ النوع.
    أ- غريزة حفظ الذات
    • يشار إلى هذه الغريزة بمجموعة من الأفعال التي تهدف إلى المحافظة على الحياة وسلامة الجسم وذلك برد الاعتداء الحاصل تجاههما وكذلك الحصول على مقومات الحياة من طعام وشراب وكساء.
    • وفي الغالب من الأحيان فإن الشذوذ أو الاضطراب لا يصيب هذه الغريزة. ولكن قد يحدث في حالات نادرة شذوذ في هذه الغريزة فيصيب الشخص نهم غير طبيعي تجاه تناول الطعام أو التعلق الشديد بتناول المخدرات أو شرب الخمر، فيدفع هذا الشذوذ الفرد إلى ارتكاب جرائم سرقة لكي يشبع هذه الغريزة أو ارتكاب جرائم تزوير محلها تذاكر طبية يتمكن من خلالها على الحصول على المخدر اللازم.
    • وأبرز ما يرتبط بغريزة حفظ الذات ما يعرف "بغريزة حب التملك" والخلل الذي يصيب هذه الأخيرة غالباً ما يتخذ صورة جنون تجميع الأشياء حتى ولو كانت عديمة القيمة في ذاتها. وهذا الخلل يدفع الفرد إلى ارتكاب جرائم سرقة وهو ما يطلق عليه "جنون السرقة". فالشخص يجد نفسه مندفعاً إلى سرقة أشياء قد تكون غير ضرورية بالنسبة له، وأحياناً يكون في استطاعـته الحصول عليها بطريق مشروع أي دون اللجوء إلى السرقة.
    ب- غريزة حفظ النوع "الغريزة الجنسية"
    يتخذ الشذوذ في الغريزة الجنسية أحد المظاهر الآتية:
    • من ناحية أولى، قد يتمثل هذا الشذوذ أو الاضطراب في الزيادة المفرطة في قوة الغريزة الجنسية وهو ما يعبر عنه بالهياج الجنسي حيث تتوافر لدى الفرد المصاب به قوة غير عادية للرغبة الجنسية تجعل إشباع هذه الرغبة غير ممكن أو تجعل الفرد سريع الاستثارة. وهذا المظهر من مظاهر الشذوذ في الغريزة الجنسية يدفع الفرد عادة لارتكاب نوعية معينة من الجرائم في مقدمتها جرائم الاعتداء على العرض خاصة الاغتصاب وهتك العرض بالقوة، كما أنه قد يصدر عن الفرد أفعال تمثل جرائم اعتداء على الأشخاص قد تصل إلى القتل العمد الذي يرتكب من أجل التغلب على المقاومة التي تعترضه للحصول على الإشباع الجنسي.
    • ومن ناحية ثانية، قد يتمثل الشذوذ الذي يصيب الغريزة الجنسية في أسلوب التعبير عن الرغبة الجنسية؛ حيث يتخذ ذلك الانحراف مظاهر العرى أو السادية أو الماسوكية.
    • فالعرى شذوذ يتمثل في ميل الفرد إلى الكشف عن أجزاء من جسمه تعد عورة، وهو في هذه الحالة يرتكب جريمة الفعل الفاضح العلني، وفي حالة صدوره عن امرأة يعد فعلها تحريضاً على الفجور.
    • والسادية شذوذ في الغريزة الجنسية يعبر عن حب القسوة بحيث لا يتم الإشباع الجنسي عند الشخص المصاب بها إلا عن طريق إيلام شريكه في العلاقة الجنسية وقد يصل استعمال القسوة معه إلى حد القتل. وفي بعض الحالات يصل الشذوذ في هذه الغريزة إلى الدرجة التى يعتبر أن استعمال العنف والقسوة هو الوسيلة لتحقيق الإشباع الجنسي بدلاً من الاتصال الجنسي بالشريك في العملية الجنسية.
    • أما الماسوكية فهي الوجه المقابل للسادية. فالشخص المصاب بهذا النوع من الشذوذ في الغريزة الجنسية لا يتحقق لديه الإشباع الجنسي إلا عندما يقترن ذلك بعنف أو قسوة يكون هو محلاً لها. وتتضح الدلالة الإجرامية للماسوكية عندما يتخذ هذا النوع من الشذوذ صورة التحريض على استعمال القسوة أو العنف.
    • ومن ناحية ثالثة، قد يتمثل الشذوذ الذي يصيب الغريزة الجنسية في اتجاه الغريزة الجنسية نفسه بحيث لا تأخذ الغريزة الاتجاه الطبيعي لها. ويتخذ هذا الشذوذ عدة مظاهر: منها الإشباع الجنسي الذاتي، والجنسية المثلية أي ممارسة الجنس بين أبناء نوع واحد وهذا ما يعرف باللواط إذا مارسها رجال وبالسحاق إذا مارستها نساء، وكذلك الإشباع الجنسي مع الأطفال أو مع الحيوانات أو مع مجرد أشياء رمزية قد تجلب له مجرد الإثارة الجنسية كملابس نسائية.
    • ودلالة هذه الممارسات الشاذة من الناحية الإجرامية أنها غالباً ما تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، فالجنسية المثلية مجرمة في أغلب التشريعات، كما أن الاعتداء على الأطفال يشكل جرائم اغتصاب أو هتك عرض، وممارسة الجنس مع الحيوانات يمثل ارتكاب فعل فاضح، والميل إلى الإثارة الجنسية عن طريق الأشياء قد يدفع الفرد إلى ارتكاب جرائم سرقة أو إتلاف ممتلكات الغير.
    • وبعد استعراض المظاهر المختلفة للشذوذ أو للخلل الذي يصيب الغريزة الجنسية وما قد يشكله ذلك من ارتكاب أفعال إجرامية فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو هل العلاقة حتمية بين إصابة الفرد بشذوذ في الغريزة الجنسية وبين ارتكابه للجريمة؟
    • إن الواقع يجيب على هذا التساؤل بالنفي، بمعنى أن شذوذ الغريزة الجنسية ليس مفترضاً ضرورياً لارتكاب الجريمة كما أنه ليس مفترضاً كافياً لارتكابها. بمعنى أن هناك العديد من الحالات التي تكون لديها غريزة جنسية طبيعية ومع ذلك يرتكب أفرادها جرائم جنسية كالاغتصاب وهتك العرض والفعل الفاضح، وبالمقابل هناك حالات يكون أصحابها مصابين بشذوذ في الغريزة الجنسية ومع ذلك لا يقدمون على ارتكاب جرائم جنسية أو جرائم اعتداء على العرض.
    • والتفسير العلمي لذلك يكمن في أن الشذوذ الذي يصيب الغريزة الجنسية لا يمكن أن يكون وحده وبصورة مطلقة دافعاً لارتكاب الجريمة، ذلك أن هناك من العوامل البيئية والاجتماعية مثل الوسط الذي يعيش فيه الشخص أو التفكك الأسري ما قد يتفاعل مع الشذوذ في الغريزة الجنسية ويدفع كلاهما الفرد إلى ارتكاب الجريمة.
    • كما أن بعض السلوكيات الشاذة جنسياً قد تنتج ليس عن شذوذ في الغريزة الجنسية وإنما عن إقامة أفراد من نفس الجنس في أماكن مشتركة مثل أماكن الإقامة الجماعية للطلبة والمجندين والمساجين، وعادة ما يزول هذا السلوك الشاذ عندما تزول هذه الظروف التي يعيشون فيها مجتمعين.
    • أما عدم ارتكاب بعض الأفراد المصابين بشذوذ في الغريزة الجنسية لجرائم تعبر عن هذا الخلل في الغريزة، فإن تفسير ذلك يكمن في قوة مقاومتهم مما يجعل عوامل المواجهة أقوى من الخلل الذي يصيب غريزتهم الجنسية، فيصدر سلوكهم مستقيماً رغم وجود الخلل لديهم. والخلاصة أن للشذوذ الذي يصيب الغريزة الجنسية دور في ارتكاب أصحابه للجريمة ولكن هذا الدور يتطلب حتى ينتج أثره في دفع الشخص للإجرام إلى بعض العوامل الخارجية الأخرى من خلل اجتماعي معين أو بيئة مهيئة للإجرام، وقد تتمثل هذه العوامل الأخرى في إدمان المخدرات أو الضعف العقلي على سبيل المثال.
    (3 ) إدمان الخمور والمخدرات
    • أثبتت الأبحاث التي قام بها العلماء في علم الإجرام أن هناك علاقة قوية بين تعاطي الخمور والمخدرات أو الإدمان عليها وبين ارتكاب الجريمة، فمن ناحية تدفع الخمور أو المخدرات متناولها أو مدمنها إلى ارتكاب الجريمة نظراً لما تحدثه لديه من إثارة تجعله أكثر جرأة على ارتكاب جريمته.
    • وقد قسم العلماء العلاقة بين إدمان الخمور والمخدرات وبين الإجرام إلى نوعين: علاقة مباشرة وغير مباشرة، كما أنهم اهتموا بتأثير هذه الخمور والمخدرات على ذرية المدمن.
    أ- العلاقة المباشرة بين إدمان الخمور والمخدرات وبين الإجرام
    • تناول الخمور والمخدرات أو إدمانها له تأثير مباشر على الشخص من الناحية العقلية والذهنية وكذلك البدنية كما أنهما يؤثران على إرادة الشخص في سيطرته على تصرفاته، مما يقلل من قدرته على مقاومة دوافع الجريمة. ومما يزيد من فرص ارتكاب الشخص للجريمة توافر الاستعداد الإجرامي لديه، فيأتي إدمان الخمور والمخدرات فيحرك هذا الاستعداد لدى المدمن خاصة مع ما يصيب هذا الأخير من ضعف بدني ونفسي.
    • وأغلب الجرائم التي ترتكب تحت تأثير تعاطي الخمور والمخدرات هي جرائم الإيذاء البدني الذي قد يصل إلى حد القتل، وجرائم السب والقذف الناتجة عن عدم تحكم الفرد في تصرفاته وأقواله، وكذلك جرائم الاعتداء على الآداب العامة والعرض.
    ب- العلاقة غير المباشرة بين إدمان الخمور والمخدرات وبين الإجرام
    • غالباً ما ينتج عن إدمان الخمور والمخدرات وضع الشخص المدمن في ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة مما يدفعه إلى ارتكاب الجرائم التي يواجه بها هذه الظروف وهذه البيئة. فيلاحظ أن المدمن على الخمور أو المخدرات يعيش في ظروف عائلية غير مستقرة، كما أنه يكون عرضة لفقد عمله ومورد رزقه، وتقل فرصته في إيجاد عمل ما. وفي مقابل ذلك فإن المدمن ينفق أموال كثيرة حتى يشبع رغبته في تناول الخمور والمخدرات مما يكون له مردود سيئ على حياته الأسرية لما ينتج عن ذلك من عدم الإنفاق الكافي على أسرته. وقد تكون موارده في الأساس ضعيفة فيزيد ذلك من فرص إقدامه على ارتكاب الجريمة حتى يستطيع إشباع رغبته في تناول الخمور أو المخـدرات علاوة على الوفاء بمتطلباته المعتادة من طعام وشراب وغير ذلك.
    • وعلى ذلك فإن أغلب جرائم المدمن تقع اعتداء على الأموال كالسرقة وخيانة الأمانة والنصب، وقد تكون بعض جرائمه مصحوبة بالعنف.
    جـ- تأثير إدمان الخمور والمخدرات على ذرية المدمن
    • إذا كان ما تناولناه سابقاً يبحث في تأثير تعاطي الخمور والمخدرات على المدمن نفسه من ناحية دفعه لارتكاب الجريمة، فإننا هنا نبحث تأثيرها على ذرية المدمن وهل يصل هذا التأثير إلى حد يمكن معه القول بأن إدمان الآباء للخمور والمخدرات قد يدفع الأبناء إلى طريق الإجرام؟
    • والحقيقة أن الآثار السيئة لتعاطي الخمور والمخدرات تمتد إلى فروع المدمن، ذلك أن الإدمان على تعاطيها يرفع نسبة الكحول أو المخدر في الدم وهذه خصيصة بيولوجية تنتقل من الأصول إلى الفروع عن طريق الوراثة فيأتي الأبناء ولديهم ميل إلى تناول الخمور أو المخدرات.
