المؤسسات المالية الدولية و تأثيرها على التنمية المحلية في الدول النامية

تشكّل المؤسسات المالية الدولية، والتي تتضمن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنوك التنموية الإقليمية؛ أكبر مصدر يقوم بتمويل المشاريع التنموية في العالم. وتقوم هذه المؤسسات المالية الدولية مجتمعة بمنح قروض تتراوح بين 60 إلى 70 مليار دولار سنويا للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
تعتبر المؤسسات المالية الدولية، وعلى وجه الخصوص البنك الدولي، المصدر الرئيسي للمعرفة التنموية وذلك من خلال ما تنشره من بحوث تنظم الجدل الدائر حول القضايا التنموية. وغالبا ما تقوم المؤسسات المانحة الأخرى بتنفيذ برامجها التنموية على خطى البنك الدولي، مما يضاعف من حجم الآثار الناجمة عن أساليب وقرارات الإقراض التي تتبعها المؤسسات المالية الدولية.
وتتعهد المؤسسات المالية الدولية من خلال ما تقدمه من قروض مخصصة لتمويل مشاريع استثمارية أو تغييرات في السياسات التنموية لدى البلدان النامية بتخفيف الفقر وكذلك بدعم وتشجيع التنمية الاقتصادية. غير أن قروض ومشاريع وبرامج المؤسسات المالية الدولية التي أسيء دراستها غالبا ما تسببت بأضرار بيئية واجتماعية واسعة النطاق من ضمنها آثارا دائمة أضرت ببعض المواطن البيئية الطبيعية، وأدت إلى تهجير مجتمعات محلية وسكان أصليين.
وفي الغالب، تقوم المؤسسات المالية الدولية بتنفيذ أنشطتها من دون إعطاء الشرائح المتأثرة من الناس فرصة الاطلاع ومن ثم المشاركة الفاعلة في هذه الأنشطة، وفي بعض الأحيان، من دون حتى مشاركة المشرّعين لدى البلدان المقترضة من البنك. وبالرغم من بعض ما حققته المؤسسات المالية الدولية من تقدم في هذا المجال إلاّ أنّ هذه المؤسسات لا تزال تتباطأ في إصدار معلومات وافية في حينه أثناء مراحل تصميم وتنفيذ المشاريع التنموية. أخيرا، كون أنشطتها ممولة من قبل الحكومات، فإن المؤسسات المالية الدولية ينبغي أن تخضع للمساءلة العامة حول أية نتائج سلبية قد تتسبب بها المشاريع والبرامج التي تموّلها في البلدان النامية.
العمل نحو إدماج الديمقراطية في العملية التنموية
يقوم مركز معلومات البنك من خلال أنشطته بالتركيز على أربعة عناصر رئيسية بهدف الدفع نحو إدماج العملية الديمقراطية ضمن آلية اتخاذ القرار داخل المؤسسات المالية القوية؛ وذلك من خلال:

*
حماية الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والبيئية، وذلك إلى حد ما عن طريق تشجيع تحقيق انسجام وتوافق أكبر بين إجراءات المؤسسات المالية الدولية "الاحترازية" وسياساتها والقانون الدولي، وكذلك المعايير والأعراف.
*
بناء شبكات مجتمع مدني مهتمة بقضية الوصول للمعلومات لدى المؤسسات المالية الدولية، وتشجيع الشفافية في البنوك التنموية الإقليمية وتعزيز الآليات والوسائل المتاحة لعامة الناس للمطالبة بحق الحصول على المعلومة في حال حجبت عنهم.
*
إخضاع المؤسسات المالية الدولية للمساءلة العامة من خلال تعزيز وتوسيع صلاحيات القوانين المتبعة في هيئة الرقابة التابعة للبنك الدولي وآليات المساءلة الداخلية لتصل إلى المؤسسات المالية الدولية الأخرى، والعمل في الوقت ذاته على تشجيع وجود قنوات مساءلة بديلة.
*
المطالبة بمنح فرص أكبر لتحقيق مشاركة مدنية فاعلة من خلال وضع مجموعة من الدروس المستفادة، والمبادئ والإرشادات التي يمكن أن تساعد المجتمع المدني على وضع قواعد التدخل في المراحل المختلفة للمشاريع والسياسات التنموية التي ستمولها المؤسسات المالية الدولية مستقبلا.

خدمات وموارد يوفرها المركز
يقدم مركز معلومات البنك خدمات وموارد دعم متنوعة وتشمل ما يلي:

*
مواد تثقيفية رائجة، بما في ذلك حقيبة أنشطة البنك الدولي المعرفية، دليلك لمعرفة وفهم بنك آسيا التنموي، ومواضيع تمهيدية حول بنك التنمية الأفريقي والمؤسسات المالية الدولية العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
*
إمكانية الحصول على وثائق المشاريع التي يصعب الحصول عليها ومعلومات أخرى حول المؤسسات المالية الدولية.
*
الجديد من المعلومات حول البلدان والسياسات، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر أحدث نسخة مراجعة حول الدراسة التقييمية للصناعات الاستخراجية.
*
أعمال تحليلية حول التطورات الرئيسية الحاصلة ضمن المؤسسات المالية الدولية ودراسات مفصلة لمشاريع تواجهها إشكاليات.
*
توفير دعم استراتيجي للرقابة على مشاريع وسياسات تنموية منفردة، كمشروع مد أنبوب يصل بين دولتي تشاد والكاميرون وكذلك مشروع فولباري للفحم في بنجلاديش.
*
تقديم دراسات تحليلية للسياسات التنموية وحملات مناصرة لدعم الحقوق، والشفافية، والمسائلة والمشاركة في الأنشطة وتعزيز الحكم الرشيد داخل المؤسسات المالية الدولية.



فخ المؤسسات المالية الدولية

بقلم عبد السلام أديب

عملت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على انشاء مجموعة من المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية بمدينة بروتن وودز ، وقد أسندت لهذه المؤسسات مهام معينة في مجال إدارة الشؤون المالية والاقتصادية الدولية". وأهم هذه المؤسسات هي كل من صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي والاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية التي ستتحول في ما بعد الى المنظمة الدولية للتجارة.

وتتلخص مهام صندوق النقد الدولي في تثبيت الأوضاع النقدية وفي بناء اقتصاد مفتوح عالميا، بينما تتلخص مهام البنك الدولي للإنشاء والتعمير في تمويل المشاريع التنموية عبر العالم، أما مهام مؤسسة الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية فتتلخص في إدارة التبادل التجاري على الصعيد العالمي.

و نظرا لمراهنة السلطات السياسية المغربية منذ بداية عقد الستينات على التمويل الخارجي بنسبة تفوق 70 % من مجموع التمويلات الخارجية فإن الإختيارات الاقتصادية والاجتماعية لهذه السلطات ظلت منذ ذلك الحين تابعة لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية، كما كانت هذه المؤسسات تقف دائما وراء مخططات تذبير الأزمات المالية والاقتصادية التي عرفها المغرب:

ففي أواسط عقد الستينات حدثت أزمة مالية خانقة في بلادنا، وقد زار المغرب في ذلك الحين خبراء البنك الدولي الذين وضعوا تقريرا يتضمن عددا من التوصيات التي على السلطات اتباعها للخروج من الأزمة الخانقة. وفي النصف الثاني من عقد السبعينات حدثت أزمة مالية جديدة فجاء خبراء كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مرة أخرى وأجروا دراسات مفصلة حول الاقتصاد المغربي ثم وضعوا سنة 1979 تقاريرهم التي توصي للخروج من الأزمة باعتماد سياسات للتقشف المالي. وفي سنة 1982 تكررت الأزمة بحدة الى درجة أن المغرب أصبح غير قادر على الوفاء بالتزاماته الخارجية فجاء خبراء المؤسسات المالية الدولية من جديد ليفرضو عليه ما يسمى ببرامج التقويم الهيكلي التي استمرت رسميا الى غاية 1992 ثم ضلت سارية المفعول بشكل غير رسمي إلى غاية اليوم.

لكن بمراجعة بسيطة لحصيلة المغرب من جراء تعامله مع المؤسسات المالية الدولية والذي كان بالمناسبة تلميذا نجيبا في كل ما يؤمر به، حيث كان يطبق منذ الستينات الوصفات التي تقدم له، سنلاحظ حدوث تناقض صارخ بين حجم تكديس الثروات لدى الأقلية الكومبرادورية من ذوي النفوذ المهيمنة على قنوات الاقتصاد الوطني، وبين مستوى ارتفاع معدلات البطالة والانتشار الواسع لمظاهر الفقر واتساع الفوارق الطبقية بشكل صارخ، إضافة إلى ركود اقتصادي مزمن وتعطل في الطاقات الإنتاجية واستقالة الدولة عن رعاية كل ما هو اجتماعي بل وتفويت المقاولات العمومية الناجحة للكومبرادورية وللأجانب.

* السؤال المطروح حاليا هو عن جدوى الخضوع إلى تعاليم المؤسسات المالية الدولية إذا كانت الحصيلة النهائية هي السقوط في دوامة التخلف والتبعية والتفاوت الاجتماعي الصارخ؟

* ثم هل تكمن المشكلة كما يدعي خبراء هذه المؤسسات في الحجم الكبير للدولة وفي البيروقراطية والفساد وفي ضعف الأداء الاقتصادي للمسؤولين؟

* أم أن المشكلة تكمن في البرامج التي تفرضها هذه المؤسسات على بلاد العالم الثالث والتي اعترف البنك الدولي خلال عقد التسعينات بوجود آثار سلبية كثيرة تترتب من جراء اعتماد سياساته؟

وقد عمل البنك الدولي اثر اعترافه هذا على تعديل تسمية برامجه التقويمية، ليطلق عليها عبارة برامج محاربة الفقر المطلق. غير أن هذه البرامج ضلت في الواقع تحافظ على نفس المضمون السابق.

* لكن هل المغرب يعتبر مخيرا أم غير مخير في اتباع أو عدم اتباع تعاليم المؤسسات المالية الدولية؟

أفلا يعتبر المغرب حاليا سجينا لتعاليم هذه المؤسسات وأنه غير قادر على الفكاك منها؟ وإذا كانت الوضعية مأساوية بهذا الشكل فما العمل؟



أولا: مراحل تطور المؤسسات المالية الدولية

عاشت المؤسسات المالية الدولية منذ تأسيسها مرحلتين متميزتين أثرت تأثيرا بالغا في سياساتها، تعتبر المرحلة الأولى مرحلة ازدهار اقتصادي وامتدت من 1945 الى 1970، أما الثانية فهي مرحلة أزمة وتبدأ من بداية عقد السبعينات وتستمر الى الآن.

I/ – مرحلة الاستقرار والتوسع الاقتصادي: 1945 - 1970

فقد اعتمد استقرار النظام الرأسمالي وتوسعه خلال المرحلة الأولى (1945 – 1970) على تكامل وتوازن ثلاث مشاريع مجتمعية شكلت مرجعية للنظم السياسية والاقتصادية السائدة في تلك المرحلة وهي:

1) - مشروع دولة الرفاه الديموقراطية الوطنية في الغرب، وهو مشروع رأسمالي تدخلي بالمفهوم الكينيزي قائم على فاعلية النظم الإنتاجية الوطنية المتمركزة على الذات وتقوم على الاعتماد المتبادل فيما بينها وتتسم بتسوية تاريخية بين رأس المال والعمل نظرا للدور الذي قامت به القوى الشعبية في الانتصار على الفاشية. وقد تبنت هذا المشروع دول أوروبا الغربية ودول أمريكا الشمالية واليابان.

2) - مشروع مؤتمر "باندونغ" لسنة 1955 الذي استهدف بناء دولة بورجوازية وطنية في البلدان المتخلفة المستقلة حديثا وهو مشروع تنموي وطني استفادت منه القوى الشعبية نتيجة لدورها التاريخي في التحرر من المستعمر، وقد ضم المشروع مختلف الدول التي انخرطت في حركة ما يعرف بعدم الانحياز.

3) – المشروع الاشتراكي السوفيتي الذي يمكن وصفه بمشروع "رأسمالية الدولة"، وهو مشروع مستقل عن النظام الرأسمالي العالمي استغل نمط الإنتاج الاشتراكي لبناء رأسمالية الدولة وقد استفادت منه القوى الشعبية التي قادت الثورة واستطاعت هزم النظام الفاشي. غير أن النظام تم اخضاعه لتحكم صارم من طرف طبقة سياسية بيروقراطية. وقد تبنت هذا المشروع بمستويات مختلفة كل من دول شرق أوروبا والصين وكوبا.

إذن فقد ارتكز الازدهار الناشئ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية على هذا التكامل والتوازن الثلاثي الأبعاد القائم على الفوردية في الغرب الرأسمالي(وهي تسمية تنسب إلى المهندس الأمريكي فورد صاحب الفكرة أصلا). وعلى إيديولوجيا التنمية التي لازمت إنجازات حركات التحرر الوطني في العالم الثالث. وعلى المشروع الإشتراكي وفك الارتباط المرافق له مع المنظومة الرأسمالية في الشرق.

وقد أدى هذا التوازن الى تحقيق معدلات مرتفعة من النمو على الصعيد العالمي خلال هذه المرحلة على الرغم من النفقات العسكرية الباهضة للقوى السائدة، كما أضفى هذا النمو فاعلية كبيرة على عمل النظام النقدي، على الرغم من عيوبه المختلفة.

إذن ما هو الدور الذي لعبته المؤسسات المالية خلال هذه المرحلة؟



1) – عملت المؤسسات المالية الدولية خلال هذه المرحلة على مواكبة ومساندة الاستقرار الاقتصادي مما ساهم في توسيع نطاق العولمة الاقتصادية تدريجيا نتيجة للرواج الاقتصادي السائد، دون أن يتعارض ذلك مع الاستقلالية الذاتية لكل مشروع من المشاريع الثلاثة المشار إليها، على الرغم من أن تدخلات هذه المؤسسات كانت تنحاز دائما في اتجاه اليمين، بطبيعة الحال، أي في اتجاه القوى الرأسمالية التقليدية.

وقد قام منطق المؤسسات المالية الدولية منذ البداية على أن مجرد نمو الدخل الوطني سيؤدي إلى حل "مشكلة الفقر" ، وأن الانفتاح على السوق العالمية سيؤدي إلى نتائج إيجابية.

وفي هذا الإطار كان صندوق النقد الدولي يقوم بدور دعم السياسات التي تسعى الى العودة الى التوازنات في حالة اختلال في ميزان المدفوعات، كما كان الصندوق يقوم الى جانب البنك الدولي والكات بدور الحفاظ على استمرار تحويل العملات والتخفيض التدريجي للرسوم الجمركية.

2) – عموما كانت المؤسسات المالية الدولية تحترم الخيارات الاقتصادية والمالية للدول المختلفة مثل:

- سياسة الاعتماد على القطاع العام في تحقيق التنمية؛

- وسياسة فرض رقابة صارمة على الأموال الأجنبية؛

- واحترام خيارات الدول الاشتراكية ومبادئ فك الارتباط مع المنظومة الرأسمالية؛

- وإقامة منظومة أسعار محلية مستقلة عن مرجعية المنظومة السائدة عالميا؛

- والاعتماد على دعم سلع الاستهلاك الأساسية ؛

- وسياسات إعادة توزيع الدخل الوطني.

3) – ورغم أجواء الاستقرار السائدة كانت هناك مؤاخذات على عمل المؤسسات المالية الدولية خلال هذه المرحلة تمثلت في:

- أن تدخلات المؤسسات المالية الدولية، تتسم بالتحفظ الشديد لدرجة العجز والخجل. حيث ظل صندوق النقد الدولي عاجزا في تعامله مع الدول الرأسمالية الكبرى؛

- أنه تم استبعاد البنك الدولي عن مسؤوليات إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن البنك قد أنشئ لهذا الغرض بالتحديد. فقد تم إحلال خطة مارشال الأمريكية مكانه؛

- أن اتفاقيات الكات اكتفت بالمطالبة بتخفيض الرسوم الجمركية.



Ii/– مرحلة انفجار الأزمة الهيكلية للنظام الرأسمالي

مع بداية عقد السبعينات بدأت بوادر الأزمة الهيكلية للنظام الاقتصادي العالمي تحل تدريجيا محل الازدهار السابق. وجاء هذا الإنهيار التدريجي نتيجة تراجع مكانة القوى الشعبية في ميزان القوة السياسية لصالح التحكم المطلق لرأس المال ونتيجة لعدة عوامل أخرى بعضها كامن في طبيعة النظام الرأسمالي نفسه الذي يقود بشكل ميكانيكي نحو الأزمة (نظرية الدورات الاقتصادية)، والبعض الأخر نتيجة انهيار التوازن الثلاثي السابق، حيث تآكل تدريجيا كل من المشروع الاشتراكي السوفيتي نتيجة عجز النظام عن تجديد نفسه ومشروع باندونغ لدول عدم الانحياز نتيجة لغياب الديموقراطية السياسية وهيمنة الكومبرادورية. كما ارتبطت عوامل أخرى بانهيار النظام النقدي الدولي مع اعلان الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1971 من جانب واحد ايقاف العمل بتحويل الدولار الى ذهب وكذا انعكاس الصدمة البترولية الأولى لسنة 1973 على تفاقم أسعار المواد الأولية.

وتمثلت أبرز معالم الأزمة في ظاهرة الركود التضخمي، أي في تعايش الركود الاقتصادي الى جانب التضخم المالي وهي ظاهرة لم يعرفها الاقتصاد الرأسمالي من قبل، ولم تجد النظريات الاقتصادية الكينيزية حلولا لها. فقد كان هناك تفاوت صارخ بين حجم رؤوس الأموال الهائلة وتراجع منافذ الاستثمار مما أدى إلى الركود الاقتصادي والبطالة من جهة وإلى ارتفاع معدلات التضخم من جهة أخرى الشيء الذي هدد بانهيار مالي عالمي خطير.

هنا ستعرف سياسات المؤسسات المالية الدولية انقلابا جذريا في اتجاه السعي الى تدبير الفوضى والأزمة القائمة لفائدة الرأسمال المالي الدولي. فما هي أهم معالم السياسات الجديدة التي انتهجتها هذه المؤسسات؟

1) – بدأت المؤسسات المالية الدولية تسعى الى العودة الى الرواج الإقتصادي من خلال خلق شروط العودة إلى التوسع الرأسمالي السابق. لكنها أخفقت في هذه المهمة لحد الآن، لأن الهيمنة الكلية للمشروع الرأسمالي الذي يقوم على "تحكم السوق المطلق"، وإخضاع المجتمعات المختلفة لمقتضيات ربحية رأس المال، لا يمكنه أن ينتج سوى الأزمة.

2) – تدبير المديونية الخارجية من خلال الاكتفاء بإعادة جدولة الديون الخارجية، بدلا من التصدي للآليات التي أنتجت هذه المديونية، وأدت إلى تفاقم عبئها المستمر (مثل أسعار الفائدة المرتفعة وإلغاء الرقابة على الانفتاح الخارجي... الخ).

3) – بدأت المؤسسات المالية الدولية في تعميم إيديولوجية الليبرالية المتوحشة على بقية دول العالم منذ صعود اليمين المتطرف إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة رونالد ريغان.

4) - فرض برنامج التقويم الهيكلي على مختلف الدول التي تلجأ لصندوق النقد الدولي لجدولة ديونها الخارجية لتكيفها مع شروط تدبير الأزمة، وذلك مهما اختلفت الظروف الخاصة بهذه الدول، كأنها لم تكن خاضعة قبل ذلك لقواعد "التماثل" المستمر مع احتياجات التوسع الرأسمالي العالمي، وكأن الأزمة التي تعاني منها هذه الدول خاصة بها؛ ولا علاقة لها بالدول الرأسمالية المتقدمة!

5) – فرض برنامج التقويم الهيكلي على دول المعسكر الاشتراكي السابق، كما لو أن هذه البرامج هي الوسيلة الصحيحة لمساعدتها في التحول نحو نمط الإنتاج الرأسمالي.

إذا كانت تلك هي سمة سياسات المؤسسات المالية الدولية، فما هو المسار الذي سارت فيه كل مؤسسة على حدة؟



i/ – بالنسبة لصندوق النقد الدولي

أ – سنجد أن انشاء هذه المؤسسة تم أساسا من أجل تثبيت الأوضاع النقدية وبناء اقتصاد مفتوح على الصعيد العالمي وذلك في ظل غياب قاعدة الذهب التي كانت تقوم بهذه الوظيفة حتى الحرب العالمية الأولى. وقد نجح صندوق النقد الدولي في أداء هذه المهمة عندما ساهم في تحويل العملات الأوروبية ما بين 1948 الى عام 1957 وكذلك عندما شارك في رسم سياسات تقويم متبادلة بين الاقتصاديات الأوروبية من عام 1958 الى عام 1966.

ب - لكن انطلاقا من عام 1967- بدأت تدخلات الصندوق تفشل في تحقيق الثبات، على الرغم من اختراع وسائل سيولة عالمية جديدة وهي حقوق السحب الخاصة. فقد تدهورت العملات الرئيسة مثل الجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي، وارتفعت أسعار كل من المارك الألماني والين الياباني، بينما ضل سعر الذهب عائما. لذلك يمكن اعتبار تاريخ الأخذ بمبدأ التعويم العام للعملات –انطلاقا من سنة 1973- هو تاريخ انتهاء السياسات السابقة للصندوق.



وانطلاقا من تراجع الرواج الاقتصادي ودخول النظام الرأسمالي في مرحلة الأزمة، انهار الدور القديم لصندوق النقد الدولي ، وأصبح مضطرا لأن يتكيف مع الواقع الجديد، والمحافظة على وجوده من خلال العمل على تماسك أدوات تنفيذ خطة إدارة الأزمة، وذلك من خلال:

- تعويم الصرف،

- والحفاظ على ارتفاع معدلات الفائدة،

- وتحرير تحركات رؤوس الأموال،

- وإدارة التقويم الهيكلي الخاص بالبلدان النامية،

- وإعادة إدماج بلدان المعسكر الاشتراكي السابق في المنظومة النقدية العالمية.



1) – فقد وجد صندوق النقد الدولي حلا لظاهرة رؤوس الأموال المتراكمة وتناقص منافذ الاستثمار باعتماده على سياسة تعويم العملات، حيث شكل هذا التعويم منفذا لفائض الأموال السائلة في المضاربات المالية. ونشير في هذا الصدد إلى أن تحويلات الأموال السائلة على الصعيد العالمي بلغت اليوم رقما قياسيا يتجاوز 100 ألف مليار دولار سنويا (على أقل تقدير)، وهو ما يعادل 30 مرة ضعف حجم التجارة الدولية الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف مليار دولار سنويا. والملاحظ هنا أن دعوة صندوق النقد الدولي لدول العالم الثالث إلى فتح حدوده أمام هذه التدفقات المالية، والأخذ بسياسة الصرف العائم يخففان من خطورة الأزمة التي كانت تهدد بانهيار مالي خطير في مراكز المنظومة الرأسمالية.

وتؤكد هذه الملاحظة على أن اهتمام صندوق النقد الدولي ينصب في واقع الأمر على إدارة الأزمة أكثر مما ينشغل بإيجاد حلول ناجعة لمشاكل دول العالم الثالث.

2) – كما شكلت سياسة المحافظة على ارتفاع أسعار الفائدة المطبقة على القروض الدولية وسيلة فعالة لضمان مردودية معقولة للاستثمارات المالية، وثمنا لتأمين هذه الأموال ضد مخاطر المضاربة المالية في ظل تقلبات أسعار الصرف العائمة. وتعتبر هذه السياسة كذلك جزءا في إدارة الأزمة.

3) –كما يمكن تسجيل سياسة تحرير حركة رؤوس الأموال التي سنها صندوق النقد الدولي ضمن سياسات التقويم المفروضة على البلدان المدينة ضمن وسائل إدارة الأزمة المالية العالمية. فمنطق سياسات التقويم الهيكلي يقوم على إعطاء الأولوية لفتح المجال أمام تحركات رؤوس الأموال، ولو تم على حساب التنمية. والمقصود هنا هو إطلاق الحرية الشاملة لتحركات الأموال مما يستلزم اتخاذ مجموعة من الإجراءات ذات الطابع الانكماشي، مثل :

- تخفيض الأجور والنفقات الاجتماعية،

- وتحرير الأسعار،

- وإلغاء دعم المواد الأساسية،

- وتخفيض سعر الصرف.

وتنشغل المؤسسات المالية الدولية بهذه المهمات المرتبطة مباشرة بإدارة الأزمة. مما يجعل خطابها حول "التنمية" والدموع التي تذرفها على "الفقر" مجرد خطبا للاستهلاك تنقصها المصداقية.



Ii/ – أما بالنسبة للبنك الدولي فسنلاحظ:

أن تاريخ البنك ارتبط بتوسع المشروع التنموي في دول العالم الثالث، وقد ساهم من هذا الموقع في تمويل المشاريع التنموية التي تتطابق مع فلسفته العامة وتوجهات المتحكمين في قراراراته الأساسية. وقد جاء توسع البنك الدولي جاء متأخرا ليتطابق مع دخول المنظومة الرأسمالية في مرحلة الأزمة. حيث وقع ذلك على عهد مكنامارا المدير السابق للبنك الدولي ما بين 1968 و1981.

فخلال مرحلة الأزمة تلاشت إيديولوجيا التنمية مع تآكل مشروع باندونغ وحركة عدم الانحياز. وتم تسجيل عودة قوية للكومبرادورية بواسطة برامج التقويم الهيكلي. ويخصص البنك الدولي اليوم ثلث موارده لبرامج "قطاعية" تكميلية للاستراتيجيا العامة التي يفرضها صندوق النقد الدولي في إطار توصيات "مجموعة السبع"، وأوامر الإدارة الأمريكية.

كما يعمل البنك الدولي على تسهيل اختراق دول العالم الثالث من طرف الشركات متعددة الاستيطان، حيث فتحت المشاريع التي مولها البنك الدولي أسواقا واسعة لمصدري الأجهزة والآلات. ويعلم الجميع بأن هذه الأسواق تشكل موردا ماليا مهما للعديد من كبريات الشركات متعددة الاستيطان. والمعروف أن كلفة المشاريع التي يمولها البنك الدولي تتجاوز دائما تكاليف أعمال مماثلة تقوم بها مؤسسات تمويلية أخرى، إضافة إلى ارتفاع معدلات الفائدة التي يطبقها (7 %) والتي تفوق معدلات مختلف مؤسسات التمويل الأخرى.



فسياسات البنك الدولي منحازة بشكل مطلق لمصالح الرأسمال المالي العالمي في العديد من الواجهات:

1) – فهو يدعم نشاط الشركات متعددة الاستيطان المستثمرة في مجال استخراج وتصدير المواد الخام من خلال تمويل التجهيزات الأساسية. ويقوم كذلك بوظيفة "المؤمن" ضد مخاطر التأميم، وبدور الممول الذي يأخذ على عاتقه انجاز البنيات الأساسية اللازمة مثل الطرق والسدود والسكك الحديدية والطرق السيارة والموانئ والماء الشروب وخطوط الكهرباء.

2) – كما يعمل البنك الدولي على تكسير استقلالية المجتمع الزراعي واعتماده على النفس، بواسطة الدفع نحو رسملة القطاع الزراعي وتفضيل المنتوجات المخصصة للتصدير على تأمين الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الأساسية.

3) – كما يعمل البنك الدولي على إدماج البلدان المتخلفة في المنظومة الرأسمالية كأطراف تابعة حيث يشجع البنك، على سبيل المثال، استخدام سيارات النقل على حساب السكك الحديدية؛ مما يفتح سوقا واسعة لصادرات النفط، الشيء الذي يؤدي الى تضخيم عجز ميزان المدفوعات في عدد من بلدان العالم الثالث. كما يشجع استغلال الغابات للتصدير بكميات تهدد البيئة ومستقبل المناطق التي دمرها هذا الاستغلال المفرط في قطع الأشجار.

4) – كما عمل البنك على مقاومة تصنيع بلدان العالم الثالث، بما في ذلك البلدان التي يقوم البنك اليوم بإطراء منجزاتها –مثل دول النمور الآسيوية. فالبنك اعتبر أن الاستثمار في الصناعة هو مسؤولية رأس المال الخاص مباشرة. وطبعا يمتنع البنك عن الاعتراف بأن البلدان التي نجحت في التصنيع –مثل كوريا وماليزيا- فعلت عكس ما يقترحه هو في هذا المجال؛ أي فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية والامتناع عن الدعم ...الخ.

5) – كما تجاهل البنك الدولي مظاهر الفقر وتدهور البيئة متماثلا في ذلك مع استراتيجية رأس المال عموما، على الرغم من خطابه الصاخب في هذا المجال. وقد ساند البنك –باسم التوسع الزراعي- سياسات غزو الأراضي المملوكة جماعيا، كما ساند الإفراط في استغلال الغابات، وهي خيارات مدمرة للبيئة.

6) – كما عمل البنك الدولي على معاداة دمقرطة الحياة السياسية في العديد من دول العالم الثالث رغم ادعائه بأنه "محايد سياسيا"- فهو يتعامل فقط مع النظم المنحازة تماما لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية، مثل أنظمة موبوتو وماركوس وبينوشي وسوهارتو ودوفالييه؛ فلم ينشغل البنك بالممارسات المنافية للديموقراطية لهذه النظم، ولا بانتشار الفساد فيها، ولا بغياب أداء مشروعات التنمية في هذه الظروف.



Iii/ – أما بالنسبة للإتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية فنجد أن هذه الاتفاقيات قامت على مجموعة من المبادئ المعلنة المعروفة مثل:

1) - تفضيل الاتفاقيات متعددة الأطراف على الثنائية في التبادل؛

2) - إلغاء الإجراءات التي تعطي أفضلية للمنتجين الوطنيين على الأجانب؛

3) - منع ممارسات إغراق الأسواق؛

4) - تخفيض الرسوم الجمركية؛

5) - إلغاء وسائل الحماية غير المباشرة من خلال تحديد الكميات المسموح باستيرادها؛

6) - منع فرض شروط "إدارية" أو "صحية" لا مصداقية في تبريرها.



◄وقد اعتمد أنصار الكات في الدفاع عن هذه المبادئ على فكرة بسيطة – لكنها غير صحيحة علميا- وهي أن حرية التجارة تنتج ازدهار التبادل. وأن هذا الازدهار يشجع بدوره التنمية.

لكن العديد من الشواهد التاريخية تثبت خطأ هذه الافتراضات المبسطة. فبعد الحرب العالمية الثانية جاء ازدهار التجارة نتيجة للنمو الاقتصادي أكثر مما كان سببا له. أما التنمية نفسها فكان سببها الرئيسي فاعلية التوازن الثلاثي الأطراف الذي أشرت إليه سابقا.

وقد تحققت بالفعل عقب الحرب العالمية الثانية معدلات مرتفعة من نمو التبادل التجاري الدولي، على الرغم من الرسوم المرتفعة والإجراءات الحمائية الصارمة التي سادت تلك الفترة، ثم انخفض معدل نمو التجارة الدولية من 7 % سنويا في عقد السبعينات إلى 4 % في عقد الثمانينات، بسبب أزمة التنمية الاقتصادية، وعلى الرغم من إجراءات تحرير التجارة وتخفيض الرسوم الجمركية.

فليس هناك علاقة بين حرية التجارة وازدهارها. بينما توجد علاقة واضحة تربط بين الازدهار الاقتصادي (وهو السبب) والتوسع التجاري (وهي النتيجة)، وليس العكس، وذلك سواء أكانت النظم السائدة في مجال التجارة تميل إلى الانفتاح الحر أو إلى الحماية.



◄ويبدو أن حكومات دول العالم الثالث تقف عموما في صف مبدأ حرية التجارة. نظرا لعدد من الأسباب مثل:

- أن الدول نصف المصنعة، تعتبر أن استمرار تدفق صادراتها نحو أسواق الشمال يعتبر أمرا حيويا من أجل تمويل استيرادها للتكنولوجيات المطلوبة؛

- أما الدول المتخلفة التي يقوم اقتصادها بالأساس لأسباب تاريخية على تصدير المواد الخام؛ فلا خسارة ولا كسب من وراء عملها بمبدأ حرية التبادل.

- كما أن أسلوب التفكير الكومبرادوري الذي يعطي الأولوية للأجل القصير، على حساب الآفاق البعيدة، يدفع بلدان العالم الثالث الخاضعة لنفوذها لترجيح مبدأ حرية التجارة.

ورغم دفاع حكومات العالم الثالث عن مبدأ الحرية في التجارة الا أنها تعلم تماما بأن الكات لا يفعل ما يدعي ، ولا يدافع عن حرية تجارية صحيحة في واقع ممارساته.

◄وقد تقدمت بلدان العالم الثالث ، في اطار مجموعة ال 77 منذ عقد السبعينات، بالعديد من المطالب، في مجال حرية التجارة باسم "النظام الاقتصادي العالمي الجديد" لكنها تعرضت لمواجهة عنيفة في اطار مؤسسة الكات: ومن بين هذه المطالب هناك:




1) – المطالبة بفتح أسواق الشمال للصادرات الصناعية لدول الجنوب (وقد واجهت اتفاقيات الكات هذا المطلب بإخراج صناعة النسيج من قواعد التجارة الحرة!).

2) – المطالبة بتحسين شروط التبادل لصالح المنتجات الزراعية الاستوائية ومنتجات التعدين (وهي إجراءات في خدمة البيئة لكن اتفاقيات الكات سكتت عنها تماما!).

3) – المطالبة بفتح الأسواق المالية لدول الشمال للاقتراض من الجنوب (وقد واجهت اتفاقيات الكات هذا المطلب بفرض "تحرير العمل المصرفي" الذي أدى إلى عكس ما هو مطلوب؛ أي إلى هجرة الأموال من الجنوب نحو الشمال!).

4) – المطالبة بتحسين شروط نقل التكنولوجيا (لكن اتفاقيات الكات واجهت هذا المطلب بإجراءات كرست الموقع الاحتكاري للشركات متعددة الإستيطان باسم "حقوق الملكية الصناعية"!). هذا ويعلم الجميع أن الشمال قد رفض مشروع "النظام الاقتصادي العالمي الجديد" الذي صاغته دول حركة عدم الإنحياز سنة 1975 وفرضت مكانه العولمة الليبرالية المتوحشة.

◄ويبدو واضحا أن القاسم المشترك الذي اتفقت دول الغرب حوله في اطار اتفاقيات الكات هو معاداة العالم الثالث؛ لاسيما في مواجهة صادرات الدول المصنعة حديثا التي سعى الغرب إلى إيقاف اختراقها للأسواق العالمية. والمواقف التي اتخذتها الدول الغربية في هذا الصدد تناقض تماما مبادئ حرية التجارة! ومن بين هذه المواقف هناك ما يلي:

1) – ممارسة الحيف اتجاه منتجات دول الجنوب، حيث لا تمثل التجارة الخاضعة لقواعد اتفاقيات الكات العامة الليبرالية أكثر من 7 % من التجارة العالمية. بينما تعتبر الاتفاقية الخاصة بالمنسوجات –وهي أهم بنود صادرات الجنوب- استثناء على قاعدة الليبرالية، وتعتبر "اتفاقية مؤقتة"؛ علما بأن المؤقت لا زال مستمرا منذ 25 سنة! كذلك تم اخراج المنتجات الزراعية من القاعدة العامة – ومنها الزيوت الاستوائية التي تنافس زيوت الزراعة في الشمال – والمعادن.

2) - انحياز الكات لصالح الاحتكارات حيث شن الغرب هجوما عنيفا ضد الإجراءات التي اتخذتها بعض بلدان العالم الثالث من أجل إخضاع الشركات المتعددة الاستيطان لقواعد المنافسة الصحيحة والمشاركة في التنمية مثل تحديد نسبة أدنى من عوامل إنتاج هذه الشركات تكون إنتاجا محليا، وتخصيص نسبة أدنى من هذا الإنتاج للتصدير ... الخ. والواضح أن الشركات لا تسعى هنا إلى المنافسة في الأسواق العالمية؛ بل تدافع عن امتيازات احتكارية في الأسواق المحلية لدول الجنوب.

3) – وتحت ذريعة الإجراءات الخاصة بالملكية الصناعية، يعمل الغرب على حماية امتيازات احتكاره التكنولوجي على حساب احتياجات التنمية. فتدافع اتفاقيات الكات عن ما يسمى "بالأسرار التجارية" كما يستخدم مصطلح "القرصنة" في تناول مشكلة نقل التكنولوجيا. كما دافعت اتفاقيات الكات عن مواقف احتكارية لصالح صناعة الأدوية في مواجهة العالم الثالث الذي طالب بتخفيض شروط هذه التجارة من أجل تسهيل حصوله على أدوية رخيصة.

4) - وفي الوقت الذي كثر فيه الحديث في وسائل الإعلام عن "الفساد"، تجرأت اتفاقيات الكات على طرح مشروع يمنع على دول العالم الثالث حق اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من الغش في فواتير التصدير والاستيراد، علما بأن هذا الغش المشهور وسيلة للفساد وللهروب من الضرائب!

5) - أما بالنسبة إلى الهجوم الذي شنه الكات من أجل تحرير النشاط المصرفي والتأمين؛ فإن الهدف منه هــو تسهيــل هجرة الأمــوال من الجنوب إلى الشمـــال! وقــد رفضت دول آسيا هذا "التحرير" الذي قبلته–مع الأسف- دول إفريقيا والدول العربية وأمريكا اللاتينية.



ثانيا: انعكاسات سياسات المؤسسات المالية الدولية على بلدان العالم الثالث:

يمكن أن نتساءل الآن عن أبرز مخلفات سياسات المؤسسات المالية الدولية على بلدان العالم الثالث؟



◄لقد جاء تطبيق سياسات المؤسسات المالية الدولية المعتمدة منذ عقد السبعينات كارثيا على بلدان العالم الثالث. ويكفي الرجوع إلى المؤشرات الإحصائية الاقتصادية الصادرة عن هذه المؤسسات نفسها بخصوص عواقب التقويم الهيكلي لمعرفة حجم الآثار السلبية التي خلفتها، ونجد من بين هذه النتائج:

1) - ارتفاع نسبة البطالة في كل مكان عبر العالم.

2) - انخفاض مداخيل العمل وتزايد وثيرة التسريحات الجماعية.

3) - تفاقم التبعية الغذائية للعديد من البلدان.

4) - تفاقم ظروف البيئة تفاقما خطيرا على الصعيد عالمي.

5) - تدهور النظم الصحية والتعليمية.

6) - تفكك الأنظمة الإنتاجية في العديد من الدول.

7) - وضع عوائق متزايدة أمام تحقيق النظم الديموقراطية.

8) - استمرار تضخم عبء الديون الخارجية! على الرغم من تطبيق الحلول التي تقترحها برامج التقويم الهيكلي.



◄ما هي الخلاصة الرئيسية لهذه النتائج الكارثية ؟:

1) - أن سياسات المؤسسات المالية الدولية هي المسؤول الرئيسي عن تدهور أوضاع الطبقات العاملة والشعبية في دول الجنوب والشرق.

2) - أن هذه السياسات لا تشكل حلا للأزمة، بل تدفع على العكس نحو تفاقمها.



◄ورغم "النقد الذاتي" الذي قدمه البنك، والخطاب الجديد الذي صاغه بشأن مكافحة "مشكلة الفقر"، إلا أن ذلك لم يكن مقنعا.

1) – فالفقر لم يكن محط اهتمام البنك الدولي قبل 1980، كما أنه لم يعترف أبدا بأن ظاهرة الفقر ليست جديدة، وبأنه نتيجة للماضي الاستعماري للمنظومة الرأسمالية.

2) – كما لم يعمل البنك الدولي على إيجاد حلول لأزمة المديونية الخارجية لحد الآن، ويؤكد ذلك على أن المؤسسات الدولية تقبل بأن يظل الجنوب الفقير مصدرا لتوفير الأموال للشمال الغني.

3) - أن الاعتماد على الصادرات كمحرك أساسي للنمو، وهو مضمون اقتراحات البنك في مجال التنمية، لا يضمن ديمومة التنمية المطلوبة.

4) - أن سياسات التقويم المطلوب تنفيذها من طرف دول العالم الثالث تحول دون مشاركة الطبقات الشعبية في اتخاذ القرار. وبالتالي تعارض هذه السياسات دمقرطة الحياة السياسية من حيث المبدأ.

◄ما العمل إذن للخروج من فخ المؤسسات المالية؟

ثالثا: اقتراحات اصلاح المؤسسات المالية الدولية

هناك الآن على الصعيدين العالمي والمحلي العديد من المنظمات غير الحكومية التي تقاوم ما يعرف بالعولمة الليبرالية، ومن بين هذه المنظمات طبعا مجموعات أطاك. وتعمل هذه المجموعات على فضح تصرفات المؤسسات المالية الدولية كما تعمل على صياغة العديد من البدائل والاصلاحات الممكن فرضها على هذه المؤسسات. وتركز هذه الاقتراحات على تصور بديل للمؤسسات المالية الدولية توضع في خدمة التنمية الحقيقية وتسعى الى استئصال الفقر، والتوسع في الخدمات الاجتماعية، والتقليص من التفاوتات الصارخة) بحيث يتم اعادة ربط الاقتصاد بالسياسة وخلق شروط ديمومة التقدم الديموقراطي.

وتدعو الاقتراحات المطروحة الى إرغام المؤسسات المالية الدولية على التكيف مع مقتضيات التنمية الشعبية والإنطلاق من أرضية محلية ملموسة من أجل انجاز تنمية أفضل تتيح تحرير القدرات الشعبية على المبادرة وتحمل المسؤوليات واتخاذ القرار، ومن تم تجاوز حدود منطق الرأسمالية الذي يعامل العامل بصفته قوة عمل ذات طابع سلعي والمواطن بصفته مستهلكا. ويتطلب التقدم في هذه الاتجاهات اعتماد سياسات مناسبة على جميع مستويات السلطة الوطنية والإقليمية والعالمية. ويبقى المستوى الوطني حاسما في هذا الصدد.

كما تدعوا هذه الاقتراحات الى تطبيق نوع من الكينيزية على الصعيد العالمي، من خلال وضع نظام لإعادة توزيع الدخل لصالح شعوب العالم الثالث والطبقات العاملة عالميا. وفي هذا الإطار تم طرح إصلاحات تخص المؤسسات المالية الدولية، كما يلي:

1) – تحويل صندوق النقد الدولي إلى بنك مركزي عالمي يعمل على إصدار السيولة على الصعيد العالمي، ويحل محل قاعدة الدولار، ويضمن ثبات الصرف عن طريق نوع من التكيف في ظل النمو.

2) – تحويل البنك الدولي إلى صندوق لتمويل التنمية عبر جمع فوائض موازين المدفوعات لا لإقراضها للولايات المتحدة، كما هو الشأن حاليا؛ بل للعالم الثالث من أجل دفع نموه.

3) – دمقرطة منظمة التجارة الدولية من خلال تكافؤ الأصوات ومن خلال سن قوانين وقواعد مشتركة تحترم مقتضيات البيئة والحماية الاجتماعية. وتعمل على تثبيت أو رفع أسعار المواد الخام المنتجة في بلاد العالم الثالث مع تأسيس نظام ضرائبي على الصعيد العالمي يبدأ بفرض رسوم على المضاربات المالية وعلى الطاقة والموارد غير القابلة للتجديد؛ الأمر الذي يمثل في حد ذاته وسيلة فعالة لحماية البيئة والمساهمة في تمويل تنمية الدول الفقيرة.

4) – رفع شأن الدور السياسي للأمم المتحدة بغية تشجيع الدمقرطة السياسية والاجتماعية.

ويشمل الاقتراح وضع شروط تربط التمويل الدولي باحترام حقوق الإنسان ومبادئ الديموقراطية المتعددة، والدعوة إلى مساندة السياسات التقدمية اجتماعيا التي تضمن رفع مستوى مداخيل العمل بموازاة مع تقدم الإنتاجية وتوزيع عادل للدخل الوطني ... الخ وفي هذا الإطار هناك دعوة الى احترام مبدأ الاستقلال الذاتي في الغذاء، وبالتالي الوسائل التي تضمن تحقيق هذا الهدف ومنها حماية الزراعة المحلية، على أن يطلب من البلدان الناجحة في هذا المجال أن تدفع في المقابل "ضريبة" لصندوق تمويل التنمية لصالح المناطق النامية التي لم تحقق بعد هدفها.

وتطمح هذه الاقتراحات إلى العودة إلى الاستقرار والرواج الاقتصادي على الصعيد العالمي كما تتطلب إعادة توزيع الدخل عالميا لصالح بلاد العالم الثالث ومحليا لصالح الطبقات العاملة. وأن المطلوب هو إرغام التجارة الدولية وحركات رؤوس الأموال على التكيف مع مقتضيات هذا المنطق. ويركز هذا المنطق على جانب الطلب بدلا من التركيز على جانب العرض الذي يدعو إليه أنصار الليبرالية المتوحشة.

ينبع المشروع الإصلاحي لهذه الاقتراحات من طموح القوى المناضلة إلى إعادة اكتشاف الحاجة إلى نظام اجتماعي آخر غير الرأسمالية، وليس هناك من وصف آخر لهذا النظام البديل سوى الاشتراكية، علما بأن الاشتراكية المقصودة هنا يجب أن تكون عالمية. لكن إنجاز مثل هذا المشروع يفترض تغيرات سياسية عميقة في جميع أنحاء العالم؛ أي استبدال التحالفات المعتمدة على رأس المال في الغرب والتحالفات الكومبرادورية السائدة في الجنوب والشرق بتحالفات متمحورة حول هيمنة الطبقات الشعبية. كما أن إنجاز المشروع يفترض نظاما سياسيا عالميا آخر يكرس فعلا دمقرطة جميع المجتمعات وتنظيم الاعتماد المتبادل مع احترام تباين الظروف الموضوعية.

على سبيل الخاتمــــــــــــــة

نستخلص مما سبق أن لا وجود "لقوانين" تحكم التاريخ، ولا وجود لقوانين لها طابع حتمي بمفهوم نهاية التاريخ الذي صاغه فوكو ياما. كما أن العولمة لا تعتبر أحد تجليات هذه القوانين. فالعولمة الليبرالية هي مجرد مشروع من بين عدة مشاريع أخرى ممكنة، وهو مشروع يستهدف الى تحكم مطلق لرأس المال الذي يتصدى لمشاريع أخرى تنبع من مصالح أخرى. فالانسان سيضل سيد نفسه ما دام مؤمنا بالثورة على الضلم والاستبداد، وهو من يصنع تاريخه. فالتاريخ لا نهاية له. ومسؤولية القوى الاشتراكية والطبقات الكادحة على الصعيد العالمي هي بالتحديد رسم الاستراتيجيات المرحلية التي يحقق إنجازها التقدم في المسيرة التاريخية.

فاس في 13 يوليوز 2002

hglcsshj hglhgdm hg],gdm , jHedvih ugn hgjkldm hglpgdm td hg],g hgkhldm