مفهوم النص السياسي

تحليل الخطاب




يهدف الخطاب إلى إعطاء وصف صريح للوحدات اللغوية تحت الدراسة، وذلك من خلال بعدين لهذا الوصف هما:

1.
النص Text: يعنى بنية الخطاب الداخلية التي تتآلف منها المفردات، والتراكيب، والجمل.
2.
السياق Context: ويعنى دراسة الخطاب في ضوء الظروف الخارجية والمؤثرات المباشرة عليه وظروف إنتاجه، والخطاب الصحفي خطاب اجتماعي يرتبط بالمجتمع الذي يوجه إليه ويحمل قيمه(1).

كما يهدف الخطاب إلى فك شفرة النص بالتعرف على ما وراءه من افتراضات أو ميول فكرية أو مفاهيم؛ فتحليل الخطاب عبارة عن محاولة للتعرف على الرسائل التي يود النص أن يرسلها، ويضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي، وهو يضمر في داخله هدف أو أكثر، وله مرجعية أو مرجعيات وله مصادر يشتق منها مواقفه وتوجهاته(2)، إن الخطاب أكبر من النص، وأشمل من الأيديولوجيا، ويؤثر في نوعية وكيفية استخدام اللغة.

يتطلب تحليل الخطاب استرجاع الظروف التي أدت إلى إنتاج النص، وهو ما نسميه بتحليل السياق؛ فالسياق جزء أساسي من عملية تحليل الخطاب(4)، لا تعتمد العمليات الاتصالية فقط على السياق حتى تفهم، بل إنها تغير ذلك السياق، ويمكن أن ننشئ داخل السياق النصي سياقًا آخر له مسرده الخاص من المؤشرات وبالفعل يمكن إقحام سياقات جديدة داخل السياقات المركبة(5).



مفهوم الخطاب :


الخطاب Discourse لفظ مشتق من الأصل اللاتيني Discoursus أو Discourere، وتعنى في اللاتينية الحوار، وكما انتقل إلينا عدد من المصطلحات الغربيّة، كالبنيوية، والتفكيكية، أو التشريحية...، انتقل إلى ساحتنا العربيّة، مصطلح الخطاب مؤكداّ أثناء عملية انتقاله فروقًا واضحةً في الفهم والتعريف من دارس إلى آخر(6)، فقد تعددت الدلالات والمفاهيم الخاصة بالخطاب بتعدد مجالات الدارسين وتخصصاتهم، مما أدى إلى فرض كل حقل معرفي مسلماته وإشكالياته على المفهوم، فبينما يضيقه البعض ليقتصر على أساليب الكلام والمحادثة، يوسعه البعض ليجعله مرادفًا للنظام الاجتماعي برمته(7).



تعريف الخطاب :


ابتكر هاريس مصطلح الخطاب وعرفه بقوله:

"إن الخطاب منهج في البحث في أيما مادة مشكلة من عناصر متميزة ومترابطة في امتداد طولي سواء أكانت لغة أم شيئا شبيها باللغة، ومشتمل على أكثر من جملة أولية، إنها بنية شاملة تشخص الخطاب في جملته.. أو أجزاء كبيرة منه(8)".

يعرفه بنفنست (Benvenist) بأنه "كل تلفظ يفترض متكلمًا ومستمعًا، بحيث يحاول المتكلم التأثير على المستمع بطريقة ما".

ويعرفه تودروف (Todrouf) إنه "أي منطوق أو فعل كلامي يفترض وجود راوٍ ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المستمع بطريقة ما".

ويعرف فوكو(Mechal Fouco) الخطاب أنه "النصوص والأقوال كما تعطي مجموع كلماتها ونظام بنائها، وبنيتها المنطقية، أو تنظيمها البنائي".

ويعرفه هارتمان وستورك (Hartman& Stork) أنه "نص محكوم بوحدة كلية واضحة يتألف من صيغ تعبيرية متوالية تصدر عن متحدث فرد يبلغ رسالة ما".

يرى الفرنسي أوليفي روبول أن المقصود بالخطاب عدة معانٍ:

المعنى الشائع: أن الخطاب مجموعة منسجمة من الجمل المنطوقة.

المعنى اللساني المختزل: أن الخطاب عبارة عن متوالية من الجمل المشكلة لرسالة.

المعنى اللساني الموسع: أن الخطاب عبارة عن مجموعة من الرسائل بين أطراف مختلفة تعرض

طبائع لسانية مشتركة ...(9).

ويعرفه (بييرف زيما) أنه "وحدة أكبر من الجملة ، تولد من لغة جمالية وتعبر بنيتها الدلالية (كبنية عميقة) جزءاً من شفرة، ويمكن تمثيل مسارها التركيبي النحوي بواسطة نموذج تشخيصي سردي".



الخطاب والنص:


يشير اختلاف مصطلح كل من الخطاب Discourse والنصText في اللغة الإنجليزية إلى وجود دلالة لكل مصطلح(10)، وتتعدد وجهات النظر في هذا الشأن؛ فبعض الدارسين يرى أنه لا يوجد فرق بين النص والخطاب؛ وذلك لأن كلاهما مرتبط بحقل الدراسات اللغوية، وكلاهما يبحث في البناء والوظيفة لوحدات اللغة، ويرى آخرون أن النص غير الخطاب؛ فالخطاب يتشكل من نصوص وممارسات اجتماعية، وقد ميز هودج وكريس بين النص والخطاب من ناحية المفاهيم والإجراءات النظرية والمنهجية والأهداف، فالخطاب هو العملية الاجتماعية التي تكون النصوص متضمنة فيها، وتحليل النص جزء من تحليل الخطاب في البحوث الاجتماعية(11).

ومن الضروري أن نميز بين التعامل مع اللغة نصاً والتعامل معها خطاباً، فدراسة اللغة نصاً يستلزم دراسة كل الوحدات التبليغية المتماسكة من حيث التركيب البنائي لنقل الخطاب، أما الخطاب فهو العملية المعقدة من التفاعل اللغوي بين المتحدثين والمستقبلين للنص(12).

وكما يقول Fairclough: عندما ننظر للغة بوصفها خطاباً وممارسة اجتماعية، فإننا نلتزم ليس فقط بتحليل النص و عمليات الإنتاج، ولكن بتحليل العلاقات بين النص والإجراءات، وظروفها الاجتماعية المتعلقة بظروف السياق والمتعلق بالظروف الأبعد خاصة بالتراكيب الاجتماعية والمؤسساتية(13).

إن أسلوب تحليل الخطاب لا يقف عند حد البنية السطحية للنصوص، إنما يتجاوزها إلى محاولته القراءة التأويلية للنص نحو استنطاق مختلف الرموز والإشارات التي يحيل إليها النص، أو ما يعبر عنه بما لم يقله النص أو ما سكت عنه النص.

ويرى سعيد يقطين أن النص أشمل من الخطاب منطلقاً في رأيه من التصورات البنيوية للنص التي فتحته وجعلته عملية إنتاجية غير مرتبطة بالمؤلف، وسمحت بتعدد دلالته، وتفاعله مع نصوص أخرى(14).

الخطاب والسلطة (القوة):

طرح ميشيل فوكو نظرة متميّزة للخطاب حين ربطه بالسلطة، وإذا كان هناك ارتباط وثيق بين السلطة والخطاب، كما ذهب فوكو؛ فإنّ ذلك ليس مجرّد تخطيط، وتنظيم من قبل السلطة فحسب، وإنما علاقة تجمع بين اللغة وأنماط الهيمنة الاجتماعية(15).

ويتفق فان ديك وروث ووداك وفيركلاو على أن ممارسة القوة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة لم تعد تعتمد على الإكراه بالدرجة الأولى بل على الإقناع الذي بات أحد العناصر الحاسمة للوصول بالخطاب لمختلف الفئات الاجتماعية لهذا التحليل للعلاقات، ولا شك أن الاتفاق على فكرة الهيمنة عبر الإقناع وتحقيق إجماع وتعدد شكلي داخل المجتمع، أو ما يعرف بالهيمنة الناعمة، هو ما دفع مدارس التحليل النقدي للخطاب نحو الاهتمام بتحليل الخطاب الإعلامي، الذي يعكس عملية الصراع والهيمنة عبر الإقناع وتزييف وعي الجماهير(16).



الخطاب والأيدلوجية:


يرى فان ديك أن الأيديولوجية هي النظم الأساسية التي يتم من خلالها إدراك، وتنظيم المواقف الاجتماعية، وتسيطر بشكل غير مباشر على تشكيل سياق الخطاب، ومن التحليل الدلالي لهياكل الخطاب نرصد الأيديولوجيات(17)، إن وجود أكثر من خطاب يؤدي إلى الصراع فيما بينها، وبما أن الأيديولوجية هي التي تشكل مفاهيمنا لذواتنا، وللعالم من حولنا؛ فإن الصراع الأيديولوجي هو جوهر تركيب تسعى الأيديولوجيات إلى سد الفجوة بين الإدراك الاجتماعي والإدراك الشخصي، ومعرفة اللغة والخطاب يشكل الإدراك الاجتماعي المشترك للأفراد والجماعات(18).

والإعلام: هو التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير واتجاهاتها؛ فهو من أهم مؤسسات التشكيل الثقافي، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن جميع مصادر التشكيل الثقافي على تنوعها أصبحت بحوزة الإعلام(19).



الخطاب والحديث (الحوار):

عرّف موشلر الخطاب على أنه "الحوار" ثم قام بإجراء تحليلاته للخطاب وكانت توحي بتأثره بآراء مدرسة بيرفكام التي حصرت الخطاب في "الحوار"، والتي أثرت في تعريفات العديد من اللسانيين الذين يكتبون الإنجليزية مثل: مايكل هوو في كتابه" حول ظاهر الخطاب" الذي أكد بأنه سيتعامل مع الخطاب باعتباره "المونولوج" شفوياً كان أم كتابياً(20)، يمكن إفساح المجال لنوع مختلف من

التفسير بني على منتجات وسائل الإعلام الموجهة للعامة(21) الخطاب في الإعلام يتمثل في مختلف فنونه التحريرية والإخراجية ، مثل المادة المكتوبة في الصحف، والمسموعة في الإذاعة المسموعة، والمرئية المسموعة في الإذاعة المرئية، المرئية المقروءة في شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) (22).

وفي تـاريـخ اللسـانـيات نـجـد أن علـماء الـلغة يـفرقون بـين (الخطـاب)، و(الحديث)، ذلك أن (الحديث) يمكن أن يجمع في عينة لغوية واحدة، ويحلل إلى عناصر صغرى بدءاً بالصوت (الفونيم)؛ لأنه أصغر وحدة، بينما تحليل الخطاب يسير في اتجاه أخر، إذ إن الجملة هي الوحدة الصغرى التي يحلل إليها(23).



التهميش:

(1) محمود عكاشة، لغة الخطاب السياسي، دراسة لغوية تطبيقية في ضوء نظرية الاتصال، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 2002، ص ب

(2) أحمد زايد، صور من الخطاب الديني المعاصر، القاهرة: دار العين للنشر والتوزيع، 2007، ص 21 - 22.

(4) على بن شويل القرني، الخطاب الإعلامي العربي، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، العدد الأول، يناير 1997، ص39.

(5) ج . ب . براون ،بول و.ج، تحليل الخطاب، ترجمة وتعليق محمد لطفي الزلطنى، منير التركي، الجامعة الملك سعود ، 1997، ص 59.

(6) محمد ناصر الخوالده، مفهوم الخطاب كوسيلة اتصالية:

مفهوم الخطاب (Discourse) كوسيلة اتصالية - منتدى جريدة شروق الاعلامي الادبي

(7) محمد صفار تحليل الخطاب وإشكالية نقل المفاهيم، رؤية مقترحة، مجلة النهضة، المجلد السادس، العدد الرابع، أكتوبر، 2005، ص 100

(8) ديان مكدونيل: مقدمة في نظريات الخطاب، ترجمة د.عز الدين إسماعيل، القاهرة: المكتبة الأكاديمية، ط1، 2001، ص 30

(9) أوليفيي روبو: لغة التربية تحليل الخطاب البيداغوجي، ترجمة عمر أوكان، القاهرة: أفريقيا الشر ،2002، ص ص 41-42

(10) سمير شريف استيتية: اللغة وسيكولوجية الخطاب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2000 ، ص 15، و محمود عكاشة، لغة الخطاب السياسي، مرجع سابق، ص 23

(11) Norman Fairclough, Discourse and Text: Linguistic and Intertextual Analysis within Discourse Analysis , Discourse & Society, Vol. 3, No. 2 , 1992 , 193-217

(12) R. Fowler, linguistic Criticism,oxford university press, 1995, pp 80-90.

(13) N, Failclough , Language and Power , London: Longman, 1990 , p 26

(14) ) سعيد يقطين: من النص إلي النص المترابط ، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العرب، ط1، 2005، ص ص 116- 121.

(15) Colin B. Grant, Destabilizing Social Communication Theory, Culture & Society, Vol. 20, No. 6 , 2003 , 95-119.

(16) Teun A. van Dijk, Discourse Semantics and Ideology, Discourse & Society, Vol. 6, No. 2 , 1995, p253.

(17) Teun A. van Dijk , Discourse Semantics and Ideology, Op. cit , pp 243-289

(18) Teun A. van Dijk , Ideological Discourse Analysis,

Create PDF with Win2PDF - Easy to Use PDF software .

(19) سالم مبارك الفلق، اللغة العربية التحديات والمواجهة،

http://www.saaid.net/book/8/1453.doc

(20) Martyn Hammersley, Conversation Analysis and Discourse Analysis: Methods or Paradigms?, Discourse & Society, Vol 14, No 6 , 2003 , pp 751-781.

(21) Sophie Moirand , Communicative and Cognitive Dimensions of Discourse on Science in the French Mass Media , Discourse Studies, 2003 , Vol 5, No 2 , 175-206

(22) ابتسام الغفير، الخطاب الإعلامي المتوازن ، 2/10/2007

موقع ضفاف الإبداع - الخطاب الإعلامي المتوازن

(23) د . حميدة سميسم، الخطاب الإعلامي العراقي، مؤتمر الأعلام الأول، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم الأعلام، 2001 ، ص2.


lti,l hgkw hgsdhsd