السلطة التقديرية للإدارة

إن من بين أهم الصلاحيات التي تتمتع بها الإدارة هي سلطة إتخاذ القرارات بحرية مطلقة وهي ما يطلق عليه بـِ "السلطة التقديرية" ويقابل هذه السلطة سلطة أخرى تمارسها الإدارة تسمى "السلطة المقيدة".


ما المقصود بالسلطة التقديرية والسلطة المقيدة للإدارة؟


يُقصد بالسلطة التقديرية حرية الإدارة الواسعة في إتخاذ التصرفات القانونية فالإدارة تملك وفقاً لهذه السلطة إتخاذ هذا القرار أو ذاك كما أنها تملك حرية إتخاذ القرار الذي تراه مناسباً وملائماً، وبمعنى آخر يمكن القول بأن الإدارة تتمتع بالسلطة التقديرية في الأحوال التي لا يفرض عليها القانون قيود مسبقة.


إن السلطة التقديرية للإدارة تقرر بموجب التشريعات بهدف ممارسة بعض أوجه النشاط التي يرى المشرع ضرورة ترك تقدير ملاءمته لرأي الإدارة، فالمشرع يقتصر دوره هنا على رسم الإطار العام تاركاً للإدارة حرية الحركة داخل هذا الإطار.


غير أنه يجب أن لا يغيب عن البال أن الإدارة ليس لها مطلق الحرية في مجال ممارستها للسلطة التقديرية فهي في ممارستها لهذه السلطة تتقيد بمجموعة من القيود والحدود فهي ليست سلطه إستبدادية أو تحكمية، ومثال هذه السلطة منح الموظف إجازة بدون راتب فالإدارة تملك هنا صلاحية منح أو عدم منح الموظف هذه الإجازة وذلك تبعاً – وكما هو مفروض – لمقتضيات المصلحة العامة وحسن سير العمل في الدائرة.


أما السلطة المقيدة فيُقصد بها أن الإدارة تكون ملزمة ومقيدة بما يضعه القانون من شروط وقيود بشأن معالجة أمر معين، فالقانون يفرض على الإدارة في حال توفر شروط معينة حتمية إصدار القرار ولا تملك الإدارة هنا إلا صلاحية التثبت من توفر هذه الشروط فإن توفرت فيجب عليها إصدار القرار اللازم ومثال ذلك منح الموظفة إجازة الأمومة.


متى تستخدم الإدارة السلطة التقديرية؟


إن السلطة التقديرية تتحقق متى ما ترك القانون للإدارة حرية التصرف في اتخاذ القرارات وإجراء بعض التصرفات فالإدارة تستطيع إستخدام سلطتها التقديرية في إتخاذ القرارات في جميع الأحوال التي يتيح لها المشرع ذلك ويترك لها حرية الإختيار، ولعل السلطة التقديرية تتجلى في أوضح صورها في الظروف الإستثنائية كالكوارث والحروب والأزمات فيكون للإدارة في مثل هذه الظروف سلطة مطلقة في أن تمد إختصاصها في كافة المجالات وذلك للحفاظ على كينونة الدولة ووحدتها وسلامة مقدراتها، حتى انه في مثل هذه الظروف تستطيع الإدارة ممارسة إختصاصات وصلاحيات غير منصوص عليها في التشريعات بل وفي بعض الحالات تملك في مثل هذه الظروف مخالفة التشريعات متى كان تدخلها هذا في مصلحة الدولة، ومبرر الخروج عن هذه التشريعات أن نصوصها قد وضعت في ظل الظروف العادية والطبيعية فلا يعقل أن تلزم الإدارة نفسها بهذه النصوص في ظل الظروف الإستثنائية، وعلى الرغم من السلطات الواسعة لجهة الإدارة في الظروف الإستثنائية إلاّ انه يجب أن لا تخرج إجراءاتها وتصرفاتها في هذه الظروف على مبدأ المشروعية فيجب لكي تمارس الإدارة صلاحيتها أن تتوفر هذه الظروف الإستثنائية وأن يكون تصرفها بالقدر الذي يتناسب مع مواجهتها ومعالجة آثارها.


ما هي حدود السلطة التقديرية؟


يقصد بحدود السلطة التقديرية مدى توافق ممارسة هذه السلطة لمبدأ المشروعية

والسؤال الذي يثار هنا هل ممارسة السلطة التقديرية من قبل الإدارة يعتبر خروجا على مبدأ المشروعية، أم أن الإدارة تمارس هذه السلطة ضمن حدود وإطار المشروعية؟
الواقع إن ليس هناك من تعارض بين السلطة التقديرية للإدارة وبين مبدأ المشروعية، ذلك أن مقتضى هذا المبدأ هو خضوع الإدارة للقواعد القانونية مهما كان مصدرها فالإدارة عندما تمارس سلطتها فإنها تكون مرخصة بذلك من قبل المشرع وتتصرف في الحدود التي يرسمها لها ويأتي دور مبدأ المشروعية هنا ليفرض على الإدارة عند ممارستها للسلطة التقديرية احترام الترخيص المعطى لها من المشرع والحدود والأطر والقواعد التي رسمها لها.

إن مبدأ المشروعية يفرض على الإدارة عند ممارستها للسلطة التقديرية سواء في الظروف العادية أو الإستثنائية ما يلي:-

- تطابق القرارات والتصرفات الصادرة عنها للمبادئ القانونية العامة.
- أن تكون غاية وأهداف القرارات والتصرفات الصادرة عنها تحقيق مقتضيات المصلحة العامة.

ما هي أهم المجالات التي تمارس فيها الإدارة السلطة التقديرية؟


إن أكثر مجال تمارس فيه الإدارة سلطتها التقديرية دون عن غيره من مجالات التصرفات القانونية الأخرى القرار الإداري. وممارسة الإدارة لسلطاتها في مجال القرارات الإدارية تتراوح بين التقدير والتقييد وذلك بالنظر إلى كل ركن من أركان القرار الخمس وهي (الإختصاص والشكل والمحل والسبب والغاية) فهذه السلطة مقيدة في بعض الأركان وتقديرية في أركان أخرى.


1- الإختصاص:-


يراد بالإختصاص: صدور القرار الإداري من الجهة الإدارية المختصة بإصداره وفقاً لأحكام القانون فإذا صدر القرار من جهة غيرها فيعتبر القرار مشوباً بعيب عدم الإختصاص، وسلطة الإدارة دائما تكون مقيدة فيما يتعلق بمراعاة ركن الإختصاص.


2- الشكل:-


إن القاعدة العامة تقضي بأن للإدارة كامل الحرية في إصدار قراراتها بالشكل الذي تراه مناسباً، إلاّ أن المشرع قد يتدخل أحيانا ليفرض على الإدارة شكلاً معيناً يجب عليها مراعاته كأن يشترط لصدور القرار من المرجع المختص أن تكون هناك توصية مسبقة بشأنه صادرة عن لجنة معينة كأوامر الشراء الصادرة إستناداً لتوصية لجنة المشتريات.


3- المحل:-


يقصد بالمحل: الأثر القانوني الذي ينتج عن القرار الإداري وهو غالباً ما يكون إما بإنشاء أو تعديل أو إلغاء مركز قانوني قائم.

في هذا الركن يكون للإدارة حرية التصرف أو التدخل في أي أمر من عدمه وتحديد توقيت هذا التدخل وذلك ما لم يحتم عليها المشرع إتخاذ تدبير معين بشأن هذه المسألة أو تلك.
فعلى سبيل المثال تملك الإدارة سلطة تقديرية في إتخاذ أي قرار وذلك حسبما يتراءى لها ووفقاً لقدرتها المالية والفنيّة، وصلاحية الإدارة هنا لا تقف عند إتخاذ أو عدم إتخاذ القرار بل تمتد لتحديد وقته وذلك تبعاً لخبرتها ومقدرتها كل ذلك مشروط بأن لا يكون المشرع قد أوجب عليها إتخاذ قرار معين في وقت محدد كأن يشترط مدة محددة على الإدارة للبت في إستقالة الموظف.

4- السبب:-


يُقصد بالسبب: الحالة الواقعية أو القانونية التي تدفع بالإدارة إلى إتخاذ قرار معين، والواقع أن سلطة الإدارة التقديرية فيما يتعلق بركن السبب تتراوح بين الصور الثلاث التالية:-


أ*- البحث في صحة الوقائع كتدخل الإدارة لمعاقبة أحد موظفيها تأديبياًً، فالإدارة هنا تملك قدراً كبيراً من السلطة التقديرية في التثبت من صحة الوقائع التي دفعتها للإعتقاد بأن الموظف هو الذي إرتكب المخالفة التأديبية وبالتالي إستحقاقه للعقوبة، غير أن سلطتها هنا غير مطلقة إذ أنها يجب أن تقوم على مبررات ومسوغات معقولة ومقبولة وإلاّ كان قرارها معيباً.




ب*- البحث في التكييف القانوني للوقائع التي إستندت إليها الإدارة في إتخاذ قرارها، فإذا ثبت أن الأعمال التي نسبت إلى الموظف صحيحة من الناحية الواقعية وأن الموظف قد إرتكبها فعلاً وأن هناك نص يعاقب على إرتكاب هذا الفعل، فإنه يجب على الإدارة هنا أن تُعمل النصوص القانونية ولا تملك الإدارة أية حرية في هذا الصدد فسلطتها هنا مقيدة.


ج*- تقدير الخطورة التي يمكن أن تنتج عن الوقائع التي حدثت وبالتالي تحديد ما إذا كان الأمر يستلزم تدخلها من عدمه، وسلطة الإدارة في هذا الشأن كبيرة.


5- الغاية:-


ويراد بالغاية: الهدف أو الباعث الذي سعت الإدارة لتحقيقه من وراء إتخاذ القرار والإدارة يجب عليها أن تتغيا دوماً المصلحة العامة في قراراتها، والمصلحة العامة هي القيد العام الذي يجب أن تحترمه الإدارة في أعمالها.

ولا جدال في أن الإدارة تتمتع بحرية واسعة "سلطة تقديرية" في تحسس المصلحة العامة ولا يحد من سلطتها هذه سوى الإنحراف بالسلطة أو سوء إستعمالها.

هل هناك رقابة على السلطة التقديرية للإدارة؟ ومن هي الجهات التي تراقبها؟


إن المشرع قد وضع جملة من الضوابط والحدود التي يجب أن تتقيد بها الإدارة أثناء ممارستها لسلطتها التقديرية ولا معقب عليها في هذا الخصوص إلاّ في حال خروجها عن هذه الضوابط والقيود، ويثور التساؤل هنا حول الجهات التي يمكن أن تمارس رقابتها على الإدارة في معرض ممارستها لسلطتها التقديرية. والواقع أنه يمكن إرجاع مصدر هذه الرقابة إلى رقابة ذاتية أي من جهة الإدارة نفسها ورقابة خارجية وأهمها الرقابة القضائية.

فجهة الإدارة تملك إلغاء قراراتها إذا تبيّن لها أن ما صدر عنها من قرارات قد جانب الصواب أو خالف أحكام القانون ويتم هذا الإلغاء من قبل نفس الجهة التي أصدرت القرار المعيب أو السلطة الرئاسية لها سواء تم ذلك من خلال مراجعتها للقرارات الصادرة عنها أو بناء على التظلمات الإدارية التي تقدم إليها.
كما أن القانون قد ينيط بجهات إدارية صلاحية النظر في القرارات الصادرة عن جهة الإدارة ومثال ذلك لجنة نظر تظلمات الموظفين التي تم تشكيلها في إمارة دبي للنظر في تظلمات الموظفين بشأن القرارات الصادرة بحقهم، فهذه اللجنة تملك وفقاً للصلاحيات الممنوحة لها الطلب من الجهة المصدرة للقرار بإلغاءه.
وكذلك يملك القضاء قانوناً حق مراقبة التصرفات القانونية الصادرة عن الإدارة وذلك من خلال نظر الدعاوى التي يتم رفعها أمامه من قبل الأفراد والمؤسسات المتضررة من تصرفات الإدارة وإستخدامها المفرط لسلطتها التقديرية، والرقابة القضائية لسلطة الإدارة التقديرية تأخذ الشكلين التاليين (رقابة الإلغاء ورقابة التعويض).

ففي رقابة الإلغاء يمارس القاضي رقابته على كيفية ممارسة الإدارة لسلطتها التقديرية عن طريق فحص وتدقيق الظروف والوقائع التي أحاطت بممارستها لها ومدى مطابقة ما صدر عنها لأحكام القانون، ولا تقتصر رقابة القضاء على رقابة المشروعية أي إتفاق ما صدر عن الإدارة لأحكام القانون بل تمتد لتشمل كذلك رقابة الملائمة بمعنى انه يكون للقاضي قياس مدى تناسب العقوبة التأديبية التي تم إيقاعها على الموظف مع جسامة الفعل الذي نسب إرتكابه إليه.

فإذا إتضح للقاضي أن الإدارة قد تعسفت في إستعمال سلطتها التقديرية أو جانبت تحقيق مقتضيات المصلحة العامة في قراراتها فيكون له سلطة إبطال قراراتها.
وأما رقابة التعويض فيكون للقاضي سلطة إلزام الإدارة بتعويض الأفراد أو المؤسسات عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة القرارات غير الملائمة أو التعسفية التي إتخذتها الإدارة بحقهم.

hgsg'm hgjr]dvdm ggY]hvm