التنافس الفرنسي و الامريكي على مناطق النفود في افريقيا


المواجهة الفرنسية ـ الأميركية في افريقيا مستمرة ولم تنته بإنتهاء الملف الزائري بخسارة فرنسا وفوز أميركا . وقد انتصرت واشنطن على باريس في جولة أخرى تتعلق بمحاولة فرنسا التجديد للأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي وإصرار الولايات المتحدة الأميركية على إنهاء خدماته . كما سبق لوزير الخارجية الأسبق وارن كريستوفر إبان جولته الأفريقية عام 1995 أن رفع التحدي علنا في وجه الديبلوماسية الفرنسية ذات الحضور القوي في أفريقيا آنذاك . وكان كريستوفر عازماً على فتح باب المواجهة السافرة مع النفوذ الفرنسي في افريقيا وقال " لقد انتهى الزمن الذي كانت بعض الدول تقرر تقسيم أفريقيا إلى مناطق نفوذ " واضاف " ان افريقيا بحاجة إلى دعم كل أصدقائها وليس إلى رعاية حصرية من قبل البعض " . ثم أختتم تصريحه بالقول " إن زيارتي عززت ثقتي وقناعتي بأن على الولايات المتحدة الأميركية أن تحافظ على وجودها ونشاطها في هذه القارة " وقد عملت اميركا بالفعل على زيادة وتيرة التبادلات التجارية وزيادة نسبة الاستثمارات في جنوب القارة وفي مناطق جنوب الصحراء .
وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها عازمة على التخلص من القيود التي كانت تحد من حريتها في القارة الأفريقية أناء الحرب الباردة وقد عززت تحالفها مع جوناس سافيمبي زعيم الاتحاد الوطني لاستقلال أنغولا ( اليونيتا ) الذي كان يقود المعارضة المسلحة بدعم أميركي مباشر ضد النظام الموالي للاتحاد السوفيتي سابقاً . وتقوم الولايات المتحدة بتقديم الدعم لدول افريقية أخرى مثل أوغندا وبوروندي ورواندا واثيوبيا في إطار علاقات ثنائية يجري تطويرها بهدوء .
سعت إدارة كلينتون السابقة وبعدها إدارة جورج بوش الإبن حالياً إلى تقوية النفوذ الأميركي في القارة الأفريقية حتى لو كان ذلك على حساب النفوذ الفرنسي التقليدي في جميع المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية بعد أن رسخت الهيمنة الأميركية على شؤون الكوكب وقيادة النظام العالمي وقد سبق لواشنطن أن أنشأت صندوق دعم لأفريقيا بقيمة 350 مليون دولار لمساعدتها في تنفيذ مشاريع البنى التحتية للقطاع الخاص وتشجيع الاقتصاد الحر وتفكيك منظمة الاقتصاد المخطط والمركزي وإنهاء ما يسمى بالقطاع العام لكي يسهل على مؤسساتها الخاصة التغلغل في النسيج الاقتصادي الأفريقي وقد أعلنت مؤسسة الاستثمار الأميركية الخاصة عبر البحار أنها ستستثمر 41 مليون دولار في خمسة مشاريع في أنغولا وليسوتو وناميبيا وجنوب أفريقيا .
وأنشأت صندوق البنية التحتية لأفريقيا لتقديم المساعدات والمعونات في مجالات النقل والاتصالات والطاقة والمياه والتجهيزات الصحية لتوفير 7 آلاف فرصة عمل إضافية بتكلفة 350 مليون دولار وهذه هي الترجمة الفعلية والعملية لجولة بيل كلينتون في آذار مارس 1998 التي أشرنا إليها قبل قليل . وتركز الولايات المتحدة الأميركية على التذكير بفشل التجارب السابقة خلال العقود الثلاثة الماضية التي تلت سنوات الاستقلال في القارة السوداء وعلى فشل نماذج التنمية الاقتصادية الاشتراكية الشخصانية التي طبقها نيريري في تنزانيا وكوندا في زامبيا ، وفشل التجربة الماركسية اللينينة التي طبقت بشكل مأساوي في أنغولا وأثيوبيا ، وأخيراً فشل نمط حكومة الحزب الواحد الشمولي في زائير وكينيا وتعتبر الإدارة الأميركية إن فشل تلك التجارب يعطي دفقاً قوياً للإصلاحات السياسية في أفريقيا منذ بداية سنوات التسعينات من القرن العشرين . وحثت الدول الأفريقية إلى انتهاج التعدية والاقتصاد الحر والعرض والطلب للاستجابة لمتطلبات العولمة لكن التجارب مازالت في بدايتها وتحتاج لجهد طويل .
لقد دعم الكونغرس الأميركي خطوات الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاه السياسية الأفريقية لأميركا ووافق مجلس النواب على القانون التجاري المسمى " النمو والفرص في أفريقيا " ، والذي يعتمد مبدأ الشراكة بدلاً من المساعدة وعلى إزالة الحواجز الجمركية عن صادرات 48 دولة أفريقية وفتح القارة بالمقابل للاستثمارات الأميركية حيث تشكل أفريقيا سوقاً قوامها 700 مليون مستهلك لايصلهم سوى 7 بالمائة من صادرات الولايات المتحدة الأميركية التي لا تتعدى حصة أفريقيا من استيرادها واحد بالمائة وقد تضاعفت المساعدات خاصة الأميركية التي تقدم لأفريقيا خاصة في عهد بيل كلينتون حيث بلغت المساعدات الإنسانية 600 مليون دولار والمساعدات الاقتصادية 1400 مليون دولار وقد تغيرت طبيعة المساعدات الأميركية لأفريقيا ، فبعد أن كانت في السابق لتمويل النشاطات المناهضة للشيوعية ، أصبحت في الوقت الحاضر تتمل في إزالة الحواجز من جانب الدول الأفريقية وتقليص تدخل الدولة في الاقتصاد والإصلاح الإداري والاقتصادي لتقبل الاستثمارات الأجنبية وضمان مصالح الشركات المتعددة الجنسيات مع استمرار المعونات وتنمية الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية غير التقليدية لمساعدة أفريقيا على ولوج العصر التكنولوجي عل حد الإدعاءات الأميركية . فالولايات المتحدة لاتقدم مساعدة لوجه الله ، بل إن تزايد الاهتمام الأميركي بالقارة الأفريقية مرده إلى كون هذه الأخيرة مصدراً رئيسياً للمواد الخام والموارد الطبيعية إلى جانب كونها سوقاً استهلاكية هائلة كما ذكرنا قبل قليل حتى إن الإدارة الأميركية الحالية صارت تتحدث عن " النظام الأفريقي الجديد " وفقاً للمواصفات الأميركية حيث تريد أميركا ربط أفريقيا بها وتخلي هذه الأخيرة عن ارتباطاتها السابقة والتاريخية .
لكن المأزق الذي يواجهه المسؤولون الأميركيون هو طبيعة الصراعات الداخلية وحدتها وتعقيدها فتجربة الصومال كانت درساً قاسياً للأمريكيين يجعلهم يفكرون مائة مرة قبل الإقدام على مايسمى بالتدخل العسكري المباشر في شؤون القارة فالولايات المتحدة الأميركية تريد ضمان وجودها بدون مغامرات عسكرية ولا خسائر بشرية .
وتكتفي واشنطن في الوقت الحاضر باستعدادها لتدريب قوات أفريقية من داخل القارة للقيام بمهام حظ السلام وأعدادها على إدارة الأزمات . وهكذا انفردت الولايات المتحدة الأميركية بتنفيذ وإحتواء واستقطاب المشروع الفرنسي ـ البريطاني في " خلق قوة سلام أفريقية " .
شعر المسؤولون الفرنسيون بخطورة الهجمة الأميركية ضد مصالحهم في أفريقيا ولكنهم شعروا انهم عاجزون عن الوقوف في وجهها لوحدهم فصرح مسؤول فرنسي رفيع المستوى بدرجة وزير " إن على الشركاء الأوروبيين أن يقفوا إلى جانب بلاده في توازن القوى القائم بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في أفريقيا " وشدد على " أن فرنسا ينبغي أن تكون واثقة من الاعتماد على شركائها الأوروبيين لأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك وحدها وقال أن تفاقم الوجود الأميركي في أفريقيا يتطلب دوراً أوروبياً موحداً لمواجهته وعلى الاتحاد الأوروبي أن يضطلع بدور مهم في افريقيا . واشار المسؤول الفرنسي أن الذي يحدو بأميركا للشروع بمثل هذا التحدي ليس لدوافع سياسية بحتة فحسب بل هناك دوافع اقتصادية وأوضح أن " نتائج الأبحاث والتنقيبات النفطية تحمل على الاعتقاد أن خليج غينيا يحوي احتياطات هائلة من النفط قد توازي في حجمها احتياطات الخليج العربي " وهذا ما يثير شهية وأطماع الولايات المتحدة . وفي مواجهة هذا الواقع لم يجد الوزير الفرنسي سوى وسيلة تعزيز الفرانكوفونية حتى في البلدان الأفريقية الناطقة بالانجليزية . في حين علّق الرئيس الفرنسي جاك شيراك مشدداً على " أن العلاقات الفرنسية ـ الأفريقية يجب أن تستند إلى قاعدتين أساسيتين : الأولى تجنب أي تدخل من أي نوع سواء أكان سياسياً أو عسكرياً ، ففرنسا لا تقبل لنفسها مثل هذا التدخل ، وليس عليها أن تمارسه على الآخرين ، وثانياً :" تشجيع شركاءنا الأفارقة على تعزيز دولة الحق والقانون لديهم ، لأنها عنصر بالغ الأهمية لكسب ثقة الرأي العام والمستثمرين وبالتالي تحقيق التطور المطلوب " وأطنب الرئيس الفرنسي في مدح كثافة العلاقات القائمة بين فرنسا وافريقيا " مما يجعلها فريدة ومتميزة، وانه ينبغي على الجانب الفرنسي عدم إثارة الانطباع بأننا نغلق أبوابنا في وجوههم " على حد تعبير الرئيس شيرا ك . وهذا نوع من النقد الذاتي خاصة وان الحكومات الفرنسية المتعاقبة قد تبنت قوانين تغلق الأبواب أمام رجال الأعمال الأفارقة مما دفعهم للتحول إلى دول أخرى أكثر ليونة مثل تركيا وتحول الطلبة الأفارقة للجامعات الأميركية بدلاً من الفرنسية لسهولة القبول فيها ومن المعروف أن هؤلاء الباحثين والطلبة سيكون لهم تأثير كبير في صياغة الخيارات السياسية والاقتصادية لأفريقيا باعتبارهم كوادر المستقبل القيادية .
التجاذب والاستقطاب والتنافس الحاد الأميركي ـ الفرنسي مازال مستمراً قد ينعكس سلباً داخل القارة الأفريقية حيث تطالب فرنسا دوماً بالعودة إلى اتفاق باريس بين فرنسا وأميركا وبريطانيا من أجل إيجاد " آلية خاصة ديبلوماسية ووقائية لتنفيذ استراتيجية مشتركة لمواجهة الأزمات " لأن التضارب في المصالح سوف ينعكس على طبيعة العمل ونوعية الأهداف المبتغاة . السلطات الفرنسية تحبذ التوازن المعقول بدل " المناطحة " الخاسرة بالنسبة لهم قطعاً . ففرنسا لا تستطيع وحدها " مناطحة " أميركا ولا منافستها ، لا في افريقيا ولا في غيرها من مناطق العالم ، كما يقول هنري كيسنجر وزير خارجية أميركا الأسبق في عهد نيكسون . وإلى حين ظهور قوة دولية موازية ومنافسة للولايات المتحدة الأميركية كالصين مثلاً ( وهذا يحتاج إلى عقود طويلة من الصبر والانتظار والمثابرة ) ، ينبغي تحقيق توازن القوى بين القارات ـ الدول والتنسيق بين اوروبا الموحدة وروسيا والصين واليابان والهند بالإضافة إلى أميركا . لهذا ليس أمام فرنسا إلا الإنخراط في العجلة الأوروبية لمواجهة القاطرة الأميركية في أفريقيا .
صرح هنري كيسنجر لصحيفة الفيغارو الفرنسية حول العلاقات الأميركية ـ الفرنسية قائلاً : " صحيح أنه لايمكن أن تكون الولايات المتحدة الأميركية الوحيدة في الغرب التي تتفرد بالقرار . ولكن بين بلدينا ـ أي فرنسا وأميركا ، هوة عميقة تعود جذورها إلى المقاربة المغالية في المنطق التي تستخدمها النخب الفرنسية المتخرجة من المدارس العليا وهي لا تحسن إلا الخطاب المرتكز على ثلاث نقاط ، لا أكثر ولا أقل ، بينما المقاربة الأميركية أكثر براغماتية هذا دون إنكار وجود عدائية مستحكمة بيننا تخلق باستمرار توتراً وهذا التشخيص في الحقيقة مدعاة للسخرية " .. وكيسنجر لا ينكر كذلك وجود تنافس في المصالح تصل إلى حد التضارب والتعارض ولذلك ينبغي أن تتحول المواجهة من مواجهة فرنسية ـ أميركية إلى أوروبية ـ أميركية " مثلما يجب أن يحدث ذلك في مناطق أخرى كالشرق الأوسط وهذا ما تتمناه الحكومة الفرنسية لكنها لاتقدر على تحقيقه الآن .
كما شجعت الإدارة الأميركية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ، الحليفة الاستراتيجية لها ،على خرق الجدار العربي ـ الإسلامي في افريقيا والتغلغل فيها لإحكام السيطرة عليها بالتنسيق مع المخططات الأميركية . وقد وجدت إسرائيل والمنظمات الصهيونية العالمية الهيئات والمنظمات التي تساعد على نسج العلاقات مع الدول الأفريقية وساعدت على تأسيس رابطة الخريجين الأفارقة من الجامعات الإسرائيلية ومنهم من تبوأ مراكز حساسة في بلدانهم وقد وصل عدد الخريجين الأفارقة منذ عام 1960 بالآلاف ومنهم من تسلم اعلى السلطات الأمنية والسياسية والنقابية في أفريقيا . وقد نجحت إسرائيل في التوغل في غانا ونيجيريا وليبيريا وسيراليون وكينيا وتانجانيكا وأوغندا وروديسيا الشمالية وداهومي وساحل العاج والسنغال ومالي وتشاد من خلال المعهد الآفرو ـ آسيوي ومراكز التدريب المهنية والجامعية الإسرائيلية التي تتلقى معونات وتمويلات من هيئات أميركية تابعة لوكالة المخابرات المركزية cia التي قدمت أكثر من 400 مليون دولار لهذا الغرض أي لتسهيل التعاون الإسرائيلي ـ الأفريقي خاصة في نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا وأوغندا والكونغو .
وتبين لاحقاً أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل كانتا وراء أغلب الخلافات العربية ـ الأفريقية وتم التركيز على عدد من الدول الأفريقية وخاصة زائير التي تعتبر من أهم الدول الأفريقية وأكبرها وأغناها رغم ما تعانيه من مشاكل اقتصادية وسياسية خطيرة وقد ساعدت الوكالة الأميركية للتطور ـ وهي فرع نشط من فروع السي آي أيه ـ إسرائيل مادياً واقتصادياً لتطوير علاقاتها مع زائير تحديداً .ورد في أحد تقارير الخارجية الفرنسية " إن القارة السوداء تشكل أولوية للعمل الخارجي الفرنسي ، عبر سياسة وفاء لقارة " تربطنا بها صلات وروابط قديمة وتاريخية دون النظر فيما إذا كانت دول هذه القارة ناطقة بالفرنسية أو الانجليزية "
لقد تبدلت الأدوار اليوم فبعد أن كانت بريطانيا هي أكثر الدول مزاحمة ومنافسة لفرنسا في أفريقيا نظراً لوجودهما التقليدي تاريخياً في هذه المنطقة ، اصبحت أميركا هي التي تحل محل بريطانيا في لعب دور المنافس الخطير للوجود والنفوذ الفرنسي . ويمكن القول أن أفريقيا في طريقها للتحول من وصاية باريس عليها إلى وصاية واشنطن .
المشكلة القائمة لا تتمثل بقبول أو رفض المجتمعات الأفريقية لهذه الوصاية الغربية ، أميركية كانت أو فرنسية ، أو أوروبية ، بل في قبول الغرب تحمل التكاليف السياسية والأعباء المالية والاقتصادية لمثل هذه " الوصاية " على القارة الفقيرة ـ الغنية في آن واحد . فالتدخل في أفريقيا عملية مكلفة والتخلي عنها خسارة فادحة لما تخبئه أراضيها من نفط وثروات معدنية وجواهر وأحجار كريمة وماس الخ ..
من البديهي القول أن النفوذ في القارة الأفريقية يتقاسمه طرفان غربيان متنافسان : الطرف الأول فرنسا المستعمرة السابقة للجزء الأكبر من أراضي هذه القارة ، والتي ظلت تسيطر على أكثر من 20 بلداً فيها سيطرة غير مباشرة عبر رابطة الفرانكوفونية والاحتكار شبه المطلق للأسواق الأفريقية ، وفي نفس الوقت تقديم الجزء الأكبر من المعونات الدولية أو تحملها لهذا الجزء الأكبر من المساعدات الدولية . الطرف الثاني هو الولايات المتحدة الأميركية التي ورثت الإمبراطورية البريطانية وتفرض سيطرة نسبية على ما كان يسمى بافريقيا الآنجلوفونية ، لكنها اليوم لا تكتفي بهذا الجزء من أفريقيا لتمارس نفوذها عليه بل تسعى لقضم حصة فرنسا المتبقية داخل هذه القارة بشتى السبل والأساليب ومنازعة النفوذ الفرنسي في باقي الدول الأفريقية التي صارت تفلت من نطاق الهيمنة الفرنسية والاحتكار الفرنسي كما تسعى الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على بعض الدول الأفريقية التي كانت خاضعة للسيطرة الروسية ـ السوفيتية .
قلنا أن فرنسا بدأت تراجع سياستها الأفريقية في السنوات القليلة الماضية . ولقد تفطن الرئيس السابق فرانسوا ميتران إلى أن بلاده لايمكن أن تواصل نفس السياسة التي انتهجها الجنرال ديغول في أفريقيا وبقيت سائدة حوالي الثلاثين عاماً لكنه لم يتوصل هو وحكوماته المتعاقبة ، ولا الرئيس جاك شيراك وحكوماته المتعاقبة ، يمينية أو يسارية ، إلى صياغة معالم سياسة أفريقية جديدة مستقرة وثابتة .وكبداية لهذا " الإصلاح أو التجديد " عرض فرانسوا ميتران على رؤساء الدول الأفريقية المشاركين في القمة الأفريقية ـ الفرنسية في لابول في حزيران / يونيو 1990 مبدأ مقايضة الإعانات الفرنسية لهم بقبولهم سياسة التعددية الحزبية وخوض التجارب الديموقراطية وإجراء الانتخابات الحرة حتى لو كانت تجارب ديموقراطية محدودة مناسبة لأوضاع بلدانهم الخاصة ، وهذا الموقف يختلف كلياً عمّا كان ميتران ينوي فعله قبل انتخابه رئيساً عام 1981 حيث كانت النية تتجه إلى إحداث تغيير جذري للسياسة الأفريقية لفرنسا . وتعترف الدوائر العليا الفرنسية بصورة غير مباشرة وغير معلنة أنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن الأوضاع المتردية في العديد من البلدان الأفريقية التابعة لها . ولم تحترم الدول الأفريقية الاقتراح الفرنسي فلم تقايض المساعدات بالديموقراطية الحقيقية بل ببعض المظاهر الشكلية حفاظاً على ماء الوجه واكتفت بفرض الاستقرار السياسي لفترة زمنية ومحاولة القيام بإدارة حسنة بقدر المستطاع . إضافة إلى أن فرنسا لم تعد مستعدة أو قادرة على تحمل الأعباء المالية الباهضة للدول الأفريقية التي تدور في فلكها فلم يعد أمامها سوى إدماج القارة الأفريقية في النظام الاقتصادي العالمي وإخضاعها لسياسات ومعايير وشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهبطت من جراء ذلك قيمة الفرنك الفرنسي ـ الأفريقي إلى النصف ، واضطرار غالبية الحكومات الأفريقية إلى القبول ببرنامج الإصلاح الهيكلي لاقتصادياتها . وحذر ادوارد بالادور سنة 1993 الحكومات الأفريقية التي تبتعد عن المجموعة المالية الدولية ومعاييرها وشروطها بحرمانها من المساعدات ، وهكذا اصبحت الحكومات الأفريقية مقيدة باتفاقات صارمة مع المؤسسات الدولية ومن هذه النافذة تغلغل النفوذ الأميركي لأن الولايات المتحدة الأميركية هي المسيطرة على المؤسسات المالية الدولية كما هو معروف . وصارت فرنسا تتعامل مع أفريقيا بمنطق الربح والخسارة وليس بمنطق العاطفة والعلاقة التاريخية ولا تتردد بالتخلي عن أي حليف أفريقي عندما يشكل عليها عبئاً إضافياً لا فائدة منه .
يستنتج من ذلك أن فرنسا ذات النفوذ العريق في أفريقيا ، وبغير إرادتها ، صارت تتبنى تدريجياً نفس استراتيجية منافستها الولايات المتحدة الأميركية .
لقد كانت دولة " بنين " تمثل تجسيداً ناجحاً للسياسة الفرنسية الجديدة تجاه افريقيا . فقد شهد هذا البلد الصغير تحولاً ديموقراطياً سلمياً وألغى الديكتاتورية العسكرية الحاكمة ورفع إلى سدة الحكم الرئيس المنتخب نيسوفور سوغولو عام 1991 ، لكن هذا الرئيس هو موظف سابق في البنك الدولي وإن انتخابات عام 1996 أعادت إلى الحكم الحاكم العسكري السابق ماتيو كيريكو الذي حكم البلاد من 97 إلى 99 اثر إنقلاب عسكري واتضح أن هذا الرجل العسكري أكثر قدرة على تنفيذ البرنامج الاقتصادي الإصلاحي الذي فرضه البنك الدولي من خلفه الموظف السابق في هذا البنك. واضطرت فرنسا الوصية على هذا البلد للقبول بسياسة الواقعية وتفضيلها على التمسك بمبادئ اتضحت صعوبة تطبيقها على أرض الواقع.



نفس الموقف تكرر مع النيجر إذ ساندت فرنسا الجنرال ابراهيم بري ماينسارا الذي أنتخب سنة 1996 بعد أن كان قد استولى على الحكم بانقلاب عسكري في كانون الثاني / يناير من نفس العام . وكان جاك شيراك أول من أرسل إليه تهنئة بعد الانتخابات مع أن فرنسا أدانت انقلابه قبل ذلك . ولم تعارض فرنسا الانقلاب العسكري الذي حمل الجنرال يوليوس بيو إلى سدة الحكم في سيراليون . وساندت الجنرال ادريس ديبي للفوز في انتخابات تموز / يوليو 1996 في تشاد الخ ..
الفساد المستشري في نسيج المجتمعات والأنظمة الأفريقية لم ينته بانتهاء الأنظمة العسكرية وتنظيم انتخابات . ولذلك اتفقت فرنسا وأميركا والمؤسسات المالية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، على مبدأ النجاعة في تطبيق الاصلاحات الاقتصادية أياً كانت الجهة التي تقوم بذلك ( ديموقراطية منتخبةأو عسكرية ديكتاتورية انقلابية) وضمان الاستقرار السياسي وقد خطت الولايات المتحدة الأميركية خطوة أخرى في طريق التنافس وفوجئت الواقعية الفرنسية بواقعية سياسية أكبر من جانب الأميركان خاصة في منطقة البحيرات الكبرى الأفريقية الغنية بالثروات مما أجج حالة التأزم بين الطرفين الغربيين الذي يفرضان وصاية غربية على القارة السوداء .
وكما يبدو تمكنت فرنسا لحد الآن من المحافظة على بعض مواقعها الأفريقية السابقة بانتهاجها نفس المبدأ الأميركي في التعامل القائم على " واقعية المصالح " لكنها خسرت مواقع أخرى لأن الأميركان كانوا أقدر منها في تطبيق هذه السياسة إلى جانب مواجهتها لأوضاع داخلية منهارة في العديد من البلدان الأفريقية المحسوبة عليها وعجزها عن تحمل أعباء ومساعدات مالية إضافية وعدم نجاحها في إيجاد حلول مبتكرة للأزمات الأفريقية غير تلك التي اقترحها صنوق النقد الولي رغم ما تتضمنه من قساوة وتضحيات .
وقد اثبتت الولايات المتحدة الأميركية أنها قادرة على استغلال متاعب فرنسا لسحب البساط من تحت أقدامها بينما لم تثبت فرنسا ولا مرة واحدة أنها قادرة على القيام بنفس الشيء في البلدان الأفريقية القريبة من الولايات المتحدة الأميركية .
وبذلك لم تعد أفريقيا ( أرض النسيان ) كما كان شأنها على خارطة الأحداث السياسية العالمية والإقليمية الساخنة فيما يدور فيها من أحداث وأزمات وحروب ونزاعات صارت تتجاوز حدودها وتنعكس على الخارج . وقد شهدت المنطقة الأفريقية تحولات جيوبوليتيكية جوهرية منذ بدء الإهتمام الأميركي بها وفي أساليب قراءة الولايات المتحدة للمعطيات الاستراتيجية هناك ولاتجاه أدائها ومصالحها فيها . وبات بديهياً وجود صلة مباشرة بين ما يحدث من أزمات وحروب في الدول الأفريقية وبين المواقف والتحركات الصادرة عن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من عمليات استقطاب القوى ومحاولات إعادة بناء الخارطة الجيوسياسية وتحالفاتها وآلية إثارة الفتن والصراعات العرقية والاثنية وإغراق المنطقة بالأسلحة ومخططات بناء نقاط ارتكاز استراتيجية ـ عسكرية ـ أمنية على طول الضلع الغربي لساحل القرن الأفريقي على البحر الأحمر وعلى التخوم الهامة المطلة على مجرى نهر النيل الجنوبي ومنابعه . وقد ظهرت للوجود في العديد من مراكز الأبحاث والدراسات عشرات التقارير التي كشفت حقائق التوغل الإسرائيلي ـ الأميركي في القارة السوداء ( وبصفة خاصة في القرن الأفريقي ) لتحقيق غايات استراتيجية ـ عسكرية واضحة أهمها السيطرة على منابع النيل وحماية المرات المائية الاستراتيجية وهو جزء من استراتيجية متكاملة ومشروع جيوبولتيكي شامل يمتد على طول قوس النفط الذي يعبر المنطقة العربية برمتها قادماً من بحر قزوين ليصل إلى الهضبة الأثيوبية ويكمل امتداده إلى اقصى الجنوب فهذه منظومة كاملة في منظور التصور الاستراتيجي الأميركي الذي تشترك فيه إسرائيل عضوياً وجوهرياً باعتبارها إحدى أدوات تحقيقه .
وقد تطورت النظرة الأميركية إلى أفريقيا خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة فلم تعد افريقيا مجرد مجال " بارد ومهمل في إمكانية تأثيره على السياسة الدولية عموماً ،والشرق الأوسط خصوصاً ، بل أصبحت تحتل موقعاً في أعلى قائمة المناطق ذات الأهمية الجيوبوليتيكية الاستراتيجية في حسابات السيطرة والنفوذ ، ليس في المنطقة العربية فحسب ، بل وكذلك في الخارطة الدولية عموماً . وأهم معلم من معالم هذا التحول في النظرة الأميركية هو ظهور العامل الإسرائيلي في الاستراتيجية الأميركية الجديدة في القارة السوداء أكثر من أي وقت مضى ومن هنا يكتسب القرن الأفريقي أهمية خاصة ضمن نطاق لعبة توزيع الأدوار والمهمات وقد ساعدت جميع الإدارات الأميركية ـ الجمهورية والديموقراطية ـ على تسهيل وتوسيع وترسيخ الاختراق الإسرائيلي لمنطقة القرن الأفريقي مثلما حدث مع اثيوبيا وتوقيعها لاتفاقات مهمة مع إسرائيل . . إن ما يحدث في أفريقيا من تحولات وتحالفات واستقطابات في ظل الاختراق الإسرائيلي المتعاظم يظهر ملامح الخطر الكبير الذي يتهدد المنطقة العربي والإسلامية ويسهم بشكل فعال في المستقبل المنظور في استكمال المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي لإحكام حلقات الحصار والتطويق الناقصة حالياً في الطوق الملتف حول عنق المنطقة العربية والإسلامية .
المنطقة العربية ـ الإسلامية ( التي تضم بداخلها دولاً أفريقية ) ، باتت مطوقة ففي الشرق تقع المنطقة تحت سلطة البوراج الحربية والأساطيل الأميرية والأوروبية والوجود العسكري الأميركي المدجج بالسلاح ، وفي الشمال تقع المنطقة تحت وطأة القواعد العسكرية ومخاطر حلف تشترك فيه إسرائيل وتركيا وأميركا ، أما في الغرب فالبحر المتوسط يغص بوجود سياسي وعسكري للحلف الأطلسي بمشاركة إسرائيلية جعلت من هذا البحر وكأنه غرفة عمليات استراتيجية غربية . ويكتمل الطوق في الجنوب حيث القرن الأفريقي يميد ويتأرجح فوق كف الفوضى وحالة عدم الاستقرار السياسي وانعدام الوزن تحضيراً لحالة من " البلقنة " والتقسيم تنطوي على احتمالات خطيرة خاصة بعدما حصلت إسرائيل على مواقع ونقاط ارتكاز استراتيجية وأمنية وعسكرية تمكنها من تحقيق حلمها في التواجد داخل أكثر المناطق حيوية على البحر الأحمر الذي تتمنى إسرائيل تحويله إلى بحر إسرائيلي يكون بمثابة امتدادها الجنوبي في الجغرافيا النظرية للمشروع الصهيوني القديم لإسرائيل الكبرى ، لذلك لم تكتف إسرائيل بذلك الحد من التوغل والتغلغل بل مدت خيوطها وتحركاتها إلى العمق الأفريقي بمساعدة أميركية مباشرة ومقصودة ، فظهرت ملامح هذا الامتداد في زائير ـ الكونغو ـ ورواندا وبوروندي وحروب منطقة البحيرات والنزعات القبلية ـ الاثنية في جنوب افريقيا .
كانت الفكرة السائدة في فرنسا والتي نقلتها بعض وسائل الإعلام فيها تقول إنه لايوجد مشروع أميركي في القارة الأفريقية وأن الولايات المتحدة الأميركية لاتملك طموحات كبيرة في هذه القارة وافريقيا في نظر واشنطن ليست سوى احتياطي كبير للمعادن ، الذهب ، الزنك،الكوبالت، الماس، واشياء أخرى، وإن الأهداف الأميركية تتمثل بتشديد القبضة على وسط افريقيا للتحكم بالقارة شمالاً وجنوباً ثم السيطرة على ثرواتها عبر إشعال الحروب الناشطة والمتنقلة وإن زائير يمكن أن تصبح مستعمرة أميركية جديدة ، على حد تعبير إحدى الصحف الزائيرية قبل سقوط كنشاسا لكن الوكيل الجديد الذي احتاج للمال خلال اجتياحه مجاهل الكونغو ، أخذ يعطي الامتيازات ويوقع على العقود والصفقات حتى قبل احتلاله نصف البلاد . ومن أهم الاتفاقيات التي وقعها هي تلك المتعلقة بالتنقيب واستغلال مناجم الزنك والكوبالت إلى شركة أميرية هي أميركا بيزال فيلد ، كما أعلنت شركة دي بيريز العملاقة إستثمارها لمناجم الماس وفتح مكاتب لها في جمهورية الكونغو ـ زائير سابقاً ـ وكانت هذه الشركة في الماضي تسوق ثلث الانتاج السنوي المقدر بـ 22 مليون قرط من الماس . هذه هي حقيقة خارطة الصراع والتنافس الغربية ، الأميركي ـ الفرنسي ـ الأوروبي في القارة الأفريقية دون الدخول في التفاصيل والأرقام والأسماء والوقائع التار.

hgjkhts hgtvksd , hghlvd;d ugn lkh'r hgkt,] td htvdrdh