تطبيقات مبدا الفصل بين السلطات

المقدمة:
إن سلمنا بان السلطة ظاهرة ملازمة للمجتمعات السياسية فإنها أيضا المعيار الحقيقي المميز للدولة عن غيرها من هذه المجتمعات السياسية كما نعتبر أهم مبدأ يستند إليه وجود الدولة ونظام الحكم فيها.
ولذلك نجد أن النظم الديمقراطية في الدول التي تخضع لبدأ سلطان القانون تجعل من الدستور الضمان القانوني لاقامة النظام السياسي والقانوني فيها، لكون أن الدستور السلطات المختلفة ويحدد اختصاصاتها وطبيعة العلاقة بينها كما ينظم مهامها ويقرر الحقوق والحريات العامة.
وثم كان الفصل بين السلطات عامل محفز لخضوع الدولة للقانون ومن هذا المنطلق تبنى المفكرين والفقهاء مبدأ الفصل بين السلطات بأساليب مختلفة تفاديا للاستبداد والتعسف وليد تجميع السلطات في يد واحدة إلا أن الفقه يكاد أن يجمع على ضرورة اللجوء لاستعمال حق الحل في الأنظمة التي تتبنى التعددية السياسية من اجل تجاوز الأزمات واستمرارية المصالح العامة للدولة

المبحث الأول: نشأة مبدأ الفصل بين السلطات ومضمون أفكاره
فكر الفلاسفة من قديم الزمان في تقسيم وظائف الدولة ومما لاشك فيه أن ككل من أفلاطون وارسطو وجون لوكرسو وأيضا الفقيه الفرنسي مونتسكيو قد كانت لهم مساهمات هامة في هذا المجال.
ولا ريب أن الفضل الأكبر في صياغة مبدأ الفصل بين السلطات يرجع إلى مونتسيكيو .
وإذا كان المبدأ وجد الكثير من المؤيدين فان واجه أيضا الكثير من الانتقادات.( ).

المطلب الأول: أفكار مبدأ الفصل بين السلطات قبل ظهور نظرية مونتيسيكيو.
رغم اقتران المبدأ بمونتيسكيو إلا انه سبقه إلى ذلك الكثير من المفكرين انطلاقا من العهد اليوناني حيث نادى أفلاطون في كتاباته إلى ضرورة توزيع وظائف الدولة على عدة هيئات كما مهد أر سطو في العصور القديمة إلى هذا المبدأ ودعا إلى تقسيم وظائف الدولة وفقا لطبيعتها القانونية كما سبق وان دعا جون لوك إلى مبدأ الفصل بين السلطات.

الفرع الأول أفكار ارسطو لتقسيم وظائف الدولة
كان ارسطو يرى أن للدولة ثلاثة وظائف هي المداولة ويعني بها السلطة التشريعية والأمر ويعني به السلطة التنفيذية والعدالة ويعني بها السلطة القضائية أما السلطة التشريعية فتختص كما يرى ارسطو في إصدار القوانين وتولي أمور الحرب والسلم وعقد المعاهدات والتصديق على أحكام الإعدام وتقرير مصادرة الأموال والإشراف على تحسين سير الأعمال في المداولة.
أما السلطة التنفيذية فتختص كما ذهب ارسطو في تنفيذ القوانين أما السلطة القضائية فتختص في الفصل في الخصومات والجرائم ومن ذلك يتضح أن ارسطو كان ينظر إلى الوظيفة التشريعية نظرة أوسع من النظرة السائدة لها الان فقد خصصها بمهام عديدة يخرج البعض منها عن اختصاصاتها المقرر لها في العصور الحديثة.
وان كانت دعوة ارسطو لم تكن دعوة إلى الفصل بين السلطات بل إلى تقييم وظائفها الدولية وفقا لطبيعتها القانونية.( )
الفرع الثاني أفكار جون لوك في الفصل بين السلطات
دعا جون لوك إلى فكرتي تقسيم وظائف الدولة والفصل بين السلطات وذلك اعتبره العديد من المفكرين انه من رواد مبدأ الفصل بين السلطات بالرغم من العيوب التي اتسمت بها نظريته إلا أنها كانت في جوهرها مستقاة من أسس الفلسفة الديمقراطية الليبرالية.

فقد ذهب إلى أن أي نظام من نظم الحكم لا بد أن نقوم فيه سلطتان أحدهما تصنع القوانين والثانية تتولى تنفيذها مع ضرورة قيام سلطة ثالثة تتولى إدارة الشؤون الخارجية وأمور الحرب والسلم ويبرر لوك وجود السلطتين التشريعية والتنفيذية على أساس نظريته الشهيرة في العقد الاجتماعي كما يرى وجوب الفصل بين هاتين السلطتين على أساس ان تركز السلطتين في يد واحدة أو هيئة واحدة يؤدي إلى الاستبداد والطغيان ولاجتناب ذلك فهو يرى ضرورة توزيع السلطتين على هيئتين مختلفتين مع تحديدي اختصاصيات لكل منهما.
أما الحجة الثانية فتقوم على اعتبارات عملية ذلك أن مهمة السلطة التشريعية تنصب على وضع قوانين عامة ومجردة ومن ثم فانه ليس من الضروري أن تكون في حالة انعقاد دائم ومن ثم تتطلب وجود سلطة أخرى تتولى تنفيذها.
كما يعطي لوك السلطة التشريعية مكانة أسمى من تلك التي يعطيها للسلطة التنفيذية ففي نظره –أي السلطة التشريعية- سلطة عليا مقدسة ويرى انه يجب أن لا تكون لها سلطات أوسع وان تمارس اختصاصات ضمن قيود وضوابط.( )

المطلب الثاني: نظرية مونتيسيكيو
تلقى الفقيه مونتيسيكيو الأفكار السابقة عن مبدأ الفصل بين السلطات ممن سبقوه من فلاسفة ومفكرين أمثال أفلاطون وارسطو ثم صاغها صياغة جديدة حتى ارتبط المبدأ باسمه لكون أفكار الذين سبقوه لم ترقى إلي مستوى النظرية فهو يرى أن الضمانات الأساسية لتحقيق الحرية هي الفصل بين السلطات وتتضمن نظريته مبدأين

الفرع الأول: مبدأ التخصص
لقد نادى بضرورة فصل الوظائف الكبرى للدولة إلى وظيفة تشريعية ووظيفة تنفيذية ووظيفة قضائية تمارس من قبل ثلاثة سلطات متميزة عن بعضها البعض.

الفرع الثاني: مبدأ الاستقلالية
أي فصل الأجهزة حيث كلا من هذه السلطات تكون مستقلة كلية عن الآخرين والأعضاء الذين يؤلفونها لا يعزلون أو يعينون من قبل سلطة أخرى وبتعبير آخر فلمبدأ الفصل بين السلطات بعدان فالأول تنظيمي ويتضمن الجانب الوظيفي والعضوي أما الثاني فهو قانوني ينظم العلاقة بين السلطات.
المبحث الثاني: موقف الفقه من مبدا الفصل بين السلطات
انطلاقا من أن المبدأ آلية تتضمن حركية ملحوظة في دواليب الجهاز السياسي وقاعدة لتنظيم وترتيب السلطات مما جعله بحق أحد معايير
تصنيف الأنظمة السياسية وضمانة أكيدة للشرعية السياسية ولكنه رغم هذا لم يسلم من الانتقاد وتعرض لهجوم شديد كما تحفظ جانب من الفقهاء والسياسيين على بعض مبادئه.( )

على الرغم من أن هذه الانتقادات لا تنفي دوره في إحلال الديمقراطية وضمان حقوق وحريات الأفراد على مر التاريخ ولذلك فانه من الضروري وضع المبدأ في ميزان الفقه والقانون.

المطلب الأول: الفقه الرافض لتطبيقات المبدأ
من أهم الانتقادات التي وجهت إلى المبدأ هي الطابع النظري الصرف للمبدأ واستحالة تطبيقه كما صوره " مونتيسيكيو"

الفرع الأول: الانتقادات التقليدية
أن الانتقاد الأول أورده الأستاذ" ميشال مياي" حيث اعتبر المبدأ أسطورة وان المبدأ فكرة معقدة ونظام خارق يعمل لصالح النبلاء وقال أيضا << أن مونتيسيكيو يدرس الدستور ليصل في النهاية لتأمين هيمنة مصالح الطبقة التي ينتمي إليها كاتب التحليل وهو مونتيسيكيو بالطبع.
غير أن تحليل وتبور<< ميشال مياي>> كان سيكون صحيحا لو وضعت النظرية لظرف وزمن معينين واقتصر تطبيقها على تلك
الفترة .إلا أن الواقع اثبت صحة النظرية لما تتصف به من العمومية والتجريد .
أما الانتقاد الثاني فأورده << دي مالبارغ>> في كتابه النظرية العامة للدولة وهو انتقاد الفقهاء الألمان الذي يتلخص في أن الفصل بين السلطات يستحيل تطبيقه في الواقع وإذا ما طبق فانه يؤدي إلى تفكيك وحدة الدولة لكن الواقع يؤكد أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يكن يوما ليهدد وحدة الدولة بل أن اكثر الدول تماسكا أكثرها تطبيقا لمبدأ نظري يصعب تحقيقه في الواقع وان توزيع المسؤولية هي تفتيت للسلطة وهذا إضعاف شامل لمفاصلها فتشيع المسؤولية بين الهيئات والأفراد ويصبح من السهل التهرب من المسؤولية.
أما "كون درسيه" فقد فند فكرة الفصل بين السلطات حيث قال:<< إن التجارب في جميع الدول أثبتت أنها كالآلة المعقدة إذا ما وزعت السلطة فيها سرعان ما تتحطم من جراء الصراع بينها".

كما نجد العميد " ديجي" يرى أن وحدة الدولة تتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ورغم رجاحة بعض هذه الانتقادات فان بعضها لا تقلل من شأن المبدأ ومضمونه ودوره في ضمان حقوق وحريات الأفراد والقضاء على الاستبداد .

الفرع الثاني: الانتقادات التي وجهها الاتجاه الماركسي للمبدأ.



لقد هاجم الفكر الماركسي مبدأ الفصل بين السلطات إليه العديد من الانتقادات أهمها أولا:
-
لانه مخالف لسيادة الشعب لكونه يعمل على إقامة التوازن بين السلطات وهذا يتنافى مع ما تتطلبه هذه النظرية من ضرورة خضوع جميع السلطات للشعب أو إلى الهيئة التي تمثله احسن تمثيل وهي الهيئة النيابية التي تتولى السلطة التشريعية.
-
لانه مبدأ يقوم على النفاق لانه يكفل في الواقع حرية الطبقة البرجوازية لان السلطة في الدول الرأسمالية إنما تعمل لصالح الطبقات الممتازة.
وفي الواقع أن كل هذه الأوجه من النقد مرجعها إلى نقد الفكر الماركسي للنظام الرأسمالي ولا تنصب مباشرة على مبدأ الفصل بين السلطات والدليل على ذلك أن بعض الدول غير الماركسية مثل سويسرا لم تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات في حين نجد أن الفكر الماركسي للمبدأ مرده إلى الطبيعة الدكتاتورية لمرحلة البروليتاريا بحيث لا ينسجم مع الدكتاتورية إقامة نوع من التوازن بين السلطات.

المطلب الثاني: الفقه المؤيد لتطبيقات المبدأ
وللرد على الانتقادات التي وجهت إلى مبدأ الفصل بين السلطات في المطلب السابق وفروعه نورد آراء المؤيدين للمبدأ.


الفرع الأول: حجج ميشال مياي
أورد الكاتب ميشال مياي بعض مزايا المبدأ فقال << لهذا يجب توزيع السلطة السياسية بين أجهزة مختلفة بحيث لا تحتكر سلطة واحدة مختلف الوظائف وقد ولدت الحرية السياسية من هذه المقولة بالذات. ولهذا وجدت اقتراحاته صدى عظيما في أوساط البرجوازية عام 1788 والتي كانت تسعى للبحث من أجل تجاوز الدولة المطلقة.

الفرع الثاني: حجج الدارسين لنظرية مونتيسيكيو
فهم يرون أن الانتقادات الموجهة للمبدأ لا تنتقد مضمونه وانما تنتقد سوء استعماله فالدارس لنظرية مونتيسيكيو بتمعن يجد مونتيسيكيو نفسه لا يدعو إلى الفصل بين السلطات بل إلى الفصل المرن أي التعاون بينهما ويجيء تطبيق المبدأ عمليا ليؤكد هذه الافتراضات فان أيا من الأنظمة الليبرالية لم يمارس فصلا مطلقا.

الفرع الثالث: النموذج الأمريكي في تأييده للمبدأ
إذا كان المبدأ يتصف بالغموض لانه لم يجب عن طبيعة الفصل اهو الحاسم القاطع أم المرن المتوازن ***معا صوره انه يريد الفصل التام بين السلطات فأقرت بذلك الدساتير الأولى المكتوبة كالدستور الأمريكي عام 1787 فصلا كاملا رغم انه ليس من المؤكد أن القراءة صحيحة ورغم أن التراجع عن صرامة هذا الفصل كانت كبيرة على المستوى التطبيقي في نظام الولايات المتحدة الأمريكية.
-
أن تطور مفهوم الدولة ومفهوم السلطة وطبيعة العلاقة بين السلطات قد صاحبة تطور مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات نفسه فهو صارم كامل مطلق في بداية ظهوره ليتطور إلى المرونة والتوازن.( ).
ولم يتوقف التطور في مفهومه عند هذا الحد بل اخذ صبغة أخرى في الفقه الأمريكي فاصبح يدعى<< تقاسم القوى>> أي تقاسم
أي الكونغرس والسلطة التنفيذية وسيبقى هذا المبدأ خير ضمان لحقوق الأفراد وحرياتهم وهذا ما ينفذ حجج الرافضين للمبد

j'fdrhj lf]h hgtwg fdk hgsg'hj