اشكالية الشرعية في انظمة الحكم العربية



يثير مفهوم الشرعية قدراً واضحاً من الاختلاف والالتباس بين المفكرين والباحثين فيها، فهي على وجه الخصوص مشكلة مربكة عند الجميع، عدا

المنظرين الذين يعدّون أن السلطة تعتمد اعتماداً أساسياً على القوة.مع وجود هذا الاختلاف في إطار مفهوم الشرعية، فإن ذلك لا يعكس اختلافاً أساسياً حول مضمون المفهوم بقدر ما يعكس اختلاف توجهات المفكرين والباحثين بخصوص هدف دراسة الشرعية. إلا أنه لا يمكن إغفال أن استخدام تعبيرات مختلفة للدلالة على ظاهرة واحدة، من شأنه إحداث بعض الخلط لدى الباحث والقارئ، وهو الأمر الذي يجد تفسيراً له في حداثة هذا الحقل من الدراسة من جانب، وتعدد المشارب أو الاتجاهات المهتمة به من جانب آخر، على اعتبار أنه نقطة التقاء بين المفكرين والباحثين في العلوم السياسية والقانونية المؤلف: د. خميس حزام والي .في عصرنا الحديث، ظهر مفهوم الشرعية من خلال كتابات علماء السياسة والاجتماع ومحاولاتهم لتحديد مصادر الحكم، وطبيعة ونتائج مواقف الناس تجاه حكامهم ومؤسساتهم السياسية.وقد سبر عدد من المنظرين أغوار مفهوم الشرعية، وعلى الرغم من أنهم يختلفون في اتجاه تحليلهم، إلا أنهم جميعاً يتفقون في التحليل النهائي، على أن قبول مواطني دولة ما، غير القسري (الطوعي) بالحكومة، هو الذي يجعل الحكومة شرعية.وهذا المفهوم للشرعية يتقابل مع مفهوم البيعة في التراث العربي الإسلامي، فالبيعة، كما يقول ابن خلدون (هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وبأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد).وفي عصرنا الحديث نجد أن ماكس فيبر (Max Weber) يعد من الرواد في الأخذ بهذه التسمية، حيث نظر إلى الشرعية بوصفها صفة تنسب لنظام ما من قبل أولئك الخاضعين له، من خلال عدة طرق تتمثل في التقاليد أو بعض المواقف العاطفية أو عن طريق الاعتقاد العقلاني بقيمة مطلقة، أو بسبب قيامه بطرق وأساليب تعد قانونية أو شرعية مقبولة. هذا يعني أنه يعرّف ثلاثة أنواع من الشرعية: التقليدية، والكاريزمية، والشرعية العقلانية. ويكون الولاء والالتزام في النوعين الأول والثاني إلى شخص (رئيس تقليدي، أو زعيم بطل أو زعيم روحي)، أما في النوع الثالث، فتكون الطاعة والقبول لشبكة المؤسسات المبنية بصورة شرعية التي تحمل الطابع الفردي، والشرعية في الأنواع الثلاثة كلها معرّفة في سياق قبول المجتمع بحكومته وزعمائه.وهكذا يذهب ماكس فيبر إلى أن النظام الحاكم يكون شرعياً عند الحد الذي يشعر فيه مواطنوه أن ذلك النظام صالح ويستحق التأييد والطاعة. والمواطنون لا يضفون الشرعية على نظام الحكم، أي لا يقبلون بحقه في أن يمارس السلطة إلا لأسباب يقوم عليها هذا القبول سواء أكانت دينية أم دنيوية، روحية أو عقلانية.وينشأ عن هذا التحديد أن الشرعية تساهم في استقرار الحالة بين الحكام والمحكومين، وتقود هذه الحالة ايضاً إلى استقرار المجتمع بالكامل ما دام مفهوم الشرعية كما أشاعه مبدعه ماكس فيبر يرجع في آخر تحليل إلى واقع الرضى الفعلي وليس إلى الإكراه ويوجز هربرت كيلمان (H.K. Kelman) تعريف الحكومة الشرعية بقوله: (عندما يقبل بها كصاحبة الحق في ممارسة سلطاتها في حقل معين وضمن حدود محددة، وهكذا، عندما تتقدم إدارة نظام سياسي شرعي بمطالب ما، يقبل بها المواطنون سوءا أأحبوا ذلك أم لا. وقد يقتنع مواطن فرد أو لا يقتنع بقيمة ما يطلب منه القيام به، وقد يكون متحمساً أو غير متحمس لتنفيذه، وقد يكون في الواقع شديد الاستياء منه، ومع ذلك فإنه يستجيب برضى مع المطلب دون أن يشعر أنه أكره على ذلك، ويعتبر أن واجبه أن يقوم بذلك.ويذهب موريس ديفرجيه (M. Duverger) إلى القول إن الحكومة التي تمثل رأي الشعب تتمتع بصفة الشرعية، من حيث أصولها وجذورها وهيكلها وتركيبها. وكل حكومة عداها تكون غير شرعية، إذ إن الشرعية هنا ليست أكثر من مجموعة من المعتقدات، يختلف معناها ومضمونها ومرماها باختلاف البلدان والأزمان. إن هذا التعريف للشرعية بالمعنى الذي يصوغه ديفرجيه، يكمن في تضمنه الموافقة العامة أو القبول العام الاختياري والعميق، وليس ذلك القبول الذي يمكن تحقيقه عن طريق أداة خارجية، هي الضغط والإكراه. والقول إن الحكومة شرعية لا يعني أنها حكومة صالحة وتحقق الصالح العام، بل يعني فقط كون المواطنين المحكومين يعدونها ذات سلطات شرعية دستورية.أما هدسون (Hudson) فيرى أن الفرد قد يقبل بأن يطيع السلطات وبأن يتبع مطالب النظام القائم لأسباب مختلفة، غير أن الدعم الأقوى ديمومة لن يتأتى إلا عن اقتناع ذلك الفرد بأن قبوله بالسلطة وطاعته لها وتنفيذه لمتطلباتها أمور محقة ومقنعة وقد ركز باحثون آخرون على عناصر أخرى غير التي ذكرت. فالشرعية في تعريف بعضهم هي حالة أخلاقية تخدم الظرف الراهن. فضلاً عن ذلك، فإن الشرعية حالة دفاعية، فعند محاولة صاحب سلطة أن يعطي لوجوده وحكمه صفة شرعية، فهو يحاول إزالة الشكوك مهما كانت مرتبطة في جوهر وجوده. وقد تكون هذه الشكوك شكوكاً داخلية أو خارجية. إن المشكلة الرئيسية تكمن في أن هناك مطلباً ملحاً لاستبعاد هذه الشكوك.وقد قدم تالكوت بارسنز (Talcott Parsons) تعريفاً آخر للشرعية يعتمد على إظهار جانبها التقييمي، فالشرعية لديه هي تقييم للفعل وفق القيم العامة والمشتركة، ضمن سياق المشاركة الفعلية في النظام الاجتماعي، وهي الحلقة الأساسية بين القيم كمكون داخلي لشخصية الفرد، والنماذج التأسيسية التي تحدد تركيب العلاقات الاجتماعية، وبهذا المعنى تتخذ هذه النماذج شكل بناء تركيبي قيمي أو إطارا تتجسد فيه القيم والمعتقدات والأفكار المشتركة لتحدد وتنظم وتؤثر في الوقت نفسه في الفعل، أي في ممارسة القوة.وفي السياق نفسه، يرى ليبست (Lipset) أن الشرعية تكمن في قدرة النظام السياسي على توليد وتدعيم الاعتقاد بأن المؤسسات السياسية القائمة هي الأكثر ملاءمة لذلك المجتمع، ويقدّر الأفراد والجماعات شرعية نظامهم السياسي أو عدم شرعيته، طبقاً للطرق التي تلتقي بها قيم هذا النظام مع قيمهم. فالشرعية هنا ليست مسألة تقييمية، بل هي تتحقق بقدر ما يكون هناك تطابق في القيم.وإذا ما اتفق المرء مع تعريف ليبست للشرعية، فلا بد من أن يتفق على أن هذا التعريف ينطبق على كل نظام سياسي تقريباً، وينطبق أيضاً على أي فرد أو مجموعة تحاول قلب نظام الحكم القائم أو تغييره بحجة أن هذا النظام لا يشبع احتياجاتها.ولا يختلف غرين (Greene) عن ذلك عندما يعرّف الشرعية بوصفها (تشير إلى مواقف المواطنين تجاه كل من أشخاص وسياسات وقوانين ومؤسسات الحكومة، فحين تكون الشرعية عالية، يؤمن أكثر المواطنين بأن الحكومة لها الحق في أن تعمل ما تعمله، وحيث تكون الشرعية واطئة يؤمن أكثر المواطنين بأن الحكومة خاطئة فيما تعمله.إن الشرعية صفة يجب أن تلازم أي نظام سياسي، من أجل ممارسة الحكم، وهي تقوم على جانبين: الأول جانب شكلي يتمثل بدستورية السلطة، أي إقامتها وممارستها وفق قواعد الدستور. والثاني جانب موضوعي، يتمثل بقناعة ورضا أفراد المجتمع بهذه السلطة، وهذان الجانبان لا ينفصلان بعضهما عن بعض.فشرعية النظام السياسي هي ظاهرة نسبية، لأنه لا يمكن أن يكون هناك إجماع على شرعية النظام القائم، إلا ان هذا لا يعني أن السلطة تقوم على القوة بالنسبة إلى الجزء الذي ينكر عليها صفة الشرعية، وإنما يعني أن النظام السياسي يمكنه الحكم بمقدار ما تكون قاعدته الشعبية من الاتساع، بحيث يكون عدد المعارضين له قليلاً، مما يجعل تأثيرهم في النظام ضئيلاً بالقدر الذي يمكن تجاوزه.فالنظام السياسي الشرعي هو الذي يمتلك القدرة على الحكم من دون استعمال وسائل القمع والقسر والإكراه، ومن ثم تصبح الشرعية البديل الأكثر إنسانية لقواعد الإكراه أو الإجبار المادي والمعنوي التي يتم استخدامها لتسيير عملية الحكم، ولضبط الحركة العامة نحوها، ذلك أن أي سلطة أو حكومة لا بد لها، كي تفرض وجودها واستمراريتها، من شيء من القوة أو الترهيب، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، ولكن ذلك وحده لا يستقيم إلا في الدكتاتوريات والأنظمة البوليسية البحتة، إن لم تصحبه قناعة مجتمعية بقبول هذه السلطة، عبر الاقتناع الاجتماعي بجدوى هذه السلطة، وبوجود أسس فكرية لها تبرر وجودها واستمراريتها. وهذا ما يمكن وصفه بالشرعية التي كلما تزايدت نسبها على حساب القوة والإرغام والقسر كانت المجتمعات المعنية أكثر استقراراً وجدوى وفعالية.فالشرعية تقوم بالذات على قيام المواطن بأمور تتوقعها السلطة منه، من دون أن يجد في ذلك حرجاً، ومن دون أن يشعر بالاضطرار، ومن دون أن يكون محكوماً برهبة، فالشرعية هي على الأرجح المسلك الطبيعي المتوافق مع وجود الدولة، ومع أسباب استمرارها وشروط بقائها، وهو مسلك طبيعي، يمعنى أنه قابل للتبرير في ذهن المواطن من دون تدخل الغير، فهي تعني التبرير الفكري أو الأخلاقي أو السياسي أو الاجتماعي للظاهرة محل البحث، بحيث تجد الظاهرة شرعيتها، باستنادها إلى مجموعة من الحقائق السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية المجازة اجتماعياً أو أخلاقياً. وهذا المعنى يعبر عنه بالشرعية، وهو يشير إلى الأساس والمبرر، أو إلى السبب أو جواز الوجود المستمد من حقائق مسلم بها، قانونية أكانت ام سياسية أم اجتماعية أم أخلاقية.وتأسيساً على ما تقدم، فإن مصطلح الشرعية يتحدد معناها بإيجاز في أنه يمثل التعبير عن حالة الرضا والقبول التي قد يبديها المواطنون إزاء النظام وممارسة السلطة. فهي القاعدة النابعة من ضمير الناس وقناعاتهم وتأييدهم، ومن ثم فإنها تمثل قاعدة أقوى وأمتن للسلطتين، أي قاعدة قانونية، فالرضا عامل نفسي، وقيمة معنوية لا تترتب إلا بناء على تفاعل إيجابي بين المواطنين والسلطة. وتحقيق ذلك يفترض أمرين متكاملين هما: - الوحدة الفعلية بين أهداف السلطة وأهداف المجتمع بغالبيته. أما إذا كانت السلطة تمثل تعبيراً عن مصالح ضيقة، فإن ذلك يترتب عليه انشطار في قاعدة الشرعية لتصبح قاعدة فئوية أو نخبوية. - الممارسة الفعلية المعبرة عن هذه الوحدة في الأهداف، فالشرعية قاعدتها الممارسة، وليس مجرد الوعود أو الخطب الحماسية، وأساسها وحكمتها (أنه يمكن أن تضلل بعض الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكن أن تضلل جميع الناس كل الوقت)... والحديث عن الممارسة الفعلية، هو ذلك الحديث الدائر في أوساط الرأي العام دائماً، سراً أو علناً، وهو الذي يمثل الحركة الخفية. وبالفعل، فإن ربط فكرة الرضا بفكرة تساوي حق كل فرد في المشاركة في الممارسة السياسية - ممارسة السلطة - هو الذي سمح بالخصوص باتخاذ النظرية الديمقراطية الحديثة، شكلاً واضحاً وشمولياً، فما كان لعدة قرون أمراً بديهياً مقبولاً ولا خطر فيه، وهو أن الناس متساوون من حيث المبدأ، وأن الرضا هو الطريقة الوحيدة المؤكدة لإسباغ الشرعية على النظام والسلطة قد تحول إلى نظرية جديدة للقانون والدولة، بحيث صار الحكم المستند إلى الرضا هو الحكم الشرعي الوحيد، لأنه وحده الذي يعترف بالحقوق الأساسية للإنسان والمجتمع. مصادر الشرعية..تجسد سلطة أي دولة أو نظام إرادة إنسانية تسمو على الإرادات الإنسانية الأخرى التي توجد في إقليم معين وفي مدة زمنية معينة، فكيف يكون لها الحق في أن تصدر الأوامر ويكون من واجب الإرادات الأخرى الطاعة لهذه الأوامر؟هذه المشكلة شغلت الفكر الإنساني منذ بدأ الاهتمام بالمسائل الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك فهي غير قابلة لحل بشري، لأنه لا يمكن لأحد أن يفسر من الناحية الإنسانية كيف أن إرادة إنسانية يمكن أن تعلو أو تسمو على إرادة إنسانية أخرى.هذا السؤال هو الذي أجابت عنه، أو أدعت الإجابة عنه، النظريات الباحثة في أصل السلطة أو مصدرها.فنحن نعرف تاريخياً أن هناك اختلافاً في المصادر التي يستمد منها الحكام أو القابضون على السلطة، في تميز سلطتهم، ويلتمسون فيها تبريراً لقوتهم، فقد تكون قانون الطبيعة أو أوامر إلهية أو أفكاراً مثالية، أو عادات قديمة، أو طقوساً أو رموزاً من التقاليد، أو حادثة عظيمة في الماضي، ومثل هذا التأسيس يقوم عليه النظام السياسي في جميع هذه الحالات، لأن الشرعية تستمد من أمور وأشياء خارج نطاق العمل البشري أو على الأقل ليست من صنع هؤلاء الذين يتمتعون بالقوة ويمارسون السلطة في المجتمع.

ha;hgdm hgavudm td hk/lm hgp;l hguvfdm