أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



محاضرات في القانون الدولي الإنساني

محاضرات في مقياس القانون الدولي الإنساني المحاضرة الأولى مدخل إلى القانون الدولي الإنساني إذا كان يحلو لبعضهم الآن أن يقسم التاريخ إلى ما قبل أحداث الحادي عشر



محاضرات في القانون الدولي الإنساني


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 15
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي محاضرات في القانون الدولي الإنساني

     
    محاضرات في مقياس القانون الدولي الإنساني
    المحاضرة الأولى

    مدخل إلى القانون الدولي الإنساني


    إذا كان يحلو لبعضهم الآن أن يقسم التاريخ إلى ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما بعدها … فان دراسة القانون الدولي الإنساني تستلزم منا أن نعود إلى ما قبل هذا التاريخ بزمن كبير ، فرغم إن تعبير القانون الدولي الإنساني يعد تغبيرا حديثا جدا – إذ يرجعه بعضهم إلى السبعينيات من هذا القرن- فأن ولادة قواعده قديمة جدا دون شك، وبديهي أن تلحق التسمية بالمسمى وليس العكس . وإذا نحن قلنا بقدم قواعد هذا القانون الذي غدا واحدا من أهم فروع القانون الدولي فلأننا - خلافا للرأي السائد – نعتقد إنها في أصولها على الأقل اقدم بكثير من البلاغ الأميركي المشهور حول قواعد الحرب البرية لعام 1863 ومن اتفاقية جنيف الخاصة بتحسين أحوال جرحى الحرب لعام 1864 وحتى من ولادة فكر الصليب الأحمر عام 1859 م ،وحتى خلافا لما ذهب إليه الأستاذ ستانيسلاف انهليك في كتابه(عرض موجز للقانون الدولي الإنساني ) الذي ينسب ولادة أحكام هذا القانون لمفكري عصر التنوير مثل جان جاك روسو و فانيل .
    الفكر الإسلامي مثلا لا يقر الحرب إلا كضرورة مفروضة ، وقد وضع لهذه الحرب قواعد صارمة لجعلها اكثر إنسانية ، وهو ما يجعلنا نؤكد ، بكل ثقة وبعيداً عن التعصب ، بان الإسلام قبل مئات السنين وفي سنة النبي الكرم عليه الصلاة والسلام ووصايا الخليفة الأول أبو بكر الصديق أرسى من القواعد التأصيلية لأنسنة الحرب ما لم نتوصل في عالمنا اليوم إلى إقرار بعضه إلا بعد جهد جهيد ومساع استمرت أجيالا بأكملها … وهذه حقيقة يجب أن تسجل عالميا وللأمانة التاريخية ، خاصة وان الإسلام تعرض في أيامنا لحملة ظالمة تستهدف تجريده من كل القيم الإنسانية التي كان فيها سباقا رائدا.
    وسوف نحاول في هذا العرض الموجز أن نعرض لاهم مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده ، وان نبين مدى فعالية الالتزام بهذه المبادئ والقواعد وما هو الجزاء المترتب على خرقها.

    تحديد ماهية القانون الدولي الإنساني :
    يعرف القانون الدولي الإنساني بأنه مجموعة المبادئ والقواعد التي تحد من استخدام العنف أثناء المنازعات المسلحة أو من الآثار الناجمة عن الحرب تجاه الإنسان عامة، فهو فرع من فروع القانون الدولي العام لحقوق الإنسان غرضه حماية الأشخاص المتضررين في حالة نزاع مسلح كحماية الممتلكات والأموال التي ليست لها علاقة بالعمليات العسكرية وهو يسعى إلى حماية السكان غير المشتركين بصورة مباشرة أو الذين كفوا عن الاشتراك في النزاعات المسلحة مثل الجرحى والغرقى أسرى الحرب . هذا وقد تأثر القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بحماية ضحايا الحروب وأسلوب إدارة القتال بالصكوك الدولية الهامة في ميدان حقوق الإنسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وذلك تأسيساً على أن الإنسان يحق له التمتع بحقوقه اللصيقة بآدميته وكرامته البشرية على قدم المساواة في زمن السلم أو زمن الحرب . والى جانب الصكوك الدولية المذكورة فأن القانون الدولي الإنساني الهادف إلى ضمان معاملة الإنسان في جميع الأحوال معاملة إنسانية زمن الحرب دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر قد تطور بفضل ما يعرف بقانون جنيف الذي يضم الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الموضوعة تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي تهتم أساساً بحماية ضحايا الحرب وكذلك بقانون لاهاي الذي يهتم بالنتائج التي انتهت إليها مؤتمرات السلم التي عقدت في عاصمة هولندا ويتناول أساساً الأساليب والوسائل الحربية المسموح بها وكذلك بفضل مجهودات الأمم المتحدة لضمان احترام حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة والحد من استخدام أسلحة معينة لعدم مراعاتها إنسانية الإنسان . ويمكن القول أن القانون الدولي الإنساني يقوم اليوم على إطار قانوني دولي يختص بالصكوك الدولية المعقدة في إطار الأمم المتحدة وقانون ((جنيف)) وقانون ((لاهاي)) ويمكن تحديد أبرز معالمها على النحو التالي :




    اتفاقية ((جنيف)) لتحسين حال الجرحى والمرضى العسكريين في الميدان :
    تم توقيع هذه الاتفاقية سنة 1864 وتحتوي الاتفاقية على عشر مواد تتضمن حياد الأجهزة الصحية ووسائل النقل الصحي وأعوان الخدمات الصحية واحترام المتطوعين المدنيين الذين يساهمون في أعمال الإغاثة وتقديم المساعدة الصحية دون تمييز وحمل شارة خاصة هي صليب أحمر على رقعة بيضاء . تم تطبيق هذه الاتفاقية في الحرب النمساوية الروسية سنة 1866 ، وهي تقتصر على العسكريين الجرحى في الميدان البري فقط ، لذلك تم سنة 1899 بمؤتمر ((لاهاي)) حول السلام إبرام اتفاقية لملاءمة الحرب البحرية لمبادئ اتفاقية ((جنيف)) .


    lphqvhj td hgrhk,k hg],gd hgYkshkd


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: محاضرات في القانون الدولي الإنساني

    اتفاقية ((جنيف)) لعام 1906 الخاصة بتحسين حال الجرحى والمرضى العسكريين في الميدان : هذه الاتفاقية الموقعة في 6 تموز 1906 متمِّمة ومطوِّرة للاتفاقية الأولى ، وظلت اتفاقية ((برية)) لأن ضحايا الحرب البحرية من العسكريين يتمتعون بحماية اتفاقية ((لاهاي)) الثالثة لعام 1899 . ووسعت اتفاقية 1906 نطاق سابقتها وشملت ((المرضى)) أيضاً وبلغ عدد موادها ثلاثاً وثلاثين مما يدل على أهمية الإضافات الجديدة . كما نصت الاتفاقية على شرط له آثار قانونية هامة وهو شرط المعاملة بالمثل أو المشاركة الجماعية . وبموجبه فان الاتفاقية لا تطبق إلا بين الأطراف المتعاقدة إذا نشبت الحرب بين طرفين أو اكثر .



    اتفاقيتا ((جنيف)) لسنة 1929 : انعقد مؤتمر ((جنيف)) الديبلوماسي بدعوة من الحكومة السويسرية سنة 1929 وأثمر اتفاقيتين :أ ــ اتفاقية جنيف المتعلقة بتحسين حال الجرحى والمرضى العسكريين في الميدان مؤرخة في 27 تموز 1929 : وتضم 39 مادة وهي صيغة جديدة لاتفاقية سنة 1906 واهتمت بالطيران الصحي والإسعاف وأقرّت استخدام شارتين إلى جانب الصليب الأحمر وهما الهلال الأحمر والأسد والشمس الأحمر .