    • كما أن تعاطي الخمور والمخدرات يصيب الذرية بضعف بدني أو عقلي أو بهما معاً نتيجة ما يصيب عملية الإخصاب من اضطراب عندما يكون أحد الأبوين في حالة تعاطي وقت العلاقة الجنسية. وبالإضافة إلى ذلك فإن المدمن يكون شخصاً غير قادر على القيام بواجبه ومسئولياته تجاه أسرته من ناحية الإشراف والرقابة على الأبناء الذين لا يجدون أمامهم قدوة حسنة. ويترتب على ذلك التفكك الأسري الذي قد يصل إلى درجة الانهيار فتأتي التنشئة الاجتماعية للأبناء غير سليمة وقد يبتعدون عن مواصلة دراستهم ويلجئون إلى رفقاء السوء. ولا شك أن هذه البيئة الاجتماعية السيئة تعد بيئة مهيأة لارتكاب الجريمـة.
    خلاصـــــــــــة
    • تناولنا أهم العوامل الإجرامية الداخلية في تفسير السلوك الإجرامي. وقد أثبتت الدراسات كما بينا أعلاه أن هناك علاقة بين ما قد يتوافر من هذه العوامل لدى فرد ما وبين سلوكه سبيل الإجرام. ومع ذلك فلم تقطع هذه الدراسات بوجود علاقة حتمية بين توافر أحد هذه العوامل وبين ارتكاب الجريمة. ولعل السبب في ذلك أن الظاهرة الإجرامية يصعب تناولها أو معالجتها بالنظر إلى جانب أو بعض الجوانب وإغفال جوانب أخرى قد يكون لها دور في دفع الفرد إلى الجريمة. والحقيقة أن الجريمة يقف وراء ارتكابها مجموعة من العوامل التي يعضد بعضها بعضاً وتتفاعل فيما بينها منتجة في النهاية جريمة ما ومعبرة عن شخصية إجرامية. وإذا كنا قد تناولنا فيما سبق مجموعة العوامل الداخلية أي المتعلقة بصفة عامة بالتكوين الشخصي للفرد من الناحية البيولوجية والنفسية والعقلية، فإنه لا يجب إغفال أن هناك نوع آخر من العوامل الدافعة إلى ارتكاب الجريمة هذه العوامل تعرف بالعوامل الخارجية.وهذه العوامل تتعلق بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان من ناحية الظروف الزمانية والمكانية والثقافية التي ينشأ فيها ويستقي منها معارفه ومفاهيمه في الحياة والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط يه وتؤثر في سلوكه وتصرفاته. ومما لاشك فيه أن هذه العوامل الخارجية تلعب دوراً أساسياً في الدفع إلى ارتكاب الجريمة خاصة إذا وجد لدى الفرد استعـداد أو ميل إلى ارتكابها نتيجة ما يتوافر لديه مسبقاً من عوامل داخلية.أي أنه يتعين عند البحث عن أسباب الإجرام لدى شخص ما أن ينظر إلى هذا الشخص نظرة تكاملية من خلال البحث عن العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى إقدام هذا الشخص على ارتكاب جريمة ما .

  7. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,925
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي العوامل الخارجية الدافعة لارتكاب الجرم

    المحاضرة السادسة

    • تتناول هذه المحاضرة والمحاضرات التى تليها دراسة للعوامل الخارجية الدافعة لارتكاب الجريمة وهى مجموعة من العوامل المتصلة بالبيئة الاجتماعية البيئية والاقتصادية والبيئية الثقافية وكذلك ما يتعلق بالبيئة الطبيعية أو الجغرافية التى يعيش فيها الفرد ونبدأ فى هذه المحاضرة بدراسة ما يتعلق بالبيئة الاجتماعية وهى ما يقتضى التعرض لأهم عناصر الوسط الاجتماعى للفرد وذلك على النحو التالى :
    1- الأسرة
    2- المدرسة
    3- مجتمع العمل
    4- مجتمع الأصدقاء
    • ثم نتعرض بعد ذلك للعلاقة التى قد تربط بين البيئة أو الظروف الاقتصادية المحيطة بالفرد وبين إحتامل الفرد لارتكاب الجريمة تحت تأثير هذه الظروف الاقتصادية.
    ويقتضى ذلك تقسيم العوامل الاقتصادية إلى الآتى :
    1- العوامل الاقتصادية العامة : ويشمل ذلك التحول الاقتصادى والتقلبات الاقتصادية.
    2- العوامل الاقتصادية الفردية : ويشمل ذلك عامل الفقر وعامل البطالة.
     العوامل الإجرامية الخارجية الدافعة إلى ارتكاب الجريمة
    • يطلق على مجموعة العوامل الخارجية المفسرة للسلوك الإجرامي العوامل البيئية أو عوامل البيئة الإجرامية. ويقصد بهذه العوامل مجموعة الظروف الخارجية المحيطة بالفرد والتي تؤثر في تكوين شخصيته واتجاهات سلوكه. وهذه العوامل الخارجية متعددة منها ما يتصل بالبيئة الاجتماعية الخاصة بالفرد مثل الأسرة والمدرسة ومحيط العمل أو المهنة، ومنها ما يتعلق بالظروف الاقتصادية سواء اتصل ذلك بظروف اقتصادية عامة تخص المجتمع بأسره أم بظروف اقتصادية خاصة بفرد معين، ومن هذه العوامل أيضاً ما يتعلق بالبيئة الثقافية المحيطة بالفرد وما يتصل بذلك من تعليم ووسائل إعلام ومن تأثير للدين والعادات والتقاليد داخل مجتمع ما، ومن هذه العوامل كذلك ما يتعلق بالبيئة السياسية التي ينشأ فيها الفرد سواء تعلق ذلك بسياسات خارجية قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على سلوك الفرد داخل المجتمع أو سياسات داخلية تؤدي إلى انتشار نوعية معينة من الجرائم نتيجة ما تنتهجه دولة ما من سياسات عامة أو سياسات تشريعية معينة. ومن العوامل الخارجية كذلك ما يطلق عليه العوامل الطبيعية أو البيئة الجغرافية وما يرتبط بها من دراسة العلاقة بين مناخ ما أو بين بيئة مكانية معينة وبين الميل إلى ارتكاب نوعية معينة من الجرائم. وعلى الرغم من تنوع العوامل الخارجية أو البيئية الموجهة للسلوك الإجرامي، إلا أنه ينبغي ملاحظة أن هذه العوامل يجب دراستها على أنها ذات طبيعة نسبية وعلى أنها تشكل وحدة لا تقبل التجزئة.
    • ونسبية هذه العوامل الإجرامية الخارجية تعني أن لكل شخص مجتمعه الخاص به، بل إن الشخص نفسه قد تختلف بيئته الخاصة من وقت لآخر ومن مكان لآخر. وما قد يعتبر وسطاً أو بيئة إجرامية بالنسبة لفرد ما قد لا يعتبر كذلك بالنسبة لفرد آخر تحيط به نفس الظروف التي تحيط بغيره. فالقول بغير ذلك يعني أن يصبح جميع من يعيشون في نفس البيئة الإجرامية مجرمين وهو ما لا يمكن التسليم به علمياً. وهذا بدوره يؤكد على ضرورة التفسير التكاملي للجريمة وذلك بالنظر إلى العوامل الداخلية لكل فرد ومدى تفاعلها مع ما يحيط بذلك الفرد المجرم من عوامل خارجية أو بيئية.
    • أما عدم قابلية هذه العوامل الخارجية للتجزئة فيعني أن السلوك الإجرامي يرجع إلى تفاعل هذه العوامل فيما بينها بحيث يصعب القول بأن السلوك الإجرامي كان نتيجة أحد هذه العوامل الخارجية على سبيل الحصر. وعليه فإن توافر أحد هذه العوامل مرة أخرى لا يترتب عليه بالضرورة ارتكاب ذات السلوك الإجرامي. ذلك أن درجة تفاعل هذه العوامل مع العوامل الأخرى قد تختلف في هذه المرة عن سابقتها، مما يترتب عليه اختلاف في تركيبة البيئة المحيطة بالفرد وبالتالي اختلاف في درجة تأثيرها على سلوكه.
    • وعليه فسوف نتعرض لهذه العوامل الخارجية المفسرة للسلوك الإجرامي والتي تتعلق بكل من البيئة الاجتماعية، البيئة الاقتصادية، البيئة الثقافية، البيئة السياسية ثم البيئة الطبيعية أو الجغرافية وذلك على النحو التالي:
     البيئة الاجتماعية
    • يقصد بالبيئة الاجتماعية ذلك الوسط البشري الذي يعيش فيه الفرد ويختلط به عبر مراحل تطوره العمرية.
    • ويطلق على هذا الوسط الاجتماعي تعبير "البيئة الخاصة" حيث يستمد الفرد من هذه البيئة المعلومات الأولية في حياته كما يتأثر بما يسود هذه البيئة من عادات وتقاليد تسهم إلى حد كبير في تكوين شخصيته وفي توجيه سلوكه. وعليه فإنه يمكن وصف هذه البيئة بأنها إجرامية إذا كان من شأنها أن تدفع الفرد الذي ينتمي إليها إلى ارتكاب عمل إجرامي. وتتكون هذه البيئة الاجتماعية الخاصـة بالفـرد من الأسرة والمدرسة ومجتمع الأصدقاء ومجتمع العمل أو المهـنة.
    أ- الأسـرة
    • الأسرة هي الخلية الأولى التي ينشأ فيها الفرد ويتلقى فيها التربية الأولية في حياته. ولا شك أن للأسرة دوراً هاماً وأساسياً في تنشئة الفرد وتوجيهه نحو التكيف الاجتماعي نظراً لما يتميز به الطفل الصغير من استعداد للاستجابة والتوجيه في هذه السن المبكرة، هذا إذا كانت الأسرة مستقرة وتربط أفرادها، خاصة الأب والأم، علاقة طبيعية. أما إذا كانت الأسرة مفككة وغير مستقرة أو فاسدة فإنها تمثل وسطاً سيئاً قد يؤدي إلى انحراف الأبناء نظراً لما يلمسونه من انحراف في سلوك أفراد أسرتهم ولما يعانونه من إهمال وعدم رعاية في هذه السن المبكرة.
    • وعلى ذلك فإن الأسرة، باعتبارها الخلية الأولى التي ينشأ فيها الفرد، تلعب دوراً هاماً في تفسير ما قد يظهر على سلوك الفرد من انحراف نحو الجريمة، ويمكن تفسير العلاقة بين الأسرة كوسط اجتماعي للفرد وبين السلوك الإجرامي لهذا الأخير على النحو التالي :
    • فمن ناحية أولى، أكدت الدراسات الخاصة بعلم الإجرام أن وجود أفراد مجرمين أو منحرفين داخل نطاق الأسرة يشكل عاملاً دافعاً إلى السلوك الإجرامي، لما يمثله ذلك من مثل سيئ للأطفال الناشئين في هذه الأسرة، خاصة وأن الطفل في هذه السن المبكرة يتجه إلى تقليد هذه السلوكيات الإجرامية أو المنحرفة.
    • فعلى سبيل المثال، أثبتت الأبحاث أن تعاطي أحد الأبوين للمخدرات يشكل أحد العوامل الأساسية التي تدفع الطفل نحو تعاطي المخدرات، خاصة إذا تم تناول المخدرات أمام الأبناء وبصورة تنم عن التشجيع على تناولها بل والزهو بهذا السلوك الخاطئ.
    • ومن ناحية ثانية، فإن تفكك الأسرة أو انهيارها يعد أحد العوامل التي قد تدفع الطفل إلى ارتكاب الجريمة حالاً أو مستقبلاً، لما يسببه هذا التفكك من إعاقة له على التكيف مع المجتمع نظراً لغياب الدور التربوي والتهذيبي الذي تلعبه الأسرة المتماسكة في هذا الشأن.
    • وقد يكون التفكك الأسري راجعاً لأسباب مادية تؤدي إلى غياب أحد الأبوين أو كلاهما عن حياة الطفل، مثل الوفاة أو الطلاق، فيحرم ذلك الطفل من تلقي التربية والتهذيب اللازمين.
    • وقد يتخذ التفكك الأسري صورة معنوية، ويعني ذلك أن العلاقة بين الأبوين تكون علاقة سيئة غير مستقرة رغم تواجدهما معاً من الناحية المادية. ويترتب على سوء العلاقة وسوء المعاملة بين الأبوين أن ينشغل الأب عن رعاية أبنائه وعن تربيتهم مما قد يدفعهم إلى ارتكاب الجريمة.
    • ومن ناحية ثالثة، يمكن تفسير السلوك الإجرامي للأبناء استناداً إلى الأسلوب الخاطئ الذي تتبعه الأسرة في تربية أبنائها. وقد يتمثل ذلك في حرمان الأبناء من حب الأبوين أو من سوء توجيه هذا الحب. فالحرمان من حب الأبوين أو أحدهما يخلق لدى الطفل عداوة مقابلة تجعل سلوكه متسماً بالمعارضة والتمرد على الأبوين، وقد يتمثل سوء توجيه العاطفة في التدليل الزائد عن المعتاد، الأمر الذي يجعل من الطفل شخصاً غير قادر على تحمل المسئولية وبالتالي على تحمل ما يفرضه المجتمع من قيود تشكل حماية لمصالح المجتمع والأفراد من الاعتداء عليها.
    • ومن ناحية رابعة، فإن الظروف التي تعيش فيها الأسرة وما يرتبط بذلك من وضع اقتصادي واجتماعي قد يكون عاملاً ذا علاقة بإقدام الفرد على ارتكاب الجريمة. فعجز الأسرة عن توفير المتطلبات الأساسية لأفرادها يتعارض مع متطلبات التربية السليمة والتهذيب، وقد يدفع هذا العجز الاقتصادي إلى ترك الأبناء للتشرد والتسول وما قد يتبع ذلك من ارتكاب للسرقة وممارسة للرذيلة. ومع ذلك فإنه لا ينبغي إغفال أن هناك نوع من انحراف الأحداث يكون وراءه أحداث قادمون من أسر مرتفعة المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
    • يتضح مما سبق أن الأسرة تلعب دوراً أساسياً في تربية الأبناء وتوجيه سلوكهم سواء كان ذلك في اتجاه السلوك المشروع أو غير المشروع. ومع ذلك فإنه من الصعب أن توصف العلاقة بين تفكك الأسرة أو فسادها وبين الإجرام بالعلاقة الحتمية، لأنه من الصعب تفسير السلوك الإجرامي بالاستناد إلى عامل بعينه. وكل ما يمكن قوله أن تفكك الأسرة وظروفها المعيشية السيئة يمثل أحد العوامل التي تدفع أفرادها إلى ارتكاب الجريمة، وذلك نظراً لفقدان القدوة الطيبة أو لعدم القدرة على توفير متطلبات التربية والرعاية الاجتماعية السليمة.
    ب- المدرسـة
    • تعتبر المدرسة أحد جوانب الوسط الاجتماعي الخاص الذي يؤثر في سلوك الفرد. وتلعب المدرسة دوراً مهماً في تهذيب وتربية الأبناء والبنات حيث أن دورها لا يقتصر أولا يجب أن يقتصر فقط على الجانب التعليمي بل يجب أن يشمل كذلك الجانب التربوي وما يتعلق بذلك من تلقين للقيم والمبادئ الأخلاقية التي يجب أن تسود في المجتمع.
    • ويعتبر مجتمع المدرسة أول مجتمع أجنبي يتصل به الطفل بعد مجتمع الأسرة. وفي مجتمع المدرسة يلتقي الطفل بغيره ممن هم في سنه أو في سن قريبة من سنه، ويلتقي كذلك بأساتذته ومدرسيه. وبقدر ما تنجح المدرسة في أداء دورها التعليمي والتربوي بقدر ما تقدم للمجتمع فرداً قادراً على التكيف مع المجتمع بما يسوده من قيم ومبادئ أخلاقية. وعلى العكس فإن فشل المدرسة في القيام بهذا الدور يشكل أحد العوامل الدافعة إلى الجريمة.
    • ويمكن توضيح العلاقة بين المدرسة وبين احتمال إقدام الفرد على ارتكاب الجريمة بأن فشل المدرسة في القيام بدورها وفشل الطفل في دراسته يمثل قرينة على شخصية الفرد القابلة للانحراف. وحقيقة الأمر فإن ذلك قد يكون راجعاً إلى عوامل داخلية لدى الطفل نفسه تجعله غير قادر على التكيف مع مجتمع المدرسة وبالتالي المجتمع الكبير فيما بعد، وقد يكون الأمر راجعاً في جانب كبير منه إلى أسباب تتعلق بالمناهج الدراسية ذاتها وبأسلوب المعاملة داخل المدرسة وبعدم كفاءة أو بعدم تأهيل المعلم بدرجة كافية للتعامل مع الأطفال في هذه السن المبكرة.
    • وكل ذلك قد يدفع الطفل إلى التغيب عن المدرسة أو الهرب منها وقضاء وقت الدراسة في الشارع أو الأماكن العامة مما يعرضه للاختلاط بمجتمع آخر غير ملائم له في مثل هذه السن وقد يعرضه ذلك للانحراف وارتكاب الجريمة.
    جـ- مجتمع العمل
    • لاشك أن العمل في حد ذاته يمثل قيمة في حياة الفرد والمجتمع، ولاشك أيضاً أن نوعية العمل الذي يمارسه الفرد تؤثر في تكوين شخصيته وتحديد اتجاهات سلوكه بصفة عامة. ولذلك يمكن القول أن بعض الأعمال أو المهن يمكن أن تمثل عاملاً إجرامياً نظراً لما يحيط بهذا العمل أو هذه المهنة من ظروف معينة ترفع من معدل الإجرام أو تؤدي لارتكاب نوعية معينة من الجرائم.
    • فمن ناحية، قد تهيئ طبيعة المهنة أو العمل الفرصة لارتكاب نوع معين من الجرائم مثل ارتكاب الموظف العام لجرائم الرشوة أو الاختلاس أو الاستيلاء على المال العام، وارتكاب الخادم في المنزل لجرائم السرقة، وارتكاب الطبيب لجرائم هتك العرض أو الاغتصاب، وارتكاب الجزار لجرائم العنف، إلى غير ذلك من أمثلة.
    • ومن ناحية أخرى، فإن مزاولة مهنة معينة قد يكسب صاحبها مهارة وخبرة تمكنه من ارتكاب بعض الجرائم عندما يسيء الشخص استغلال هذه المهارة أو الخبرة، مثال ذلك الصيدلي الذي يرتكب أو يساعد على ارتكاب جرائم تسميم أو إعطاء مواد ضارة، وصاحب مهنة الطباعة الذي يرتكب جرائم تزوير، وصانع الأقفال الذي يستغل مهارته في فتح الأبواب أو الخزائن المغلقة وسرقة ما بداخلها. والحقيقة أن اختيار الفرد لمهنة معينة يدل بدرجة كبيرة على عناصر شخصيته، فالفرد عندما يتجه لممارسة مهنة أو عمل معين فإن ذلك يعبر عن نوعية المهارات والإمكانيات التي يرى الفرد أنها ترشحه لهذه المهنة أو العمل، ولما كانت عناصر الشخصية هي التي تحدد طابعها من الوجهة الإجرامية فإن ذلك يبين مدى الصلة بين اختيار ممارسة مهنة معينة وبين الجريمة أو احتمالية الإقدام على ارتكاب الجريمة. بالإضافة إلى ذلك فإن المهنة أو العمل يلعب دوراً أساسياً في تحديد الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفرد، وهذا الوضع الاجتماعي والاقتصادي يؤثر على سلوكيات الفرد وردود أفعاله تجاه المشكلات التي تعرض له ومن بين هذه السلوكيات ارتكاب الفرد لجريمة معينة. وعليه فإن تأثير المهنة على الإجرام قد يأتي من خلال وضع الشخص الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع. ورغم ما سبق بيانه عن العلاقة بين المهنة وبين الإجرام فإن القول بحتمية هذه العلاقة يجب أن يؤخذ على حذر فمن غير الممكن القول بأن من يحترف حرفة معينة سوف يتجه حتماً إلى ارتكاب نوعية معينة من الجرائم، فما سبق بيانه لا يخرج عن كونه تفسير جزئي للعلاقة المحتملة بين ممارسة مهنة معينة وبين ارتكاب نوعية معينة من الجرائم، كما أنه يمكن القول بأن الجريمة أصبحت أمراً محتمل الوقوع بالنسبة لكافة المهن داخل المجتمع.
    د- مجتمع الأصدقاء
    • يشكل مجتمع الأصدقاء نوعاً من أنواع البيئة الخاصة التي تحيط بالفرد وتؤثر في تشكيل معالم شخصيته، وتوضيح ذلك أن هناك تأثيراً متبادلاً بين الأصدقاء ينشأ عنه اتجاه عام جماعي فيما بينهم. هذا الاتجاه قد يكون من ناحية احترام القوانين والمبادئ والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع وهنا يمكن القول أن جماعة الأصدقاء هذه تشكل أحد العوامل المانعة من الإجرام. وقد يكون هذا الاتجاه العام فيما بينهم نحو مخالفة القوانين والخروج على المبادئ والقيم السائدة داخل المجتمع ولذلك يأتي سلوكهم منحرفاً ومتجهاً إلى ارتكاب الجرائم وفي هذه الحالة يمكن القول بأن جماعة الأصدقاء تشكل أحد العوامل الدافعة إلى ارتكاب الجريمة.
    • ومع ذلك لا يمكن القول بأن مجرد الانخراط في جماعة أصدقاء سيئة هو الدافع الوحيد لارتكاب الجريمة، حيث أنه يمكننا القول بوجود عوامل أخرى لابد وأنها قد ساهمت في الدفع إلى طريق الإجرام، هذه العوامل منها ما يتعلق بعوامل داخلية لدى الفرد نفسه أو عوامل اجتماعية أخرى مثل الفشل في الدراسة والتفكك الأسري، ومثل الحالة الاقتصادية للفرد سواء كانت هذه الحالة سيئة أو في بعض الأحيان حالة اقتصادية مرتفعة.
     البيئة الاقتصادية
    • خلصت أبحاث علم الإجرام إلى أن البيئة الاقتصادية التي يعيش فيها الفرد تلعب دوراً هاماً في تحديد سلوكياته ومن بينها سلوكه الإجرامي، ولمعرفة مدى تأثير البيئة الاقتصادية على السلوك الإجرامي للفرد يتعين التمييز بين ما يطلق عليه العوامل الاقتصادية العامة وما يعرف بالعوامل الاقتصادية الخاصة.
    أ- العوامل الاقتصادية العامة
    • وهذه المجموعة تشمل العوامل الاقتصادية التي تتصل بالمجتمع ككل، ومن أهم هذه العوامل الاقتصادية العامة، التي يمكن أن تؤثر على معدل الإجرام أو نوعيته، التحول الاقتصادي والتقلبات الاقتصادية وما يمكن أن يصاحب ذلك من انتعاش أو انكماش اقتصادي.
    1- التحول الاقتصادي
    • ويقصد به التغيير الذي يطرأ ببطء على النظام الاقتصادي لدولة ما لكي يظهر في النهاية صورة جديدة من النظم الاقتصادية مغايرة للنظام الذي كان سائداً فيما قبل. وأهم صور هذه التحولات الاقتصادية ذات الأثر الملموس على حياة الأفراد والمجتمعات ذلك التحول من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي. فلا شك أن لهذا التحول الاقتصادي نتائج هامة على طبيعة الحياة داخل المجتمع سواء من الناحية الاقتصادية أو الناحية الاجتماعية، ولا يخفى أن لهذا التحول والتغيير في طبيعة العلاقات ونوعيتها داخل المجتمع أثر كبير على طبيعة الظاهرة الإجرامية داخل المجتمع وذلك كما سنوضحه على النحو التالى :
    أ- ظهور التجمعات البشرية الكبيرة
    • يترتب على التحول من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي ظهور المدن الكبيرة ذات التجمعات البشرية الكبيرة وظهور المشروعات الصناعية الكبيرة. ويرجع ذلك إلى هجرة عدد كبير من العمال الزراعيين من الريف إلى المدن حيث العمل في المشروعات الصناعية سعياً وراء الحصول على كسب مادي أكبر وتلبية لمتطلبات الزيادة في حجم العمل.
    • وقد أثبتت الأبحاث أن هذه الهجرة من الريف إلى المدن قد ترتبت عليها بعض الأزمات نتيجة اختلاف طبيعة الحياة في الريف عنها في المدن خاصة الصناعية منها. ومن ذلك أزمات المواصلات والسكن وما يضطر إليه الكثيرون من السكن في أماكن مشتركة قد ينتج عنه بعض السلوكيات الإجرامية كجرائم العنف والجرائم الجنسية، فضلاً عن انتشار جرائم السرقة والنصب وخيانة الأمانة نظراً لكثرة المعاملات المالية بين هذه الطوائف من العمال.
    • ومن ناحية أخرى، فإن هذا التحول الاقتصادي يصاحبه فترة انتعاش على المستوى العام وما يترتب على ذلك من ارتفاع مستوى المعيشة. وقد يؤثر ذلك على الظاهرة الإجرامية لما يلجأ إليه الأفراد من وسائل سريعة لتحقيق الكسب غير المشروع الذي سيوفر لهم مستوى عال من المعيشة. ومن بين هذه الوسائل انتشار جرائم النصب والتزوير والتهرب الضريبي.
    ب- ظهور التبادل التجاري
    • يتميز المجتمع الصناعي بوفرة الإنتاج نتيجة التوسع الكبير في إقامة المشروعات الصناعية الكبرى. ويترتب على ذلك زيادة الإنتاج عن حاجة السوق المحلي، وذلك على خلاف المجتمع الزراعي الذي يسعى إلى تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي. وقد نتج عن كثرة الإنتاج أن ظهرت الحاجة إلى تبادل السلع والمنتجات بين المدن المختلفة، وبين البلاد المختلفة وذلك لتحقيق نوع من التوازن بين حاجات الدول المختلفة وبين ما ينقصها من سلع أو منتجات.
    • ونتيجة لزيادة حركة التبادل التجاري ظهرت أهمية النقود داخل المجتمعات المختلفة، وزاد مع ذلك سعي الأفراد إلى الحصول عليها أياًَ كانت الوسيلة إلى ذلك. وظهرت لذلك العديد من الجرائم مثل جرائم السرقة والنصب وجرائم التزوير في المحررات واستعمال هذه المحررات المزورة، وظهـرت كذلك جـرائم إصدار شيك بدون رصيد وجرائم الغش التجاري.
    2- التقلبات الاقتصادية
    • يقصد بالتقلبات الاقتصادية ما يحدث من تغيرات جزئية ترد على ظاهرة أو أكثر من الظواهر الاقتصادية السائدة في المجتمع وهي تغيرات وقتية تتميز بالسرعة وعدم الاستقرار أو الثبات. وهذه التغيرات لا تعني تحولاً اقتصادياً بالمعنى السابق بيانه لأنها لا تنطوي على تغيير شامل في النظام الاقتصادي للدولة، وأهم هذه التقلبات ما يحدث من تقلبات في الأسعار، يرتبط به تقلبات في الدخول.
    أ- تقلبات الأسعار:
    • يقصد بهذه التقلبات ما تتعرض له أسعار السلع والخدمات في الدولة من تغيير مفاجئ خاصة إذا كان ذلك بالارتفاع. وقد أثبتت الإحصاءات الجنائية وجود علاقة وثيقة بين تقلبات الأسعار وميلها نحو الارتفاع وبين ارتكاب جرائم السرقة. وتفسير ذلك أن ارتفاع أسعار السلع، خاصة الرئيسية منها، يزيد من تكاليف الحياة وأعبائها، خاصة مع بقاء الدخول على حالها، وهذا العبء الاقتصادي قد يدفع الفرد إلى ارتكاب أفعال إجرامية لإشباع حاجاته التي عجز عن إشباعها بطرق مشروعة. بالإضافة إلى ذلك فإن ارتفاع أسعار السلع والمنتجات وعدم زيادة الدخول يؤدي إلى تراكم هذه السلع وقلة الطلب عليها مما يدفع المنتجين وأصحاب المصانع إلى الاستغناء عن عدد من العمال بهدف تقليل الإنتاج. والمحصلة النهائية لذلك ظهور البطالة بين عدد من العمال الأمر الذي قد يدفعهم إلى ارتكاب الجريمة لمواجهة متطلبات الحياة.
    • ويترتب كذلك على تقلبات الأسعار ارتفاع في معدل جرائم الاعتداء على الأشخاص وذلك لأن الحالة الاقتصادية السيئة التي يمر بها الفرد وعجزه عن سد متطلبات الحياة الضرورية يصيبه بحالة من عدم الشعور بالأمان وقد يدفعه ذلك إلى ارتكاب جرائم العنف مثل القتل أو الجرح أو الضرب.
    ب- تقلبات الدخول:
    • يقصد بتقلبات الدخول كل تغير، سواء بالزيادة أو بالنقص، يطرأ على دخل الفرد، إذ يكون لكل نوع من التغير تأثير على الظاهرة الإجرامية.
    • وعلى ذلك فإنه كلما ارتفع دخل الفرد، خاصة مع ثبات الأسعار، تزداد القوة الشرائية للنقود وهذا يمكن الشخص مع إشباع حاجاته بطريق مشروع، وتقل بذلك معدلات ارتكاب جرائم السرقة، وهذا لا يمنع ارتكاب الشخص لجرائم نصب وإصدار شيكات بدون رصيد رغبة منه في تحقيق سريع لمستوى معيشة مرتفع.
    • وعلى العكس فإن انخفاض مستوى دخل الفرد قد يؤدي إلى ارتكاب الجريمة، خاصة إذا وصل هذا الانخفاض إلى المستوى الذي يعجز معه الفرد عن سد احتياجاته الأساسية. ولذلك فإنه إذا كان انخفاض الدخل قد حدث بنسبة ضئيلة، خاصة إذا كان الدخل مرتفعاً أصلاً، فإن هذا الانخفاض الطفيف قد يكون معدوم الأثر بالنسبة لدفع الفرد إلى ارتكاب جرائم اعتداء على الأموال.
    • وتجدر الإشارة إلى أن التأثير الإجرامي لتقلبات الدخول وتقلبات الأسعار قد يكون معدوماً، ويحدث ذلك إذا صاحب ارتفاع الأسعار ارتفاع مقابل في مستوى الدخل مما يعدم التأثير السيئ لارتفاع الأسعار ويبقى على مستوى القوة الشرائية للنقود. وبنفس المنطق فإن انخفاض الدخل قد لا يكون له تأثير إجرامي إذا صاحبه انخفاض معادل في مستوى الأسعار إذ يبقى ذلك على القوة الشرائية للنقود التي تتيح للفرد سد احتياجاته ومتطلباته.
    • ويجب التنويه إلى أن وجود نوع من الضمان الاجتماعي قد يمثل درعاً قوياً يحمي الأفراد من تقلبات الأسعار والدخول ومن المخاطر الاقتصادية التي يمكن أن يتعرض لها الأفراد بصفة عامة. فشعور الفرد بوجود هذا الضمان الاجتماعي يجعله مطمئن النفس، خاصة من ناحية متطلبات الحياة الأساسية من تعليم وتأمين صحي لائق له ولأسرته. وهذا الاطمئنان الاجتماعي سيكون له تأثير كبير في منع الفرد من الإقدام على ارتكاب الجريمة تحت تأثير هذه الظروف الاقتصادية التي يتعرض لها المجتمع.
    ب- العوامل الاقتصادية الفردية
    • تتعلق هذه العوامل بالحالة الاقتصادية الخاصة بفرد معين وما قد يتعرض له الفرد من اضطراب أو سوء في حالته الاقتصادية على المستوى الفردي. وترتبط الحالة الاقتصادية للفرد بالمركز الاقتصادي للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، ومع ذلك فإن الحالة الاقتصادية الخاصة بفرد ما ترتبط بصورة غير مباشرة بالحالة الاقتصادية العامة التي تسود المجتمع ككل.
    • ولا شك أن اضطراب الأحوال الاقتصادية للفرد قد يؤدي به إلى ارتكاب نوعية معينة من الجرائم بغية الحصول على ما يسد به حاجاته ومتطلباته مثل جريمة السرقة. وقد تدفعه هذه الحالة الاقتصادية السيئة إلى ارتكاب جرائم عنف ضد الآخرين نتيجة لما يشعر به من ضيق واضطراب نفسي.
    • ويمكن الوقوف عند عاملين من هذه العوامل لما لهما من أهمية خاصة وتأثير ملموس على الظاهرة الإجرامية وهما عامل الفقر وعامل البطالة.
    1- عامل الفقر
    • ويقصد بالفقر عدم قدرة الشخص على إشباع حاجاته الأساسية التي تحفظ عليه كرامته الإنسانية.
    • وإذا كان البعض قد ذهب إلى حد اعتبار الفقر هو السبب الوحيد للجريمة، إلا أن التسليم بذلك يتنافى مع الواقع ويخالف الحقيقة، لأنه لا يمكن القول بأن كل الفقراء مرتكبو جرائم، فالواقع يثبت أن هناك الكثير من الفقراء لم يرتكب أحد منهم ثمة جريمة. وعلى العكس من ذلك فإن الإحصاءات تشير إلى أن العديد من الأغنياء يرتكبون الجريمة.
    • فمن الناحية العملية لا يمكن التسليم بوجود علاقة حتمية بين الفقر وبين ارتكاب الجريمة، إنما الصحيح هو اعتبار الفقر أحد العوامل التي يمكن على أساسها تفسير ارتكاب البعض للجريمة وخاصة في نطاق جرائم الاعتداء على الأموال مثل السرقة والنصب وخيانة الأمانة حيث يكون الهدف من ارتكاب هذا الجرائم هو إشباع الحاجات الضرورية للفرد. ومع ذلك فإن عامل الفقر قد يصلح أساساً لتفسير إقدام البعض على ارتكاب جرائم العنف نظراً لما يصيب الفرد من ضيق واضطراب نفسي نتيجة ما يعانيه من ضيق مالي.
    • كما أن الفقر قد يكون عاملاً دافعاً لارتكاب بعض جرائم الاعتداء على العرض مثل الاغتصاب وهتك العرض نظراً لعجز الفرد عن توفير متطلبات الزواج وما يستلزمه تكوين أسرة من متطلبات مادية ضخمة.
    • وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الفقر قد يكون عاملاً غير مباشر لدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة، وتفسير ذلك أن الحالة الاقتصادية السيئة للأسرة قد تدفع الأب إلى السفر أو الخروج للعمل والتغيب فترات طويلة عن البيت، وقد يؤدي أيضاً إلى خروج الأم للعمل، ولا شك أن ذلك يؤثر تأثيراً سلبياً على تربية الأبناء وممارسة واجب الإشراف والرقابة عليهم، الأمر الذي قد يعرضهم للانخراط في جماعات السوء، ويندفعون نتيجة لذلك إلى ارتكاب جرائم سرقة أو تسول.
    • وقد يدفع الفقر الأسرة إلى عدم مواصلة تعليم أبنائها، فيتركوا المدرسة ويتجهوا إلى ممارسة مهن شاقة وينخرطوا في مجتمع قد يعرضهم للانحراف وقد يتجهوا للتشرد والتسول في الشوارع مما يجعلهم عرضة للانضمام إلى عصابات إجرامية منظمة.
    2- عامل البطالة
    • يقصد بالبطالة الحالة التي يوجد فيها الفرد دون أن يجد عملاً يؤديه وذلك رغم توافر القدرة لديه على العمل وهذا ما يعرف بحالة القعود غير الإرادي عن العمل.
    • وقد تنشأ حالة البطالة عندما يتوقف الفرد عن العمل نتيجة مرض بدني أو نفسي أو عقلي أو نتيجة تسريح عدد من العمال لأسباب اقتصادية.
    • ولا شك أن هناك علاقة بين البطالة وبين الظاهرة الإجرامية، فوجود الشخص في هذه الحالة يجعله غير قادر على توفير متطلبات حياته الضرورية، الأمر الذي قد يدفعه إلى ارتكاب الجريمة من أجل إشباع هذه المتطلبات. ولكن يجب ملاحظة أن هذه العلاقة غير حتمية، فوجود الشخص في حالة بطالة لن يدفعه بالضرورة إلى ارتكاب الجريمة. فالبطالة إذن قد تدفع الفرد لارتكاب جرائم أموال لسد احتياجاته الأساسية، ولكنها قد تدفع الفرد لارتكاب جرائم ضد الأشخاص نتيجة الحالة النفسية السيئة التي تسيطر عليه والتي مردها حالة الضيق المالي التي يمر بها. وقد يمتد تأثير البطالة ليصيب السرة كلها نتيجة لما يصاحبها من عدم قدرة الأب على الإنفاق وإشباع حاجات أسرته، مما قد يترتب عليه تفكك السرة بسبب الطلاق أو تشرد الأولاد وعزوفهم عن الدراسة فيلجئون إلى العصابات الإجرامية للبحث عن وسيلة يشبعون بها احتياجاتهم. وخلاصة القول أن البطالة تعتبر أحد العوامل الدافعة إلى ارتكاب الجريمة، ومع ذلك فلا يمكن القول من الناحية العلمية بأن البطالة هي سبب الإجرام.

    إعداد/د.بشير سعد زغلــــول
    القائم بالتدريس/د.رفاعي سيد سعد

  8. #7

    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    25
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة جامعية

    افتراضي رد: العوامل الخارجية الدافعة لارتكاب الجرم

    شكرا

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. عالم الإجرام - المافيا وثائقي مشوق حول المافيا بحجم 115 mb فقط
    بواسطة ياسينوفتش في المنتدى مكتبة الصوتيات و الفيديو
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 28-12-2014, 20:05
  2. علم الإجرام النظري
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 28-11-2013, 12:05
  3. علم اجتماع الإجرام بوخميس بوفولة
    بواسطة بسمة حنين في المنتدى علم الاجتماع
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-02-2013, 16:24

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •