نظرية النخبة في المفهوم السياسي

جــواد الســـــــــعيد 2008-06-27

تقترب افكار أصحاب هذه النظرية كثيرا من أفكار أفلاطون وأرسطو وغيرهم من الفلاسفة الذين أعتبروا أن الديمقراطية هي أسوء أنظمة الحكم بسبب اعتقادهم انها سببا في وصول الأغلبية الجاهلة بأمور السياسة الى سدة الحكم بالرغم من أنها تشكل السواد الأعظم من الشعب وهي سبب ايضا في اشاعة الفوضى والغوغاء في البلاد اذا ما وصل هؤلاء الى سدة الحكم ، ويقسم الشعب حسب رأي أصحاب هذه النظرية الى قسمين هما:

الأولى: مجموعة صغيرة وهي النخبة، التي تمتلك مصادر القوة السياسية والأقتصادية والأجتماعية وتحدد القيم وفق معايير خاصة تجعلها جديرة بقيادة المجتمع من خلال امكانتيها في تسخير العامة من الشعب لخدمة مصالحها.
الثانية: مجموعة كبيرة وتمثل عامة الشعب أو الأغلبية وهي الطبقة المحكومة من قبل النخبة والمحرومة من الأمساك بمصادر القوة السياسية.

وتأتي أهمية هذه النظرية من بين النظريات السياسية من خلال التعرف على علاقة النخبة بالقوة السياسية وكيفية تنافس هذه المجاميع من النخب على الأستيلاء على مفاصل القوة السياسية، كما انها تعطينا تفسيرا لأسباب استمرار الطبقة الحاكمة ومدى قوتها السياسية. وتنظر هذه النظرية الى السياسة على انها وسيلة تصل فيها النخبة الى أحتكار السلطة من خلال السيطرة على مراكز صنع القرار، والسيطرة على مفاصل الدولة مثل المؤسسات الأقتصادية والأعلام اضافة الى السلطة التنفيذية وبذلك تستطيع النخبة من تسيير شؤون الدولة وفق برامجها ورغباتها.

ويعطي العلماء تعريفا للنخبة مثل (موسكا) و(ميشل) على أنها(( الطبقة الحاكمة بشكل مباشر وهي التي تتمتع بالنفوذ السياسي والقوة السياسية وتتمتع بمزايا اجتماعية رفيعة بناء على مركزها السياسي المتميز في المجتمع وهي التي تسير وتوجه الطبقة المحكومة وتخضعها لتوجيهاتها وقيادتها بطريقة تبدو بمظهرها شرعية وفي جوهرها قسرية أو تعسفية)). وان كان هذا التعريف صالحا إلا أنه تجاهل الى حد ما افراد الطبقة من عامة الشعب والذين تبؤوا مناصب في الحكومة ويمتلكون تأثيرا في صنع القرارات بشكل غير مباشر، ولم يحدد اذا كان هؤلاء ينتمون الى صنف النخبة الحاكمة أم الى مجموعة عامة الشعب المحكومة؟

أما لاسويل فيعرفها(( هي جماعة قليلة العدد من أفراد الشعب، تملك معظم مصادر الأنتاج في الدولة وتحصل على أكثر شئ يمكن الحصول عليه من المجتمع كالقوة الأقتصادية الصناعية والزراعية والمكانة الأجتماعية والقوة السياسية وما ستجنيه هذه القوة من فوائد شتى)).

ومن خلال التعريفين السابقين يمكننا تحديد مميزات النخبة وهي: قلة العدد ، تتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، تمسك بمصادر القوة السياسية، وقادرة على صنع القرارات وتوجيه الناس الى القيم الأجتماعية التي تؤمن بها، يشغل عناصرها ومؤيدوها المناصب الهامة في الدولة، وتمتاز هذه الجماعة ايضا بالدرجة العلمية أو الثقافية أو الدينية العالية.

ومن الصحيح جدا القول أن هناك نوعين من النخب وان كانت هذه الجماعة تعمل كوحدة واحدة من أجل المكاسب والسيطرة على الآخرين، النوع الأول النخبة السياسية ،والنوع الثاني النخبة العامة الغير سياسية، وعادة مايشغل النوع الأول المناصب الحكومية المهمة ويسيطرون على مقاليد السلطة الشرعية ومن خلالها يسعون لتحقيق مآربهم اضافة الى مراعاة مصالح النوع الثاني بسبب تداخل المصالح واشتراكها، أما النوع الثاني فهو لا يتمتع بمناصب حكومية وانما يعمل على دعم النوع الأول وتبني قرارات ووجهات نظر النخب السياسية بل والتأثير عليها ،وإن لم تكن هذه المجموعة ظاهرة للعيان وغير معلنة للشعب ولكنها متفاعلة ومؤثرة في القرارات السياسية من خلال تقديم المساعدات المالية وامتلاكها لرؤوس الأموال وغالبا ما يكون تأثيرها الأجتماعي من خلال الجمعيات الخيرية والدينية والتجمعات النسوية وبهذا تكون احدى الدعامات الأساسية للحكم.

ولايقتصر تكوين النخبة على أهل الثراء وأصحاب المصالح الأقتصادية بل قد تكون النخبة من رجالات العلم وحملة الشهادات العليا ورجال الدين وقد تكون النخبة مزيجا من كل هذه الشرائح، واذا كانت النخبة تحتل المناصب الهامة في الحكومة فأنها تعمد بالمناصب الثانوية الشكلية الى أفراد من عامة الشعب تختارهم وفق مواصفات خاصة أما بأغرائهم أواستيعابهم وضمان سكوتهم وامتصاص حالة غضبهم لتقليل المشاكل الداخلية أو لأضفاء مزيدا من الشرعية عليهم لغرض السيطرة على الشعب وغالبا ما تنتهي مهمة هذه العناصر المختارة لفترة من الوقت وبعد أن تهتز ثقة الشعب بهم يلقون على قارعة الطريق فيجدون أنفسهم بلا مؤيدين لأنهم أصبحوا فريسة لجماعة النخبة وبهذا تكون النخبة قد حققت غرضها بالخلاص من هذه العناصر الطامحة للمناصب الحكومية ولكسب تأيد الشعب ولو لفترة مؤقته ، كما أن هذه العملية كلها تمكن النخبة من تفكيك القوى الشعبية التي قد تعكر عليها الأمن والأستقرار اذا بقيت منظمة بشكل جيد، ومن هنا نستطيع القول أن استقطاب بعض الأفراد من عامة الشعب هي أحدى وسائل النخبة للسيطرة على الشعب، اضافة الى اتباعها وسائل أخرى منها:

أولا: السيطرة على الموارد الأقتصادية وضبط مصادر الأنتاج لأنها تشكل وسيلة أغراء جيدة وكأداة ضغط على أفراد الشعب.




ثانيا: استغلال وسائل التعليم والأعلام الى أقصى حد ممكن لغرض نشر وترويج المبادئ والقيم التي تؤمن بها النخبة ومن أجل اضفاء الشرعية عليها ولتسخير الرأي العام لخدمة أهدافها.

ثالثا: قابلية النخبة على الأستجابة المؤقتة لمتطلبات المرحلة بسبب بعض الضغوط من قبل الشعب، وقد تتخذ اجراءات مؤقتة لتغير مواقفها وتضع حلول تناسب الأوضاع الراهنة كي لا تفسح المجال لأستمرار النزاعات وتطورها التي تؤدي بالنتيجة الى اضعاف جماعة النخبة.

وعلى الرغم من محاولة النخبة من الحفاظ على استمرايتها وديمومتها ولكنها تحتاج الى التغير أحيانا أما من داخلها أو من الخارج ومعنى التغير الخارجي زوال النخبة الحاكمة بسبب فشلها في الأداء وادارة دفة الحكم أو بسبب الضغوط الشعبية عليها ومجئ نخبة أخرى بمكانها تستطيع كسب ثقة الشعب من جديد، وتغير النخبة له آثار عدة على صعيد التغيرات الأقتصادية والأجتماعية والسياسية لأن النخبة الجديدة تسعى الى تعميم مبادئها وهذا ماحدث في بلدان كثيرة مثل ايران في العصر الحديث. وقد تسعى النخبة الى التمويه أحيانا كما يقول كارل ماركس ويتم ذلك بالكشف عن وجوه جديدة كانت غير معلنة لأسباب عديدة تعمل بالخفاء مع النخبة وتبدو للشعب على أنها نخبة جديدة ولكنها استمرارا لحكم النخبة القديمة وهذا التغير يعتبر تغيرا شكليا لا جوهريا وسرعان ما ينكشف برنامجها الذي لا يختلف عن البرنامج القديم ولهذا تكون النخبة أمام ضغوطات جديدة وتكون النتيجة ضعف النخبة أو زوالها.

مما يعيب هذه النظرية أنها تلغي رأي الأغلبية من الشعب ولا ترى أن هذه الأغلبية مؤهلة لأدارة شؤونها بل أنها تعطي للنخبة الحق في أدارة شؤون البلاد وفق رؤيتها وتحت غطاء المحافظة على الأمن والأستقرار وأن وجود النخبة ضروري لحماية المجتمع من الأستبداد أو بذريعة المحافظة على النظام الديمقراطي على الرغم من اعتقاد غالبية الشعب أن النخبة تسعى في مشروعها لتدمير المفاهيم الديمقراطية في جوهرها بل تعطي مفاهيما مشوهة للديمقراطية.


k/vdm hgkofm td hglti,l hgsdhsd