    ب ــ اتفاقية ((جنيف)) لمعاملة أسرى الحرب سنة 1929 : تناولت الاتفاقية ضمن 37 مادة أهم ما فيها يتصل بحياة الأسير إذ كفلت له التمتع بخدمات الدولة الحامية بواسطة أعوانها المتخصصين وكذلك بخدمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر كما نصت على بعث وكالة أبحاث لجمع ما أُتيح من معلومات عن الأسرى وتبادل الأخبار مع أهلهم وذويهم . لعبت هذه الاتفاقية دوراً كبيراً في معالجة أسرى الحرب العالمية الثانية .



    اتفاقيات ((جنيف)) لعام 1949 : دعت الحكومة السويسرية المجتمع الدولي إلى مؤتمر بمدينة ((جنيف)) سنة 1949 أثر الحرب العالمية الثانية وتمخض المؤتمر عن إبرام أربع اتفاقيات هي المعمول بها حالياً في النزاعات المسلحة وهي تهدف إلى :· مراجعة وتطوير اتفاقيتي ((جنيف)) لسنة 1929 وقانون لاهاي واقرار اتفاقية ثانية لحماية ضحايا الحرب البحرية من غرقى وجرحى ومرضى .



    · توسيع مجالات القانون الإنساني لضحايا النزاعات والفتن الداخلية للدول وذلك لضمان حد أدنى من المعاملة الإنسانية بين أطراف النزاع الداخلي المسلح.


    · حماية المدنيين تحت الاحتلال وزمن الحرب ، فقد تم لأول مرة الاهتمام بالمدنيين تحت الاحتلال مع إن العديد من الدول لم تتمكن من الاتفاق على صيغ شبه نهائية إلا عام 1977 .


    البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات ((جنيف)) (1977) :


    وضع المؤتمر الديبلوماسي المنعقد بـ ((جنيف)) بين 1974 و 1977 بروتوكولين (لحقين) :


    البروتوكول الأول : وموضعه ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وهو متمم للاتفاقيات الأربع لسنة 1949 وتضمن اعتبار حروب التحرير الوطني نزاعاً دولياً مسلحاً ، ووسع البروتوكول مجال الحماية القانونية للوحدات الصحية وأعوان الخدمات الطبية المدنية على غرار الوحدات الصحية العسكرية وأعطى تفاصيل عن وسائل النقل الصحي من سيارات وسفن وزوارق وطائرات . واعترف البروتوكول لمقاتلي حرب الأنصار بصفة المقاتل وصفة أسير الحرب واهتم بالسكان المدنيين وصيانتهم وتجنيبهم تبعات النزاع المسلح أثناء العمليات العسكرية بهدف الحد من الأخطار التي تحدق بهم زمن الحرب . كما نص البروتوكول على بعث جهاز للاضطلاع بمهام التحقيق في حالات الخرق الجسيمة للقانون الدولي الإنساني .


    البروتوكول الثاني لحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية:


    عرف البروتوكول النزاع غير الدولي بأنه نزاع تدور أحداثه على إقليم أحد الأطراف المتعاقدة بين قواته المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعة نظامية مسلحة أخرى ، وأقر مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة حتى لا يكون القانون الإنساني مطيّة للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة . ودعَّم الضمانات الأساسية لغير المقاتلين وتقديم الخدمات اللازمة لمساعدة الأسرى وضمان الحقوق القضائية لهم عند تتبعهم . والى جانب هذه المواثيق الدولية يتعين ذكر بعض المواثيق الدولية التي لها علاقة بقانون ((جنيف)) مثل :


    · إعلان سان بترسبورغ لسنة 1868 المتعلق بحظر استخدام بعض القذائف المتفجرة .


    · إعلان لاهاي لسنة 1899 لحظر الرصاص من نوع ((دم دم)) .


    · بروتوكول ((جنيف)) لسنة 1925 لمنع استخدام الغازات السامة والأسلحة الجرثومية والبكتريولوجية .


    · اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 لمنع استخدام بعض الأسلحة التقليدية .

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي مبادئ القانون الدولي الإنساني

    المحاضرة الثانية
    مبادئ القانون الدولي الإنساني
    يقوم القانون الدولي الإنساني على وجوب احترام العديد من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تم تقنينها بموجب المعاهدات الدولية التي سبق الإشارة إليها ، ومن أبرز هذه المبادئ :

    مبادئ قانون ((لاهاي)) :
    · جاء في إعلان سان بيترسبورغ لسنة 1868 إن ((تقدُّم الحضارة يجب أن يؤدي إلى التخفيف قدر الإمكان من ويلات الحرب )) باعتماد مبدأي الضرورة العسكرية والمعاملة الإنسانية .


    · مبدأ التفرقة بين الأهداف العسكرية : ينص المبدأ إن المدنيين لايمكن أن يكونوا عرضة للهجوم الذي ينبغي أن يقتصر على الأهداف العسكرية أي القوات العسكرية بما في ذلك المقاتلين والمنشآت التي تساهم في تحقيق هدف عسكري وبالتالي لا يمكن مهاجمة الأموال المدنية ، لكن الخسائر العرضية بين المدنيين أو أموالهم لا تعتبر خرقاً لقانون الحرب .


    · حظر بعض أنواع الأسلحة السامة والجرثومية والكيماوية وبعض أنواع المتفجرات والحد من استخدام الأسلحة التقليدية العشوائية بما في ذلك الألغام والأفخاخ والأسلحة الحارقة .


    · حظر اللجوء إلى الغدر أثناء القتال وهو يختلف عن الحيل الحربية المشروعة.


    · احترام سلامة شخص الخصم الذي يلقي السلاح أو لم يعد قادراً على القتال .


    · الاحتلال وضع واقعي لا يعطي المحتل حق السيادة على الأرض المحتلة مهما طال أمده وان كان يعطيه الحق في حفظ الأمن .


    شرط مارتـتر :


    وفقاً لهذا الشرط يظل المذنبون والمقاتلون في الحالات التي لا تنص عليها النصوص المكتوبة تحت حماية المبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام وقد اعتمدت محكمة ((نورمبرغ)) هذا المبدأ عند البت في قضايا كبار مجرمي الحرب العالمية الثانية .


    المبادئ الأساسية لقانون ((جنيف)) :
    · يجب ألا تتنافى مقتضيات الحرب واحترام الذات الإنسانية .· حصانة الذات البشرية : ومقتضاها أن الحرب ليست مبرراً للاعتداء على حياة من لا يشاركون في القتال أو الذين لم يعودوا قادرين على ذلك .


    · منع التعذيب بشتى أنواعه ، ويتعين على الطرف الآخر الذي يحتجز رعايا العدو أن يطلب منهم البيانات المتعلقة بهويتهم فقط ، دون إجبارهم على ذلك .


    · احترام الشخصية القانونية : فضحايا الحرب الأحياء ممن يقعون في قبضة العدو يحتفظون بشخصيتهم القانونية وما يترتب عليها من أعمال قانونية مشروعة.


    · احترام الشرف والحقوق العائلية والمعتقد والتقاليد : وتكتسي الأخبار العائلية أهمية خاصة في القانون الإنساني ، وهناك جهاز خاص في ((جنيف)) هو وكالة الأبحاث تتولى جمع الأخبار ونقلها إلى من له الحق في ذلك .· الملكية الفردية محمية ومضمونة .


    · عدم التمييز ، فالمساعدة والعلاج ومختلف الخدمات والمعاملة بصورة عامة تقدم للجميع دون تمييز إلا ما تفرضه الأوضاع الصحية والسن .


    · توفير الأمان والطمأنينة وحظر الأعمال الانتقامية والعقوبات الجماعية واحتجاز الرهائن ، وإذا ارتكب شخص يحميه القانون الإنساني جريمة ، فانه يعاقب وفقاً للنصوص المعمول بها مع مراعاة الضمانات القضائية على مستوى الإجراءات قبل التحقيق وبعده وعند المحاكمة وبمناسبة تنفيذ الحكم .


    · حظر استغلال المدنيين أو استخدامهم لحماية أهداف العسكرية .· منع النهب والهجوم العشوائي والأعمال الانتقامية .
    · منع أعمال الغش والغدر .

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي نطاق القانون الدولي الإنساني

    نطاق القانون الدولي الإنساني
    سبق أن أشرنا إلى تخلي القانون الدولي عن استعمال لفظ ((الحرب)) واختياره لمصطلح ((النزاع المسلح)) واطلاقه على حالات معينة من استخدام القوة ، والمقصود بنطاق القانون الدولي الإنساني تحديد ما هي الحالات التي تُطبق فيها هذه قواعد هذا القانون .

    والملاحظ هنا إن الاتفاقيات الدولية التي تشكل المصادر الأساسية لهذا القانون تحدد بدقة نطاق انطباقها وحالات النزاع المسلح التي تسري خلالها :


    فبالنسبة لاتفاقيات ((جنيف)) لعام 1949 : تنص هذه الاتفاقيات في مادتها الثانية المشتركة على إنها (( تطبق في حالة الحرب المعلنة أو أي نزاع مسلح آخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة حتى وان لم يعترف أحدها بحالة الحرب )) . وتطبق الاتفاقيات أيضاً (( في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة حتى وان لم يلقى هذا الاحتلال مقاومة مسلحة)) .
    وأما بالنسبة للبروتوكول الأول لعام 1977 : فهو يشير إلى أن النزاعات المسلحة التي يطبق فيها ((تتضمن ... تلك التي تناضل الشعوب بها ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير )) . كما كرسه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية بين الدول طبقاً لميثاق الأمم المتحدة .


    وبذلك فان حروب التحرير ارتقت إلى مستوى النزاعات بين الدول .




    وأما بالنسبة للنزاعات الداخلية فتكتفي المادة 3 المشتركة في جملتها الأولى بذكر النزاع المسلح الذي ليس له طابع دولي ، والدائر في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة وتوجب على كل طرف في النزاع تطبيق أحكامها . وهذه المادة لا تعرف النزاع المسلح غير الدولي بل تنطلق من كونه ظاهرة موضوعية .


    وأما بالنسبة للبروتوكول الثاني لعام 1977 فتطبق مواده في حالات النزاعات المسلحة التي ((تدور على إقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة بين قواته المسلحة وقوات مسلحة أخرى منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى وتمارس تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليمه من السيطرة ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة وتستطيع تنفيذ هذا البروتوكول)) . هذا وقد بلغ عدد الدول الأطراف في الاتفاقيات الأربع 191 دولة بينما صادقت على البروتوكول الأول 161 دولة وعلى البروتوكول الثاني 154 دولة . وأخيراً ينبغي الإشارة إلى وجود حالات لا يشملها القانون الإنساني وهي تشمل بصورة خاصة التوترات والاضطرابات الداخلية الخارجة عن نطاق قانون النزاعات المسلحة ، ذلك أن هذا النوع من أنواع العنف المسلح لا يعتبر ((نزاعاً مسلحاً حسب مقاييس القانون الدولي الإنساني وبالتالي لا يسري هذا البروتوكول على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية مثل الشغب (المظاهرات) وأعمال العنف العرضية وغيرها من الأعمال المماثلة التي لا تعد نزاعات مسلحة)) .

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: محاضرات في القانون الدولي الإنساني

    الأشخاص المحميون بالقانون الدولي الانساني
    وفقاً لموضوع اتفاقيات 1949 حدد القانون الدولي فئات أربع وكفل لها حقوقاً على أطراف النزاع يجب مراعاتها أثناء النزاع المسلح ، وهي :



    • ·الجرحى والمرضى من القوات المسلحة بالميدان .
    • · الغرقى والجرحى والمرضى من القوات المسلحة في البحار .
    • · أسرى الحرب .
    • · المدنيون .



    والفئات الثلاث الأولى تنتمي إلى المقاتلين قبل أن تتوقف عن القتال اضطراراً أو اختياراً ، أما الفئة الرابعة فهي بحكم طبيعتها لا تشارك في القتال أصلاً . وينبغي الإشارة هنا إلى انه وفي سبيل تعزيز دور الأجهزة والهيئات المعنية بضمان احترام وتفعيل مبادئ هذا القانون مُنحت الشارات الدالة على هذه الهيئات حماية خاصة ، حيث تضطلع الهيئات الإنسانية المكونة (( للحركة العالمية للصليب والهلال الأحمر)) بدور كبير في مساعدة ضحايا النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية ، ولا بد من التأكيد على إن اتفاقية ((جنيف)) لعام 1864 كرَّست شارة الصليب الأحمر على رقعة بيضاء ((كعلامة مميزة)) ، ومنذ العام 1876 طلبت تركيا ، المشتبكة آنذاك في حروب القرم ، استخدام شارة ((الهلال الأحمر)) مكان الصليب مراعاة لمشاعر الجنود المسلمين . واحتفظت اتفاقية 1906 بشارة الصليب مضيفة أنها تمثل لوني علم سويسرا معكوسين عرفاناً لدورها وتحفظت تركيا وإيران على استخدام شارة الصليب وقررت الأولى استخدام الهلال والثانية استخدام الأسد والشمس الأحمرين وقبلت الحكومة السويسرية بذلك ثم أبلغت الجمهورية الإسلامية الإيرانية قرارها بالتخلي عن شارة الأسد و الشمس الأحمرين واستعمال الهلال الأحمر . وهكذا أصبح الصليب والهلال الأحمرين الشارتين المعتمدتين عالمياً لحماية ضحايا النزاعات المسلحة حتى يومنا هذا مع إن إسرائيل ووراءها الولايات المتحدة الأمريكية تبذل جهوداً حثيثة لإضافة شارة نجم داود الحمراء شارة ثالثة أو الاستعاضة عن الشارتين المعتمدتين حالياً بشارة جديدة غريبة على التعامل الدولي كحل وسط لكن الأمر مؤجل حالياً .

    استعمال الشارة بهدف الحماية : توفر الشارة حصانة لا غنى عنها للأشخاص والأشياء على حد سواء وهي تخدم أغراضاً إنسانية محضة لا أهدافاً عسكرية لكل من :



    • ·مصالح الصحة التابعة للجيش .
    • ·جمعيات الإغاثة التطوعية .
    • ·المستشفيات المدنية .
    • ·جميع الوحدات الصحية المدنية .

    استعمال الشارة للتعريف زمن السلم : تدل هذه الحالات على القيام بأعمال إغاثة ووجود مراكز معينة .


    استعمال الشارة للتعريف زمن الحرب : يحق للجمعيات الوطنية للهلال والصليب الأحمر استعمال الشارة للتعريف وتكون ذات حجم أصغر مما هو مستعمل للحماية حتى يقع التمييز بين الحالتين ولا توضع على علامات الذراع او فوق المباني .


    استعمال الشارة من طرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر : نظراً لدور هاتين المؤسستين الدوليتين في الحركة عموماً والعمل الإنساني خصوصاً فان لهما الحق في استعمال الشارة في جميع الحالات من الاتفاقية الأولى ويمكن القول إن استعمال الشارة من طرفهما زمن السلم هو التعريف ، وفي زمن الحرب يكون للحماية .


    التعسف في استعمال الشارة : يعتبر تعسفاً في استخدام الشارة أو سوء استعمال لها كل ما هو غير منصوص عليه في الاتفاقيات وتبعاً لذلك يمنع في كل الحالات :



    • ·استخدامها على غير الوجه الوارد في الاتفاقيات من طرف الأشخاص الذين يحق لهم أصلاً استخدامها .
    • ·استخدامها من طرف من ليس له الحق في ذلك .
    • ·استخدام علامة تكون تقليداً لها .


  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي المسؤولية المترتبة عن خرق القانون الدولي الإنساني

    المسؤولية المترتبة عن خرق القانون الدولي الإنساني
    يجب على الدول الالتزام باحترام القانون الإنساني والعمل على احترامه من قبل الأطراف الآخرين وهو التزام عام تضمنته المادة الأولى المشتركة للاتفاقيات الأربع وكذلك المادة الأولى من البروتوكول الأول . ويشمل هذا الالتزام جميع الأطراف المتعاقدة طوال ارتباطها بنصوص القانون الإنساني جميعها ويكون الاحترام ذاتياً . ونصت اتفاقية ((جنيف)) في مادة مشتركة على نشر أحكامها على نطاق واسع في السلم كما في الحرب وعلى كافة الأطراف المساهمة في نشر ثقافة القانون الإنساني في نطاق نشر ثقافة حقوق الإنسان ، وقد تضمنت اتفاقيات ((جنيف)) بعض الآليات الكفيلة بضمان احترام قواعد هذا القانون ومنها :

    نظام الدول الحامية : الدول الحامية عموماً هي تلك التي تتولى رعاية مصالح ما ومصالح رعايا هذه الدولة لدى الدولة الأخرى بموافقة هاتين الدولتين . تقضي الاتفاقيات الأربع بان أحكامها تطبق بمساعدة الدول الحامية المكلفة برعاية مصالح أطراف النزاع وتحت مراقبة الدول الحامية .


    دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر : للجنة دور خاص أثناء القيام بمهام المساعدة والحماية القانونية لأنها على اتصال بالضحايا وبأطراف النزاع ، وعبر مندوبيها تلفت نظر السلطات المختصة إلى أي انتهاك يقع ، وتقوم بالدور الوقائي اللازم حتى لا تتكرر الانتهاكات وبما أن النظامين الأساسيين لها وللحركة العالمية للصليب الأحمر والهلال الأحمر يسمحان لها بتلقي أي شكوى حول انتهاكات ما للقانون الإنساني فانهما تقومان بالمساعي اللازمة لدى السلطات المعنية وهي مساعٍ سرية مبدئياً ، لكن قد تخرج إلى حيز العلن وفق الشروط المحددة.


    التحقيق : نصت الاتفاقيات على إجراء تحقيق بطلب من أحد أطراف النزاع بسبب أي انتهاك . ويقوم بالتحقيق خبراء مختصون ، ويجب إعداد أولئك الأشخاص وقت السلم ، بمساعدة الجمعيات الوطنية ، حتى يكونوا على أهبة لتقديم المشورة للسلطات وإعلامها بجوانب تطبيق قانون النزاعات المسلحة . وإذا تم لدولة ما تكوين مثل أولئك الأشخاص فان عليها إرسال قائمة الأسماء إلى اللجنة الدولية حتى تكون تحت تصرف الأطراف المتعاقدة الأخرى عند الحاجة . ويقوم المستشارون القانونيون لدى القوات المسلحة بتقديم المشورة للقادة العسكريين حسب الدرجة الملاءمة بشأن تطبيق أحكام الاتفاقيات والبروتوكول والتعليم المناسب الذي يُلقن للقوات المسلحة .


    اللجنة الدولية لتقصي الحقائق : حرصاً على تلافي نقائص الوسائل المذكورة في الاتفاقيات الأربع ، خاصة بعد تجارب واقع العلاقات بين أطراف النزاع ، حول المؤتمر الديبلوماسي بعث جهاز تحقيق بموجب نص قانوني . وفي المادة 90 من البروتوكول الأول المتعلقة باللجنة المذكورة تكون مهمة هذه الأخيرة :


    ــ التحقيق في أي عمل يوصف بأنه خرق أو انتهاك جسيم بمقتضى الاتفاقيات والبروتوكول .
    ــ تسهيل العودة إلى الالتزام بأحكام الاتفاقيات والبروتوكول بفضل المساعي الحميدة التي تبذلها لجنة تقصي الحقائق .


    وهذه اللجنة مفتوحة للدول فحسب وليست هيئة قضائية وانما هي جهاز دائم محايد وغير سياسي ، وتتكون من خمسة عشر عضواً على أساس التمثيل الجغرافي العادل وينتخب الأعضاء لمدة خمس سنوات . وبرغم كل هذه الهيئات والأجهزة إلا أن الانتهاكات ظلت مستمرة لقواعد هذا القانون في ظل غياب استمر لفترات طويلة لأي نظام فعال للملاحقة والمحاكمة عن انتهاك قواعده ، ذلك أن القانون الدولي الإنساني عانى لفترة طويلة من نقص شلَّ من فاعليته ، فان هناك انتهاكات جسيمة يعتبرها هذا القانون جرائم حرب دولية من حيث الوصف ويُسأل عنها الدول والأفراد مرتكبوها معاً (بغض النظر عن صفاتهم الوظيفية) ولكن دون وجود مرجع قضائي جزائي يحكم فيها مما يجعلها خاضعة للقضاء الوطني وحده (إذا التزمت الدول باستصدار تشريعات تنشئ مثل هذا القضاء المختص ) أو بلا عقوبة جزائية فعلية البتة ، إلا إذا وقع مرتكبوها في قبضة العدو (وعندئذ يصبح هذا العدو خصماً وحكماً) ، أو في قبضة جهة تسمح قوانينها بمعاقبة مجرمي الحرب هؤلاء بغض النظر عن جنسياتهم وعن كونها طرفاً في النزاع المسلَّح المعني أم لا (مثل بلجيكا قبل تعديل قوانينها مؤخراً) . وهكذا فان عدم وجود محكمة جنائية دولية تتولى محاكمة الأشخاص المتهمين بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني وارتكاب أبشع الجرائم الدولية واكثرها فظاعة وخطورة كان عائقاً حقيقياً يحول دون الالتزام الجدي والفعّال بقواعد هذا القانون . فما فائدة كل نصوص القانون ومبادئه وقواعده إن لم تُعزز بمؤيد جزائي يكفل الاحترام الحقيقي له سواء عن طريق الردع السابق أو القمع اللاحق ؟

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الحماية الإنسانية للأشخاص المدنيين في المنازعات المسلحة

    المحاضرة الثالثة
    الحماية الإنسانية للأشخاص المدنيين في المنازعات المسلحة

    وضع القانون الدولي الإنساني قواعد لحماية الأشخاص أثناء المنازعات المسلحة وتهدف هذه القواعد إلى المحافظة على العنصر البشري على الرغم من العداء بين الطرفين المتنازعين . وذلك أن استخدام القوة ، وان كانت قد تؤدي إلى تدمير الطرف الآخر وقهره . إلا إن استخدامها يجب أن يتحدد في إجبار الطرف الآخر على الاعتراف بحق أو التنازل عنه ، وليس الانتقام والتشفي ، وفي جميع الأحوال يجب ألا يكون هدف استخدام القوة المسلحة إبادة العنصر البشري ،وإلا فأنها تخرج عن الإنسانية وتصبح هدفاً للانتقام والإبادة ، وهو ما يحرمه القانون الدولي الإنساني بصورة مطلقة ويعاقب عليه . وقد وضعت الشريعة الإسلامية احكاماً خاصة لحماية الأشخاص وحرم القانون الدولي الإنساني التعرض للمدنيين ولأصناف معينة من العسكريين لأسباب سياسية . إن تحديد الأشخاص الذين تتوجه إليهم الحماية في المنازعات المسلحة يتطلب التمييز بين الأشخاص المقاتلين الذين يجوز قتالهم وغير المقاتلين الذين لا يجوز قتالهم ، أي التمييز بين المدنيين والعسكريين . وينبغي التمييز بين العسكريين الذين يجوز قتالهم والعسكريين الذين لا يجوز قتالهم لأسباب إنسانية . وبناء على ذلك سوف نتناول في الفرعين الآتيين :

    الفرع الأول ــ الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء الشريعة الإسلامية .

    الفرع الثاني ــ الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء القانون الدولـــــي .

    الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء الشريعة الإسلامية

    لم يعتمد الإسلام الحرب هدفاً لنشر الدين ، بل أن الحرب في الإسلام وسيلة للدفاع عن المسلمين وحماية الإسلام . ولهذا فأن الحرب في الإسلام لا يلجأ اليها إلا عند الضرورة وإذا ما تم اللجوء إلى الحرب فأنها تبقى محكومة بدفع الضرر وقائمة على الإنسانية والفضيلة ، ومحدودة بالقدر اللازم لتحقيق الغاية منها ، دون المغالاة وعدم استخدامها وسيلة للانتقام أو التشفي . وطبقاً لذلك فأن استخدام القوة العسكرية في الشريعة الإسلامية يتحدد بنطاق الهداية دون سواها . وقتل الأعداء غير مقصود . ولو أمكن الهداية إلى تحقيق الهدف بغير القتال المسلح لكان أولى من الجهاد . لأن تحقيق الهدف بغير إراقة الدماء يجنب المسلمين كوارث الحرب ، ويرفع عن الأعداء الحنق والكراهية ، ويمنعهم من التربص للمسلمين والغدر بهم عندما يجدون الفرصة مؤاتية . وطبقاً لمفاهيم الشرع الإسلامي ، فأن الغاية من استخدام القوة المسلحة تقوم على أساس حماية الإسلام ودفع الشر عنه . وهذا ما يجعل المسلم مدافعاً عن عقيدة وليس خصماً خاصاً ضد الطرف الآخر . وقد تبلورت القواعد الإنسانية في الشريعة الإسلامية منذ ظهور الإسلام وظهرت الحاجة إلى وجود جيش نظامي يأخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن الإسلام وحمايته وهو أمر استوجب فرض الدفاع عن السلام وحمايته ، على كل مسلم قادر على حمل السلاح وهذا يعني إن الشريعة الإسلامية استثنت من حمل السلاح كلاً من النساء والعجزة والصبيان والمجانين والضعفاء ، ومن هم تحت حماية المسلمين . وحملت المسؤولية في الدفاع عن الإسلام على من هو قادر على حمل السلاح . إن البحث في القواعد الإنسانية في المنازعات المسلحة التي حددها الإسلام تتطلب تحديد من هم الأشخاص الذين يجوز أن تتوجه الأعمال القتالية ضدهم . والأشخاص الذين لا يجوز قتالهم لأسباب إنسانية ، وان كانوا من الأعداء اساساً عن نطاق القتال المسلح وهو ما تتضمنه المطالب التالية :

    أولاَ ــ الأشخاص الذين يجوز قتالهم .

    ثانياَ ــ بعض الأصناف من المقاتلين الذين لا يجوز قتالهم .

    ثالثاَ ــ المدنيون الذين لا يجوز قتالهم .

    أولاَ / الأشخاص الذين يجوز قتالهم




    نظم العرف القبلي قبل الإسلام قواعد معينة للقتال ووضع شروطاً محددة في كيفية بدأ القتال وأدارته وإنهائه والآثار المترتبة عليه ، فكان القتال المسلح بين القبائل العربية وسيلة من وسائل تسوية المنازعات بينهم . وقد عرف العرب تنظيمات عسكرية معينة تنضوي تحتها أصناف معينة من المقاتلين ، وعرفوا أساليب الحرب . وعندما جاء الإسلام ، فانه وضع قواعد إنسانية في تحديد من هو الذي يحمل السلاح للدفاع عن الدين ، ومن تتوجه ضده الأعمال الحربية . فمنع النساء والعجزة والصبيان والضعفاء والمرضى من المسلمين من حمل السلاح واستثناهم من صفة المقاتلين . أما بالنسبة إلى من يتوجه ضدهم القتال من الأعداء ، فان الإسلام وضع قاعدة في قتال الأعداء ، فليس كل عدو يجوز قتاله ، لأن الإسلام دين الفضيلة والرحمة والأمر بالمعروف ، وان الهدف من القتال مقيد بدفع الشر عن الإسلام والذود عنه ، ولهذا فان من يتوجه ضدهم القتال يمكن أن نحددهم بما يأتي :


    أ ــ المشركون : أوجب الدين الإسلامي قتال المشركين من الأعداء . وقد جاءت العديد من الآيات والأحاديث الشريفة تحث المسلمين على قتال المشركين من الأعداء ، بقوله تعالى (( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )) ، وقوله تعالى (( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )) . وجاء بالحديث الشريف ( أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله ) . إن فتوحات الإسلام للعالم كانت بما فيه من سهولة وبساطة ومبادئ سامية ، وانتشر بقوة ذاتية ، والمسلمون حاربوا غيرهم لا لبث الشريعة الإسلامية بالقسر والقوة ، ولكن ليحققوا أصول الحرية ويوطدوا أركانها ، ولينشروا السلام العام وليقيموا حياة جديدة مؤسسة على الحرية الخالصة في العقائد والأفعال . وان الدعوة للحق والخير ركن أصيل من أركان الإسلام ، والنشاط في سبيل نشر هذه الدعوة بدون شك أمر مطلوب ولا نزاع فيه ، ولم يكن الإسلام متعطشاً للدماء ولم يكن دين سيف . فإذا امتنع المشركون عن قتال المسلمين ، ودخلوا الإسلام ، فأنهم يأمنون من القتال ، وتصان أرواحهم وأموالهم .


    ب ــ أهل الردة : إن حالة قتال أهل الردة تشبه حالة المشركين . لأن أهل الردة دخلوا الإسلام ثم ارتدوا عنه . وبارتدادهم عادوا مشركين ، ومن ثم وجب قتالهم . وقد أضاف فقهاء الشريعة الإسلامية حالة الزنديق إلى حالة المرتد وأوجبوا قتالهم ، والزنديق هو من يتظاهر بالإسلام ويسر الكفر في داخله . غير أن حالة مقاتلة الزنديق ليست أمراً قائماً في جميع الأحوال ، فإذا ما كان الزنديق مراهقاً فلا يجوز قتاله ابتداءً ، بل لابد من نصحه وارشاده واصلاحه . حتى يعي حكم الشرع ويحكم تصرفاته واعماله بموجبه . والارتداد عن الإسلام طوعاً يتحقق سواء ولد المرتد على فطرة الإسلام ثم ارتد عنه ، أو اسلم عن كفر ثم ارتد عن الإسلام . والارتداد عن الإسلام إلى دين آخر كاليهودية والنصرانية ، أو إلى الزندقة والوثنية يجب قتاله ، وقبل قتاله يجب أن يعرض عليه الإسلام فان لم يظهر التوبة ، فيجب قتاله .


    جـ ــ أهل البغي : يقصد بأهل البغي ، المسلمين الذين اعتدوا على غيرهم من المسلمين ولم يقبلوا الصلح ، فيجوز قتالهم حتى يقبلوا الصلح . لقوله تعالى (( وانْ طائِفَتان مِن المؤمنيْن اقْتتلوا فاصلِحوا بينهما ، فانْ بغت احداهُما على الأخْرى فقاتلُوا التي تَبْغي حتى تفيء إلى أمر الله فانْ فاءت فاصلحوا بينَهُما وأقْسِطُوا إن الله يُحب المُقسطين )) . والهدف في قتال أهل البغي هو من أجل الإسلام ودرأ الفتنة بين المسلمين ، فإذا ما نشب قتال بين فئتين من المسلمين فان على المسلمين الآخرين ألا يقفوا موقف المتفرج ليحتدم سفك الدماء بين المقاتلين ، بل على جميع المسلمين الآخرين أن يتدخلوا من أجل فرض الصلح أولاً ، وإذا ما رفض أحد الأطراف الصلح وجب على جميع المسلمين مقاتلة المتعنت حتى يوقف القتال . إن الهدف من مقاتلة أهل البغي ، هو منع القتال بين المسلمين والرجوع إلى حكم الله لتسوية المنازعات بينهم ذلك أن الحرب بين الفئات الإسلامية لا تتفق مع أحكام الإسلام التي تقضي بضرورة وحدة الصف الإسلامي من أجل مواجهة أعداء الدين . وانه يفترض وجود حالة سلام دائم بين المسلمين ، وعندما منع الإسلام القتال بين المسلمين إلا من أجل فرض الصلح بينهم ، فانه شرع قاعدة عملية لصيانة المجتمع الإسلامي من الخصام والتفكك الذي غالباً ما يكون سببه النزوات والاندفاعات فالإسلام يدعو إلى التثبت والاستيقان وعدم العجلة والاندفاع ، وان القتال بين المسلمين هو الاستثناء ومحدد بالغاية التي تفرض السلام .


    د ــ المعتدي : أقر الإسلام الحرب الدفاعية المنظمة لقوله تعالى : ((ٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )) . وقوله تعالى : ((وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً )) . وعلى وفق النظرية الإسلامية يعرَّف العدوان بأنه الاعتداء المباشر أو غير المباشر على غير المحاربين المعتدين أي تجاوز ردع الأطراف المحاربة والمشتركة بشكل فعال في العمليات الحربية إلى غيرهم من الفئات التي لا تشكل خطراً أو تهديداً للدعوة الإسلامية كالنساء والأطفال والشيوخ ، فالقتال جائز للدفاع عن النفس ورد العدوان .


    هـ ــ الظالم : من مبادئ الإسلام مكافحة الظلم والفساد ، وعد الاعتداء على أحد المسلمين بمثابة اعتداء عليهم جميعاً ، لقوله تعالى : ((ُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )) . ولهذا فقد أجاز الشرع الإسلامي قتل من يظلم المسلمين ويعتدي عليهم . فالإسلام أداة عدل يتناقض وأعمال الظلم ، والجهاد يهدف إلى منع الظلم ونصرة المستضعفين . ويشمل الظالم كل من يسلب حقوق الآخرين ولا يحقق العدل بحكم موقعه .


    و ــ قاطع الطريق : عرّف الفقهاء المسلمين جريمة قطع الطريق ، بأنها تلك الجريمة التي تشكل خروجاً على المارة لأخذ المال مجاهرة وبقوة السلاح بصورة تمنع الناس من المرور . ويقطع الطريق سواء كان قاطع الطريق فرداً أو جماعة من المسلمين أو غير المسلمين . وقد أوجب الشرع الإسلامي محاربة هؤلاء لقوله تعالى ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ)) . ويجوز قتال قطّاع الطرق مقبلين ومدبرين وقتل من قتل منهم . ويؤخذون بما استهلكوا من دم ومال في الحرب ، وحبس من أسر منهم فضلاً على ما اجتبوه من خراج وأخذوه من صدقات غصباً ونهباً . والسبب في تشدد الشريعة الإسلامية في معالجة قطاع الطريق ، يعود إلى أن هذه الجريمة تؤدي إلى منع الناس من التنقل كما إنها تخلق الفزع والرعب عندهم ، وتؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار وتعرض حياة الناس واموالهم للخطر . وفي الحالات السابقة التي أجاز فيها الشرع الإسلامي القتال ، فان هذه الإجازة محددة ومقدرة بالمصلحة وبعيدة عن استخدام الوحشية ضد من توجه ضده الأعمال المسلحة . وقد جاء بالحديث الشريف ( أغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا . . . ) . لأن غاية القتال هي ضمانة ألا يفتن المسلمون عن دينهم وألا يصرفوا عنه بالقوة . فلا يجوز ارتكاب الإبادة الجماعية والتدمير والحرق والبطش والاعتقال الجماعي . وإذا ما أقر الشرع الإسلامي الجهاد ، فان ذلك لا يعني أن يكون الجهاد حروباً ناشطة ، وإذا اتخذت هذا الوصف ، فانه يعني أن تكون حرباً إنسانية تبررها ضرورة قطعية بعيدة عن الانتقام والتشفي . ذلك إن الانتقام لا يولد إلا الانتقام ، وان هدف الإسلام غاية إنسانية وهي تطهير النفوس من عوالق الظلم والتخلف . وهذا لا يمكن أن يتحقق ما لم تكون الأعمال محكومة بالإنسانية والترفع والفضيلة .

  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: محاضرات في القانون الدولي الإنساني

    المحاضرة الرابعة


    ثانياَ / بعض الأشخاص من المقاتلين الذين لا يجوز قتالهم لم تجعل الشريعة الإسلامية من الحرب غاية في حد ذاتها ، وقد سبق القول أن الحرب في الإسلام لرد العدوان ودرء الظلم والمفاسد . ولهذا فان الحرب محكومة بالفضيلة وبالقدر الذي يحقق الأهداف المذكورة . ولم يجعل المسلمون الحرب هدفاً لتدمير العدو نهائياً والقضاء عليه ، بل إن الرحمة والشفقة تعلو سيف المسلم وتحكم تصرفاته ويتحدد القتال بالحد الذي تتحقق فيه حالة رد العدوان ودرأ الظلم ودفع المفاسد . ولم يجعل المسلمون كل عدو هدفاً لعملياتهم العسكرية ، بل إن هناك من الأفراد من حرم الإسلام قتالهم وان كانوا من الأعداء ومن هؤلاء الأعداء الذين لا يجوز قتالهم ما يأتي :


    أ ــ الأعداء الذين لم تبلغهم الدعوة للإسلام :


    ميّز الإسلام بين نوعين من الأشخاص : النوع الأول أهل الكتاب . وهؤلاء لا يجوز قتالهم إذا رفضوا الدخول في الإسلام ، إلا انهم فضلوا دفع الجزية مقابل حمايتهم ، فهؤلاء لا يجوز قتالهم وان بلغتهم الدعوة للإسلام . أما النوع الثاني فهم المرتدون وعبدة الأوثان من العرب ، فهؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام ، ولا يعد كل كافر عدواً إلا إذا بلغته الدعوة إلى الإسلام ورفض ذلك ، وطبقاً لذلك لا يجوز قتال من لم تصل إليه الدعوة ، لأنه لا يلزمه الإسلام قبل علمه به ، لقوله تعالى (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)) ، وذا كان الإسلام قد حرم قتل الكفار الذين لم تصل إليهم الدعوة للإسلام ، فانه لا يجوز ضرب مدنهم وتهديد منازلهم والتعرض لأموالهم ، ولا يجوز استخدام حرب المباغتة ضدهم وتدميرهم ، فلا بد من عرض الإسلام عليهم قبل كل شيء ، وذا رفضوا أو بدأوا الحرب ضد المسلمين جاز مقاتلتهم .


    ب ــ الأعداء وراء الدروع البشرية : عرفت الحروب القديمة التترس وراء الدروع البشرية . وقد واجه المسلمون هذه الحالة وهي على نوعين :


    النوع الأول ــ الدروع البشرية من أطفال ونساء الأعداء : الإسلام دين الإنسانية والرأفة والفضيلة ، وهو في الوقت نفسه دين الجهاد في سبيل الله ، ودين القوة والمنعة . وقد عرف أعداء المسلمين هذه الحقيقة منذ بدأ الإسلام فعمد بعضهم إلى وضع دروع بشرية يتترسون خلفها أما للتخلص من قتال المسلمين لهم أو استخدام هذه الدروع لقهر المسلمين والنصر عليهم . وقد ذهب فقهاء الشريعة الإسلامية ، إلى أن الأعداء الذين يتترسون وراء أطفالهم ونسائهم يجوز قتالهم في حالة الالتحام مع الأعداء ، بشرط توقي رمي النساء والأطفال وعدم تعرضهم للخطر . أما إذا تترس الأعداء خلف أطفالهم ونسائهم ولم يكونوا في حالة التحام أو اشتباك ففيه قولان :


    القول الأول ــ أجاز رميهم لأن ترك الأعداء يؤدي إلى تعطيل الجهاد ، ولأن الأعداء حملوا السلاح ضد المسلمين لمحاربتهم .


    القول الثاني ــ لم يجز القول الثاني رميهم . لأن القتال في هذه الحالة محظور على الأطفال والنساء ، وان كان هؤلاء من الأعداء . أما إذا وضع الأطفال والنساء في الحصون و تترس الأعداء بهم ففي هذه الحالة لا يجوز رمي الحصون . وقد روي عن مالك بن أنس ، بأنه أجاز حرق حصون الأعداء في حالة كونها خالية ليس فيها ذراء ولا يوجد فيها غير الرجال . وذهب بعض الفقهاء إلى جواز رمي الحصون وان كان فيها أطفال ونساء ، بسبب كونها حصوناً عسكرية تتربص الفرص للغدر بالمسلمين فقد روي عن الأمام علي كرم الله وجهه ، إن النبي (صلى الله عليه وسلم) نصب المنجنيق على أهل الطائف وان كانت لا تخلوا من النساء والأطفال . ويعلل بعض الفقهاء المسلمين هذه الحالة بأنه ليس المراد بها إباحة قتل الأطفال والنساء بطريق القصد بل أن المراد إذا لم يكون الوصول إلى الآباء إلا بوطئة الذرية ، فأن أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتالهم ، وبذلك فأن جواز رمي هذه الحصون لا يقصد به النساء والأطفال ، بل يقصد منه الأعداء وان تترسوا بأولادهم ونسائهم ، فأن لم تدع الضرورة أو الحاجة فلا يجوز رميهم . وعلى الرغم من الاختلاف في وجهات نظر الفقهاء حول الدروع البشرية المؤلفة من الأطفال والنساء من الأعداء التي يستخدمها الأعداء لمحاربة المسلمين ، فأن الشريعة تحرّم ضرب الأطفال والنساء ، وان أُستخدموا وسيلة من وسائل الحرب في القتال ضد المسلمين . وهذا المبدأ الإنساني الرفيع لم يتوصل إليه القانون الدولي لا من الناحية التطبيقية ولا من الناحية النظرية ، فكثيراً ما ضربت المدن والملاجئ ومدارس الأطفال .


    النوع الثاني ــ الدروع البشرية من المسلمين :


    استخدم أعداء المسلمين دروعاً بشرية مؤلفة من الأطفال والنساء والأسرى من المسلمين في بعض الحروب ، كما استخدموا هذه الدروع للحيلولة دون ضرب الحصون التي يتحصن بها أعداء المسلمين . وقد حرم بعض فقهاء الشريعة الإسلامية ضرب حصون الأعداء أو حرقها أو إغراقها إذا علم أن في هذه الحصون احداً من المسلمين . وقد استند هؤلاء الفقهاء إلى قاعدة مفادها إن التحرز عن قتل مسلم فرض ، وضرب حصون الأعداء وحرقها وإغراقها مباح ، والأخذ بما هو فرض أولى ، واتجه رأي آخر من الفقهاء إلى انه إذا كان في حصن الأعداء نساء وأطفال وأسرى مسلمون ، فأنه يجوز ضرب المواقع العسكرية دون التعرض لمواقع الأطفال والنساء والأسرى ، وإذا التحم المسلمون مع الأعداء في الحصون ، وتترس الأعداء بالمسلمين من الأطفال والنساء والأسرى ، فيقاتل الأعداء دون المسلمين . ويرى آخرون من الفقهاء المسلمين الكف عن مقاتلة الأعداء إلا أن يكونوا في وضع غير متترسين ، فإذا تركوا التترس ففي هذه الحالة يجوز محاربتهم أما إذا وضع الأعداء دروعاً بشرية أمامهم وتترسوا بها وكانت هذه الدروع تتألف من أسرى مسلمين أو أهل الذمة أو من الأشخاص الذين عقدوا الأمان مع المسلمين، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز رميهم في حالة الالتحام ، وعدم رميهم في غير حالة الالتحام . وقد يستخدم الأعداء دروعاً بشرية ليس في القتال البري أو وضعهم رهائن في القلاع والحصون ، بل قد يستخدمون المسلمين دروعاً بشرية أو رهائن في الحرب البحرية ، عندما يضعونهم في مراكب ، فذهب الفقهاء في هذه الحالة إلى عدم رمي مثل هذه المراكب كذلك إذا وضع الأعداء الأسرى من المسلمين مأدركهم جيش المسلمين فلا يجوز رمي المراكب التي فيها الأسرى وان كان فيها الأعداء ، ويتضح من ذلك أن الحرب في الإسلام تحكمها الإنسانية والفضيلة وان الرأفة و الرحمة متأصلة في الإسلام حتى عند مواجهة العدو الظالم ، وان ما قرره الإسلام من قواعد إنسانية لا تتحدد بحدود المسلم ، بل تتجاوز ذلك لتشمل من حمل السلاح ضد المسلمين .

    جـ ــ الجرحى والمرضى من الأعداء :


    الرحمة في الإسلام جماعية وفردية ، وهي رحمة إيجابية على الدوام . فهي تبرز بشكل انساني . وهي فاعلة لأنها تبيح استخدام القوة من أجل أقامة الإخاء والوفاق والعدل وإزالة الشر وقهر الظلم ، وإذا كانت تسوغ القتال وترخص بالحرب لظروف معينة ، فان ذلك محدد بدفع الشر عن المسلمين دون أن يتعدى ذلك ، ولهذا تبقى الإنسانية والرحمة الطوق الذي يحكم القتال ، فلم يكن القتال في الإسلام من أجل الانتقام وإراقة الدماء والغنائم ، وانما لحماية المجتمع الإسلامي . وقد كان الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) إذا أمر قائداً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ، وكان يأمر قادته قائلاً : (أغزوا بسم الله ، قاتلوا من كفر بالله ، أغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ولا تمثلوا وليداً … ) ، وقد حرم الإسلام مقاتلة يابس الشق والمقطوع اليمنى ومقطوعي الأيدي والأرجل والأعمى والضعفاء والزمني والمقعد والمجنون إلا إذا قاتلوا . إن تحريم الإسلام قتل المرضى والجرحى في الحرب ، يقوم على أساس أن الهدف من الحرب هو دفع الشر عن الإسلام ولما كان هؤلاء لا يشكلون خطورة على سير العمليات الحربية ، فقد اقتضى عدم التعرض لهم وان وُجدوا في ساحة العمليات العسكرية .


    د ــ أسرى الحرب : حرّم الإسلام قتل الأسير ، وأوجب معاملته معاملة إنسانية منذ القبض عليه لحين الإفراج عنه .

  9. #9

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: محاضرات في القانون الدولي الإنساني

    ثالثاَ /المدنيون الذين لا يجوز قتالهم


    المدني هو الذي لا يحمل السلاح لمحاربة المسلمين وان كان عدواً لهم . وتذهب النظريات الحديثة في تحديد ساحة العمليات الحربية الىان هذه الساحة تمتد لتشمل المدنيين ايضاً على أساس أن المدنيين يعدون أمتداداً للعسكريين ، وهم الذين يعتمد عليهم في دعم القوات المسلحة وتزويدها بالسلاح والمقاتلين والغذاء . وان ضرب المدنيين يعد أكثر تأثيراً من ضرب القوات المسلحة المقاتلة . وعلى الرغم من أهمية هذه النظريات ونجاحها في تحقيق النصر على الطرف الآخر فان الإسلام تمسك بالقيم الإنسانية وفضّل عدم مقاتلة الأصناف الآتية من المدنيين :


    أولاً ــ الأطفال والنساء والشيوخ :


    إن تعاليم الإسلام تأمر قادة المسلمين ، ألا يقتلوا من لم يبلغ سن القتال ، وقد روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، انه إذا بعث سرية قال (لا تقتلوا وليداً ولا النساء ولا الشيخ الكبير) . وقد رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في إحدى الحروب مع الأعداء امرأة مقتولة ، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان . وروي عنه ايضاً (لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صغيراً ولا امرأة) ، وقوله (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً) وأوصى الخليفة أبو بكر (رضي الله عنه) قائد جيشه المتجه إلى بلاد الشام يزيد بن أبي سفيان الوصايا الآتية : (لا تقتلوا امرأة ، ولا صبياً ولا كبيراً هرماً … ) . ومن هذا يتضح أن الإسلام عبر عن الكيفية الإنسانية التي تُدار فيها العمليات الحربية في ساحة القتال . وميز بين من يجوز قتاله ، ومن لا يجوز قتاله . و أقام هذا النهج الإنساني على مبدأين أساسيين ، الأول الإنسانية التي تعلو سيف المقاتل وتحد منه ، والثاني أن قتل هؤلاء لا يحقق ميزة عسكرية للمسلمين بل انه قد يزيد من حنق الأعداء وكراهيتهم ويبعدهم عن الدخول في الإسلام .


    ثانياً ــ رجال الدين من أهل الكتاب :


    روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه إذا بعث جيشاً لمحاربة الأعداء قال لهم (أخرجوا بسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) وروي عنه (صلى الله عليه وسلم) انه قال (لاتقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) . وطبقاً لذلك فقد أفتى فقهاء الشريعة الإسلامية بتحريم قتل الراهب في صومعته ، ولا أهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس . والسبب في منع قتال رجال الدين من أهل الكتاب يعود إلى أن هؤلاء لا يشكلون خطراً على جيش المسلمين ، وان قتلهم لا يحقق ميزة عسكرية .


    ثالثاً ــ المستأمن والموادع :


    على الرغم من أن المستأمن مقاتل فان الشريعة الإسلامية حرّمت قتله فإذا دخل المستأمن دار الإسلام فلا يجوز محاربته خلال المدة التي سمح له بها . ولا يتعرض لشيء من أمواله . وقد حدد بعض الفقهاء مدة محدودة للمستأمن لا تزيد على سنة واحدة تخوله دخول دار الإسلام والإقامة بها لأغراض التجارة . أما الموادعة ، فهي هدنة مؤقتة لا يجوز فيها القتال مع الأعداء . ويسمى من يتمتع بهذا الحق بالموادع . فقد وادع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أهل مكة عام الحديبية على وقف القتال بينه وبينهم مدة عشرة سنين . وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) في العهود (وفاء لا غدر) . أما إذا نقض الأعداء الموادعين فيجوز قتالهم مباشرة ، ويذهب فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أبعد من ذلك فإذا نشبت الحرب بين الموادعين أنفسهم فلا يجوز للمسلمين شراء شيء من الأموال من الطائفة التي انتصرت وغنمتها لأنهم لم يملكوها لعدم إحرازها بدار الحرب فيكون الشراء غدراً ، بخلاف اقتتالهم فيما بينهم في خارج دار الإسلام ، فانه يحل الشراء لإحرازها في دار الحرب ، كذلك إذا آمن مسلم كافراً أو جماعة أو أهل حصن أو مدينة صح أمانه ، فلا يجوز لاحد قتالهم ، لقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) : (المسلمون تتكافأ دمائهم ويسعى بذمتهم أدناهم) . والسبب في عدم قتال هؤلاء على الرغم من انهم من الأعداء يعود إلى اعتبارين أساسيين :الأول : النزعة الإنسانية التي تتصف بها الشريعة الإسلامية التي تمنع قتال من لا يشكل خطورة على المسلمين .الثاني : العهد الذي منحه الإسلام لهؤلاء الأعداء وهو أمر يدفعهم إلى الاختلاط بالمسلمين للاستفادة من التجارة معهم ، ومنحهم فرصة للإطلاع على الشرع الإسلامي .


    رابعاً ــ العامل أثناء عمله :


    روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال : ( لا تقتلوا ذرية و عسيفاً) والعسيف هو الأجير ، لانه منصرف إلى عمله ولا يحارب المسلمين ، وان قتله لا يشكل ميزة عسكرية .


    خامساً ــ الرسول :


    إذا أرسل الأعداء رسولاً للتفاوض مع المسلمين أو للمرور في أرض المسلمين فلا يجوز قتله وان كان من الأعداء . فعندما جاء رسولان من مسيلمة الكذاب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال لهما الرسول (أتشهد أني رسول الله ، قالا نشهد أن مسيلمة رسول الله) . فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت أعناقكما) فجرت السنة على أن الرُسُل لا تقتل . وطبقاً لذلك جرى العمل لدى المسلمين بعدم قتل الرُسُل ومنحهم الأمان ، لان بالرُسُل تسوى المشاكل ويعرف غرض الأعداء .

  10. #10

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء القانون الدولي

    الفرع الثاني


    الحماية الإنسانية للأشخاص في ضوء القانون الدولي


    حددت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م والبروتوكولان الإضافيان لعام1977م حماية الأشخاص المدنيين وبعض الأصناف من المقاتلين من آثار العمليات الحربية ومنعت التعرض لهم . وبالنظر إلى أن حالة الحرب قد تدفع الأطراف المتحاربة إلى استخدام وسائل قد تؤدي إلى تدمير العسكريين والمدنيين ولهذا فقد تدخل القانون الدولي الإنساني ، ووضع حدود للتمييز بين العسكريين والمدنيين ، ومنح بعض أفراد القوات المسلحة حماية خاصة وحرم استخدام العمليات الحربية ضدهم لأسباب إنسانية ولأن ضربهم لا يحقق ميزة عسكرية يستفيد الطرف الآخر منها . وبناءاً على ذلك فان موضوعات هذا البحث تتوزع على المطالب الآتية :
    • أولاَ ــ التمييز بين العسكريين والمدنيين .
    • ثانياَ ــ العسكريون المتمتعون بالحماية الإنسانية .
    • ثالثاَ ــ العسكريون غير المتمتعين بالحماية الإنسانية .
    • رابعاَ ــ المدنيون المتمتعون بالحماية الإنسانية .
    • خامساَ ــ العسكريون الذين يجوز مقاتلتهم .


 

 
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. حماية الطفل في القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-02-2012, 13:14
  2. العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-02-2012, 21:31
  3. العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-02-2012, 21:27

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •