أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي

لفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي المقــدمـــــة إن الأزمـة التي يعانيها المفكر العربي هي مواجهة الشتات الفكـري و السياسي الذي يعيشـه الـوطن ,لذا كـان فكر النهضـة العربية الإسلامية يحمـل



الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي


النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي

     
    لفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي


    المقــدمـــــة

    إن الأزمـة التي يعانيها المفكر العربي هي مواجهة الشتات الفكـري و السياسي الذي يعيشـه الـوطن ,لذا كـان فكر النهضـة العربية الإسلامية يحمـل دلالـة على ذلك النشـاط الإصلاحي الذي شهده العالم العربي منذ نهاية القرن الثامن عشر , و تمثل في وعي النخبة المثقفة بحالـة التخلف و الانحطاط , وضرورة تعيير الأوضـاع
    و إصـلاح الأحـوال ,وقـد كـان هذا الـوعي يعبر عن التجـاوب مع ظرفيه تاريخية سـاهمت في تـأطيره و بلورته
    وما نريد أن نؤكد عليه هنا , هو هيمنة السياسي عـلى كل مظاهر القول الفلسفي الأخرى في الكتابة العربية , فإذا كان القول الفلسفي يعلن حضوره في مظاهر قولية متعددة , ويعني اهتمامات لا حصر لهـا , فإنه قد برز
    في الفكر العربي و بشكل واضح في مبحث السياسة و الإصلاح السياسي , وتبعا لهذه الرؤية ارتأينا أن نأخذ نمـوذجـا من المفكـرين النهضويين ألا وهو عبد الرحمان الكواكبي للكشف عن المضمون السياسي داخل كتاباته التي بلورتها تجربته الفكرية العميقة و التي تقـدم صـورة لا تختلف عن كثيرا عن واقع المفكر السياسي
    في عـالمنا العربي المعــاصر , و الذي ما إن تـدركـه حـرفـة الثقافــــة , يصفح بواقع سياسي و اقتصادي
    و اجتماعي , هـو في كـل أحوالـه ديكتاتـوري .
    ولست أريد لهـذا البحث أن يكـون سـردا تاريخيـا و لا استعـراضا لآرائـه الدينيـة بقـدر مـا حـاولت أن الـم بـرؤيتـه السياسية التي لا يمـكن فصلهـا عن الاهتمامات النهضوية كونها تشكـل جانبـا من حل المشكـل السياسي ,ومنه فالـدراسة التي سنقــوم بهـا تكمـن في هـذه المسـألـة بالـذات وهـي الفكـر السياسي عند عبد الرحمان الكواكبي من حيث تبيان الحضـور السياسي في الفكر النهضـوي , انطلاقـا من تناول آرائه السياسيـة في أهم كتابين لـه همـا "أم القـرى " و طبائع الاستبداد " محـاولين ربـط آراءه بالظرفيـة الزمنيـة المؤطـرة .من نـاحيـة الواقـع التاريخي وما اتسـم بـه مـن التأخـر و الإنحـطاط ومـا سـاده مـن استبداد , ومن ناحية المثـاقفة التي تمت بين الفكر العربي و الفكر الغربي في وأطروحاته الفلسفية و التنويرية .
    أما بالنسبة للأشكـال الذي حرك مسـار البحث فيمكن تحديده على شكـل تساؤلات
    - ما السيـاق السوسيوتاريخي الذي أطر عقلانية الكواكبي السياسية ؟
    - فيما تمثل الحضور السياسي داخل كتابة الكتابة الكواكبية ؟
    - كيف تبلور مفهوم الاشتراكية , و القوميـة عند الكواكبي ؟
    - هـل أعطى الكواكبي مفهوما متكاملا لقضية الانتماء و الهوية ؟
    - ما حدود و مستويات الكتابة السياسية عند الكواكبي ؟

    لـرصد هذه التساؤلات سلكنـا في هذا المبحث المنهج التحليلي التركيبي قصد الكشف عن الرؤية السياسية للكواكبي وموقفها داخل الفكر العربي مع محاولة إضفاء صبغة فلسفية على الموضوع المتناول .
    وعلى ضوء ذلك قسمنا بحثنا إلى مقدمة وأربع مباحث و خاتمة , ففي المبحث الأول قمنا بتناول إشكاليـة العلاقـة بين الدين و السياسة داخل العقلانية الإصلاحيـة ,أما المبحث الثاني فتناولنا الواقع السياسي الذي أطر العقلانية السياسية لـدى الكواكبي , وفي المبحث الثالث حـاولنـا الكشف عن إشكالية الاستبداد السياسي
    و المفهوم الاشتراكي و المفهوم القومي عنده , لنصــل في المبحث الرابع إلى تقييم الإنتاج السياسي الكواكبي رابطين إيـاه بالـواقع الإسـلامي و العـربي .
    وفي الخاتمـة انتهينـا إلى نتـائج استخلصتاها مـن دراسـتنـا هــاتـــــــه .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ــــــــــ
    ولد الكواكبي بحلب في سـوريا عـام 1848 , والـده ينتسب إلى الإمام غلي ابن ابي طالب هـو احمد بهـائي بن محمد بن مسعود الكواكبي , جاء إلى حلب مهاجرا من بلاد فارس حيث تزوج من سيدة حلبية أنجبت منه نسل السرة الكواكبية ووالـده هـذا تقلـد منـاصب علميـة دينيـة كثيـرة وكـان أحد الرجال البارزين في ولاية حلب .




    جدل الدين والسياسة في العقلانية الإصلاحيــة

    يتصل الدين بالسياسة وينكشف دوره في التغيرات الفكرية و الإيديولوجيـة التي تطرأ على المجتمعات وهذا ما يدعو إلى تأصيل فلسفي للعلاقة بينهما مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدين يعبر عن المطلق في اطلاقيته و السياسة تعبر عن نسبيتها للإرتباطها بواقع متغير .
    وإذا كانت هذه العلاقة ونقصد بذلك علاقة الدين والساسة ,ذات تأسيس قديم مرتبط بلحظة تأسيس الفكـر فإن ذلك لم يغب عن حقل الفكر الإصلاحي الذي أرقته هاته المشكلة من جانبها النظري وجانبها الواقعي .
    فعلى الصعيد النظري ووفق لمعيار إسلامي ,هدف الإنسان عبادة الله ,وهذا ما يقضي تنظيم المؤمنين و الأمـة في إطار حكومة تتبع الشريعة وتلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمي المسلمين صد الخطر الخارجي وتحقق الروحانية في المجتمع (1) وقد تدعمت هذه الآراء انطلاقا من علماء أمثال " الماوردي " (391- 1031 ) وابن تيمية (1263-1328) وعرف الماوردي في كتابه " الأحكام السلطانية " الخلافة بأنها مستمدة من الشرع وقال بالنقل لا بالعقل , وذهب إلى أن القرآن فرض على الناس طاعة أولي الأمر منهم باعتبار الحاكم خليفة النبي صلى الله عليه وسلم يعني بحماية الدين وسياسة الدنيا وتنفيذ الأحكام الشرعية ويتم اعتباره من قبل أهل الحل والعقد أو بعهد من الخليفة السابق " 2
    كما أقر ابن تيمية حق الحاكم أن يفرض الطاعة على رعاياه وواجب الرعايا أن يطيعوا الحاكم حتى ولو كان ظالما بحجة أن ذلك خير من الفتنة وانحلال الأمة (3) .
    لكن على الصعيد الواقعي , يثبت التاريخ الإسلامي أن هناك سلبيات كثيرة أتت من نموذج العلاقة بين الإسلام و الدولة حيث تستغل السلطة مقولة الإسلام دين و دولة لتبرر ممارساتها غير الإنسانية وغير الإسلامية , فهي تكشف عن انفصال وليس اتصال نظرا لتحول نظام الخلافة إلى نظام ملكي مفتت لوحدة الأمة .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ــ
    -1- حركات حليم - المجتمع العربي المعاصر –مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت د ط –ص 241
    -2- البرت حوراني –الفكر العربي في عصر النهضة –ترجمة كريم زعقول –دار النهار للنشر –بيروت د ت ,د ط –ص22
    -3- المرجع نفسه ص 32-33


    وقد استغلت السلطة مقولات العلماء والفقهاء بما
    فيها مقولة طاعة الحاكم طاعة مطلقة على أساس أنها واجب ديني حتى ولو كان الحاكم ظالما وتتصل بهذه المقولة ,مقولة التمسك بالنظام مهما كان تجنبا للفتنة , وقد أحدثت هذه السلوكات هوة ساحقة بين الحاكم و الرعية , حيث جعلت المجتمع الإسلامي يعيش في استلاب , و تناقض بين تطلعات لمستقبل وحدوي قائم على الدين وبين سلطة تحرك تغيرات قبلية .
    في هذا الإطار يظهر أن التأسيس للعلاقة بين الدين و السياسة ,يجب أن يحاط بعقلانية نقدية لا تخرج عن مسألة الاجتهاد الذي يعتمد أدوات تربط بين العقل و الشريعة و الواقع بهدف توحيد الأمة . وتجاوزا لكل الممارسات اللاشرعية للسياسة و التي يخولها لها التعامل الوظيفي للدين و الذي يصبح وفق للمقولة الماركسية أفيون للشعوب لذا كان على عاتق العقلانية الإصلاحية والتي أطرتها من الناحية التاريخية الحداثة الغربية أن تطرح إشكاليات النهضة في سياق سياسي فكان انشغالها حول , كيف نوفق بين ما هو ثابت وما هو متغير؟ ولماذا عندما يحضر الدين تحضر السياسة و يحضر الصداع ؟ كيف نجعل المطلق في خدمة النسبي ؟ وكيف نتجاوز الذهنية المتطرفة " سلطان " التي تحكم باسم الدين ؟
    كل هذه الأسئلة حملها باطن السؤال المحوري الذي حرك الفكر الإصلاحي ألا وهو كيف يمكن طي التأخر وانجاز
    التقـدم ؟
    تؤرخ الحركة الفكرية العربية بالقرن التاسع لعصر النهضة العربية الحديثة . إذ في هذا القرن بدأت في العالم العربي , وبالذات في عصر عليه تفتح على أسباب الحضارة و التعرف على وسائل التقدم , وبدأ الإنسان العربي منذ ذلك التاريخ يدرك مكانه من حركة التقدم الإنساني و بعقد المقارنات بين مكانه ومكانته وبين ما وصل إليه غيره . خصوصا في أوربا و أوربا البحر المتوسط بالذات .
    و في خضم هاته التغيرات نشأت الأجنة الأولى لتيارات العقلانية والتنوير في بدايات تشكل الفكر السياسي الإصلاحي في مشروع النهضة العربية و تبلورت إرهاصاتها الأولى في غمرة لحظة تحول تاريخي وفق فيه العرب على معالم قوة أوربا وصعودها التاريخي. (1)
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ـــــ
    -1-ـحسن حنفي و آخرون – حصيلة العقلانية و التنوير في الفكر العربي المعاصر –مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت-الطبعة الأولى ص 185


    هذا الوعي ارتبط في تشكله بواقع تاريخي اتسم بالتأخير و الاستبداد في ظل دولة سلطانية مستندة لمنظومة مفاهيم " السياسة الشرعية " و المسماة في خطاب فقهاء السياسة بدولة الخلافة و من جهة أخرى بمحاورة مستمرة للفلسفة السياسية الللبيرالية في أطروحاتها الكبرى و مفاهيمها الرئيسية .
    إن مواجهة هذا الوضع الجديد في إطار إيجاد السبيل لإنجاز الإصلاح , وضع الفكر الإصلاحي في بوادره أما ظاهرتين جديدتين تولدتا من مقومات الذات التاريخية التي تعمل على المحافظة على استمراريتها ,وفي نفس الوقت لا ترفض المكاسب الإيجابية للأزمنة الحديثة وهاتين الظاهرتين تبرزان في حركة الإحياء الديني وحركة الانبعاث العربي أو القومي .
    فيما يخص حركة الإحياء الديني ممثلة في جمال الدين الأفغاني ,فإنها دعت إلى ضرورة توحيد كلمة الإسلام وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في شكل دولة إسلامية واحدة تمد الجسور وتبقى غلى الصلة العضوية بين مفهومين العروبة و الإسلام , وتجسد ذلك في شعار " الجامعة الإسلامية " و التي كان يرى من خلالها الأفغاني جمع شتات المسلمين على الاعتقاد الديني أكثر مما يقوم على الولاء للوطنية حيث يرى أن ضعف الدولة العثمانية يرجع إلى تخليها عن مسؤوليتها في البناء الحضاري وعدم جريها مع أحكام الزمن . ومن هنا تظهر وظيفة هذه الدولة الناشئـة التي كان يدعو إليها الأفغاني و المتمثلة في خدمة الإسلام و مجتمعه .
    وخلق مدينة إنسانية تضاهي المدينات السـائدة في عصره . لأن انحطاط الحضارة الإسلامية من وجهة نظره يعود إلى إهمال ما كان سبب في النهوض و المجد وعرة الملك , و هو ترك حكمة الدين و العمل بها وهي التي جمعت الأهواء المختلفة و الكلمة المتفرقة وكان للملك أقوى من عصبية الجنس و قـوته " (1)
    فقيام الدولة عندئذ, لا يتحقق إلا بعنصري العصبية و الدين, ويبدوا أن الأفغاني يعطي أهمية لقوة الدين الذي قامت على أساسه ويتوحد العرب في قوة العصبية.
    وهنا تطرح قضية الدين في بناء الأمة أو الدولة. أو لنقل العلاقة بين الدين و الدولة و التي يتخذ جمال الدين الأفغاني موقفا منها , فهو يرفض كل الطرح من شأنه يجعل الدولة الإسلامية الحديثة رهن النظرة الغربية التي تفصله عن الدولة كشرط لوجود التمدن . فهو يرفض بصراحة الإطار المرجعي ل" المتمدن الأوربي "
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ــــــــــــ
    - 1- الأفغاني جمال الدين – الأعمال الكاملة لحمال الدين الأفغاني –تحقيق وتقديم محمد عمارة – المؤسسة العربية للدراسات و النشر, ص128 .


    ولنقل النموذج الأوربي ليطرح بدله (التمدن الإسلامي ) بل النموذج العربي الإسلامي ليس فقط كمشروع يدعوا إلى الأخذ به . بل أيضا كتجربة يستخلص الدرس منها ,(.....) لأن ما بلغه المسلمون من عظمة و مجد إنما يرجع إلى قيام دولتهم على أساس الدين وأن ما طرأ عليهم من الانحلال و الضعف إنما يرجع إلى انفصال الرتبة العلمية ( الدينية ) من رتبة الخلافة وفيما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يجوزوا شرف العلم والتفقه في الدين و الاجتهاد في أصوله وفرعه كما كان الراشدون رضي الله عنهم "(1)
    إن الالتزام بالعملية التاريخية يفرض الحديث عن التحول الذي حصل داخل التيار الإصلاحي الذي بدأ راغبا في أصلاح الدولة العثمانية وناضل من أجل الحريات الديمقراطية و الحكم الدستوري مع البقاء تحت سيطرة الخلافة إياها ,إلا أن تسلم الطورانية المتعصبة الحكم أحدث انقساما سياسيا بين متمسك بالعثمنة بالرغم من نضاله الجديد ضد الطورانية , و بين كافر بها وداع الى استقلالية تامة باسم العنصر العربي , وهنا انتقل السؤال السياسي عمن يحكم ليطبق دستور الإسلام ويقيم حدود الشرع إلى سؤال كيف نحكم و عن أنظمة الحكم الأصح؟ .
    في هذا الصدد يصبح استحضار عبد الرحمان الكواكبي (2) لرؤية قومية ظاهرة ثانية اتسم بها الفكر الإصلاحي حيث تبلورت نظرته إلى اتجاه يؤكد القومية ويطالب بالاستقلال السياسي , وذلك لما شاهدته في تلك الفترة العلاقات العربية التركية من الحكم الاستبدادي للسلطان عبد الحميد الثاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر
    لقد تجسدت الدعوة إلى أهمية العنصر العربي و أهميته بالسلطة المستقلة عن الحكومة العثمانية مع كتابات الكواكبي في بادئ الأمر , وهذا التوجه نحو بناء فكرة قومية عربية كان بفعل واقع موضوعي خاص سياسيا واجتماعيا فرضته سياسة التتريك , ألا أن هذا التحديد لا ينفي الأثر التنويري على الفكر العربي نتيجة المثاقفة التي حدثت بين الفكر العربي و الفكر التنويري , فكان أول حصيلتهما هو السؤال عن الهوية و الانتماء , وهو سؤال حركه الشعور بخطر القوى الخارجية التي تتآمر لاغتيال هويتنا الثقافية و الحضارية من جهة ومن جهة أخرى انحراف السلطة العثمانية عن الإيديولوجية الإسلامية بالمفهوم الأصيل لهذه الإيديولوجية , لذلك تعد قضية الهوية و الانتماء من أهم القضايا التي يواجهها الفكر السياسي العربي .
    إن هاتين الظاهرتين في شكليهما الإحيائي الديني و الإحيائي العربي تضع الفكر السياسي العربي أمام خياران احدهما ديني و آخر قـومي.
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ـ
    -1- الجابري ,محمد عابد , الخطاب العربي المعاصر مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت , ط4 , سنة 1992, ص 28/29


    وطرح القضية بهذه الصورة يفترض مسبقا أن موضوع الخيارين واحد , كما يفترض أن بينهما تناقض لا يسمح بتواجدهما معا , خاصة و أن الواقع السياسي و الاجتماعي المطلق منه قد اتسم بكل أوصاف التأخر و الانحطاط بسبب الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم المتمثل في السلطان الذي تقويه المقولات الفقهية التي مثلت غطاء الممارسة كل أشكال الاستبداد و الفصل العنصري .
    بينما يبدو هذا المخطط واضح أمام أعيننا و نجد أن إعطاء بديل سياسي لما هو ديني كان لابد منه محاولة لتوطين وتأصيل الممارسة السياسية الحديثة وفقا لما تقتضيـه الهوية العربية تجاوزا للنظام القائم, وهذا ما دعا إليه عيد الرحمان الكواكبي في رؤيته السياسية القائمة على قواعد الحرية السياسية , فبدلا من هذا النظام العثماني المستبـد بتصور الكواكبي نظاما ديمقراطيا يصنعه الناس بإدخال الأساليب الحديثة على حياتهم ونشر الثقافة وتوسيع مجال الحريات السياسية و الاجتماعية و الفكرية و إصلاح النظام الإداري , ويرجع الكواكبي الخلافة إلى العرب الذين يعتبرهم أمة واحدة بحكم الوطن واللغة و الدين" وهو يرى في اللغة العربية الرابطة الأولى بين العرب و بذلك يعيد المفهوم التراثي للأمة العربية ولكن تأثيره بالمفاهيم الحديثة للوطنيـة و الجنسية جعله يرى أن الأمة تربطها روابط الجنس و الوطن وحقوق مشتركة" . (1)
    إن نظرة متفحصة للواقع العربي تظهر بوضوح اختلاف الرؤى داخل الحقل الإصلاحي بالرغم من تبلورها من خلال مقولات الأحتهاد , وهذا ما سمح في الوطن العربي بقيـام جدل حـول أوجـه العلاقـة بيـن الـدين
    و القوميـة , مـن حيـث الاتفاق او التباعد, وكـان الـسؤال المحـوري أيهـا اسبـق مـن النـاحية التـاريخية ؟ وأيهما ينـاط به عبء النهضـة و الثـورة و الخلاص مـن ريقـة التخلـف و مـن الـواقع السياسي المستبـد ؟
    لقـد احدث ذلك خلل في فهـم العـلاقة بين العـروبة كـأساس للقوميـة و بين الإسلام كرابطـة عقائديــة وقـد تمثل الخـلل تحـديدا في أن هنـاك من حملـة الفكـرة القــوميـة يعتبـر السلطـة الدينيــة نقيـض للدولة القـوميـة , كمـا أن هنـاك بالمقـابل من حملـة الفكـرة الإسلامية ينظـرون للـدولة القوميـة نقيـض للـدولة الإسلامية .
    إن هـذا يعطـي مفهـوما جـزئيـا لقضيـة الانتماء والهويــة , في حين كـان يستلزم تقـديم مفهـوم متكامـل لهـا . وهـذا مـا يحمـل عـلى عـاتق الفكـر العربي بجميـع تيـاراتـه
    .ــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــ
    ـ 1- الدوري –عبد العزيز –التكوين التاريخي للأمة العربية – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ط 1 سنة 1984 –ص 173


    وفي إطار المـواجهـة الفكـريـة وتجـاوزا للعقلانية الإصلاحيـة الإسلامية , ظهر تيار فكـري سيـاسي نقـدي مضـاد مثلـه جيـل من المفكـرين تشبعـوا بـأطروحات الثـورة الفرنسيـة وأخـذوا بقسـط وافـر مـن انجـازات المـدينـة الأوربيـة و مـن أعـلام هـدا التيار" شيلـي شميـل " و"فـرح أنطوان " و" سلامـة مـوسى " وغيرهم ووجد هـؤلاء في النموذج الغربي إجابات عن تساؤلات الواقع العربي فدعوا إلى الأحد بعقلانية الفكر التنويري في شتى المجالات السياسية و الاجتماعية والثقافية ,هذا ما جعل أطروحات هذا التيار في صدام مستمر مع المؤسسة الدينية التقليدية ممثلة في الأزهـر وقد بـدأ هذا التيار بكتاب " علي عبد الرزاق " (1887-1946)"" الـذائع الصيـت الإسلام و أصول الحكم "والـذي أقـر فيه أن الإسلام دين دنيا لكنـه ليـس دينـا ودولــة ودعـا إلى هـدم نظـام الخـلافة الذي كـان قـد انتهى سياسيا بالفعل سنـة 1922 م ولكنـه ظـل عـالقا بخيال الدعـاة الإسلاميين (1),لقـد طـرح عبد الرزاق مبدأ الفصل بين الدين والدولة أساس لكـل تحديث سيـاسي وذلك استنادا إلى بحث في أصول الإسلام الكبرى وتتبـع للممارسة الإسلامية في التاريـخ الإسلامي أفضـى بـه ذلك إلى أن سلطـة النبي عليه الصلاة والسلام كانت سلطـة دينية وليست سلطـة سياسيـة وان الخـلافة بعده هي ممارسة لا علاقـة لها بالنيوقراطيـة .
    وصفـوة القـول ممـا تقـدم حول الجـدل الدائـر بين السياسـة و الدين في عقـلانية الفكـر النهضـوي هـو أن الأزمـة التي عاشها الفكر النهضـوي تتـركـز كليا على الدولـة حسـب تصـورهـا السـائـد لمفهـوم السياسة , بالرغم من محاولـة تـوطيـن الـدولـة الـوطنية كمـا هي في العقـلانيـة الحـديثـة إلا أن البحـث عـن الذات شكـل عـائقـا ابستملوجيا أمام جهـودهـم في تقـديم الحلـول والتي كـانت في غـالبهـا حلـول مبنيـة على التقليـد وليس على التـأصيـل ممـا أعطـاها طـابعـا مثـاليـا يبتعـد عـن المجتمع العـربي الإسلامـي .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
    -1- علي عبد الرزاق –الإسلام وأصول الحكم – القاهرة . مطبعة مصر سنة 1925



    السياسة ماقبل الكواكبي " الاستبداد العثمـاني "

    إذا أردنـا العودة إلى مرحلة الجذور لوجدنا أن السياق السيوتاريخي الذي عايشه الكواكبي قد اطر عقلانيته إلى حد بعيد , خاصة و أن هذا السياق كان مرتبطا بالتاريخ السياسي العام للدولة العثمانية بما حملته من مظاهر الظلم و الفساد في ظل استبداد سلطانها عبد الحميد الثاني الذي تمسك بمركزية الإدارة وحول الجيش من وظيفة الدفاع عن السلطنة إلى الدفاع عن أمنه الشخصي.
    وفي هذا الإطـار تبلور سؤالا ابستملوجيا عاما في التاريخ السياسي للدولة العثمانية هـو هل الممارسة السياسية في صورتها الاستبدادية لها ما يبررها من مشروعية أم أنها مطلقـة ؟
    إن محاولة تفسير ذلك يجيل إلى استقراء فترة العلاقات العربية التركية وما شهدته من الحكم الاستبدادي للسلطان عبد الحميد الثاني " لقد كانت العلاقات بين العرب و الأتراك تحت الحكم العثماني تقوم على عزلة من جانب العنصر العثماني عن العنصر العربي و اهتم العثمانيون بجلب الثروات دون اندماج فعلي في المجتمعات العربية , ورغم أن الحكم العثماني كان قد سمح لبعض العرب بالاشتراك في مؤسسات كالجيش
    و القضاء و الإفتاء و الديوان , إلا أن عوامل الوهن التي انتابت السلطة في أواخر القرن التاسع عشر و التي كان للدول العربية دورا كبيرا فيها جعل حكامها المستبدين يزدادون استبدادية رغبة في تقوية الإمبراطورية و إعادة جمع شتات ولاياتهـا " (1)
    ونتيجة لهذا الوضع بدأ العرب يتذمرون من السياسة العثمانية خاصة مع وضوح رؤيـة السلطان عبد الحميد الثاني في تطبيق سياسة مركزية الحكم , و تشديد قبضته على جميع المستويات في المجتمعات العربية , لكن سرعان ما عرفت هذه المجتمعات العربية ( لبنان – سوريا ) ضعف في قبضة السيطرة العثمانية عليها حتى أخذ أعيان العرب في تقوية مراكزهم و أقاموا علاقات قوية مع القوى الشابة في تركيـا المضادة للحكـم الاستبدادي.
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
    ــ 1- ياسين السيد – تحليل مضمون الفكر القومي –مركز الدراسات الوحدة العربية –بيروت –ط 3 –سنة 1985ض 36

    hgt;v sdhsd uk] uf] hgvplhk hg;,h;fd


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي

    "و لـم يكـن الأعيـان المسلمـون فقط الـذين ضـاقوا بالتمييز التركي, وإنما أيضـا المسيحيـون خاصة في جبـل لبنـان. وتعـد الحرب الأهلية اللبنانية عام 1860 من المؤشرات القومية التي تكشف رد الفعل العنيف من المسيحيين اللبنانيين اتجاه أعمال التعسف العثمانية التي وقعت عليهم. وكثير من الكتابات يـؤرخ بها بداية ارتبـاط المسيحيين العرب بموضـوع القوميـة , ورغـم أن أحـداث 1860 كانت تعبر عن مطـالب مسيحية محضـة . أي تحقق مطـالب الموازنـة في تحـرير لبنان من الحكـم التـركي. إلا أن تنسيـق المسيحيين منذ ذلك الوقت مع المسلمين كـان مؤشـرا قويـا على تبيين شعار ( العروبة ) بين المسلمين العرب و المسيحيين العرب .
    و على اقتناع المسيحيين العرب بان السبيل الوحيد للتحرر من الحكم التركي يتم بتأليف جبهة عربية موحدة تقوم على فكرة العروبة وتستطيع أن تقف في وجه الأتراك "(1)
    إن الوضع الداخلي للدولة العثمانية أثناء حكم عبد الحميد الثاني في وطـأته الاستبدادية كان حرجـا للغاية , فمع بداية القرن التاسع عشر ميلادي اشتد الركود الاقتصادي و التخلف الفكري و الفساد اجتماعي وأدى ذلك إلى قيام بعض الحركات المناوئة للسلطة المركزية في حين تفاقمت الأطماع الأوروبية التي خططت إلى اقتسام الرجل المريض , ومع التدخل الأوروبي تساعد احتكاك العرب بأفكـار التنوير الأوروبية , وبدؤوا يعقدون المقارنات بين السياستين العثمانية و الأوروبية . فالحكم العثماني الذي جثم على صدر الأمة أربعة قرون طـوال. لم يكـن حكما غربيا فحسب , ولكنه كـان أيضا يستغل الواجهـة الإسلامية التي يتسر بها ليقيم بدعوى الإسلام نظاما اقتصادي و اجتماعيا و سياسيا, هو في أفضل الأحوال نظام إقطاعي في واقعه الاقتصادي طبقي في واقعه الاجتماعي , استبدادي في واقعه السياسي . وهو في كل الأوجـه يتنكـر للإيديولوجيـة الإسـلاميـة التي رفعت عـاليـا شعـار الحريـة و العـدالـة و المسـاواة و الشـورى وسـواها من مبـادئ فـاضلـة.
    و في هـذا الجـو السياسي نمت الحركـات و الجمعيـات و التنظيمـات العربيـة التي رفعت حقـوق العرب
    و عبـرت عـن البـوادر الأولى للقوميـة العربيـة و نشـرت أفكـار العروبـة. وعلى الرغـم مـن أن بعضهـا اتخـذ شكـل الأعمـال الأدبية و الثقافيـة إلا أن بعضهـا الآخـر كـان سيـاسيا محضـا سـريا و علنيا .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
    -1- السيد ياسين -تحليل مضمون الفكر القومـي – ص 36


    وكانت بيروت مسرح أول الجمعيات السياسية التي ظهرت في أواخـر القرن التاسع وهي الجمعية العلمية السوريـة , لحقتها جمعيات أخرى في بيروت أيضا ودمشق مثل جمعية بيروت السرية 1875.
    إذن إذا كان الواقع الموضوعـي في تشابـك منـاصرة السياسية و الثقافيـة و الفكـرية حمل فـوضى داخـل البلاد السياسي العثماني ودخلت الدولة العثمانية حالة الاحتضار فإنه من جهـة أخـرى أخذت ميلاد للـوعي داخل العقـل الإسلامي الحديث , إذ بـات الحكم العثماني غير قـادر على مواجهة التطورات الفكرية التي لازمت انتشار الصحافة وتشكيل الجمعيات .
    وهنـا كانت ضرورة ملحـة من طرف زعمـاء الإصلاح في العالـم الإسـلامي , التعامـل مع الأزمـات التي أفـرزها نظـام الحكـم العثماني و بالأحـرى مع الأزمـة السياسية التي كانت سببا قويـا في تردي جميع الميادين , وهنـا قـد يصـح أن نتحدث عن عقلانيات لا عن عقلانية واحدة , لكـن ما يسمح به الموضوع هو استحضار العقلانية الإصلاحية الإسلاميـة ممثلـة في جمـال الدين الأقغاني الذي رافقت فكرته الإصلاحية وعـي سياسي من منطلـق الحكـم النموذج الذي عـايشه . فنادي من نـاحية باقتباس أفكـار ومـؤسسات ليبيرالية شملت العلوم الأوروبية الحديثة و الحكم الدستوري وإقامة دولة على أساس العقل , لكنه ظـل من ناحية أخرى يعتبر الوحـدة الحقيقية تقوم على الاعتقاد الديني المشترك . وبهذا جـاءت فكـرة الجامعة الإسلاميـة مشحـونة بحمولات من الوعي السياسي و الديني , تنادي بإصلاح الأوضاع الداخلية للعالم الإسلامي من سـوء الاستبداد واستبداله بالشورى الديمقراطية وفي الجهة الأخرى التصدي و التعرض للغزو الاستعماري الأوروبي , ولقد حملت دعوته الإصلاحية في كناياها دعـوة ثائـرة , حيث استيقظت " أنا" محمد عبده الإسلاميـة وهو يرى إلى عقيدة جامدة منفصلة عن الحياة ,والى " متأسلمين " يحللون ويحرمون ولا يدركـون معنى " الجوهر الإسلامي " وهو ما فعلـه في كتابه الصغير " الإسلام بين العلم و المدينة " (1)
    والى جانب المشروع النهضوي ظهـر الكواكبي ليدفع قدما مشاريع من سبقه في محاولة التأثير في السلطات السياسية وتطوير المجتمع ثقافيا , و اخذ" الوعي الهوباني " في سياق قوامه التهديد ورد الفعل شكلا واضحا عنده , حيث الأناة العربية احتجت على " عمومية إسلامية " لا تساوي بين المسلمين رافضة لإسلام سلطوي يزهـق العقل و يختصر الأمـة إلى إرادة مستبدة .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ـــــــ
    1 -حسن حنفي و آخرون –حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر –مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت –ط1
    سنـة 2005 ص


    - إن الجدير بالملاحظة هو أن التاريخ احديث احتفظ بالصورة الاستبدادية التي طبعت سياسة الحكم التي مارستها الدولة العثمانية وهي سياسة في ظاهرها شورية وفي باطنها استبدادية أي ما يعرف في اللغة السياسية المعاصرة بمفهوم الحضانة السياسية وهنا يظهـر التلاعب بالسلطة . أو كما يقول الكواكبي " الترك لا يقصدون بالاستبداد للدين غير التلاعب السياسي وقيادة الناس إلى سياستهم بسهولة " (1)
    من هذا المنطلـق سيتمخض الفكر السياسي عنـد عبد الرحمان الكواكبي , في كتابين هامين لـه همـا :

    -طبائع الاستبداد بعنوانه الكامل طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد محررهـا هـو الرحـالة (كـاف)
    -أم القرى : عنوانه الكامل أم القرى وهو ضبط مفاوضات و مقررات مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكـة المكرمـة سنـة 1312هـ محررهـا هـو السيـد الفراتي .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــ
    - 1- الكواكبي عبد الرحمان – الأعمال الكاملة للكواكبي –تج محمد جمال طقان – مركز دراسات الوحدة العربية –ط1 سنة 1995
    ص 401


    الكواكبي ونـظرية الاستبداد :

    إن نظرية الاستبداد كما صيغت لدى مفكري القرن الثامن عشر هو الحديث عن النقد كسمة لعنصر الأنوار و المقصود بذلك نقد الاستبداد لموضوع لهذه النظرية ويعد " مونتسكيو" من أهم منظري الاستبداد في القرن الثامن عشر وقد ميز من خلال ذلك بين الاستبداد وبين الملكية المطلقـة , فالملكية المطلقة غربية و الاستبداد شـرقي .
    والشرق في كتابات الرحالة والمبشـرين الأوروبيين هيـأة مادة اشتغل عليها مفكرو الأنوار لصياغة تنظيرهم عن الاستبداد و الاستبداد الشرقي وهذا يستوقفنا عند سؤال ماهيـة الاستبداد الشـرقي ؟ و الفرق بينه وبين الملكيـة المطلقـة ؟
    ينظـر مويشكيو للاستبداد الشرقي انطلاقا من المماليك الشرقية , فتكونت نظريـة مـؤداهـا أن البلاد الآسيـوية هي بـلاد البسـائط الشـائعـة التي تعتمـد الزراعـة فيهـا كثيـرا على الـري الاصطناعي , ممـا استلـزم قيـام سلطـة مـركـزيـة بيـروقـراطيـة قـويـة لتنظيـم صرف الميـاه في تـوزيعهـا على مساحات ممتـدة من الأراضي والتي هـي ملكية الـدولـة (1)
    وعليه يصبـح الاستبداد الشرقي نظـاما حتميا يرتكـز على الجغـرافيـا ونمط الإنتـاج الـزراعي مما يتطلب دولـة مركزيـة تنجز الأشغـال الكبـرى , ويرافق ذلك انعدام الملكية العقاريـة الخـاصة وهذا مـا يجعـل أصحـاب النظريـة يفسـرون ركـود الإنتاج وهيمنـة الاستبداد وفق هذا النظـام الذي يـراه مونيكير نظـام آسيـوي صـرف يسهـل فيه قيـام الإمبراطوريـات الكبـرى التي ميـزهـا الاستبداد بخـلاف أوربـا ذات التقسيم الطبيعي للبلـدان .
    إن دراسة مونسكيو عـن الشـرق تصل أساسا إلى مثـال الإمبراطورية العثمانية أكبـر قـوة إسلامية معـاصـرة لـه (2) ولعل سبب هـذا الحكـم يحيل إلى تفسيـر آخـر هـو وجـود دولـة عثمانيـة كقـوة منافسـة للقـوة الأوروبية آنذاك , والتي رآها نمـوذج للنظـام الاستبدادي وهو ما سيـردده الإصلاحيـون في العصـر الحديث .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
    -1- حسن حنفي وأخرون – حصيلة العقلانية و التنوير –مرجع سابقص146
    -2- نفس المـرجع ص147


    فكيف صيغت هذه النظـرية داخل العقلانية الإصلاحيـة ممثلـة في عبد الرحمان الكواكبي ؟
    لقد وجدت نظرية الاستبداد التي صـاغـها كتـاب أوروبيون في القرن الثامن عشر صـداهـا لدى مفكـري الإصلاح العرب و المسلمين في إطار التفكيـر داخل ثنـائيـة التقدم والتأخر أو التمـدن ,الانحطاط بحسب اصطـلاحهـم , وهذا مـا جعلهـم يفسـرون تأخـر العـالم الإسلامـي إلى الطبيعـة الاستبدادية لنظـام الحكـم , فنقـدوه في كتاباتهم ودعـوا إلى تقييد الحكم بالدستـور مستوحين فكـرة الحكـم الديمقـراطي من أوربا وليـس من تـراثهـم .

    إن مشكلـة الحكم شكلت في صميمها سؤالا محوريا في الكتابة السياسـة النهضويـة حرك قريحة عبد الرحمان الكواكبي في إطار عـام هـو " ما هو داء الشرق وما دواؤه " ورأى الإجابـة عن هـذا السؤال تشكل مبحثا هاما وأولـى في علم السياسة الذي عرف توسعا في الفكر التنويري من حيث تمييز مباحثه وتحديد غايته المتمثلة في أحداث النظام في إطار مشترك , وهذا ما يحدد تعريف علم السياسة عنده بـأنه "إدارة الشـؤون المشتركـة بمقتضـى الحكمـة "(1)
    وهذا ما يتناقض حسب الكواكبي مع الاستبداد الذي يعني " التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهـوى " (2)ولذا اعتبـره من أهم مباحث السياسة التي تستدعي الدراسـة تجاوزا لها على مستوى الممارسة و التنبيه إليه كظاهرة مستعصية لها انعكاساتها على مختلف مجالات المجتمع وعلى تقدمه
    و تطـوره .الاستبداد المقصود هنا ليس الاستبداد المجازي الذي نجد مظاهره في الذات , أو في الأسرة
    أو في بعض القطاعات , بل هو استبداد الحكومات ويعرف في اصطـلاح السياسـة "هـو تصـرف فـرد
    أو جمـع في حقـوق قـوم بالمشيئـة و بلا خـوف تبــعه " (3)
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ
    -1- عبد الرحمان الكواكبي –الأعمال الكاملة للكواكبي –مصدر سابق ص435
    -2- المصدر نفسه – نفس الصفحة
    -3- المصـدر نفسه –ص 437


    فالاستبداد السياسي عند الكواكبي هو التطبيق العلمي للحكم المطلق الذي يتصرف فيه الحكم بـأمـور البـلاد
    و العباد دونما خوف من حساب أو عقـاب ,و يرضا الناس أو رغما عنهم , وهكذا تكون الحكومة الاستبدادية على طرفي نقيضين مع مبادئ العدل و المسؤوليـة ومع ما تقتضيه الأعراف الدستورية من ممارسات المسؤولة و بذلك يضع الكواكبي " التصرف " و " الهوى " خارج الدائرة السياسية و آفة السياسة , الاستبداد ,وهذا الأخيـر لا يقتصر على الحكم المطلـق بل يـرى الكواكبي أنـه يشمـل كذلك الحكـومة المنتخبـة , سـواء كانت فـرد أو جمـاعـة في ظـل غياب المسؤوليـة و الحكـومة الدستـوريـة التي تفرق بين السلطـات التشريعيـة و التنفيذية و المراقبـة .
    وفي هـذا السيـاق يـرى أن صفـة" الاستبداد كما تشمل حكـومة الفرد المطلـق الذي يتولى الحكم بالغلبـة
    أو الـوراثة ,تشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد و المنتخب متى كان غير مسؤول وتشمل الحكومة الجمع و لو كان منتخبـا , لأن الاشتراك في الـرأي لا يدفـع الاستبداد وإنما قد يعد له الاختلاف نوعا وقد يكون عند
    الاتفاق أضر من استبداد الفرد ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقـة فيها بالكليـة قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن قوة المراقبـة" .(1)
    وعليه فـإن" الاستبداد السياسي ممكن الوقـوع في ظـل نظام حكم وراثي أو نظام دستـوري أو ســواه , وكـل أشكـال الحكم يمكـن أن تنحرف نحـو الاستبداد ما لم تخضع لراقبة دقيقة ومن الأمور المقررة طبيعة وتاريخـا ,أنـه ما من حكـومة عـادلـة ثامن المسؤوليــة و الـمؤاخذة بسبب غفلـة الأمـة أو التمكـن من أغفـالهـا
    أو التسـارع إلى التلبـس بصفـة الاستبداد ". (2) وخيـر مثـال عـلى أهميـة هـذه المراقبـة الصـارمـة في نظـر الكواكبـي موقف الصحابـة من بعض الممارسـات التي تمت زمن خلافـة عثمان بن عفـان وما نجم عنها
    من فتنـة أودت بخيانته وفتحت باب الصراع السياسي واسعا في دولة الإسلام , وموقف الشعب الفرنسي من حكومته " الجمهورية الثالثة " حول قضايا داخلية و خارجية , حاولت أن تسلك فيها سلوكا مستبـد إذ كما يذهب الكواكبي إلى الاستشهاد بالتاريخ الحديث فيرى أن الأمم المتحدثة تخلصت من الجهالة كوسيلة عظيمة تخـدم الاستبداد , بحيث لا يعهد في تاريخ الحكومات المدينة استمرار حكومة مسؤولـة مدة أكثر من نصف قرن إلى غايـة قـرن ونصف باستثناء الحكومـة الحاضـرة في انجلترا التي تخضع للدستـور . (3)
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ــــــــــ
    1 - عبد الرحمان الكواكبي –الأعمال الكاملة للكواكبي ,مصدر سابق , ص 438
    -2- المصدر السابق , ص 438
    -3- المصدر نفسه , ص439

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي

    ويذهب عبد الرحمان الكواكبي في تمييزه للاستبداد إلى علاقته بالمجتمعات البدوية , فيرى أن الحالة البدويـة بعيدة بالحملـة من الوقوع تحت الاستبداد نظرا لنشـأة البدوي نشأة استقلاليـة و الذي يسمح بذلك هو وجـود الرعية في شكـل عشـائر يقطنون الباديـة ويسهـل عليهم الرحيل و التفـرق متى مست حكـومتهم حريتهم الشخصيـة ولم يقـوا على الإستنصاف , لذا فهم قليلا مـا يندفعـون إلى الاستبداد .
    وانطـلاقا من تعريف الاستبداد يناقش الكواكبي علاقات الاستبداد ففي " الاستبداد والدين " لا يـوافق الكواكبي من يقـولون أن الاستبداد السياسي متولـد مـن الاستبداد الـديني , لأن الاستبداد في نظـره هـو الذي يحـرف الـدين عـن طـريق أعـوانهم من العلماء و الفقهاء , فـي حيـن أن الدين يراه خصـوصـا .الإسلام الذي جـاء محكمـا لقـواعـد الحـريـة السياسية ونـزع كـل سلطـة تغلبيه , وهـذا النـوع من عملية الاستلاب الفكـري ليـس لـه ما يبـرره بالنظـر إلى أن الإسـلامية مؤسسـة على أصول الحريـة برفضها كـل السيطـرة باسم المبـادئ الفـاضلـة من عدل و مســاواة " وقـد جعلت أصـول حكومتها الشـورى الإريسستوقراطيـة أي شورى أهل الحـل و العقـد في الأمـة بعقولهـم لا بسيودهم , وجعل أصول إدارة الأمـة التشريع الديمقراطي أي الاشتراكي حسبما يـأتي فيما بعد " (1)
    ووفق هـذه القـواعد بنيت دولـة الإسـلام عهد النبي غليه السلام و عهد الخلفاء الراشدين , وعليه لا مجـال لـرمي الإسلاميـة بتـأييد الاستبداد لأنـه ليس فيها نفـوذ مطلـق في غيـر المسـائـل الشعائـريـة .
    و إذا كـان الاستبداد يتخـذ الجهـالة أداة ,فإن أقبحـه هـو استبداد الجهـل على العلـم , فـالحاكم المستبـد ألـد أعـداء العلـم , و العلم الأخوف عنـده ليـس المتعلق بالآخرة وإنما يخاف من علوم الحياة و الفلسفة العقلية وحقوق الأمم " ونحو ذلك مـن العلـوم التي تكبـر النفـوس و تـوسع العقـول وتعـرف الإنسان ما هي حقـوقه وكم هـو مغبـون و كيف الطلب , وكيف النوال وكيف الحفظ" (1) وينجـم عن الاستبداد في رأي الكواكبي شيـوع السلـوكيـة الأخلاقيـة في المجتمع باعتباره أصلا لكال فسـاد وأهمـه هـو التمـجد كسمـة للإدارات الإستبدادية حيث يتـخذ كـأداة لتعـزيز الأمـة باسـم خدمة الدين أو حب الوطن أو تحصيـل المنفعـة , ومعنـى المتمجد هو أن يصير الإنسان مستبدا صغيرا في كنف المستبد الأعظم ولا ينـال ذلك إلا ببيع النبالة وشــراء الدنــاءة .ومـن خــلال تحليلنـا لطبيعــة الاستبداد السيـاسي عنـد عبد الرحمان الكواكبي , نجـده في مـؤلفـه يبحث عـن كيفيـة التخلـص مـن الاستبداد , وهـذا إن دل على شـيء فإنما يـدل على تنظيـره لفلسفـة الحكم في الإسـلام بعيدا عن الإيديولـوجيـة السلبيـة , فهـو يقترح حلول تساؤليـة يمكـن تخـرج المجتمـع من هـم الاستبداد السياسي و آلية استهلاك السلطـة , و السؤال الذي يتحتم طرحـه من جديــد . مـا البـديل السياسي الذي طـرحـه عبد الرحمان الكواكبي تجاوزا للسياســة الاستبدادية ؟ .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
    1-عبد الرحمان الكواكبي –الأعمال الكاملة للكواكبي ,مصدر سابق , ص450
    2- عبد الرحمان الكواكبي , الأعمال الكاملة للكواكبي , ص 458


    البــديــل السيــاسـي عنــد الكــواكبــي :

    عندمـا بحث الكواكبي في قضيـة النهضـة العربية لـم يكـن طـوبويـا في حلــوله المقدمـة , كـونـه عـاش التناقضـات السياسية وانعكاساتها , فلـم يركـن إلى طريقة سلطـة الإصلاحية بل تجاوز ذلك إلى أسلوب عملي يدعو من خلالـه إلى هـدم النظـام القائـم و استبداله بنظـام أخـر قـائم على مبـادئ العدل و الشورى حيث " شخـص النظـام الذي أراد تفـويضـه بأنه نظـام مستبد مطلق قـدري جبـري مذهبي طبقي تقليدي وأسيـر للأوهـام و التعصب والجهل و النفاق و التخلف " . (1)
    إن الـوضع السياسي بما حملـه مـن استبداد كـابـده الكواكبي في واقعه الملمــوس ,جعلـه يعد تحـديد طبيعته و تجلياته إلى طـرح وسـائل تغييره ابتدءا مـن الثورة و التي ستفرز نظاما وحدويـا عـربيـا تـؤطـره مبـدأ الهـوية و الانتماء في ظـل حكـومة دستـورية .
    فـإذا كـان ذلك واقعـا مـرجـوا في اليقظـة فإنـه في نفس الـوقت أضـاف مفـاهيـم مستحـدثـة داخل الفكـر السياسي النهضـوي لا زالـت تحفـر في ثنايا العقـل العربي .
    وفي خضـم هذا الوعي السياسي الكواكبي يستوجب التساؤل عـن نوعيـة الثورة التي أرادهـا الكواكبي لإحـداث التعيير؟ وعن المفـاهيم السياسية التي تبلورت في رؤيـته السياسية ؟.
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
    ـ1- بركات حليـم , المجتمع العربي المعاصر , مركز دراسات الوحدة العربية ,ص 407


    طبيعــة الثـورة كــــــــــــأداة :

    يلخـص الكواكبي آراءه في هـذا المجـال بقـولـه " انه يلـزم أولا تنبيه حس الأمـة بآلام الاستبداد , ثم يلزم حملها على القواعد الأساسية المناسبة لها , بحيث يشمل ذلك كل أفكار كل طبقاتها , و الأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين بل عشرات السنين حتى ينضج تماما , وحتى يحصل ظهور التلهف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا و التمني في الطبقات السفلى " (1)
    من منطلق هذا القول يتضح أن لأمر الأهم في نظر الكواكبي , هو ما يقدمه من نظريات حول سبل دفع الاستبداد و الإحاطـة بالمستبد , فنراه في هـذا يتبنى أسلوبا يعتمد المرحلية و التدرج من جهـة و النهج المحافظ من جهة أحرى , جاعلا الحرية شرطا للإنسان الذي يمارس التغيير " ذلك الإنسان الذي يعيش كأنه عـالم مستقل خالد , كـأنه نجم مختص في شـأنه مشترك في النظام , كـأنه ملك وظيفته تنفيذ أوامـر الرحمان الملهمة للوجـدان ".(2)
    إلا أن هذه المنهجية المحافظة التي يقترحها لا تتفق على ما يبديـه كتابـه مـن نفس ثـوري , حيث إذا توقفنا أمام أفكاره متفحصين و محللين ومقارنين . لوجدنـا أن ثوريتـه من النوع الكلاسيكـي من جهة و متناسقـة مع واقعه من جهـة أخرى ,فهو كمعاصره محمد عبده يـؤكد على التطور و التربية أكثر من تأكيده على الثورة انسجاما مع ما كان في مصر من أفكار بعد النكسة التي أصابت ثورة عرابي و التي جعلت محمد عبده يرى فيها تدهورا .
    إلا أن الكواكبي ظل وفيـا للأقغاني , فلـم ينف الفكرة الثورية نهائيا ,ولكنه نصح باللجوء إليها وفق تخطيط عقلاني يوجه مسارها وفي هذا الصدد يقول " الاستبداد لا ينبغي أن يقام بالعنف كي لا تكـون فتنة تحصد الناس حصـدا ,نعم , الاستبداد قد يبلغ من الشدة درجـة تنفجر عندهـا الفتنة انفجارا طبيعيا فإذا كان في الأمـة عقـلاء يتباعـدون عنهـا ابتداء , حتى إذا اسكنت ثورتها نـوعا , وقضت وظيفتها في حصد المنافقين , حينئذ يستعملون الحكومة في توجيه ألأفكـار نحو تأسيس العدالـة وخير ما تؤسس يكـون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد و لا علاقة لهم بالفتنـة ". (3)
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ـــــــــ
    -1- الكواكبي عبد الرحمان ,طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد , تق أسعد السحمراني ,دار النقائس, ط الثانية , سنة 2003 , ص 186
    -2- المصدر نفسه , ص 187
    -3- المصدر نفسه .,ص 189


    إن نوعية الثورة التي يريدها الكواكبي هي ثورة متدرجـة في الوعي و التحضر للحـرية وهي ثورة
    على الاستبداد لا على مستبد واحدا , ولن يكون ذلك إلا بترقي الأمـة في الإدراك و الإحساس الذي يتـأتى بالتعليـم و التحميس و الذي يشعر الأمة بآلامها ,فتسرع لمقـاومتـه بالحكمــة و التـدريج بعـد أن تعـرف الغــاية " ومن هنـا يجب فبل مقـاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبـدل بـه , فمعرفـة الغاية شـرط طبيعي للإقــدام على كل عمــل " (1)
    وتهيئـة البـديل ليس بالأمـر السهـل بـل هـو جهـد فكـري نظـري بعيـد عن الغايـات ومتـوج بقابليـة الرأي العــام لـه لـذا " من الضروري تقرير شكـل الحكومـة التي يـراد ويمكـن أن يستبـدل بهـا الاستبداد ".(2)
    هـذا الموقف القابل للثـورة على مـا فيـه من الاعتدال لم يكـن مفصــول عن ما تـوصل إليه الكواكبي
    مـن أراء سياسيــة , هـي وليـدة تجربـة سياسيـة و اجتماعيـة و قـوميـة وهـذا ما يستوقفنـا علـى هذه الآراء بغيـة الكشف عـن تجليات الإبـداع السياسي في ثنايـا كتابـاته .
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ​ــــــــ
    -4- البعلبكي ,افرام ,مدخل الى تاريخ الفكر العربي , دار الحداثة , بيروت ,ط الأولى ,سنة 1984 ,ص 173
    -5- المرجع نفسه , الصفحة نفسها


    الاشتراكية عنـد الكواكبـي:

    في فصل طويل عنوانه " الاستبداد والمال " يعالج الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد القضايا الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع من خلال علاقة الإنسان بالإنسان ودور السلطة في تنظيم هذه العلاقة التي يراها الكواكبي قائمة على الظلم القائم في فطرة الإنسان فعنده " إن بحث الاستبداد والمال بحث قوي العلاقة بالظلم القائم في فطرة الإنسان ولهذا رأيت أن لا بـأس في الاستطراد لمقدمات تتعلـق نتائجهـا بالاستبداد الاجتماعي المحمي بقلاع الاستبداد السياسي " .(1)
    الاستبداد الاجتماعي في نظر الكواكبي عندما يجتمع المال في أيدي الأغنياء بالغلبـة والخداع وهذا ما يعرف بالاحتكار الذي يساعد على إيجاد نوع من الاستبداد المالي الذي يمهد الطريق إلى إحداث نظام طبقي داخل المجتمع بين أفراد الشعب " فئة المستغلين والمستعلين " فتعمل فئة المستغلين على توطيد الاستبداد السياسي
    إلا أن الكواكبي لا يعني بذلك إحلال المساواة المطلقة بين كل أفراد الشعب بقطع النظر عن الجهد و العمل النافع والعلم , بل يرى انه

  4. #4
    موقوف
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    4,415
    الجنس
    ذكر
    هواياتي
    فنون القتال -كرة القدم -
    شعاري
    الفشل خطوة أولى في طريق النجاح

    افتراضي رد: الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي

    شكرا على الموضوع ولاكن نسيت أهم كتاب لديه

    عنوانه (أم القرى )


    ما من احد أحدث اشكالية في علاقة السلطة بالمجتمع أو ما يسمى علاقة الحاكم والمحكوم كما فعل عبدالرحمن الكواكبي آنذاك، حين سجل أفكاره النهضوية والاصلاحية في كتابه أم القرى الذي أصبح مرجعاً للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة الاسلامية وتعود جذور عبدالرحمن بن أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي الحلبي المولود (1855م). إلى الامام علي بن أبي طالب ونسله محمد بن الباقر بن علي زيد العابدين بن الحسين رضي الله عنهما. ولعل الكواكبي اشتهر كصحفي مصلح ومفكر ايام الدولة العثمانية وخليفتها الاشهر «عبدالحميد الثاني»، فما قصة كتاب أم القرى وشهرته التي ملأت الوسط السياسي والثقافي آنذاك في الشام ومصر وباقي الديار الاسلامية.

    «أم القرى» مؤتمر اسلامي للمفكرين والمصلحين المسلمين دعا إليه الكواكبي قبل قرن من ظهور فكرة المؤتمرات الاسلامية السياسية الحالية وهو يمثل المنهج الفكري والسياسي الاصلاحي الذي سجله الكواكبي عبر مقالاته الصحفية في صحف «الفرات ـ الشهباء ـ الاعتدال» التي اشرف على تحريرها.

