الاعلام والتنمية السياسية

مقدمة

- تعريف التنمية
- النموذج السائد للتنمية
- الانتقادات الموجهة لتلك النماذج والمقولات
- الاتجاهات الحديثة في دراسات الإعلام والتنمية
- أولا: إثراء ودعم قنوات الاتصال بين الأفراد
- ثانيا: توسيع نطاق المشاركة في المناقشات السياسية
- ثالثا: المساهمة في تشكيل الأذواق وتعميق الإحساس بالنتماء الوطني
- رابعا: التأثير في المواقف الضعيفة وتوجيه المواقف الأقوى توجيها بسيطا
- تصور مقترح لعلاقة الإعلام بالتنمية


مقدمة:
إذا كانت الدول النامية قد تباينت في السبل والوسائل التي سلكتها واستخدمتها لتنمية مجتمعاتها وفقا لما توافر لديها من إمكانات وقدرات متاحة بشرية ومادية، إلا أن القاسم المشترك الأعظم في هذا الإتجاه، هو إحساس هذه الدول بضرورة تطوير مجتمعاتها من الحالة التي هي عليها إلى وضع أفضل وأحسن.وليس ثمة شك في أن ذلك لم يكن ليتم في معزل عن الإحساس بأن الحاجة تدعو إلى وجود مجموعة من الأبنية المترابطة والمتوازنة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ينبغي أن يحكمها تخطيط علمي شامل ومتكامل، لتطوير المستوى الاجتماعي والتعليمي وزيادة نواتج الدخل الوطني، ورفع المستوى الثقافي والصحي والإسكاني والبيئي، وقبل كل هذا وبعده المحافظة على القيم الدينية وتدعيمها من واقع البناء الديني (العقدي) الذي يقوم عليه هذا المجتمع أو ذاك.
ولأن التنمية، على هذا النحو، ضخمة ومتشعبة، فقد غدت الحاجة ماسة إلى وجود وسائل إعلام فاعلة ومؤثرة يصبح لزاما عليها، ومن ثم، أن تمارس تأثيرا على أفكار وآراء ومعلومات وسلوكيات المجتمع، بما يتفق وخطط التنمية، حتى أن ذلك أدى – كما يقول أحد خبراء الإعلام – “إلى بروز الدور التنموي لوسائل الاتصال الجماهيري”.
ولما كانت التنمية تستهدف (الإنسان) في المقام الأول باعتباره المحرك لكل عناصر التنمية فإننا نستطيع أن نلمس دور تلك الوسائل في إعادة صياغة وتشكيل كثير من الأنماط السلوكية لدى مواطني الدول النامية.

إن هذا البحث يتحدث عن العلاقة بين الإعلام من جهة والتنمية من جهة أخرى، إذ يعرّف في البداية مفهوم التنمية، ثم يعرج بعد ذلك إلى تناول نماذجها المنتشرة في الدول النامية ويستعرض الانتقادات الموجهة إليها.

وفي شيء من التوسع نقدم لمحات من الاتجاهات الحديثة في دراسات التنمية والإعلام إلى أن نصل في النهاية إلى وضع تصور مقترح لعلاقة الإعلام بالتنمية.

تعريف التنمية:
من الشائع في العلوم الاجتماعية عدم وجود تعريف شامل جامع مانع لظاهرة ما من الظاهرات الاجتماعية.
وما ينطبق على الظاهرة ينطبق كذلك على المفهومات الاجتماعية.

ونعفي أنفسنا من الخوض في تفاصيل ذلك، إذ غدت معروفة ومعلومة لدى المشتغلين والدارسين للعلوم الاجتماعية.
وهي، على أي حال، ليست قضية من القضايا التي تعوق هذه العلوم أو تحد من انطلاقتها على الصعيدين النظري والعملي، بل على العكس من ذلك، فقد أصبحت هناك تعريفات ومفهومات شكلت ثراء فكريا لهذه العلوم.
ومع أنه يصعب علينا حصر تعريفات التنمية لكثرتها وتنوعها، إلا أن ما ينبغي أن ندركه جيدا أن مفهوم التنمية ارتبط على وجه الخصوص بالدول النامية، وأصبح ينظر إليه على أنه أداة أو وسيلة تستطيع من خلالها تلك الدول التصدي لعوامل التخلف بتبني خصائص أو سمات المجتمعات المتقدمة.

وعلى هذا النحو يمكن القول باختصار: إن التنمية تقصي التخلف وتدني التقدم.
بيد أن ذلك لن يتحقق إلا إذا روعيت اعتبارات كثيرة يدركها علماء التنمية والمتخصصون فيها والمشتغلوم بها.
ولعل من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن المحاولات العديدة التي بذلت قصد تحديد تعريف التنمية تفاوتت فيها الآراء.

إلا أن الحقيقة الأساسية التي يتعين علينا أن نأخذها بعين الاعتبار، سواء قصدنا أن نقيم تصورا عاما لظاهرة التخلف، أو تحديدا دقيقا للتنمية، أن التنمية ليست عملية شهلة، بل هي معقدة وشاملة تحوي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وقبل ذلك وبعده الدينية (العقدية).

ولكي ندلل على ذلك التفاوت في الآراء يرى بعض علماء التنمية“أن التنمية هي عملية تستند إلى الاستغلال الرشيد للموارد بهدف إقامة مجتمع حديث”[1] بينما عرفت الأمم المتحدة التنمية بأنها ” تدعيم المجهودات ذات الأهمية للمجتمع المحلي بالمجهودات الحكومية، وذلك لتحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية والحصارية لهذا المجتمع على أن تكون خطط الإصلاح العامة للدولة”.[2]

ومن واقع التعريف الأول نستطيع أن نستنتج أن المجتمع المتقدم هو الذي يستخدم التقنية الحديثة (التكنولوجيا)، كما يتميز بالتحضر والتعليم والحراك الاجتماعي، وتسانده الاجتماعي يكون واسع النطاق إلى جانب أن تاريخه والمنطقة التس تضمه وكيانه القومي وتراثه الشعبي تكون موحدة.

أما التعريف الثاني، فإننا نرى أنه في الوقت الذي ركز فيه على تحسين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد دعا إلى استنهاض همم أبناء المجتمع لتتصل جهودهم مع جهود الدولة في عملية التحسين أو التطوير أو التحديث التي ينبغي أن تتواءم وتتفق مع ما تخطط له الدولة من تطوير عام في كل جوانب الحياة.
ويطلق علماء الاجتماع عادة على هذا النوع من التنمية “التنمية المقصودة” والمخطط لها من قبل النظام السياسي للدولة، بغية نقل المجتمع من الحالة التي هو عليها إلى حالة أكثر تقدما وتطورا.
ويعد التخلف مشكلة إنسانية عامة كما أن حدته تختلف من مجتمع إلى آخر وتعريفه ومفهومه يختلفان من مجتمع إلى مجتمع.
ولعل أوضح صورة لذلك التخلف عائلتي “إيفي وبوفاني” اللتين تحدث عنهما (ولبور شرام)[3].
النموذج السائد للتنمية:
هناك مداخل ونماذج كثيرة للتنمية:



على الرغم من أنه تلا انقضاء الحرب العالمية الثانية ظهور إسهامات كبيرة من بعض علماء الاجتماع والاقتصاد في قضايا التنمية ومشكلاتها، إلا أن البدايات الأولى تمثلت في ظهور رواد “المدرسة الحديثة” الذين لم يكن اهتمامهم منصبا بشكل رئيس على التنمية طويلة الأجل، بينما أخذ أتباع “مدرسة الركود” ينادون بفكرة “الركود طويل الأجل”.
ومن بين النماذج المنتشرة في الدول النامية نموذج (كيندلبرجر) الذي يرى أن التنمية تتبدى في صورة مؤشرات كمية عديدة مثل: متوسط الدخل الفردي، ونسبة السكان الذين يعملون في الزراعة، ودرجة التعليم، والنسبة المئوية للسكان الحضريين، ومعدل أو نسبة توزيع الصحف، وعدد أجهزة المذياع (الراديو) والسيارات بالنسبة لكل شخص.[4]
و إلى جانب ذلك النموذج ظهر نموذج “الاتجاه التطوري المحدث” ثم نموذج “الاتجاه الانتشاري” وهو الاتجاه الذي يذهب إلى أن عناصر التنمية المادية والثقافية التي تسود في الدول المتقدمة إذا انتقل إلى الدول النامية فإن انتقالها كفيل بتحقيق التنمية.
وثمة نماذج أخرى مثل: “نموذج اتجاه المكانة الدولية”، و”النموذج السيكولوجي” أو “السولكي”، و”نموذج التنمية المزدوجة”.[5]
ومع أننا لا يمكن أن نستبعد أثر وتأثير تلك النماذج، إلا أن النموذج السائد هو نموذج (دانيل ليرنر) الذي ظهر عام 1958 م، والذي يرى فيه “أن الدول المتخلفة يمكن أن تنتقل إلى مصاف الدول المتقدمة إذا استطاعت أن تكتسب خصائص سلوكية وسيكولوجية معينة”.
ومن هنا فإن (ليرنر) نادى بأربع متغيرات أساسية للتنمية هي: التحضر، والتعليم، والمشاركة في وسائل الاتصال، والمشاركة السياسية.
ولكي نميز بين المجتمع الحديث والمجتمع المتخلف فإن (ليرنر) ذهب إلى القول: “إن المجتمع الحديث هو المجتمع الذي يحقق درجة عالية على سلم هذه الخصائص في حين أن المجتمع التقليدي هو الذي لا يحقق سوى درجة ضعيفة على لذك السلم”.[6]
كما يرى (ليرنر) أن تنمية المجتمع تتم من خلال التعاطف مع الآخرين، وحينما يكتسب المجتمع التقليدي هذه الخاصية التي تعينه على التنمية يصبح مجتمعا حديثا
وفي هذا السياق يرى (ليرنر) أن وسائل الإعلام أحاطت – ولا تزال تحيط – الناس بالمعلومات والأفكار والآراء والأحداث والتغيرات، ومن ثم فإن في إمكانها أن تقدم أنماطا من سبل الحياة المعيشية الجديدة فترتقي بمستوى البيئة التقليدية.
[1]- أن ترتبط خطة وسائل الإعلام ارتباطا عضويا بخطة التنمية إذ إن مقومات خطة التنمية هي نفسها مقومات خطة وسائل الإعلام.

[2]- السعي إلى تقسيم خطة وسائل الإعلام في التنمية إلى قسمين الأول نسميه (بنائيا) والآخر نسميه (دفاعيا) ونبادر إلى القول: بأن التسميتين مجازيتان.
فالقسم الأول يتركز على بناء الإنسان والدعوة إلى قيم المجتمع الجديد، والقسم الثاني يتطلب الدفاع ضد هجوم وسائل الإعلام المضادة لإبطال مفعوله وكشفه وفضح أساليبهأمام الناس.
[3]- أن نفهم وسائل الإعلام التي تخدم أهداف تنمية الواقع فهما موضوعيا، والساحة التي تعمل فيها حتى لا تكون غريبة عنه فتفقد إحدى خصائصها المهمة.
[4]- إن رجل الإعلام مطالب بأن يكون متسلحا في رؤيته للأهداف بالنظرة العلمية، فيرى الجزء دائما في إطار الكل ويستوعب قوانين الترابط.
[5]- لما كان لكل وسيلة إعلامية قدرة على الإقناع تقل عن غيرها أو تزيد، فإنه ينبغي اختيار أنسب الوسائل الإعلامية لحث الناس على تقبل عمليات التنمية إذ أن تبادل الرسالة الإعلامية لا يمكن أن يتم إلا في إطار دلالة المرسل ودلالة المستقبل.
[6]- إن علم المرسل بإطار دلالة المتلقين، له ضرورته وأهميته ولذلك ينبغي أن يكون رجل الإعلام قريبا من الناس الذين يخاطبهم ويعايشهم.


hghughl ,hgjkldm hgsdhsdm