ما هي النظم الانتخابية





في مفهومها الأساسي تعمل النظم الانتخابية على ترجمة الأصوات التي يتم الإدلاء بها في الانتخابات إلى عدد المقاعد التي تفوز بها الأحزاب والمرشحين المشاركين بها. أما المتغيرات الأساسية فتتمثل في المعادلة الانتخابية المستخدمة (هل يتم استخدام إحدى نظم التعددية/الأغلبية، أو النسبية، أو المختلطة أو غيرها، وما هي المعادلة الحسابية التي تستخدم لاحتساب المقاعد المخصصة لكل فائز)، وتركيبة ورقة الاقتراع (هل يصوت الناخب لمرشح واحد أو لقائمة حزبية، وهل بإمكانه التعبير عن خيار واحد أو مجموعة من الخيارات)، بالإضافة إلى حجم الدائرة الانتخابية (وهذا لا يتعلق بعدد الناخبين المقيمين ضمن حدود الدائرة الواحدة، إما بعدد الممثلين الذين يتم انتخابهم عن كل دائرة انتخابية). وعلى الرغم من عدم تركيز هذا الجزء من الموسوعة على الجوانب الإدارية للعملية الانتخابية (كتوزيع مقرات الاقتراع، أو تسمية المرشحين، أو تسجيل الناخبين، أو الجهاز الإداري للعملية الانتخابية، إلخ) إلا أن هذه المسائل على درجة بالغة من الأهمية حيث يؤدي تجاهلها إلى تقويض الفوائد المرجوة من أي نظام انتخابي يتم اختياره. كما وأن تصميم النظام الانتخابي يؤثر في مجالات أخرى من قوانين الانتخابات: فاختيار النظام الانتخابي له تأثيره على طريقة تحديد الدوائر الانتخابية، وكيفية تسجيل الناخبين، وكيفية تصميم أوراق الاقتراع، وكيفية فرز الأصوات، بالإضافة إلى العديد من الجوانب الأخرى للعملية الانتخابية.



تعتبر مسألة انتقاء النظام الانتخابي من أهم القرارات بالنسبة لأي نظام ديمقراطي. ففي غالبية الأحيان يترتب على انتقاء نظام انتخابي معين تبعات هائلة على مستقبل الحياة السياسية في البلد المعني، حيث أن النظم الانتخابية المنتقاة تميل إلى الديمومة، في الوقت الذي تتموحر الاهتمامات السياسية المحيطة بها حول ما يمكّنها من الاستفادة من المحفزات التي توفرها تلك الأنظمة. وعلى الرغم من أن انتقاء النظم الانتخابية يتم مؤخراً من خلال عملية مدروسة، إلا أن ذلك لم يكن كذلك فيما مضى. ففي كثير من الأحيان كانت عملية الانتقاء تتم بشكل عرضي، كنتيجة لتزامن مجموعة من الظروف غير الاعتيادية، أو استجابة لميول شائع، أو بسبب تحول تاريخي مفاجئ، دون أن ننسى مسائل الإرث الاستعماري وتأثير المحيط كعوامل بالغة التأثير.



يحتاج النظام الديمقراطي الناشئ إلى انتقاء (إن لم يكن وراثة) نظام انتخابي معين لانتخاب سلطته التشريعية. كما ويمكن أن تفضي الأزمات السياسية الحاصلة في نظام ديمقراطي قائم إلى تغيير النظام الانتخابي المعتمد. وحتى في غياب تلك الأزمات فقد يعمل مؤيدو الإصلاح السياسي على وضع مسألة تغيير النظام الانتخابي على الأجندة السياسية في بلد ما. وعادةً ما تتأثر القرارات المتخذة لتغيير النظام الانتخابي المعتمد، أو للإبقاء عليه، بعاملين اثنين هما:

• افتقاد القوى السياسية للدراية الكافية حول النظم الانتخابية، مما ينتج عنه غياب الوعي الكامل حول مختلف الخيارات المتوفرة والنتائج المترتبة على كل منها؛

• أو، على العكس من ذلك، استغلال القوى السياسية لدرايتها بتفاصيل النظم الانتخابية للدفع باتجاه اعتماد نظمٍ يعتقدون بأنها تتلائم بشكل أفضل مع مصالحهم الحزبية.



وبالإضافة إلى النتائج المحسوبة مسبقاً، يمكن أن ينتج عن عملية انتقاء النظام الانتخابي تبعات لم تكن في الحسبان لحظة اختيارها. لذلك فقد لا تكون الخيارات المتخذة هي الأفضل لصحة الحياة السياسية على المدى الطويل، وقد ينتج عنها أحياناً تبعات قد تكون كارثية بالنسبة للعملية الديمقراطية في البلد المعني.



وعليه، فإن الخلفية وراء انتقاء النظام الانتخابي قد تكون بنفس أهمية الخيار المعتمد ذاته. فعملية انتقاء النظام الانتخابي هي مسألة سياسية بالدرجة الأولى، وليست مسألة فنية يمكن لمجموعة من الخبراء المستقلين معالجتها. غالباً ما تكون المصالح السياسية في صلب الاعتبارات، إن لم تكن الاعتبار الوحيد، التي يتم الأخذ بها في عملية انتقاء النظام الانتخابي من بين الخيارات المتوفرة والتي، لذلك السبب بالذات، عادةً ما تنحصر في عدد قليل من الخيارات. وبنفس الوقت، تؤدي الحسابات السياسية قصيرة المدى إلى التعتيم على النتائج طويلة الأمد للأنظمة الانتخابية، وذلك على حساب المصالح الأكبر للنظام السياسي العام. وبالتالي، وعلى الرغم من الصعوبات الهائلة، يهدف هذا الجزء إلى معالجة مسألة النظم الانتخابية وانتقائها بأوسع ما يمكن من العمومية والشمولية.



طالما أن عملية تنظيم المؤسسات السياسية تعتبر مسألة أساسية، ليس بالنسبة للديمقراطيات الناشئة فحسب إنما كذلك بالنسبة للديمقراطيات الراسخة والتي تعنى بمواءمة أنظمتها ومؤسساتها لتتماشى بشكل أفضل مع الواقع السياسي المتغير، يعمل هذا الموضوع على مخاطبة القائمين على تصميم نظمهم الانتخابية أو إعادة تصميمها في الديمقراطيات الراسخة، بالإضافة إلى مخاطبة القائمين على تصميم تلك النظم في الديمقراطيات الناشئة والانتقالية كذلك. ونظراً لاتساع نطاق الجمهور المعني، فلقد تم تبسيط معظم الأدبيات الأكاديمية حول الموضوع، دون التخلي عن معالجة أكثر الأوجه تعقيداً في هذا المجال. وعليه ففي محاولة تحقيق التوازن بين الوضوح والشمولية تكمن الإجابة على ما قد يواجه القارئ في هذا الجزء، حيث قد يبدو بالغ التبسيط في بعض المواقع بينما يأتي فجأةً شديد التعقيد في مواقع أخرى.



في الوقت الذي قد تختلف فيه الظروف المحيطة بعملية الاختيار بين كل من الديمراطيات الناشئة وتلك الراسخة، إلا أن أهدافها عادةً ما تكون واحدة على المدى الطويل، وهي: اعتماد مؤسسات على قدر كافٍ من القوة للدفع باتجاه نظام ديمقراطي يتمتع بالاستقرار، على أن تتمتع تلك المؤسسات بنفس الوقت بقدر كافٍ من المرونة للتعامل مع المتغيرات. ويمكن لكلا النوعين من الديمقراطيات الاستفادة من تجارب الديمقراطيات الأخرى. وبما أن عملية تنظيم وبناء المؤسسات في تطور مستمر، يعمل هذا الجزء من الموسوعة على تقديم العبر والدروس الناتجة عن كثير من الأمثلة الواقعية فيما يتعلق بهذه العملية حول العالم.



تمت كثير من عمليات تصميم وبناء الأنظمة الدستورية في حقب قريبة نسبياً: إذ حفزت الحركات الدافعة باتجاه الديمقراطية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي باتجاه البحث عن أشكال أكثر استقراراً وملائمة للمؤسسات التمثيلية، بما في ذلك تقييم جديد للأنظمة الانتخابية. ولقد شجع على ذلك الإدراك المتزايد لحقيقة مفادها أن للخيارات الممارسة فيما يتعلق بتنظيم المؤسسات السياسية تأثير كبير على النظام السياسي العام. وعلى سبيل المثال هناك إدراك متعاظم لإمكانية تصميم النظم الانتخابية بشكل يوفر التمثيل الجغرافي ويحفز على تحقيق النسبية في التمثيل في آن واحد؛ وبما يشجع قيام الأحزاب السياسية الفاعلة على المستوى الوطني، وبنفس الوقت توفير المزيد من الفرص لتمثيل المرأة والأقليات المحلية؛ وإمكانية استخدام النظام الانتخابي لتحقيق التعاون والتوافق في المجتمعات التي يسودها الانقسام من خلال اعتماد وسائل مبتكرة واستخدامها كمحفزات وكضوابط في نفس الوقت. لذلك ينظر للأنظمة الانتخابية اليوم على أن لها تأثير حاسم في بناء النظام السياسي، بالإضافة إلى أهميتها البالغة في كل ما يتعلق بقضايا إدارة الحكم على نطاق أوسع.

lh id hgk/l hghkjohfdm