    في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، كانت اوضاع العالم الاسلامي في ترد وانحدار لا يوصف فالمغول المسلمون في الهند وحضارتهم سقطت امام المدافع البريطانية وتم احتلال الهند والصفويون في ايران كذلك وخضعت دول شمال افريقيا العربية للاحتلال الفرنسي واندونيسيا لهولندا ومصر لبريطانيا وجنوب الجزيرة العربية وسواحلها تحت النفوذ البريطاني والدولة العثمانية تلفظ أنفاسها بعد اقتطاع ما تم ذكره من جسدها المريض.

    وامام هذه الخريطة السياسية الممزقة كان عبدالرحمن الكواكبي المستنير بالاصلاح والمعرفة يقرأ المستقبل الغامض لأمته التي كان لها دوراً ريادياً في التاريخ والحضارة الانسانية. إلى أين تذهب هذه الامة..؟ ما نهاية المطاف..؟ الاخطار تحدق بالمسلمين وفي قلبهم «الوطن العربي» فبدأ يسجل أراءه في كتابين هامين بقيا من خلاصة فكره «أم القرى» و » طبائع الاستبداد».

    في عقله المتنور يتصور الكواكبي مؤتمراً في مكة المكرمة وام القرى، يضم (24) مندوباً يمثلون اقطار العالم الاسلامي وهذا الاختيار للحضور لا يتم على اساس المساحة الجغرافية او على عدد سكان بل تم على اساس التأثير الحضاري والتاريخي لهذه الاقطار ومدى قوتها في التأثير على الاحداث الدولية آنذاك فاعطى الكواكبي نصف المقاعد المخصصة للعرب «13» مقعداً مع العلم ان العرب لا يشكلون آنذاك سوى 20% من عدد المسلمين في العالم، ويعطي لبلاده بلاد الشام «4» مقاعد خصصها للسادة «الفراتي ـ الفاضل الشامي ـ البليغ القدسي والاديب البيروت)، ومن هذه الاسماء نخلص بأن الفراتي كان هو الكواكبي نفسه وباقي الاسماء تدل على الموقع الجغرافي لاصحابها.

    وفي مجريات الكتاب يكون الفراتي هو الفاعل المؤثر في مجريات المؤتمر وهذا امر لابد منه كون الفراتي هو الكواكبي وهو صاحب هذا التصور لهذا المؤتمر النخبوي.

    وفي بداية الجلسة يمنح الفراتي رئاسة المؤتمر للاستاذ المكي في اشارة واضحة لفهمه دور الاماكن المقدسة في ربط الوحدة الحضارية للعالم الاسلامي والعربي.

    ومن استعراض اسماء المندوبين نرى رؤية الكواكبي في عصره وتأثير الاسلام لكثير من مناطق العالم فهو يذكر الامام الصيني والصاحب الهندي والخطيب القازاني والشيخ السندي ـ العارف التتاري ـ السعيد الانجليزي، الفقيه الافغاني. الرياضي الكردي، المدقق التركي، المولي الرومي، المجتهد التبريزي، واسماء لقوميات تغلغل الاسلام دينياً وهدى وثقافة وحياة إلى شعوبها.

    ويتابع الكواكبي اسماء المندوبين العرب اضافة للاربعة السابقين من بلاد الشام فيذكر: العلامة المصري، الكامل الاسكندري، المتحدث العميني، الحافظ البصري، العالم النجدي، المحقق المدني، الحكم التونسي، المرشد الفارسي.

    وحين نقرأ ان الكواكبي اسبق الفراتي، بلقب «السيد» تمييزاً عن كل الالقاب التي حملها الحضور تعرف انها اشارة إلى نسبه الشريف بالبيت النبوي.

    الكواكبي عقد مؤتمره الخيالي هذا في مكة المكرمة يوم الاثنين 15 ذي القعدة لعام 1316 ه، الموافق 28 مارس 1899م واستمر المؤتمر 14 يوماً حتى 29 ذي القعدة وتم فيه 12 جلسة تم الاستماع بها لآراء المشاركين ومداخلاتهم ويتضح من تلك المداخلات الدور الواسع والنشيط للسيد الفراتي.

    ماذا تم طرحه عبر مداخلات هذا المؤتمر؟

    يقول الكواكبي كل ما تم طرحه سار وفق منهج عقلاني واضح ومنظم يعبر عن الطائفية والتصلب قريب من جوهر الاسلام نصاً وفكراً وممارسة، وخرج المؤتمر بتوصيات ونتائج هي الخير والسعادة للمسلمين قادة وشعوباً.

    وحين يصف الكواكبي اعراض المرض لدى المسلمين المتمثل بالجهل المطلق والخلل من التسلط والقمع وينبه إلى سوء العاقبة فإنه يوجه اللوم إلى العلماء والامراء كافة فحين يتم اصلاح انفسهم تنصلح الرعية.

    ثم يشرح من خلال مداخلات الاعضاء مفاصل الداء واعراضه وجراثيمه ويصف الدواء مفصلاً عبر اجتماع الامة وصولاً لوضع قانون لتأسيس جمعية تعليمية فيها 48 قضية بحاجة إلى حل واصلاح.

    ولخص الكواكبي اسباب التخلف في مجالات ردها لاسباب دينية وسياسية واخلاقية ومن الملاحظ من جلسات المؤتمر المتخيل هذا ان الكواكبي اختار لرئاسة المؤتمر وامانة سره رجالاً عرب وهذا معناه ان الكواكبي كان يريد ان يكون العرب محور العالم الاسلامي وهم قادته وكما جاء على لسان الامير الهندي «من الضروري وجود خليفة عربي يستلم زمام الرابطة الدينية، ولا يكون حاكماً وتدار البلاد ذاتياً بحاكم مدني يخضع لمجلس الشورى».

    من هذا الرأي للكواكبي نعرف اسباب الخلاف بينه وبين السلطان العثماني.. وبينه وبين المصلح الآخر جمال الدين الافغاني وجماعة ما سموا آنذاك «رابطة الجامعة الاسلامية» والذين قالوا بأن الخليفة مسلم صالح عادل بالغض عن انتمائه الجغرافي ويرد الكواكبي عليهم بأن هناك 26 سبباً لتفوق العرب جغرافياً وتاريخياً وبشرياً ودينياً وخلقياً. فالمركز الاستراتيجي للمنطقة العربية ودورها الحضاري والاماكن المقدسة للديانات الثلاث على أرضها وعراقة لغتها لغة القرآن الكريم كتاب المسلمين الاوحد لديانتهم.

    وينتهي المؤتمر في مكة لنتائج وملاحظات وتوصيات مازالت حتى الآن تصف الواقع المعاصر للعالم الاسلامي والعربي بامراضه وصرعاته رغم مرور قرن من الزمن والتساؤل الذي مازال يراود الكثير من مثقفي المسلمين والعرب منذ ذلك الحين وحتى الآن.. لماذا كان الكواكبي سباقاً في عصره.. لماذا لم تعالج الامراض التي تحدث عنها مؤتمر ام القرى ومازالت تنخر الجسد الاسلامي وتستنزفه.. الكثير..الكثير من الاسئلة.. ويبقى عبدالرحمن الكواكبي ابن حلب مولداً وابن القاهرة رفاتاً يشكل اهم الحالات الاشكالية في الفكر التنوير والاصلاحي العربي والاسلامي «سياسياً ودينياً ومعرفياً».

    المصدر: مجلة البيان الإماراتية

    http://www.4shared.com/office/M47RRo9P/__-_.html

  5. #5
    موقوف
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    4,415
    الجنس
    ذكر
    هواياتي
    فنون القتال -كرة القدم -
    شعاري
    الفشل خطوة أولى في طريق النجاح

    افتراضي رد: الفكر سياسي عند عبد الرحمان الكواكبي

    شكرا على كل حال

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. مقالة المقارنة بين انطباق الفكر مع نفسه و انطباق الفكر مع الواقع
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى الفلسفة 3AS
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 28-12-2014, 13:21
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 22-03-2013, 14:46
  3. طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى السنة الثانية ثانوي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-09-2012, 18:06
  4. إشكالية الآخر في الفكر الجابري: دراسة تحليلية ، نقدية للغرب من منظور الفكر العربي المعاصر
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى مذكرات العلوم الاجتماعية والانسانية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-11-2011, 16:18

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •