أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



إشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا

إشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا مقدمة: إن موضوع الديمقراطية غير المباشرة هو من أكثر المواضيع تعقيداً سواء ماحدث بشأنها في الماضي أو ما يحدث في الوقت الراهن،



إشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا


النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي إشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا

     
    إشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا

    مقدمة:

    إن موضوع الديمقراطية غير المباشرة هو من أكثر المواضيع تعقيداً سواء ماحدث بشأنها في الماضي أو ما يحدث في الوقت الراهن، وهو الأمر الذي يفرض الحاجة إلى تناول هذا الموضوع من عدة جوانب ومداخل، على أن لا تطلق الأحكام المسبقة قبل الدخول في التناول، طالما أنها قضية أو مسألة علمية يتم إخضاعها للبحث والدراسة والتحليل. وسيتم الاعتماد في هذا الشأن على التناول لهذا الموضوع من زوايا علمية متنوعة في محاولة لربطه بالحاضر والواقع المعاش في الوقت الراهن، ومقارنته بما يتم تطبيقه من تجارب ديمقراطية، وخصوصا التجربة الليبية حيث أنها تمثل التجسيد المعاصر لمضمون الديموقراطية المباشرة. وعلى اعتبار أن الأساس والجوهر في التناول والتعامل مع أي أمر يتعلق بالديمقراطية هو الطبيعة والمكونات والسمات والغايات الكامنة فيها والمباشرة لها، وليس التحايل والتباعد عن ذلك والاستبدال والاحلال لما يسمى بالديمقراطية غير المباشرة، وما يقترن بها من أهداف وأدوات وأساليب عمل وممارسات، لما يترتب على ذلك من تفريغ كامل للتجربة وللعملية الديمقراطية برمتها من مضامينها.
    لقد شهد النصف الأول من التسعينيات صخباً سياسياً واسعاً عبر أرجاء القارة الأفريقية , بدأ بتصاعد المناشدات والاحتجاجات السياسية سواء من داخل الدول الأفريقية أو خارجها للمطالبة بضرورة إحداث تحولات ( سياسية واقتصادية واجتماعية) بعيداً عن النظم السلطوية ونظم الحزب الواحد والنظم العسكرية وذلك على أسس الأخذ بالإصلاحات الليبرالية سواء في صورة الليبرالية السياسية بما تتضمنه من تعددية سياسية، وتبنى انتخابات تنافسية، وإقرار مبدأ تداول السلطة وبهدف استجلاب نماذج جديدة وجيدة للحكم، وأيضا بالتركيز على تبني الليبرالية الاقتصادية في صورة الرأسمالية بما يعنيه ذلك من حرية التجارة وحرية انتقال عوامل الانتاج وتخفيض سيطرة الدول عليها، وتجيع القطاع الخاص (الخصخصة) والأسواق المفتوحة، وغيرها.

    وفى حين لم يكن انتشار مثل تلك الموجة في بدايته على نسق واحد وبنفس درجة الاتساع في كل مكان داخل أفريقيا, فإن هذه الضغوط والتحركات والإجراءات المؤسسية الوطنية والدولية، ذات الصلة بذلك وقوة الدفع المصاحبة لها لم تلبث أن عمت معظم الدول الأفريقية, وهو الأمر الذي ظنت معه تلك الدول أنه يتماثل نسبياً مع تلك الموجة التي بدأت مع أوائل ستينيات القرن الماضي من أجل الاستقلال السياسي. بمعنى أنه يمكن قد يكون محاولة جديدة للاستقلال الديمقراطي عن النظم الفردية التسلطية والعسكرية. وعلى الرغم من الآمال والطموحات المعقودة على عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا، إلا أن هناك العديد من التساؤلات التي تبقى بمثابة علامات استفهام تثير القلق والمخاوف من الإسراف في مثل تلك التطلعات ومن تلك التساؤلات ما يلي:
    ـ إلى أي مدى سيظل النظام القبلي / الإثني يمثل أداة ضغط على عملية التحول الديمقراطي؟
    ـ إلى أى مدى ستؤثر ظاهرة عدم الاستقرار السياسى على عملية التحول الديمقراطى؟
    ـ إلى أى مدى سيمكن الاستفادة من عملية التحول الديمقراطى فى البناء وإعادة البناء الاقتصادى؟
    ـ ما هى الأسباب والدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذا التحول الديمقراطى وما هى أبعاده وشروطه وآلياته؟
    ـ ما هى النتائج والتأثيرات الناجمة عن هذا التحول الديمقراطى؟ وما هي آفاقه المستقبلية؟ وما هى طبيعة النظم الديمقراطية الناشئة عنه؟

    وفى إطار هذا البحث سيتم تناول بعض الجوانب ذات الصلة بهذا الموضوع من خلال التركيز على ما يلي:-
    - أسباب التحول الديمقراطى فى إفريقيا
    - شروط وأبعاد التحول الديمقراطى فى أفريقيا
    - سمات وآليات التحول الديمقراطى فى أفريقيا
    - آفاق التحول الديمقراطى فى أفريقيا

    المبحث الأول

    أسباب التحول الديمقراطي في أفريقيا

    إذا كانت فترة أوائل التسعينيات قد شهدت اتساع نطاق حركة التحول الديمقراطي في أفريقيا باعتباره هدفا شعبيا، فان الدوافع لذلك التحول يمكن إرجاعها لأسباب عديدة منها:

    أولاً. الأسباب الداخلية:
    أ. مساوئ النظم السلطوية:

    إن شيوع سيطرة نظم الحكم الاستبدادية والسلطوية في دول القارة الأفريقية ، والتي استولت علي السلطة واحتكرتها لسنوات طويلة، وحرصت علي الإبقاء والاستمرار علي هذا الوضع دون منازع، مما جعل الصراع على السلطة يأخذ في بعض الأحيان الطابع العنيف كالانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية والحروب الأهلية. ولما كانت الصراعات والحروب التي تصاعدت في تلك الدول قد تأثرت بها تلك النظم السلطوية ، في ظل أزمة الشرعية السياسية التي تعاني منها ومن تناميها، لذا فقد أصبح أحد الحلول المناسبة لتسوية الصراع علي السلطة أن يتم من خلال تداولها بين القوي السياسية المختلفة بطريقة سلمية تتمثل في الأخذ بالديموقراطية، وعن طريق الانتخابات التنافسية.

    ب. عدم الفعالية الدستورية والمؤسسية:

    لقد خضعت الدول الأفريقية إلى تجريب دساتير لا تتصل بالواقع الفعلي الذي تعايشه تلك الدول، ولا تلبي المتطلبات الحقيقية للنظم السياسية الرشيدة ولا المتطلبات الإنسانية للشعوب الأفريقية، وحتى وإن كانت كذلك في بعض الأحيان، فإنه تكون هناك فجوة كبيرة بين النصوص الدستورية كما هو منصوص عليها وبين الممارسات الواقعية، ومع تعاظم المشكلات السياسية لتلك الدول بات من المؤكد أن أي تحرك جاد نحو الإصلاح ، ينبغي أن يتم من خلال المراجعة أو التعديل أو إعادة البناء الدستوري, مع وجوب مراعاة التوافق بين النصوص الدستورية الأفريقية والبيئات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بالإضافة إلى المؤسسات التي يتم من خلالها وضع نصوص الدساتير موضع التنفيذ الفعلي.
    وفي ظل المناشدات بالتغيير من جانب القوي الوطنية في الداخل ، أخذت الدول المانحة أيضا في ممارسة ضغوطها في هذا الشأن ، مما أسفر عن تسابق الدول الأفريقية في إجراء التعديلات التي تتناسب مع المشروطية السياسية للدول المانحة ومن أجل ضمان حصولها علي المعونات من جهة أخري.
    ج. تنامي أزمة الشرعية:
    يمكن التعامل مع أزمة الشرعية علي مستويين رئيسيين يعبران عن جوهر تلك المشكلة يرتبط أولهما بما يعرف بأزمة الشرعية السياسية، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بكثير من القضايا المتعلقة ببناء الدولة في أفريقيا كمشكلات التحول الاجتماعي والتطور الاقتصادي وقضايا الديموقراطية وغيرها، وقد أشار إلى ذلك من قبل ماكس فيبر بإقراره أن النظام الحاكم يكتسب شرعيته من شعور المحكومين بأحقيته وجدارته في الحكم ، وأنه دون الشرعية يصعب علي أي نظام حاكم أن يملك القدرة الضرورية علي إدارة الصراع بالدرجة اللازمة في المدى البعيد، ومن ثم يبقي جوهر الشرعية متمثلاً في ضرورة رضا وقبول المحكومين وليس إذعانهم لفرد أو نخبة في أن يمارسوا السلطة عليهم.
    إن جوهر الشرعية هذا لا يمكن الاستعاضة عنه بأشكال السطوة والرهبة حتى لو تسترت خلف القوانين المكتوبة وأحاطت نفسها بالدساتير المعلنة، ومن هذا المنطلق فإن الأنظمة غير الشرعية ، أو التي انتفت شرعيتها نتيجة لممارسات غير قانونية تسارع عادة إلي تعليق الدساتير وتلجأ إلي العمل بالأحكام العرفية ، وهو اعتراف صريح من جانب تلك الأنظمة بأن قانونيتها مع ما هي عليه من شكلية لم تعد مبررا كافيا لممارسة السلطة. كما لم يعد مبررا أيضا أن يتم في إطار ممارسة السلطة أن يظل مبدأ تفضيل أهل الثقة والولاء للنظام الحاكم في مواجهة الإصلاحيين وأهل الخبرة هو الأساس الذي يتم وفقا له ممارسة السلطة وتكريسها لصالح فرد ما أو نخبة ما، وفي مقابل ذلك يكون لهؤلاء مصلحة في بقاء واستمرار الطغمة الحاكمة رغم انتفاء الشرعية عنها، وهو ما يدفعهم إلي المشاركة و الدفاع عن سياسات وممارسات الترهيب وقمع الجماهير ، كما أنها تتولى الترويج والتضخيم لمنجزات النظام الحاكم وافتعال الأزمات الداخلية والخارجية لتبرير التقاعس والفشل، بمعني أنهم يقومون بالدور الأساسي في تبرير وتلفيق وفرض وسائل شرعيتها من خلال مؤسسات الدولة المتعددة كأجهزة الإعلام والأمن وغيرها.
    ومن الواضح أن الأنظمة الحاكمة السلطوية في أفريقية ظلت تعاني من فقدان الشرعية السياسية بدرجات متفاوتة تصل في بعضها إلي مستوي الأزمة الحقيقية، وتتجسد في فقدان الثقة بين المواطنين الأفريقيين وتلك الأنظمة وانعدام الثقة والمصداقية في قدرتها علي إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما لم تتيح تلك الأنظمة لهؤلاء المواطنون الفرصة للتعبير السلمي عن المظالم التي يتعرضون لها ولا تلبية رغباتهم في تغيير القيادات الفاسدة وغير المقبولة شعبيا.
    وعلي المستوي الثاني يلاحظ أن أزمة الشرعية السياسيةPolitical Legitimacy Crisis علي النحو السابق توضيحه قد تلازمت فيما بعد مع ما يعرف بأزمة الشرعية الدولية International Legitimacy Crisis والتي تعني قبول ورضا المجتمع الدولي عن دولة أفريقية ما، لقد أسهم في تنامي تلك الأزمة انتهاء الحرب الباردة وانهيار القطبية الثنائية، حيث دأبت الدول المانحة الأوروبية والأمريكية وعلي رأسها الولايات المتحدة ـ في إطار سعيها لتكريس هيمنتها العالميةـ علي التدخل السافر في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية، سواء بشكل مباشر كما هو الحال في كل من الصومال وليبيا والسودان في محاولة من جانبها لترويج ولتشويه صورتها أمام المجتمع الدولي وإظهارها في وضع الدول الخارجة عن المجتمع الدولي وحرصت في ذات الوقت علي دفع مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات عليها ، أو قيام الولايات المتحدة بأعمال عدوانية علي تلك الدول متذرعة بذرائع مختلقة وواهية ومنها أنها تدعم الإرهاب ، أو أنها نظم غير ديموقراطية وغير ذلك من الذرائع التي تتستر وراءها لإضفاء المشروعية علي سياساتها وممارساتها العدوانية تجاه العديد من الدول, وفي إطار استراتيجيتها العالمية للهيمنة والسيطرة. ومن ثم فإن الضغوط التي تمارسها ـ هي وحلفائها ـ علي الدول تحت غطاء الشرعية الدولية، ومن أجل إحداث التحولات السياسية والاقتصادية، وإن كان في ظاهره الإصلاح ، إلا أن الواقع يشير إلي أن الهدف الأساسي من وراء ذلك ، هو إيجاد لغة تخاطب وآلية سياسية واقتصادية واحدة بينها وبين تلك الدول بحيث تتيح لها فرصة وحرية التدخل وإحكام سيطرتها علي قدراتها ومواردها.
    د. عدم الاستقرار السياسي:
    لقد عانت الدول الإفريقية من تدهور حالة النظام والقانون، وخصوصا مع تعاظم المشكلات الأمنية وتنوعها سواء كانت تمس كيان وسيادة الدولة مثل مشكلات الانقلابات العسكرية أو الصراعات والحروب الأهلية، أو مشكلات انتهاك حقوق الإنسان أو التدهور المؤسسي وفشل سياسات الاندماج الوطني وتنامي صراع السلطة بين النخب المتنافسة وغيرها من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والمشكلات مع العالم الخارجي علي المستويين الإقليمي والدولي والتي يترتب عليها التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للبلاد والتي غالبا ما يترتب عليها شيوع حالة من الفوضى وعدم الاستقرار داخل البلاد
    ومما تقدم يتضح أن حالة عدم الاستقرار في الدول الأفريقية ، يمكن تفهمها على ضوء ما يليإشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا frown.gif1)
    1. أن عدم الاستقرار السياسي يؤدى إلى زعزعة الأمن داخل الدول ويعد مصدر تهديد مباشر للنظام الحاكم ويعد أيضا مؤشرا على التدهور السياسي ويلاحظ أن الحركات الوطنية في ظل الحكم الاستعماري لم تضع الأسس الكافية من أجل الدول الإفريقية لفترة ما بعد الاستقلال أو أن أنظمة الحكم لفترة ما بعد الاستقلال تولت الإلغاء للإجراءات الجنينية الموضوعة قبل الاستقلال وخصوصا فيما يتعلق بعمليات بناء الأمة, الشرعية , تحقيق الذات, النفوذ, المشاركة, التوزيع, الاندماج وغيرها
    2 . أن تغييرات الحكم وحالة عدم الاستقرار تعكس حالة من الانحراف السياسي من مسار ما قبل الاستقلال الذي كان يركز على إنهاء الاستعمار وترسيخ الاستقلال والاهتمام بالأمور المتعلقة بالتنمية الشاملة والانشغال بتركيز السلطة والتشبث برموزها وبمصالح النخبة الحاكمة.
    3 .ادعاءات الثورة غير المنتهية Unfinished African Revaluation فقد اتسمت النظم الإفريقية بالطابع الراديكالي ومحاولة إيهام الشعوب الإفريقية بمفاهيم الأزمة الدائمة والعدو الخارجي والاستعمار الجديد وهو الأمر الذي اسهم في اعتلال النظم السياسية الإفريقية نتيجة الإسراف والاستنزاف للموارد في استيراد الأسلحة وتكديسها والدخول في مغامرات عسكرية داخلية أو مع الدول المجاورة وهو الأمر الذي ساعد أيضا على حالة عدم الاستقرار السياسي والتشجيع لتدخل العسكريين في الحياة السياسية وتزعمهم للانقلابات العسكرية.
    ومن ثم فقد بات مستقرا في أذهان المواطنين من ناحية ، والحكام من ناحية أخري في أفريقيا أن المخرج من حالة عدم الاستقرار والعنف المتفشية في دولها لن يكون سوي بإعادة النظر في السياسات والممارسات المتعلقة بالديموقراطية وضرورة المشاركة السياسية لجميع القوي داخل تلك الدول.
    هـ. الفشل الاقتصادي:
    استمر الفشل الاقتصادي على مستوى الدول الإفريقية في ظل أنظمة الحزب الواحد والأنظمة العسكرية ليمثل أحد الظواهر التي تميز تلك الدول, وإذا كان العقدين الأولين بعد الاستقلال قد شهدا معدلات نمو تتراوح بين 6%إلى 8% , فقد تدهور الوضع الاقتصادي بعد منتصف التسعينيات ليصل المعدل إلى 2.3% و استمر ذلك التدهور ليصل إلى الصفر أو بالسالب مع بداية ثمانينات القرن الماضي، وهو الأمر الذي أضفى بعدا خطيرا وحيويا على حالة البؤس والمعاناة الإنسانية للشعوب الإفريقية وكرس حالة الفراغ والوهم السياسي لدى حكام تلك الشعوب.
    ونتيجة لما تقدم فقد برزت قضية الديمقراطية باعتبارها محور أزمة التطور السياسي في إفريقيا منذ الاستقلال بعد أن فشلت استراتيجيات التنمية التي تبنتها الحكومات التسلطية في تحقيق المهام السياسية التي حددتها , وبدلا من الوصول بالمجتمع الأفريقي إلى حالة من الوحدة والتجانس دفعت به إلى حالة الانقسام والتمايز العرقي, وبدلا من تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية, عملت على نشر الفساد وعدم المساواة في المجتمع, وبدلا من تحقيق التنمية الاقتصادية عززت الكساد المادي والانحراف وبدلا من تأسيس أنظمة سياسية فعاله خلقت توجهات انفصالية وانقلابات عسكرية وحروب أهلية بما أدى إلى بقاء المجتمعات والشعوب الأفريقية رهينة الأزمة الدائمة, والتي يعزى السبب في تكوينها والإبقاء عليها إلى غياب الديمقراطية, ذلك أن التحول الديمقراطي في إفريقيا لا يعكس فقط الجوانب النظرية والأخلاقية التي تقف وراء البحث عن بديل للمأزق السلطوي القائم وإنما يعكس كذلك المطالب الشعبية الملحة من أجل التعيير.



    ويقترن أيضا بحالة التردى الاقتصادى للدول الإفريقية تلك استمرار معدلات نمو السكان بمعدلات عالية بلغت حوالى إلى 2.6%.(2) , بالإضافة إلى ارتفاع معدل ديونها الخارجية وفوائدها من 176 مليار دولار عام 1982 إلى 296 مليار دولار عام 1992.(2) وهو الأمر الذى زاد من أعباء ومعوقات التنمية الاقتصادية واسهم فى إحداث الفشل الاقتصادى حيث باتت مطالب السكان متعاظمة ولم يواكب ذلك تحسن فى مستوى المصادر والمدخلات وهو الأمر الذى يعطى بعدا جديدا للأزمة فى القارة الأفريقية وقد أدى هذا الوضع أيضا إلى إعطاء الفرصة للدول و المؤسسات النقدية المانحة إلى وضع الشروط للحصول على الأموال والمساعدات ومنها ضرورة التحول الديمقراطى وتبنى سياسات رأسمالية ، كبرامج التكيف الهيكلى .


    و. أزمة الاندماج الوطني:
    وتتمثل أزمة الاندماج الوطنى فى أفريقيا فى عجز النظم السياسية الأفريقية عن التعامل مع الواقع التعددى للمجتمع (بالاغراء ، أو الاكراه) ، بشكل أدى إلى علو الولاءات دون الوطنية على الولاء الوطنى ، الأمر الذى أفسح المجال أمام الصراع بين الجماعات المختلفة بعضها البعض ، أو بين هذه الجماعات والنظام السياسى ، على نحو حال دون خلق ولاء وطنى عريض يؤدى إلى التماسك الوطنى .. وبعبارة أخرى فإن أزمة الاندماج الوطنى تبدو واضحة حين يظهر النظام السياسى عجزا عن بناء الدولة الوطنية ، وحيث تخبو الرغبة فى العيش معا لدى الجماعات المشكلة للمجتمع كشركاء متساوين ، بشكل يجعل من الصعوبة بمكان اطلاق مصطلح "شعب" على تلك الجماعات التى تعيش على إقليم هذا المجتمع ، بل ويجعل من الصعوبة حتى اطلاق مصطلح "دولة" على ذلك الكيان.
    لقد عجزت النظم الأفريقية عن إدارة هذه الأزمة، إما لفساد هذه النظم وتحيزاتها لجماعة الإثنية على حساب أخرى مما أضعف قدرتها التوزيعية على الوفاء-ولو بالحد الأدنى- بمطالب مختلف الجماعات الإثنية ، إما لاتساع مساحة أقاليم العديد من الدول ، وسيادة الطابع الصحراوى والغابى عليها ، وهو ما أقعد هذه النظم عن تحقيق السيطرة على كامل الإقليم ولو كرها ، وذلك لتخلف طرق ووسائل النقل فيها ، وإما نتيجة لتداخل الجماعات الأثنية عبر الحدود مع الدول المجاورة بشكل حال دون إمكانية تحقيق السيطرة على كامل الشعب ، وإما نتيجة لتدخلات قوى إقليمية ودولية رأت من مصلحتها تقويض الاستقرار فى هذه الدولة أو تلك لاعبة على أوتار الاختلافات الأثنية ، وتعرض هذه الجماعة أو تلك للاضطهاد على يد الجماعة الحاكمة.
    ثانياً. الأسباب الخارجية ( الضغوط الدولية):
    كان للتحولات الأساسية التي حدثت في العالم منذ أواخر الثمانينيات ومنها نهاية الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشرقية وخصوصا الاتحاد السوفيتي (سابقا) والتحولات التي حدثت في تلك الدول بالإضافة إلى تبنى القوى الغربية لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بالإضافة إلى المنظمات النقدية العالمية – دور ملموس في دفع الدول الإفريقية إلى القيام بتلك التحولات الديمقراطية خصوصا وأنها اشترطت على تلك الدول لضمان استمرار مساعداتها وقروضها أن تلتزم بالديمقراطية .
    إذن فمنذ انتهاء الحرب الباردة من ناحية ، وتعاظم العولمة من ناحية أخرى، فإن الغرب قد سعى لفرض أيديولوجيته الرأسمالية (الليبرالية السياسية / آليات السوق) فرضاً على الدول الأفريقية فيما بات بعرف بالحكم الصالح ، والتكيف الهيكلى متجاهلاً الحقائق الموضوعية التالية :
    1. أن التجربة الديمقراطية الليبرالية من الصعب أن تنجح فى أفريقيا ، ذلك أن غالبية الدول الأفريقية قد أخذت بالتعددية الحزبية عقب الاستقلال، غير أن هذه التجربة سرعان ما انهارت منذ النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى تحت ضربات الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، أو نتيجة لتحول العديد من الدول الأفريقية للأخذ بنظام الحزب الوحيد، وقد حدث هذا الفشل رغم أن ظروف الدول الأفريقية عقب الاستقلال كانت أفضل بكثير من وضعها الراهن، حيث لم تكن توجد أزمة ديون، ولا فجوة غذائية، وكان الجهاز الأدارى على محدوديته على درجة عالية من الكفاءة، ولم يعتريه الفساد على نحو ما هو مشاهد حالياً، وكان الشعور الوطنى عالياً بدرجة حالت دون تفجر الصراعات الإثنية فى القارة. فما الذى يجعل خيار الديمقراطية الليبرالية ممكناً فى ظل الظروف الراهنة ؟ .
    2. أن إصرار الغرب على أخذ النظم الأفريقية بالاصلاح السياسى (الديمقراطية الليبرالية) وبالاصلاح الاقتصادى (الرأسمالية / التكيف الهيكلى) فى آن واحد ينطوى على تناقض موضوعى، ذلك أن الديمقراطية الليبرالية إنما تنصرف بالأساس إلى تكريس وتعظيم حقوق النخبة، إذ تركز على الحقوق السياسية فحسب من حق التعبير، وحق التجمع، وحق التصويت والترشيح في الانتخابات، وعدم الاعتقال دون محاكمة ...الخ. فى حين أن التكيف الهيكلى ينصرف إلى انتزاع الحقوق الاقتصادية / الاجتماعية للغالبية من حق العمل، والتعليم المجانى، والرعاية الصحية، والاسكان ..الخ، وليس من شك فى أن وضعاً كهذا إنما يهدف إلى تمكين نخبة من رجال الأعمال من تحقيق تراكم رأسمالى على حساب الغالبية من المواطنين بحيث تسهل لهم مهمة السيطرة على السلطة السياسية من جهة، وتجعل منهم رافداً تابعاً للرأسمالية العالمية من جهة ثانية، ثم إن ذلك سيؤدى فى المحصلة إلى سيادة حالة من عدم الاستقرار الداخلى من جهة ثالثة.
    3. أن إصرار الغرب على حتمية التزام النظم الأفريقية بالديمقراطية الليبرالية، وبالتكيف الهيكلى معا ينطوى على مغالطة تاريخية من جهة، ثم إنه يفوق قدرات النظم الأفريقية من جهة أخرى، ويمكن توضيح ذلك كالتالي:
    ـ أن الخبرة التاريخية الغربية ذاتها تشير إلى أن الظاهرة الديمقراطية لم تبرز فى أوروبا الا عقب الثورة الصناعية (التنمية أولا) بما استتبعها من تحضر وتعليم حديث ، وجهاز إدارى حديث ، أسفر عن "نتائج اجتماعية" تمثلت فى تفاعل مختلف جماعات المجتمع ، بشكل أدى إلى ظهور " ولاء وطنى " مشترك تخطى الولاءات الأثنية والدينية والإقليمية والثقافية .
    ـ ثم إن بروز الظاهرة الديمقراطية فى أوروبا قد تواكب مع ظواهر ثلاث أخرى هى : الثورة الصناعية ، وقيام الدول القومية ، وانطلاق العملية الاستعمارية من عقالها ، ولم يكن بالامكان للظاهرة الديمقراطية ولا للثورة الصناعية الاستقرار ولا الاستمرار بدون العملية الاستعمارية الذى قادتها الدولة القومية ، ذلك أن الثورة الصناعية كانت فى حاجة أسواق خارجية ، وإلى مواد خام ، وهكذا فلكى تستقر النظم السياسية فى أوروبا ، والتى اعتمدت الديمقراطية أسلوبا للحكم ، كان لابد لها أن تزيد من قدرتها الاستخراجية (نهب ثروات الشعوب الأفريقية) حتى تزيد قدرتها التوزيعية (فترضى ولو الحد الأدنى من مطالب مختلف الجماعات فى المجتمعات الأوروبية) ، وبدون ذلك ما استقرت الظاهرة الديمقراطية ولا استمرت ، ودليلنا على ذلك أن كلا من ألمانيا وإيطاليا اللتان تحققت الوحدة القومية لكل منهما أواخر القرن التاسع عشر ، وبالتالى دخلتا العملية الاستعمارية متأخرتين عن الدول الاستعمارية الأخرى (فرنسا-بريطانيا) فلم تجدا مستعمرات ذات بال من حيث إمكانية تراكم ثروات – وقد أدى ذلك إلى سقوط التجربة الديمقراطية فى كليهما بصعود النازية والفاشية . بل إن دولا استعمارية قديمة كأسبانيا والبرتغال -ونتيجة لفقر مستعمراتهما- ظلتا تحكمان بأساليب شمولية حتى سبعينيات القرن الماضى ، وفضلا عما تقدم فإنه لم يكن بالإمكان الحفاظ على أوروبا الغربية ، واعادة بنائها الديمقراطى عقب الحرب العالمية الثانية الا بمشروع مارشال الذى ضخ مليارات الدولارات لجعل النظم فى أوروبا الغربية قادرة على تحقيق الحد الأدنى من مطالب مختلف الجماعات فى الدول الأوروبية، أضف إلى ما تقدم فإن تجربة النمور الآسيوية تشير إلى أن عملية التنمية فيها بدأت فى ظل مشروعات وطنية تقودها نظم شمولية بدرجة أساسية .
    ـ ولعل ما سبق يشير إلى أن الظاهرة الديمقراطية لا تنمو ولا تستمر إلا عقب التنمية اقتصادية التى تؤدى إلى تماسك اجتماعى يخلق ولاء وطنيا يعلو فوق الولاءات دون الوطنية.
    فهل النظم الأفريقية قادرة فى ظروف تخلفها الاقتصادى ، وتفككها الاجتماعى على القيام بهذه المهمة : الديمقراطية ، والتنمية فى آن واحد ؟؟ وما هو شكل الاصلاح السياسى الذى يتعين الأخذ به إزاء فشل الديمقراطية الليبرالية فى أفريقيا؟ وإزاء التناقضات التى تحملها الديمقراطية الليبرالية فى طياتها فإنها تهدد بشيوع حالة عدم الاستقرار فى القارة.




    Ya;hgdm hg]dlrvh'dm ydv hglfhavm td Htvdrdh


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي شروط وأبعاد التحول الديمقراطي في أفريقيا

    المبحث الثاني
    شروط وأبعاد التحول الديمقراطي في أفريقيا
    أولاً. شروط التحول الديمقراطي في أفريقيا
    إذا كان التحول الديمقراطي في أفريقيا قد أصبح أحد التحديات الرئيسية التي تواجه دوله فإن إمكانية نجاح هذا التحول متوقف على مجموعة من الشروط ومنها:
    أ. الشرط الاقتصادي:
    بمعنى ضرورة وجود قاعدة اقتصادية / صناعية، حتى يمكن الحديث عن الظاهرة الديمقراطية في المجتمعات الإفريقية. و ينبغي التركيز في هذا الشأن على ضرورة وأهمية العلاقات المتداخلة والمشتركة بين المجالات الاقتصادية والتعددية السياسية والتجارب الديمقراطية فالمساواة على سبيل المثال ليست فقط بين الجماعات الإثنية والطائفية ولكن أيضا فيما بين الطبقات الاجتماعية ، كما أن التكاليف السياسية للفشل الاقتصادي تكون كبيرة وقد تؤدى إلى انهيار أنظمة سياسية بكاملها وهو ما يمكن ملاحظته في أنحاء عديدة في أفريقيا .
    وينبغي الإشارة إلى أن المسألة الأيديولوجية في أفريقيا تشير إلى فشل كل من التوجهات الاشتراكية والرأسمالية فى القارة الأفريقية ، حيث لا توجد طبقة عمالية وطنية (بروليتاريا) يمكن أن تشكل قاعدة للتحول الاشتراكى ، كما لا توجد طبقة رأسمالية وطنية يمكن أن تشكل قاعدة للتحول الرأسمالى، ويرجع ذلك إلى تخلف البنية الاقتصادية / الاجتماعية فى الدول الأفريقية ، وتغلب الاختلافات الأثنية (غير الوطنية) والدينية والإقليمية على الحياة السياسية الأفريقية.
    وقد أدى هذا وذاك إلى انهيار سياسة المحاور التى كانت قائمة فى الدول الأفريقية على أساس أبديولوجى لتتبنى كافة الدول الأفريقية رغبا أو كرها الأخذ بآليات السوق والاصلاح السياسى ، وليس من شك فى أن هذا الوضع يمكن أن يسهل من عملية التكامل الاقليمى فى أفريقيا ، ويدفع بعملية التنمية الاقتصادية فى القارة قدما فى إطار شراكة فى العالم الخارجى (نيباد) حيث لا تملك القارة وحدها الموارد المالية والتقنية ، وليس من شك فى أن الغرب مطالب اليوم بتمويل خطة النيباد لتعويض القارة عن قرون النهب الاستعمارى ، إذا ما أريد حل مشكلات القارة ودفع عملية الاصلاح السياسى والاقتصادى.
    وبالتالي فإن الدرس الحقيقى الذى يجب أن تستفيد منه تجربة التحول الديمقراطى فى أفريقيا ويعد أحد الشروط الأساسية لاتجاهها هو أن النظام السياسي يقاس ليس بالتوسع فى وضع المبادئ المستخلصة عن الديمقراطية أو التطبيق لنماذج مؤسسية مستوردة من الخارج وإنما الأمر يتعلق بالدرجة الأساسية بحرص النظام السياسى على تمثيله لمصالح الجماعات المختلفة بداخله والقدرة على إحداث التوازن بين المطالب والمصادر والتطوير لحياة الجماهير على أسس المساواة والعدالة الاجتماعية والتوزيعية .
    ب. الشرط الاجتماعي:
    ويتمثل في ضرورة الحد من الولاءات التحتية ( قبلية ، اثنيه ، ...الخ ) لصالح الولاء الوطني والهدف المبدئي في هذا السياق هو اندماج جميع الجماعات المهمشة ( إثنية – قبلية – دينية ...) داخل نظام الدولة وفى إطار ما يمكن تسميته بالديمقراطية الاجتماعيةSocial Democracy .
    إن من الأسباب الرئيسية التي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على أية مساعي أوجهود تبذل بصدد محاولة إحداث تحول ديمقراطي فعال في أفريقيا يتمثل في التفسخ الاجتماعي والمجتمعي، أو مايمكن تسميته بشيوع أزمة الهوية أو أزمة الاندماج الوطني، ومن ثم فإن هذه الأزمة هى السبب فى العديد من الأزمات التى تواجهها النظم الأفريقية ابتداء من أزمة الشرعية، ومرورا بأزمة المشاركة السياسية، وانتهاء بأزمة المواطنة، بل أن هذه الأزمة هى السبب فى فشل تجارب الحزب الوحيد، والتعدد الحزبى، طالما كان الحزب الوحيد يشكل أداة الجماعة (الإثنية) الحاكمة فى الهيمنة على بقية الجماعات،؟ وطالما أن نظم التعدد الحزبى هى الأخرى قد أسفرت عن نقل الاختلافات الإثنية والدينية والإقليمية إلى ساحة الصراع السياسى، ذلك أن تجارب التعدد الحزبى فى القارة الأفريقية فى الماضى والحاضر قد أسفرت عن ظهور أحزاب طائفية (الأمة والاتحادى فى السودان) أو أحزاب دينية (كاثوليك وبروتستانت فى أوغندا) أو أحزاب إقليمية (شمال وشرق وغرب نيجيريا).
    يضاف إلى ما تقدم إن أزمة الاندماج الوطنى هى السبب الرئيسى فى ظاهرة الانقلابات العسكرية فى أفريقيا (أكثر من 80 انقلابا عسكريا منذ ستينيات القرن الماضى) وفى ظاهرة الحروب الأهلية (التى ضربت نحو 18دولة أفريقية طوال نفس الفترة) وما ترتب عليها من مشكلات فرعية أخرى أكثر حدة من حروب إبادة (رواندا) ، وما يثار من تطهير عرقى (دارفور) ، فضلا عما تشكله تلك الظاهرة من احتمالات انتقال الحروب الأهلية إليها بمنطق العددى، إضافة إلى انهيار دول (الصومال-ليبيريا-سيراليون-غينيا بيساو-ساحل العاج-الكنغو الديمقراطية ... الخ) .
    ج. الشرط الأيديولوجي:
    بمعنى وجود إجماع وطني على الأيديولوجية الرأسمالية وعلى المفاهيم الأيديولوجية للديمقراطية وبهدف انتهاج آداب السلوك الديمقراطي السليم و ينبغي في هذا الشأن أن تكون القيادات داخل الدولة في مقدمة المطبقين لآداب ذلك السلوك وهو الأمر الذي يمكن أن يساعد المجتمع على الالتزام بقواعد السلوك العام والتطبيق المتنامي للمواثيق والقوانين .
    ووفقا لما تقدم فقد كان الأمل معقوداً على أنه يمكن لعملية التحول الديمقراطى فى أفريقيا أن تتم على مرحلتين هما:
    1. التحول الليبرالي :
    ويعنى بالتحول الليبرالي أن يتم التأكيد على قدر مناسب من الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد والجماعات في مواجهة السلطة الحاكمة، أو بعبارة أخرى ضمان عدم تعسف السلطة وانتهاكها للشرعية السياسية . لقد ظهرت الأفكار الليبرالية في عصر التنوير و حتى الثورة الصناعية(1750 – 1850 )، و هي تشكل منارة مضيئة و عظيمة في تاريخ تطور البشرية. فالليبرالية متناقضة جذريا مع الإيديولوجيا الإقطاعية، أي أنها ضد فكرة الماوراء حين أكدت على موضوعية الطبيعة و المادة. و هي ضد الوحي و الميتافيزياء حين أكدت على العقلانية و العلم. و هي ضد الاستبداد حين أكدت على الحرية و هي ضد سحق الفرد و امتصاصه في المجموع، حين أكدت على أولوية الفرد. فقد جاءت الليبرالية كانتصار باهر على النظام الاقطاعي الذي ساد في العصور الوسطى، و هو النظام الذي كان يستند على الاستبداد و العبودية و قهر حرية الفرد و حقوقه و شكل حينذاك بمؤسساته وقيمه و علاقاته عائقا أمام تطور الرأسمالية في ظهورها. و هكذا فإن الأفكار الليبرالية هذه شكلت منظومة للإيديولوجية متكاملة لليبرالية، التي عبرت عن مرحلة تاريخية محددة، هي مرحلة الرأسمالية الوليدة والصاعدة، و عن اتساق متطلبات تقدم البشرية مع متطلبات صعود الطبقة البرجوازية. و لم يكن من الممكن انتشار الأفكار الليبرالية في مختلف دول القارة الأوروبية، و في الولايات المتحدة الأمريكية لو لم تكن متفقة إلى أبعد الحدود مع حرية الفرد التي قادته إلى محاربة الاستبداد على الصعيد السياسي، وإلى العقلانية على الصعيد المعرفي، وإلى العلمانية، وتحرير المرأة، والديمقراطية التي تشكل التخطي الديالكتيكي لهذه الليبرالية. وقد ارتدت المبادئ الليبرالية هذه طابع فتوح دائمة للبشرية، رست في أساس المجتمعات الحديثة (حتى إذا تجاوزت الليبرالية ), إلا أن حرية المشروع الاقتصادي التي بدت في ظل المجتمع التقليدي، بمنزلة مبدأ عقلاني، يحرر ولا يضطهد, و يطلق قوى الأنتاج، أصبحت فيما بعد تظاهرة لا عقلانية، و أداة للاستغلال و لمزيد من التفاوت الاجتماعي.
    ولكن الليبرالية الجديدة، فقد جاءت بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في زمن العولمة. و قد كشفت عن عدد من الحقائق أهمها:
    ـ تتسم العولمة الرأسمالية المتوحشة الحالية باستقطاب الرساميل والتدفقات الاستثمارية، و بالتالي بتركيز الثروة و الرأسمال في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة .
    ـ يزداد إفقار العالم الثالث و تهميشه و تتخذ عمليات نهبه السافرة والمقنعة طابعا همجيا.
    ـ تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بدور رئيسي في صياغة هياكل القوة الاقتصادية من خلال قوتها السياسية و العسكرية .و منذ فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها المطلقة على النظام الدولي الجديد في ظل القطبية الأحادية، حاولت أن تصيغ العالم على شاكلتها ومثالها, ونشر سلطتها فيما تسميه بالعالم الفوضوي (أو الدول الفاشلة، أو محاور الشر). والولايات المتحدة لاتثق بالقانون الدولي ولا بالمواثيق الدولية, و هي تنظر الى تحقيق الأمن, كما الدفاع عن الليبرالية الجديدة, عبر حيازة القوة العسكرية واستخدامها.وهي تزداد ميلا الى العمل العسكري في شكل أحادي الجانب, وترفض المبادرات أو القرارات التي تتخذ تحت راية مؤسسات دولية على غرار الأمم المتحدة مثلا, وتشك في القانون الدولي وتؤثر العمل خارج نطاقه حين ترى ذلك ضروريا - كماهو الحال في حربها على العراق، وما تسمية حربها على الإرهاب سواء في أفغانسيان أو في منطقة القرن الأفريقي ـ أو حتى مفيدا لمصالحها فحسب.
    2. التحول الديمقراطي :
    بمعنى أن يتم الانتقال نحو الليبرالية السياسية من خلال عملية تدريجية تفضي في النهاية إلى إقامة نظام ديمقراطي .
    ويمكن الإشارة إلى أن معظم الدول الأفريقية اتخذت إجراءات دستورية وقانونية لتعزيز عملية التحول الليبرالي – الديمقراطي ومنها:
    ـ ضمان حق تكوين الأحزاب السياسية
    ـ حرية الانضمام للأحزاب السياسية
    ـ حرية مساهمة الأحزاب فى تشكيل الوعى السياسى للمواطنين
    ـ إجراء انتخابات على أساس تعددى
    ـ إعطاء الأحزاب فرص متساوية لعرض برامجها من خلال وسائل الإعلام المختلفة .
    إلا أن التحركات الأيديولوجية المتثاقلة للعديد من الدول الأفريقية فيما يتعلق بتبني الليبرالية السياسية من أجل إحداث التحولات السياسية، يبدو أنها كانت صعبة وعسيرة على تلك الدول، وهو نتاج طبيعى لمحاولات استساخ تلك الأيديولوجيا الغربية في البيئة الأفريقية، ومن ثم فإن التجربة الديمقراطية الليبرالية قد فشلت فى أفريقيا، ذلك أن غالبية الدول الأفريقية قد أخذت بالتعددية الحزبية عقب الاستقلال ، غير أن هذه التجربة سرعان ما انهارت منذ النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى تحت ضربات الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية ، أو نتيجة لتحول العديد من الدول الأفريقية للأخذ بنظام الحزب الوحيد ، وقد حدث هذا الفشل رغم أن ظروف الدول الأفريقية عقب الاستقلال كانت أفضل بكثير من وضعها الراهن ، حيث لم تكن توجد أزمة ديون ، ولا فجوة غذائية ، وكان الجهاز الأدارى على محدوديته على درجة عالية من الكفاءة ، ولم يعتريه الفساد على نحو ما هو مشاهدا حاليا ، وكان الشعور الوطنى عاليا بدرجة حالت دون تفجر الصراعات الأثنية فى القارة . فما الذى يجعل خبار الديمقراطية الليبرالية ممكنا فى ظل الظروف الراهنة ؟ .
    وهو يعني حدوث نهضة صناعية تؤدي إلي تنمية اقتصادية بكل ما يستتبعه ذلك من تحضر Urbanization وتعليم حديث، وجهاز إداري حديث، وتفاعل بين مختلف جماعات المجتمع.
    د. الشرط الوطني:
    وهذا الشرط يبني علي الشرط الاجتماعي حيث ينمو ولاء وطنيا عريضا يسفر عن إجماع وطني علي توجه أيديولوجي، يضفي علي النظام الحاكم مشروعيته وتجعل من الانتماء الوطني أمرا حتميا. ذلك ما أسفرت عنه الخبرة التاريخية للمجتمعات الأوروبية، والتي كانت منقسمة في داخلها علي أسس دينية ولغوية وثقافية، فجاءت الثورة الصناعية لتحدث هذا التحول، في هذه المجتمعات، والذي أسفر عن بزوغ الدولة القومية، وظهور وترسيخ الظاهرة الديموقراطية، وبدون توافر هذه الشروط فليس ثمة إمكانية لبزوغ الظاهرة الديموقراطية واستقرارها، ناهيك عن إمكانية الحديث عن فرضها، وهاهي الخبرة التاريخية، تثبت ومنذ الاستقلال صدق هذه المقولة، فقد انهارت التجارب الديموقراطية في العديد من الدول الأفريقية، ولا ينتظر لهذه الظاهرة أن تستقر في الدول التي أخذت بالتحول الديموقراطي منذ انتهاء الحرب الباردة، نتيجة لانتفاء الظروف الموضوعية لظهورها، فنيجيريا علي سبيل المثال أخذت بالليبرالية السياسية والاقتصادية منذ استقلالها في ظل وجود دولة فيدرالية ، ونظام حكم برلماني، وتعدد حزبي، وانهارت التجربة عام 1966، ثم عادت لتأخذ بنظام الحكم الرئاسي منذ عام1979 وانهارت التجربة أيضا، فحاولت الأخذ بنظام الحزبين وفشلت التجربة كذلك، وأسفر الأمر عن استمرار خضوعها للحكم العسكري معظم فترات تاريخها، ورغم العودة للأخذ بالديموقراطية، إلا أن التجربة مازالت غير مستقرة، والصراعات الاثنية والدينية آخذة في التصاعد، ذلك هو الحال في دول أفريقية عديدة كأوغندا ورواندا وبوروندي والسودان...الخ. بل إن فرض عملية التحول الديموقراطي علي العديد من الدول الأفريقية منذ انتهاء الحرب الباردة قد أدي إلي دخول العديد من الدول الأفريقية في حروب أهلية بشكل غير مسبوق ، وكانت نتائجها كارثية، حيث انهارت دول كالصومال وليبيريا و غينيا بيساو، وحدثت إبادة جنس في رواندا ، وانتشرت موجات اللاجئين في القارة الأفريقية، الذين زاد عددهم عن ثلث عدد اللاجئين في العالم.
    ثانيا. أبعاد التحول الديمقراطي في أفريقيا:
    مثلت عمليات الدمقرطة أو التحول الديمقراطي الظاهرة العالمية الأهم خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. قبل ذلك، كان هناك عدد قليل من النظم الديمقراطية في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. بدلا من ذلك، كانت الساحة السياسية مليئة بأشكال مختلفة من نظم الحكم غير الديمقراطية التي تشمل نظماً عسكرية ونظم الحزب الواحد ونظم الدكتاتوريات الفردية الشخصية. في منتصف سبعينيات القرن العشرين شهد العالم ما أصبح يعرف بالموجة الثالثة للديمقراطية التي بدأت في البرتغال وأسبانيا واليونان منذ 1974، ثم انتشرت إلى أمريكا اللاتينية وبعض أجزاء آسيا خلال ثمانينيات القرن العشرين، وامتدت إلى أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي وبعض أجزاء أفريقيا في أوخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي. الملفت للنظر أن منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، والمنطقة العربية خصوصا، كانت الأقل تأثراً بهذه الموجة.
    تتسم عملية التحول الديمقراطى فى أفريقيا بالعديد من الأبعاد والتى يمكن التركيز عليها ومنها :
    أولاً. البعد الوطني (الداخلي):
    أ. البعد المؤسسي:
    يفترض أنه داخل نطاق هذا الإطار المؤسسي تتم عمليات التغير التاريخي الطويلة المدى. كما يفترض أن تتم عمليات التحول الديمقراطي من خلال دور وفعل النخب السياسية التي يقع على كاهلها بالدرجة الأساسية الالتزام والمسئولية عن حسن إدارة تلك العملية، وعلى اعتبار أنه توجد في جميع المجتمعات العديد من بنى السلطة والقوة تعمل على تقييد سلوك الأفراد والنخب في المجتمع وتشكل تفكيرهم. وتوجد بنى السلطة والقوة بصورة مستقلة عن الفرد، تقيد نشاطاته وتتيح له بعض الفرص في الوقت نفسه. من ناحية أخرى، فإن الفرد جزء من تلك البنى الموروثة من الماضي ويساهم، مع الآخرين، في استمراريتها. كما يفترض أيضاً أن التفاعلات المتغيرة تدريجياً لبنى السلطة والقوة - اقتصادية، اجتماعية، سياسية- تضع قيوداً وتوفر فرصاً تدفع النخب السياسية وغيرهم، في بعض الحالات، في مسار تاريخي يقود إلى الديمقراطية الليبرالية، بينما في بعض الحالات الأخرى، قد تقود علاقات وتفاعلات بنى السلطة والقوة إلى مسارات سياسية أخرى. وبالتالي فإن بنى السلطة والقوة والتي غالبا ما تتغير تدريجياً عبر فترات تاريخية طويلة، فإن هذا يقود إلى أن عملية التحول الديمقراطي تكون طويلة الأمد. حيث أن المسار التاريخي لأي بلد نحو الديمقراطية الليبرالية أو نحو أي شكل سياسي أخر يتشكل ويتحدد، أساساً وجوهرياً، بالبنى المتغيرة للطبقة والدولة والقوى الدولية وعبر القومية والمتأثرة بنمط التنمية الرأسمالية، وليس عن طريق مبادرات وخيارات النخب. فعلى الرغم أن النخب السياسية تقوم بمبادرات وخيارات معينة، إلا إن هذه المبادرات والخيارات لا يمكن تفسيرها إلا عبر الإشارة إلى القيود والفرص البنيوية المحيطة بها.
    ويعني ماتقدم أن هناك ضرورة لترجمة القيم والمفاهيم إلى حقائق مؤسسية وبنائية ومرافق عامة، إدا ما كانت هناك رغبة وإرادة حقيقية للتغيير وللتحول السياسي داخل الدول الأفريقية، وأن يتم ذلك في إطار نوع من الاتفاق حول قواعد الممارسة السياسية، ومثال ذلك وجود برلمان منتخب من الشعب، وغيرها من المؤسسات السياسية القوية والمستقلة سواء ذات الطابع الرسمي، وتلك ذات الطابع غير الرسمي ومنها وجود الأحزاب السياسية الوطنية ذات برامج متنوعة ووجود كذلك وجود منظمات للمجتمع المدني نشطة ومنظمة.
    ب. البعد الأدائى ( الإجرائي ):
    يقوم هذا البعد على أساس وجود علاقة بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية وبين الديمقراطية، على اعتبار أن هذا يدخل ضمن العوامل التي تؤدي إلى استمرارية وترسيخ الديمقراطية، وفي إطار ما يمكن تسميته بالشروط والمتطلبات الوظيفية للديمقراطية. فضلاً عن ضرورة وجود مساراً عاما تتبعه البلدان الراغبة في التحول الديمقراطي، ويتكون هذا المسار من أربعة مراحل أساسية:
    1. مرحلة تحقيق الوحدة الوطنية: والتي تشكل خلفية الأوضاع Background Condition، أو أساس عملية التحول، ويرى البعض أنه فيما يتعلق بتحقيق الوحدة الوطنية لا يتوجب توافر الاجماع والاتفاق العام، بل مجرد بدء تشكل هوية سياسية مشتركة لدى الغالبية العظمى من المواطنين.
    2. مرحلة الإعداد Preparatory phase: وخلال هذه المرحلة يمر المجتمع القومي بفترة تتميز بصراعات سياسية طويلة وغير حاسمة، على شاكلة الصراع الناجم عن تزايد أهمية نخبة صناعية جديدة خلال عملية التصنيع تطالب بدور وموقع مؤثر في المجتمع السياسي في مواجهة النخب التقليدية المسيطرة التي تحاول المحافظة على الوضع القائم. ورغم اختلاف التفاصيل التاريخية لحالات الصراع من بلد لآخر، فإن هناك دائماً صراعاً رئيساً وحاداً بين جماعات متنازعة. أي أن الديمقراطية تولد من رحم الصراع، بل وحتى العنف، وليست نتاجاً لتطور سلمي. وهذا ما يفسر إمكانية هشاشة الديمقراطية في المراحل الأولى، وعدم استطاعة العديد من البلدان تجاوز المرحلة الإعدادية إلى مرحلة الانتقال والتحول المبدئية. قد يكون الصراع حاداً بالدرجة التي تؤدي إلى تمزيق الوحدة الوطنية، أو أن يؤدي إلى تزايد قوة إحدى الجماعات بالدرجة التي تمكنها من التغلب على قوى المعارضة وإنهاء الصراع السياسي لصالحها وسد الطريق أمام التحول الديمقراطي.
    3. مرحلة القرارDecision Phase: وهي مرحلة الانتقال والتحول المبدئي، وخلال تلك وهي وهي لحظة تاريخية تقرر فيها أطراف الصراع السياسي غير المحسوم التوصل إلى تسويات وتبني قواعد ديمقراطية تمنح الجميع حق المشاركة في المجتمع السياسي.
    4. مرحلة التعود Habituation Phase: وهي مرحلة الانتقال والتحول الثانية وخلالها فإن قرار تبني القواعد الديمقراطية خلال "اللحظة التاريخية" قد يكون قراراً ناتجاً عن أحساس أطراف الصراع غير المحسوم بضرورة التوصل إلى تسويات وحلول وسط، وليس ناتجاً عن قناعة ورغبة هذه الأطراف في تبني القواعد الديمقراطية. بيد أنه، وبصورة تدريجية ومع مرور الوقت، تتعود الأطراف المختلفة على هذه القواعد وتتكيف معها. قد يقبل الجيل الأول من أطراف الصراع القواعد الديمقراطية عن مضض وبحكم الضرورة، إلا أن الأجيال الجديدة من النخب السياسية تصبح أكثر تعوداً وقناعة وإيماناً بالقواعد الديمقراطية. وفي هذه الحالة يمكن القول إن الديمقراطية قد ترسخت في المجتمع السياسي.
    ويبدو أن هناك نوع من التمييز بين مرحلة الانتقال والتحول المبدئي من الحكم التسلطي (أي اللبرنة السياسية) وبين مرحلة ترسيخ الديمقراطية الليبرالية. ويرجع ذلك إلى أن عمليات الانتقال المبدئية قد تنجح أحياناً وتترسخ، ولكنها قد تفشل وتتعثر في أحيان أخرى. حيث تبدأ عملية اللبرنة السياسة داخل نظام الحكم التسلطي بتخفيف عمليات القمع والسماح ببعض الحريات المدنية. إلا أن هذه التحركات لا تؤدي، بالضرورة، إلى تحقيق الديمقراطية. فقد يتم إجهاض عمليات اللبرنة ويعود الحكم القمعي من جديد. بيد أنه ما أن تكتسب عملية اللبرنة دفعا وزخماً قوياً وجاداً ينخرط العديد من الفاعلين السياسيين في التفاعل التاريخي بين نظام الحكم وقوى المعارضة. بحسبان وجود متطرفين ومعتدلين داخل النظام التسلطي وبين المعارضين، فإن طبيعة التفاعل وشكله يؤثر على مسار ونواتج عملية الانتقال والتحول الديمقراطي. ويلاحظ أنه خلال المرحلة الرابعة (مرحلة التعود)، تتضمن عملية الانتقال الثانية من حكومات مؤقتة ولبرنة سياسية مبدئية إلى ترسيخ الديمقراطية الليبرالية مسارات تاريخية متشابكة وتتسم بدرجة عالية من عدم التيقن. ويلعب الفاعلون السياسيون الملتزمين بالديمقراطية دوراً حاسماً وجوهرياً لنجاحها خلال هذه المرحلة أيضاً. وعلى الرغم من أنهم يشكلون دائماً أقلية، فإن هناك عوامل معينة تتظافر لصالحهم. من أهم هذه العوامل، أن أغلبية المواطنين، حتى وإن لم تكن ملتزمة بالديمقراطية بالضرورة، لا تريد عودة النظام التسلطي الذي كانت ترزح تحته. هذا إلى جانب أن الخطاب السياسي التسلطي أضعف إيديولوجياً من الخطاب الديمقراطي عالمياً. بفضل هذه المزايا، يمكن للنخبة الديمقراطية القليلة العدد أن تقود المجتمع السياسي إلى ترسيخ الديمقراطية إذا استطاعت أن تقوم بتحييد الفاعلين ذوي التوجهات التسلطية المتطرفة، وتشجيع التفضيلات والممارسات المتوافقة مع الأداء الديمقراطي، وزيادة عدد الفاعلين الديمقراطيين، وإعطاء أولوية للإستراتجية التي تضمن عدم تسهيل عودة الحكم التسلطي على أية استراتجيات أخرى (بما في ذلك التنافس فيما بينها). ويزعم البعض أن المسار التاريخي للديمقراطية الليبرالية يتحدد، جوهرياً، من خلال مبادرات وأفعال النخب وليس عن طريق بنى القوة المتغيرة. إلا أن مبادرات وخيارات النخبة لا تحدث أبداً في فراغ، حيث إنها تتشكل إلى حد ما بالبنى المجتمعية، بمعنى التأثر بمجموعة من القيود الطبيعية والاجتماعية، وبمجموعة من الفرص المتغيرة، وبمجموعة من المعايير والقيم التي يمكن أن تؤثر على محتوى واتجاه خيارات النخب.
    وبناءً على ما تقدم فإنه وفي إطار عملية التحول الديمقراطي فإنه من الضروري التأكيد على وجوب أن يتم تسوية الصراعات السياسية عادة عبر أسلوب تنافسي سلمى وأن تكون الانتخابات الحرة ذات المضمون التعددي الأداة الديمقراطية الكفيلة بتحقيق التوازن السياسي والاستقرار في المجتمع، ويلاحظ أنه على الرغم من أن تحولات نظم الحكم الإفريقية قد حدثت بسرعة، فإن الوقت المتاح لوضع ولترسيخ مثل تلك الإجراءات والتدعيم للمؤسسات الديمقراطية إنما هومحدود نسبياً، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون له آثار سلبية في السنوات التالية، ومنها أن تتمخض مثل تلك التجارب على ديمقراطيات هشة Fragile. ولذلك فإن التعجل المرحلي من جانب الدول الأفريقية في هذا الشأن غير مرغوب فيه، كما أن الضغوط التي تمارس على الدول الأفريقية بغرض الإسراع بالتحول قد تؤدي إلى انتكاسات التجربة.
    ج. البعد السلوكي ( القيمي – الثقافي):
    الذي ينظر إلي الديموقراطية باعتبارها قيمة عليا في حد ذاتها تشمل في نفس الوقت على معاني الحرية والمساواة والعدالة وسيادة قيم التسامح والتعايش والتفاوض,و يفترض ذلك نشر وتعزيز الثقافة الديمقراطية في المجتمع . وكذلك باعتبارها عملية صراعية وتنافسية وفى هذا الشأن تبرز العديد من الاعتبارات ومنها:
    1. أن تاريخ الديمقراطية ملئ بالصراعات وأن تحقيق المكاسب الديمقراطية للجماهير لا يمكن أن يتم بقرار فوقى وهذا لا يعنى التشاؤم في إمكانية تحقيق الديمقراطية في أفريقيا وإنما هو توضيح لأن هذا الأمر يتطلب نضالا متواصلا.
    2 . إن تزايد المطالب الشعبية المنادية باحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وبإضفاء الطابع الديمقراطي على المؤسسات السياسية والاتجاه نحو الأخذ بنظم التعددية الحزبية يتطلب ضمانات للتحول الصحيح لإحداث التغيير الديمقراطي لأن مسيرة التحول لم تنته بعد .
    3 .أن التحول الديمقراطي بمعناه التعددي محكوم عليه بعدة مؤثرات :
    ـ مصالح الطبقة البيروقراطية البرجوازية المهيمنة ومدى استعدادها للتفاوض السلمي من أجل الإصلاحات الديمقراطية .
    ـ مدى انتشار الثقافة الديمقراطية و الوعي الديمقراطي بين المواطنين في أفريقيا .
    ـ القدرة على إيجاد التسوية للصراعات الاجتماعية الممتدة والتي تأخذ شكل الحروب الأهلية والدولية في عدد من المناطق الإفريقية .
    ثانياً. البعد الدولي:
    ويتركز هذا البعد في محاولة الدول المانحة الأوروبية والأمريكية في أن تسود عملية التحول الديموقراطي في القارة الأفريقية، وأن يتم الارتقاء بها وفي سبيل تحقيق ذلك فإنها تتبني العديد من السياسات والأدوات ومنها:
    أ. سياسة الترهيب:
    وفي ظل تلك السياسة فإنها تستخدم أدوات تخفيض المعونات المقدمة للدول الأفريقية وسياسة العزلة الدبلوماسية والإدانة لأنظمة الحكم وتقييد ومنع التأشيرات لدخول دولها وغيرها.
    ب. سياسة الترغيب:
    وتتمثل في زيادة المعونات الخارجية ،وتعزيز التعاون العسكري ، وزيادة حجم التجارة والاستثمارات، بالإضافة إلي أدوات الدبلوماسية التقليدية ، والاستمالة ( الإقناع) والمشورة والاستعداد للمناصب الجديدة (الريادة الإقليمية). بالإضافة كذلك إلي برامج الترويج والارتقاء بالديموقراطية التي يمكن أن تكون مجزأة علي المدى القصير كأنشطة التأييد الانتخابي وعلي المدى الطويل مثل جهود إعادة البناء المؤسسي والتغييرات الدستورية.
    ج. العولمة:
    بينما تتحمّل الدولة الأفريقية تحديات الدمقرطة، فهي تدفع أيضا لحتمية التعامل مع نتائج الإعتماد الإقتصادي المتزايد في إطار مايعرف بالعولمة, وهو الأمر الذي يعني قي بعض جوانبه التعرض للمزيد من الضغوط والخسائر النسبية الناجمة عن ما يسمى بالعولمة السياسية في إطار الدفع بحتمية تبني الأيديولوجية الليبرالية، واستيفاء المشروطيات السياسية وكذلك العولمة الاقتصادية من خلال عدم التراخي في تبني برامج التكيف الهيكلي بكل ما تتضمنه من الخضوع الطوعي للسيطرة المالية والسلطة المتزايدة للأسواق التي تخدم أهداف ومصالح الدول الصناعية الفاعلة في العالم، وهو مايعني أن العولمة باتت تمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه أفريقيا في الوقت الراهن، خصوصاً في ظل أساليب وممارسات الهيمنة الرأسمالية العالمية على قطاعات المال والأعمال، وما ينجم عن ذلك من التكريس للتفاوتات في القدرات المختلفة وفي مستويات الثراء والتقدم، وفي المستويات المعيشية للشعوب عالمياً، ويحدث ذلك على الرغم من المزاعم والادعاءات بأن العولمة ستزيد من الترابط والتقارب والتداخل بين الدول على المستوى العالمي، وبالتالي فإن العولمة لا تتحك باتجاه زيادة قدرات الدول الفقيرة والنامية، وإنما تضغط في اتجاه الإبقاء على علاقات الإستغلال والسيطرة والتبعية الاقتصادية لصالح القوى الامبريالية العالمية، ولا تقف حدود العولمة عند الأوضاع السياسية والاقتصادية وإنما تنصرف أيضا إلى العولمة الثقافية من خلال التأثير والتجزئة بل والتفتيت للثقافات المحلية / الوطنية / القومية لصالح تكريس وإعلاء شأن ثقافة الهيمنة العالمية، وإن كان بأساليب مستحدثة، ودون مراعاة للجوانب التنموية والاجتماعية والخصوصيات الثقافية للدول النامية وعلى رأسها الدول الأفريقية.

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي سمات وآليات التحول الديمقراطي في أفريقيا

    المبحث الثالث
    سمات وآليات التحول الديمقراطي في أفريقيا


    أولاً. سمات التحول الديمقراطي في أفريقيا
    تتسم الديمقراطية بصفة عامة بمجموعة من الخصائص ومنها ما يلي:
    أ. أن الظاهرة الديموقراطية ليست حتمية:
    فهي لم توجد أبدا ـ فهي ليست ظاهرة لصيقة بالحياة البشرية ـ وبالتبعية فهي لن توجد أبدا ، ذلك أن مضمونها يختلف من مرحلة إلي أخري، فقد وجدت الظاهرة الديموقراطية في دولة المدينة بأثينا في العصر الإغريقي، ثم اختفت وعادت للظهور مرة أخري عقب الثورة الصناعية في شكل جديد.
    ب. أن الظاهرة الديموقراطية هي ظاهرة استبعادية:
    ففي العصر الإغريقي حرمت النسوة والعبيد من أية حقوق سياسية ، وهي في الوقت الراهن يبدو أن ممارستها حق للإنسان الغربي الأبيض دون سواه، وسعي الآخر لممارستها بطريقة حقيقية يلقي رفضا كاملا من الغرب، باعتبار أن ذلك يهدد مصالحه، لا أدل علي ذلك من أن الغرب ساعد أعتى النظم الاستبدادية مثل ماركوس في الفليبين، وشاه إيران، والإمبراطور هيلاسيلاسي في إثيوبيا وموبوتو في زائير، كما ساعد أعتى النظم الاستعمارية الاستيطانية العنصرية ممثلة في كل من إسرائيل وجنوب أفريقيا، و روديسيا الجنوبية سابقا، ولا أدل علي ذلك أيضا من أن الغرب الذي يرفع راية حقوق الإنسان يطارد المهاجرين الأفريقيين في الدول الأوروبية، ويضيق الخناق علي مرتديات الحجاب ويضغط علي الدول الإسلامية لتغيير هويتها، وتغيير مناهجها العلمية، ويقف ضد إمكانية وصول الحركة الإسلامية في الجزائر إلي السلطة ديموقراطيا، ويبدو أنه يصدق علي هذه الأوضاع قول الشاعر الفرنسي لامارتان " قتل امرؤ في غابة جريمة لا تغتفر ، وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر " وهو يقصد بذلك قتل فرد غربي أبيض ، وهنا تقوم الدنيا ولا تقعد ( لوكيربي ) ، أما قتل شعب بكامله فهي مسألة يمكن النظر فيها تحت دعاوى إنسانية!!!( الشعب الفلسطيني، الشعب الأفغاني ، الشعب العراقي...).
    ج. أن الظاهرة الديموقراطية هي ظاهرة استعمارية:
    لقد تواكب بروز الظاهرة الديموقراطية مع ظواهر ثلاث أخري هي : الثورة الصناعية، وقيام الدولة القومية في أوروبا، وانطلاق العملية الاستعمارية من عقالها، ولم يكن بالإمكان للظاهرة الديموقراطية ولا للثورة الصناعية الاستقرار ولا الاستمرار بدون العملية الاستعمارية ، ذلك أن الثورة الصناعية كانت في حاجة لنهب موارد الدول الأفريقية، ثم أنه لكي تستقر النظم السياسية في أوروبا ، والتي اعتمدت الديموقراطية أسلوبا للحكم ، كان لابد أن تزيد من قدرتها الإستخراجية Extractive ( نهب ثروات الشعوب الأفريقية حتى تتزايد قدرتها التوزيعية Distributive المتمثلة في تحقيق ولو الحد الأدنى من مطالب مختلف الجماعات في المجتمعات الأوروبية، وبدون ذلك ما استقرت الظاهرة الديموقراطية ولا استمرت ، بمعني أن الظاهرة الديموقراطية في أوروبا لم تكن لتنمو وتستمر إلا علي حساب نهب ثروات الشعوب الأفريقية، ودليلنا علي ذلك أن ألمانيا وإيطاليا اللتان تحققت الوحدة القومية لكل منهما في أواخر القرن التاسع عشر ، وبالتالي دخلتا العملية الاستعمارية متأخرتين عن الدول الاستعمارية الأخرى( فرنسا وبريطانيا ) فكانت مستعمرات كل منهما مستعمرات محدودة وفقيرة بحيث لم تكن هذه المستعمرات ذات بال، من حيث تراكم الثروات فهاتان الدولتان سقطت فيهما التجربة الديموقراطية، حيث نشأت النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، بل إن دولا استعمارية قديمة كأسبانيا والبرتغال ونتيجة لفقر مستعمراتهما ظلتا تحكمان بأساليب ديكتاتورية أو استبدادية حتى سبعينيات القرن الماضي، إذا ما أضفنا إلي ذلك أنه لم يكن بالإمكان الحفاظ علي أوروبا الغربية، وإعادة بناءها الديموقراطي عقب الحرب العالمية الثانية إلا بمشروع مارشال، الذي ضخ مليارات الدولارات لجعل النظم في أوروبا الغربية قادرة علي تحقيق مطالب الحد الأدنى من مختلف الجماعات في الدول الأوروبية وبدون ذلك لما استمرت التجربة الديموقراطية في أوروبا الغربية.
    د. أن الظاهرة الديموقراطية هي ظاهرة علمانية:
    تقتضي فصل الدين عن الدولة بل وهيمنة الدولة علي الدين واستخدامه لتبرير السلوك السياسي( يرجع إلي الخطاب السياسي الأمريكي قبل وأثناء حرب احتلال العراق).
    إن محاولة تكريس هذه الظاهرة العلمانية في الدول الأفريقية يتناقض كلية مع العقل الأفريقي الذي هو عقل " وصل وتكامل " يدلنا علي ذلك أنه حينما يفتح المجال واسعا أمام التعددية الحزبية في العديد من الدول الأفريقية فلا يمكن بحال من الأحوال الحيلولة دون نشوء أحزاب تستند إلي الأساس الديني، ومثالنا علي ذلك دور الكنيسة الكاثوليكية في الحياة السياسية في زامبيا ، والتنافس بين الأحزاب الكاثوليكية والبروتستانتية في أوغندا كلما كانت هناك تعددية حزبية، والتنافس الحزبي الإسلامي والمسيحي في نيجيريا، وظاهرة الأحزاب الدينية: الأمة والاتحادي في السودان، والجبهة الإسلامية في الجزائر، والدور السياسي للطرق الصوفية في السنغال، بل حتى وفي فترة سابقة قبل انهيار العنصرية في جنوب أفريقيا في ظل دور رابطة إخوان الأفريكانرز وذراعها السياسي ممثلاً في الحزب الوطني في جنوب أفريقيا. فهل يمكن تنحية الدين جانبا في واقع المجتمعات الأفريقية و إبعاده عن الحياة السياسية في إطار عملية التحول الديموقراطي.
    وفي هذا السياق يجب أن نذكر ظاهرة الأحزاب الدينية في غرب أوروبا ومنها الحزب الديموقراطي المسيحي ( ألمانيا )، ومعظم أعلام الدول الأوروبية التي تحمل علامة الصليب، وظاهرة قسم اليمين علي الكتاب المقدس من جانب كبار المسؤولين عند تعيينهم، وما هو مكتوب علي عملة الدولار من عبارة " نحن نثق في الله In God We Trust " ، وهيمنة المتدينين اليهود علي الحياة السياسية في إسرائيل، بل وارتكان إسرائيل في قيامها وتوسعها علي وعود توراتية تبدو مقبولة ومرحبا بها من جانب الغرب، في الوقت الذي يرفض فيه النموذج الإسلامي في إيران مثلا، وفي الوقت الذي ظل الغرب يشكل سندا لدولة دينية هي إثيوبيا في عهد هيلاسيلاسي ، كان دستورها ينص علي أن هيلاسيلاسي هو رأس الكنيسة الإثيوبية، وفي الوقت الذي يتجاهل فيه الغرب الفظائع التي يرتكبها جيش الرب للمقاومة في شمال أوغندة Lord Resistance Army الذي يرتكب فظائع تفوق بكثير ما ترتكبه بعض الجماعات هنا وهناك.
    هـ. أن الظاهرة الديموقراطية هي ظاهرة نخبوية:
    فهي تركز علي الحقوق السياسية فحسب، حق التعبير عن الرأي، وحق التجمع، والتظاهر، وحق التصويت، والترشيح، وعدم الاعتقال دون محاكمة ...الخ. وتتجاهل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للجماهير، وهي بهذا المعني ظاهرة نخبوية تسعي لإرضاء نخب سواء كانت نخب سياسية أو ثقافية، دونما اعتبار لحقوق الجماهير ، وليس أدل علي ذلك من أن برامج التكيف الهيكلي Structural Adjustment Programmes في أفريقيا قد أضرت بالجماهير الأفريقية ، حيث انتشرت جيوش العاطلين، واتسع نطاق الفقر، وتحللت الدول الأفريقية من التزاماتها الاجتماعية في التعليم والصحة والإسكان وانصرف الاهتمام كلية إلي التعددية الحزبية وإلي الانتخابات ، وإلي تداول السلطة، وكأن هذه الأدوات والوسائل الديموقراطية باتت تشكل غايات في حد ذاتها بصرف النظر عن مصالح الجماهير.


    ثانياً. آليات عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا:
    مع ضرورة إحداث عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا فقد كان لزاما لانجاحها وجود آليات تساعد على القيام بذلك ومن هذه الآليات ما يلي :
    أولاً. المؤتمرات الوطنية:
    تعد صيغة تأسيس المؤتمر الوطني من أبرز آليات التغيير السلمي للبناء التسلطي من خلال المفاوضات بهدف الوصول إلى صيغة ملائمة للتحول الديمقراطي ، ويبدو أن مثل تلك المؤتمرات الوطنية يمكن أن تكون مناسبة للواقع الأفريقي بدرجة كبيرة ، وهى إما أن تتم نتيجة لضغط شعبي كبير أو لتذمر عام في صفوف المؤسسة العسكرية أو لتردى الحالة الاقتصادية – السياسية ، أو لضغوط خارجية متزايدة ، حتى ينساق النظام القائم لبدء عملية التحول الديمقراطي من خلال المفاوضات السلمية وهو الأمر الذي يمكن أن يساعد في تدعيم شرعيته السياسية من ناحية وخلق مناخ من القبول – القومي العام لسياسات الإصلاح التي تنتهجها الحكومة وتتميز مثل هذه المؤتمرات الحكومة . الوطنية بالتمثيل الواسع من جانب جماعات ومؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك الجماعات المعارضة ، وهى تتيح الفرصة للمشاركين في عرض ومناقشة أخطاء الحكومات السابقة والحالية واقتراح الإصلاحات المناسبة( يبنين مؤتمر 1990 ,الكونغو ، توجو ، النيجر ، مدغشقر ).
    ثانياً. المؤتمرات الإقليمية والدولية:
    على صعيد المؤتمرات الإقليمية فقد اجتمع قادة أفارقة في العاصمة النيجيرية أبوجا أواخر شهر مارس2002 للتوقيع على إعلان غير مسبوق لتأكيد التزام الدول الأفريقية بالديمقراطية وحكم القانون والفصل بين السلطات ومواجهة الحروب المدمرة والفساد. ويأتي ذلك بهدف تمهيد الطريق أمام استثمارات غربية ضخمة يتوقع تدفقها نحو القارة الأفريقية. وقد حضر قمة أبوجا قادة 15 دولة من اللجنة التنفيذية للشراكة الجديدة للتنمية الأفريقية (نيباد) التي تسعى للإسراع بعملية النمو في أفقر قارات العالم. وكان ويزمان نيكولا رئيس لجنة التوجيه في نيباد قد ذكر أن الإعلان السياسي في قمة أبوجا يمثل أحد أهم الضمانات لتوفير الدعم الغربي للمبادرة الأفريقية التي تحتاج إلى نحو 64 مليار دولار استثمارات سنوية لاستمرار النمو. وأكد نيكولا أهمية هذا الإعلان في كسب ثقة المجتمع الدولي، في حين أعرب عن استيائه من إعلان الولايات المتحدة أن فوز الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي في الانتخابات الرئاسية فبراير 2002 يمكن أن يؤثر على الدعم الغربي لمبادرة نيباد. ويشمل الإعلان السياسي التأكيد على تطبيق مبادئ الديمقراطية وحكم القانون والفصل بين السلطات ومن بينها استقلال القضاء وفعالية البرلمانات في إصدار القوانين إضافة إلى العمل على تأمين حرية المجتمع المدني وحرية الصحافة واحترام حقوق الإنسان ومواجهة الفساد.
    ممارسة الضغوط للتحول إلي الديمقراطية:
    والضغوط هنا تكون داخلية من أجل الأخذ بالتعددية الحزبية ومن خلال انتخابات حرة كوسيلة للانتقال السلمي للسلطة ( مثال زامبيا 1991 ) ، إن الاعتراف والقبول بالوجود المزمن للضغوط الإثنية من أجل إحداث تغييرات هيكلية Structure Changes في تلك الدول الأفريقية لا يمكن النظر إليها على أنها معوقه للتحول الديمقراطي حيث أن إحداث تلك التغييرات الهيكلية ربما يساعد تلك الدول على التخفيف من مشكلات الإثنية بها وتحدد بالإشارة إلى أن التغييرات الهيكلية قد تختلف من دولة إلى أخرى وهى تتحرك من مجرد المركزية الإدارية إلى ترتيبات فيدرالية كاملة ولعل الاستجابة لمثل تلك الضغوط يمكن أن تسهم إسهاما فعالا في تثبيت الديمقراطية وتعزيزها أكثر من أن تكون أداة للاتصال.
    ثالثاً. التحول الموجه ( التحول من أعلى ):
    تتميز عملية التحول في ظل هذا النموذج بالتعقيد والتطويل ( مثال ذلك مصر، ونيجيريا, وغانا، وإثيوبيا... ) وتتم عملية التحول بقيام النظم القائمة بالبدء في الإصلاحات استجابة لأزمات قائمة أو محتملة وذلك بغرض التحكم في مدى ومضمون عملية التحول.
    رابعاً. النضال المسلح:
    حيث تبدأ عملية التحول بنضال مسلح ينتهي بإجراء انتخابات ديمقراطية )، مثال ذلك جنوب أفريقيا – إثيوبيا - موزمبيق )


    المبحث الرابع
    آفاق التحول الديمقراطي في أفريقيا


    يبدو أن هناك ما يشبه الإجماع، علي المستوي الثقافي والفكري بقبول الديموقراطية كأدوات وأساليب للحكم في أفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة، وهو ما يعني بشكل أو بآخر التسليم بقبول التوجه الرأسمالي كأيديولوجية لتنمية القارة الأفريقية، وهو الأمر الذي يكشف عنه بشكل أو بآخر القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي والشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا NEPAD ، هذا فضلا عن العديد من الدساتير الأفريقية التي راحت تتحدث عن الحكم الرشيد، واحترام حقوق الإنسان، والأخذ بآليات السوق، علي اعتبار الارتكان إلي رؤية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تذهب إلي أن التحول الديموقراطي من شأنه أن يؤدي إلي تحقيق التنمية الاقتصادية.
    وإذا كان التحول الديمقراطي في أفريقيا منذ أوائل التسعينيات قد جاء نتيجة لمجموعة من العوامل النابعة من البيئة الداخلية والبيئة الخارجية للنظم السياسية الأفريقية فإن استشراف آفاق هذا التحول يرتبط بمجموعة من العوامل ومنها :
    أولاً. آفاق التحول الديمقراطي في أفريقيا وفقاً للديمقراطية غير المباشرة :
    أ. العوامل المعوقة للتحول:
    1. العوامل العامة المعوقة للتحول الديمقراطي:
    ـ أن التجربة الديموقراطية في ظل التوجه الرأسمالي قد فشلت في أفريقيا في بداية ستينيات القرن الماضي.
    ـ ثم أن التجربة التاريخية الأوروبية تشير ابتداء إلي ضرورة تحقيق التنمية الاقتصادية ابتداء باعتبار أنها المحرك لإحداث تحول ديموقراطي.
    ـ إذا كان الغرب علي هذا النحو يسعي حقيقة إلي إحداث عملية تحول ديموقراطي حقيقي في القارة، فإن نقطة البدء تتمثل في تعهده بالمساهمة في مشروع اقتصادي تنموي للقارة الأفريقية ، باعتبار أن ذلك شرطا ضروريا لإحداث التحول الديموقراطي، وتلك مسألة محل شك كبير ، إذ مازال الغرب يراوغ في تقديم العون لمبادرة النيباد.
    ـ أن حدوث تنمية اقتصادية حقيقية في القارة ، وما يستتبعها من عملية تحول ديموقراطي حقيقي، يمكن أن يؤدي بشعوب القارة إلي محاولة التخلص من التبعية والهيمنة الغربية، وهو الأمر الذي يشير بشكل أو بآخر إلي عدم رغبة الغرب في حدوث تحول ديموقراطي حقيقي في القارة ، قد يعصف بمصالحه أو علي الأقل قد يؤدي إلي تحقيق التوازن في العلاقة بين أفريقيا والغرب.
    ـ يؤكد ما سبق قوله أن الديموقراطية لا تفرض، والغرب بأسلوب ديكتاتوري يفرضها بكل ما أسفرت عنه من نتائج كارثية علي المجتمعات الأفريقية، وفي غمار حالة عدم الاستقرار التي أسفرت عنها الصراعات والحروب الأهلية، انهمكت الشركات الغربية المتعددة الجنسيات إلي الإسراع بنهب ثروات الدول الأفريقية سواء في صورة معادن نفيسة كالذهب، أو أحجار كريمة كالماس، أو معادن استراتيجية كاليورانيوم والبترول وغيرها...الخ.
    ـ أن الأجندة البحثية الغربية التي تركز علي قضايا المرأة، والجماعات المهمشة، والطفل ، والبيئة...وغيرها، ورغم أهميتها، إلا أن من شأن الانسياق وراءها خلق صراعات فرعية داخل المجتمعات الأفريقية تطغي علي الصراع الطبقي من جهة وهو الصراع الأساسي، وعلي تجميع القوي الوطنية لمناهضة الهيمنة الغربية.
    ـ أن العقل الغربي في مساره الأساسي هو عقل فصل وهيمنة، وهو يتحدث الآن عن صراع الحضارات وعن نهاية التاريخ، وذلك أمر منطقي مع مسيرة تطور هذا العقل الذي أباد شعوبا( الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية، والسكان الأصليين في استراليا) واستعبد شعوبا ( الأفارقة) واستعمر الغالبية من شعوب العالم، وبدون أن يتطور هذا العقل وأن يكون مستعدا لقبول الآخر علي قدم المساواة واحترام خياراته وتوجهاته وتقاليده وثقافاته دون فرض أيديولوجي، فلن يقدر للعلاقات الدولية في عالم اليوم أن يسودها التسامح والاحترام المتبادل.
    ـ لقد قبلت الشعوب الأفريقية( زيمبابوي، وكينيا ، وجنوب أفريقيا) المستوطنين البيض كمواطنين، واحترمت كامل حقوقهم رغم تاريخهم الاستعماري العنصري، بل إن جنوب أفريقيا عندما شكلت لجنة الحقيقة والمصالحة Truth & Reconciliation قد أعلنت العفو عن كل الذين ارتكبوا جرائم ضد سكان القارة الأفريقية في ظل نظام الفصل العنصري، وبتنا في حاجة إلي لجنة حقيقة ومصالحة علي مستوي العالم يعترف فيها الغرب بكل جرائمه في حق الشعوب الأفريقية، من عبودية واستعمار وعنصرية ونهب واستنزاف للموارد والثروات، والعقل الأفريقي علي استعداد للتسامح، كما حدث في جنوب أفريقيا ، فهل الغرب مستعد لهذه المصالحة الكبرى، وأن يتعامل مع الأفارقة كشركاء متساوين في بناء عالم جديد.
    ـ أن أية أيديولوجية لا تراعي تحقيق العدل بين الشعوب، وداخل كل شعب ولا تحقق مصالح الغالبية العظمي من الكادحين فلن يقدر لها النجاح والاستمرار.
    2. العوامل الخاصة المعوقة للتحول الديمقراطي:
    ـ ضعف الأحزاب السياسية:
    تعد الأحزاب السياسية أحد الآليات الهامة للتحول الديمقراطي ولكي تكون الأحزاب السياسية آلية حقيقية لهذا التحول ينبغي أن تتأسس على أربعة قواعد.
    الأولى. الاستمرارية في ممارسة أنشطتها وفى وضع برامجها موضع التنفيذ الفعلي
    الثانية. الإرادة السياسية للحزب في ممارسة السلطة : بمعنى أن تكون لدى الحزب
    الرغبة في ممارسة العمل السياسي وفى السعي للوصول إلى الحكم .
    الثالثة .التنظيم والانتشار : أن يتم تنظيم الحزب تنظيما سليما على مستوى أرجاء
    الدولة .
    الرابعة. المقدرة على الحشد الشعبي : بمعنى أن يتمكن الحزب من إيجاد قواعد شعبية
    له في معظم أرجاء الدولة وكذلك الكوادر النشطة .
    وبالنظر إلى الواقع الإفريقي نجد أن الأحزاب السياسية الإفريقية تفتقد بعض أو كل تلك القواعد حيث تنزع تلك الأحزاب إلى تعزيز الفردية وتقوم هياكلها على قواعد متغيرة تتناسب مع مؤسس الحزب الذي يتمتع في الغالب بالصفة الكاريزمية والتمويل للحزب قد يكون من ماله الخاص وبالتالي يظل الحزب متقوقعا ومرهونا بتصورات وتطلعات مؤسسه وبرنامجه المحدود. كما أن الأحزاب الأفريقية تفتقد إلى القواعد الوطنية وهى غالبا ما تجد قاعدتها الشعبية في موطن قائد الحزب كما أن إرادتها السياسية في ممارسة السلطة محدودة في الغالب وربما لا تهدف سوى الحصول على القدر اليسير من ما يسمى " بالكعكة الوطنية pie National" كما أنها غالبا ما تكون غير قادرة على المشاركة الفعلية في علمية صنع القرارات السياسية الحقيقية، وإنما قد تكون مجرد مشجعة أو منفذه لمثل تلك القرارات.
    ـ إقامة النظم الحزبية على أسس التعدديات التحتية:
    على الرغم من الإجراءات القانونية والدستورية التي اتخذتها بعض النظم القائمة في إفريقيا لمحاربة القبلية و الإثنية فإن كافة السياسات التي توضع لاحتواء هذه الانقسامات الأولية ينبغي أن تتم في إطار من النظم التعددية الثقافية والدينية و الإثنية بمعنى التسليم بخصائص كل ثقافة أو دين لكل جماعة أو شعب داخل القارة الأفريقية مع مراعاة تفادى ترتيبها هرميا وإعطاءها فرصا متساوية للنمو والتطور ومن جهة أخرى فان إرساء حكم القانون وزيادة الطبيعة التنافسية في النظام والتخلص من نزعة الحصول على كل شئ أو خسارة كل شئ وإرساء القيم التوفيقية والحلول الوسط باعتبارها آليات ضرورية لاحتواء الإثنية وتدعيم القيم المدنية في المجتمع الأفريقي.
    ومن المهم التنبيه إلى أن إفريقيا جنوب الصحراء تقف على فوهة بركان من الإثنية والقبلية وقد تحمد فترات إلا انه يمكن أن ينفجر في أي وقت كما هو الحال في إثيوبيا والصومال ورواندا وبوروندي وليبريا وغيرها". والعداءات الإثنية والقبلية يمكن أن تكون أمراً حتميا في ظروف تسيبها واستخدام السلطات الحكومية لها في مواجهة المناوئين لها أو بتأكيد استئثارها بمعظم المكاسب الاقتصادية والاجتماعية , كما أن الاحتكام للمشاعر الإثنية والقبلية في الانتخابات السياسية القائمة على أساس الدوائر الإثنية الإقليمية يمكن أن يصبح طريقا مهدا لسلطة الدولة وهو الأمر الذي يعد أحد مصادر الضغوط والتهديدات الأساسية لعملية التحول الديمقراطي في أفريقيا .
    ـ خمول العملية الانتخابية :
    إن الفجوة بين الوظائف التنفيذية للأحزاب السياسية والواقع في أفريقيا اليوم ليست وليدة عوامل ثقافية وتاريخية فقط وإنما أيضا تعزى إلى عوامل سياسية وقانونية و سوسيولوجية وبالإضافة إلى التشكك في إمكانية تمويل العمليات الانتخابية ، فإن عزوف المواطنين الإفريقيين عن عمليات الاقتراع ( التصويت) وانتهاج السلطويين لسياسات قد تتراوح بين استخدام العنف واستغلال المرجعيات الإثنية والرشاوى في مواجهة المناوئين وتقييد إنشاء الأحزاب وتفويقها والحيلولة دون تنظيمها وتمويلها فإن كل ذلك يسهم في خمول العملية الانتخابية وإضفاء الطابع الروتيني عليها وهو ما يعنى تفريغ الديمقراطية من محتواها الجوهري .
    ـ الضعف المؤسسيInstitutional Weakness:
    لقد أَصْبَحَ ضعف المؤسساتِ الأفريقيةِ قضية هامّة وبشكل مبدئي لأن صعوبةَ إدْراك منافعِ برامجِ التنمية والمشاريعِ، خصوصاً تلك المموّلة من قبل المانحين على المستوى الثنائيِ والمستوى المتعدد الأطرافِ، إنما يرجع بالدرجة الأساسية إلى طبيعة المؤسساتِ المتخلّفةِ وغير الكفؤةِ في الكثير من البلدانِ الأفريقيةِ.
    ـ تقوقع المجتمع المدني :
    ففى دول عديدة فى داخل القارة الإفريقية غالبا مالا يبالى المجتمع المدنى بالتحولات والإصلاحات المفروضة من جانب السياسيين أو العسكريين وهو ما يعد مؤشرا على الاهتمام النسبى المحدود للشعوب الإفريقية بالشئون السياسية خصوصا وأن كثير من التكوينات الاجتماعية غالبا ما تكون مستبعدة عن منافع التغييرات السياسية وبالتالى فالتحول الديمقراطى قد يفيد جانب قليل من النخب الحضرية والريفية الذين يرغبون فى التهميش المستمر لقيادات التنظيمات النشطة داخل المجتمع المدنى ، كما قد يفيد اللاعبون السياسيون الذين يجيدون اللعبة السياسية ومناوراتها بحيث يستطيعون جنى بعض المكاسب وفى ظل هذا التحول يمكن أن يبقى المجتمع المدنى خامل الفعالية .
    ـ ترويض وسائل الإعلام :
    فوجود جهاز إعلامي قوى ونشط داخل مجتمع ما ربما يساعد على إتاحة المعلومات الدقيقة والوفيرة والتي تساعد في بلورة المواقف وانتقاء السياسات وغيرها ومن ثم تعد وسلبية لتحصيل السلطة السياسية . أما الذي يلاحظ في الدول الإفريقية أنه خلال سنوات الستينيات والسبعينيات فالحكومات التسلطية لم تتورع عن القيام بالتحكم في أجهزة الإعلام و المعلومات و التصدي لأعداد هائلة من المناوئين والمعارضين سواء بالاعتقال أو الإعدام لتجاوزهم – على حد زعمهم – الخط الرسمي وبنهاية الثمانينات وعلى الرغم من التخفيف من هذا التحكم في وسائل الإعلام وانتهاج سياسات شبه تسامحية في مواجهة الصحفيين والناشرين والمفكرين والذي يبدو أن الهدف هو ترويض وسائل الإعلام وليس دعم استقلالها باعتبارها أداة من أدوات التحول الديمقراطي .
    ـ عدم الاستقرار السياسي :
    ومن مظاهر ذلك العنف السلبي Privatized والجيوش المسيسة Politicized ففي كل مكان في أفريقيا جنوب الصحراء ظلت القوات المسلحة مصدر تهديد للديمقراطية حيث يمكن استخدامها من جانب بعض القيادات لخدمة أهداف محدودة أو للبقاء فى السلطة أو لسحق المعارضين وقد ينقسم الجيش إلى عدة جيوش قبلية داخل الدولة الواحدة . وقد يتم تهميش الجيش النظامي من جانب السلطة أو الحزب الحاكم مما يدفع الجماعات النشطة والطموحة فى صفوفه للتخطيط والاندفاع للاستحواذ على السلطة .
    ـ التحدي الاقتصادي :
    إن فشل الحكومات الإفريقية المتعاقبة في التخفيف من حدة الحرمان المادي الذي تعانى منه الشعوب الإفريقية يمثل أحد المكونات الجوهرية للأزمة الراهنة في أفريقيا ومن ثم فإن طريقة مواجهة هذه الأزمة تشكل تحديا حقيقيا لأي حكومة ديمقراطية ناشئة .

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي العوامل المدعمة للتحول الديمقراطي في أفريقيا

    ب. العوامل المدعمة للتحول الديمقراطي في أفريقيا:
    هناك العديد من العوامل التى يمكن أن تسهم فى دعم الجهود نحو إتمام التحول الديمقراطى فى أفريقيا ومن تلك العوامل ما يلى:
    1. إعادة بناء الدولة الإفريقية على أسس جديدة:
    في إطار التعامل مع عملية إعادة بناء الدولة الإفريقية على أسس جديدة، ينبغي مراعاة مايلي:
    ـ تغيير نمط الثقافة السياسية السائدة والتأكيد على إعلاء القانون والدستور وتكريس تقاليد القيادة المسئولة و الكفؤة والمواطن الصالح .
    ـ استناد الثقافة السياسية الجديدة على مفهوم التسامح كقيمة عليا أساسية والاعتراف بالأحزاب السياسية ، بما يعنى التعددية السياسية والقبول بالآراء الأخرى في ظل احترام القانون والدستور من جانب جميع القوى الشعبية المختلفة وعلى جميع المستويات .
    ـ ضرورة التأكيد عند صياغة وإعادة صياغة الدساتير الإفريقية على التحديد الدقيق للمبادئ والحقوق والحريات والواجبات السياسية والأساسية لكل من الفرد والجماعات بالإضافة إلى تحديد طبيعة وأسس الحكم وغيرها .
    ـ أن تتم عمليات التجنيد السياسي والتنشئة السياسية على ضوء المفاهيم والمتغيرات المعاصرة والتي ينبغي أن تكون على أسس ومفاهيم ومبادئ الديمقراطية السليمة .
    ـ أن تتركز وظائف الدولة على خدمة مصالح الشعب الأفريقي ومن أجل تحسين أحواله ومستوياته المعيشية .
    ـ تفادى استخدام أدوات القمع الإكراهي المملوكة للدولة في مواجهة القطاعات الشعبية المختلفة حتى في حالة معارضة هؤلاء للسياسات المتبعة من قبل السلطة الحاكمة ويبدو في هذا الصدد ضرورة تضمين الدساتير الإفريقية على حق المواطنين في التظاهر وحرية التجمع وإبداء الرأي دون تعرضهم للمساءلة أو للقهر ما دامت تتم بطرق سليمة وقانونية .
    وطالما أن عملية الاصلاح السياسى باتت ضرورية ، خاصة فى إطار فشل الديمقراطية الليبرالية فى التأقلم مع معطيات الواقع الأفريقى ، فلا مناص من البحث عن أدوات وأساليب تحفز عملية نهوض المجتمع المدنى خصما من قيود المجتمع التقليدى . ويتطلب هذا الأمر اصلاحا دستوريا يفرض تمثيل جماعات المجتمع المدنى بالأساس فى السلطة التشريعية على المستوى المركزى والمحلى. كما يفرض التصور السابق تنحية الأحزاب السياسية مؤقتا عن المشاركة السياسية ـ أو التعامل معها بذات الطريقة التى تعامل بها النقابات ومنظمات المجتمع المدنى من حيث التمثيل فى البرلمان والمجالس الشعبية المحلية ـ طالما أن الخبرة الأفريقية أثبتت أن هذه الأحزاب حال وجودها إما خرابا ايديولوجية – فى وقت انهارت فيه الأيدبولوجيات – أو فى الغالب الأعم أحزاب إثنية ، أو دينية ، أو إقليمية أدت إلى شيوع حالة عدم الاستقرار السياسى ، وانتهت إلى أن أصبحت العملية السياسية محصلتها صفرية استبعادية..
    وبالتالي فإن هناك ضرورة للتأكيد وللتركيز على ما يلى :
    1. تفعيل المجتمع المدنى على حساب المجتمع التقليدى ، إذ ستسعى كافة الجماعات الحديثة مهنية أو حرفية أو غيرها إلى إقامة تنظيماتها والسعى لزيادة عضويتها بغية تمثيل مصالحها فى البرلمان والمجالس الشعبية المحلية .
    2. اضفاء عنصرالجدارة والكفاءة على عمل البرلمان والمجالس الشعبية المحلية ، طالما أن ممثل كل نقابة أو منظمة لديه من الكفاءة والخبرة ما يمكنه من التعيير عن مصالح أعضائها ، وطالما أن النقابة أو المنظمة ستشكل بيت الخبرة لهؤلاء النواب فى طرحهم لمشروعات القوانين .
    3. ضمان نزاهة وشفافية الانتخابات طالما أن كل نقابة أو منظمة هى التى ستتولى انتخاب ممثليها فى البرلمان والمجالس الشعبية المحلية بعيدا عن تدخل الإدارة فى عمليات الترشيح والانتخاب .
    4. إنهاء هيمنة الأيديولوجيا على العمل السياسى من جهة ، وانهاء سيطرة الطابع الأثنى أو الدينى أو الإقليمى على العملية التشريعية من جهة ثانية ، والحيلولة دون سيطرة رجال المال والأعمال على السلطة السياسية من جهة ثالثة .
    5. تمثيل كافة المصالح والتعبير عنها ، وهو ما يعزز المشاركة السياسية وينهى أزمة شرعية النظم الأفريقية ، ويقضى على أزمة المواطنة .
    6. التمكين من تحقيق العدل فى توزيع الأعباء ، وفى توزيع المنافع بشكل رضائى طالما أن كل فئات المجتمع الحديث ممثلة فى السلطة التشريعية ، وبالتالى بات فى مقدور كل منها المساومة لتحقيق مصالحها .
    7. تمكين النواب من أداء دورهم الرقابى بفعالية على أعمال السلطة التنفيذية التى أثبت الواقع المعاش تحيزاتها لمصالح الأقلية- وبخاصة رجال الأعمال – على حساب الغالبية .
    ولعل التصور السابق أن يكون من شانه أن يمثل كافة المصالح الحديثة فى المجتمع ، ويفتح منافذ للتعبير الرضائى عنها ، ويضمن شفافية ونزاهة الانتخابات ، ويفرز نواب أكفاء ، كما أن من شأنه حل أزمة الاندماج الوطنى ، وما يتفرع عنها من أزمات فرعية؟ الشرعية ، والمشاركة السياسية ، والمواطنة ، وبالتبعية يسمح ببناء الدولة الوطنية القادرة على تحقيق الاستقرار الرضائى . وكل ما تقدم يؤدى فى النهاية إلى تجفيف منابع ظاهر للجوء ... ولكن هذا الاصلاح الدستورى والسياسى غير كاف وحدة لتحقيق الاستقرار السياسى الرضائى فى ظل ظروف الفقر التى تعانى منها المجتمعات الأفريقية ، حيث القدرة الاستخراجية للنظم الأفريقية محدودة ، وبالتالى فإن قدرتها التوزيعية هى الأخرى محدودة . وبعبارة أخرى فإن خبرة التجارب التنموية فى الدول الأفريقية أثبتت عجز الدول الأفريقية فرادى عن تحقيق هدف التنمية ، وازداد الأمر تعقيدا مع ما باتت نفرضه ضغوط عملية العولمة على هذه الدول التى ازدادت فقرا على فقرها . وبالتالى كان من الضرورى البحث عن إطار بديل لعملية التنمية .
    2. إعادة تخطيط استراتيجيات التنمية الاقتصادية:
    ظلت الدول الأفريقية ولازالت تتحرك باتجاه إعادة تخطيط استراتيجيات التنمية الاقتصادية بما يضمن تغيير نمط الاقتصاد القائم ومحاولة خلق قاعدة صناعية وتنمية القطاع الزراعي وتنمية الموارد البشرية و إعادة استثمار رؤوس الأموال الإفريقية وترشيد استخدام الاستثمارات و الأموال الأجنبية وانتهاج سياسات تنموية شاملة ومتوازنة على مستوى كل من الريف والحضر وتشجيع التعاون والتكامل الإقليمي والقاري على المستوى الاقتصادي .
    إزاء ما تقدم فقد قبلت الدول الألإريقية منذ عام 1980 خطة لاجوس لتحقيق التكامل الاقتصادى الأفريقى ، وصادقت على اتفاقية أبوجا المنشئة للسوق الأفريقية المشتركة عام 1991 ، وقبلت بمبادرة النيباد مع بداية الألفية الثالثة ، واتجهت كل منها للانحراط فى تجمع اقتصادى اقليمى ، ثم صادقت على القانون التاسيسى للاتحاد الأفريقي الذى أكد فى أهدافه ومبادئه بشكل أو بأخر على أن سيادة الدول لم تعد مطلقة ، ذلك أنه سمح بتدخل الاتحاد فى أية دولة عضو ، دونما حاجة إلى موافقة هذه الدولة فى حالات ثلاث : حالة الحرب ، والابادة الجماعية ، والجرائم ضد الانسانية ، ثم إنه قرر عدم الاعتراف بالحكومات التى تصل إلى السلطة بطريق غير دستورى ، وهو بهذا المعنى حال دون وقوع الانقلابات العسكرية فى ذات الوقت الذى واجه فيه أزمة شرعية نظم الحكم الأفريقية ، وقد أقر القانون فى ذات السياق ضرورة الأخذ بالحكم الصالح بما يفصح عن الرغبة فى مواجهة أزمة المشاركة السياسية وأزمة المواطنة وكلها نتاج لمشكلات الاندماج الوطنى. وقد أدى هذا وذاك إلى انهيار سياسة المحاور التى كانت قائمة فى الدول الأفريقية على أساس أبديولوجى لتتبنى كافة الدول الأفريقية رغبا أو كرها الأخذ بآليات السوق والاصلاح السياسى ، وليس من شك فى أن هذا الوضع يمكن أن يسهل من عملية التكامل الاقليمى فى أفريقيا ، ويدفع بعملية التنمية الاقتصادية فى القارة قدما فى إطار شراكة فى العالم الخارجى (نيباد) حيث لا تملك القارة وحدها الموارد المالية والتقنية ، وليس من شك فى أن الغرب مطالب اليوم بتمويل خطة النيباد لتعويض القارة عن قرون النهب الاستعمارى ، إذا ما أريد حل مشكلات القارة ودفع عملية الاصلاح السياسى والاقتصادى ، وتجفيف منابع ظاهرة اللجوء.
    وفي هذا الشأن يجب الأخذ في الاعتبار أن إصرار الدول المانحة الأوروبية والأمريكية علي ضرورة اتباع الدول الأفريقية لبرامج التكيف الهيكلي وفقا لتصورات الصندوق والبنك الدوليين وتحت دعاوى تخفيض الإنفاق الحكومي وترشيده و إطلاق قوي السوق باعتبار أن ذلك يشكل شرطا لازما لتحقيق التنمية الاقتصادية ، قد أسفر عن إضعاف قدرة الدولة الأفريقية علي الإكراه نتيجة اضطرارها إلى خفض الإنفاق العسكري تحت دعاوى الترشيد الاقتصادي واضطرارها إلى تقليل عد العاملين لدي المؤسسات العامة مما أفقدها السيطرة المعنوية علي مواطنيها، كما أن تقوية منظمات المجتمع المدني قد جاء خصما من قدرة الدولة، خصوصا وأن الدولة باتت عاجزة عن التعامل المطلق مع مختلف جماعات المجتمع مخافة أن تتهم بخرق حقوق الإنسان مع ما يحمله ذلك في طياته من احتمالات التعرض للعقوبات الدولي أو التدخل الإنساني في ظل ما بات يعرف بالشرعية الدولية.
    كذلك فإن فرض برامج التكيف الهيكلي علي الدول الأفريقية دون مراعاة لواقعها الاقتصادي والاجتماعي قد أجبر الدول الأفريقية علي التخلي عن مسئوليتها الاجتماعية في دعم التعليم والصحة والاسكان والسلع الأساسية، وتوفير فرص العمل ، كما أن التحرك باتجاه خصخصة الشركات العامة قد دفع بألوف العمال إلي خارج سوق العمل، وهو الأمر الذي أدي بدوره إلي تعميق حالة الفقر لدي الغالبية من أبناء الشعوب الأفريقية ، وأفقد في ذات الوقت الدولة من قدرتها علي الترغيب.
    وبناء علي ما تقدم فإن الدول الأفريقية بأشد الحاجة إلي إحداث تحول كبير في مجال التنمية الاقتصادية ، وإذا كانت عملية الإصلاح والتحول ينبغي أن تتم من الداخل الأفريقي وهو ما يتطلب تغييرا في السياسات والمؤسسات والممارسات، فإن علي القوي الفاعلة في النظام الاقتصادي الدولي، أن ترتقي إلي مستوي المسؤولية هي الأخري، وأن تدرك أن سياساتها وممارساتها تجاه الدول الأفريقية أسهمت وبدرجة كبيرة فيما تعاني منه دول القارة من مشكلات حتى الوقت الراهن، لذا فهي مطالبة بالتخفيف من حدة المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها القارة، سواء بتقديم التعويضات عن فترة استنزاف موارد القارة إبان الحقبة الاستعمارية، أو خلال المراحل اللاحقة لها، أو من خلال إلغاء الديون والفوائد المتراكمة عنها، وكذلك من خلال زيادة مساهمة ونصيب دول القارة في النظام الاقتصادي الدولي.
    3. إعادة إصلاحRestoring الشرعية السياسية: (1)
    إن حركة الإصلاحات الديمقراطية في أفريقيا منذ عام 1989 قد تؤدى إلى عدة احتمالات تتراوح بين استمرار بعض الزعماء المتسلطين، وتصل إلى حد ظهور دورات متتابعة من الحرية السياسية ، وانعكاساتها تؤدى في النهاية إلى تعميق وتأصيل الحكم الديمقراطي ، ويبدو أن حدوث أي من هذه الاحتمالات يعتمد ليس فقط على التخلص من سلطة الحكام المستبدين وأعوانهم الأساسيين في النظم القائمة، ولكنه يعتمد كذلك على إعادة الإصلاح والتجديد للشرعية السياسية بمعنى تعزيز القبول الشعبي من جانب المحكومين للحكام وتدعيم قوى المعارضة وقوي المجتمع المدني بصفة عامة وتدعيم التلاحم فيما بين فصائلها وتعزيز إيمانها بالديمقراطية وبمصالحها و بمكاسبها الحقيقية .
    4. تبنى سياسات تصالحية و تسامحية:
    إن تصفية المظالم القديمة والتي تسببت في إحداثها النظم البائدة هي أحد ضرورات التحول الديمقراطي حتى و لو تطلب الأمر تعويض الأفراد والجماعات المقهورة عما لحق بهم من مظالم وجود بعض المكاسب والقيم . كما أن إظهار التضامن والتسامح من جانب النظم الحاكمة الديمقراطية يعزز من عملية التحول الديمقراطي ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التأكيد والتحديد لتوجهات جديدة تخص المجتمع المدني الأفريقي واحترام الرأي والرأي المعارض ، وتبنى وجهات نظر الآخرين والاستعداد لتقبل الحلول الوسط والتوفيقية ، حيث أن التوجهات الثقافية السائدة في نظم المجتمعات الإفريقية لا تزال تدور في فلك الإثنية والتحزب الإقليمي وهو ما يضعف من كفاءة النظام الحاكم وينذر بتدخل العسكريين وتقويض التجربة البشرية الديمقراطية أو دفعها للدوران في حلقة مفرغة من التجريب .
    5. تحفيز و تعزيز المشاركة السياسية:
    والعمل على ضمان مشاركتهم الفعالة سواء على مستوى المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية ، حيث أن هؤلاء لا يقفون في طليعة المسيرة الديمقراطية فحسب ولكنهم يشكلون العناصر الفاعلة في تدعيم وحماية استقلال المصالح الخاصة في مواجهة هيمنة الحكومات التسلطية .
    6. ضمان حياد الجيش :
    يعد حياد الجيش في الحياة السياسية بمثابة ضمان أمان لدعم التحول الديمقراطي السليم للحيلولة دون إقحامه في الصراعات الحربية والسياسية وصراع المصالح الضيقة
    7. ضرورة الدور الدولي :
    إذا كانت قيادة عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا ينبغي أن تتم من خلال القادة الجدد والمؤسسات البديلة لتحقيق الديمقراطية وبالاعتماد على الذات ، فإن الدور الدولي سواء من خلال الدول المتقدمة أو من خلال المنظمات الدولية هو دور هام في ظل المرحلة الانتقالية الراهنة ، حيث أن معظم الدول الإفريقية تعانى من حدة الأزمة الاقتصادية بكل أبعادها وتبعاتها ومن ثم يتحدد دور دولي هام لكل من الدول الكبرى والمنظمات النقدية الدولية يتمثل في ضرورة التخفيف من حدة تلك الأزمة سواء بالعمل على إلغاء الديون وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في أفريقيا ، وتشجيع الصادرات الأفريقية وضمان فتح المنافذ لها في الأسواق العالمية ومراجعة أسعار المواد الخام وبصفة عامة اتخاذ السياسات الاقتصادية اللازمة لمساندة تلك الإصلاحات الداخلية الإفريقية وبما يساعد على تعزيز وتثبيت عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا .
    ثانياًً. آفاق التحول الديمقراطي في ليبيا وفقاً للديمقراطية المباشرة :
    إذا كانت الديمقراطية المباشرة في أبسط مفاهيمها هو حكم الشعب بالشعب ولصالح الشعب وفي ظل رقابة الشعب، فإن هذا المفهوم لم يخرج إلى حيز التنفيذ الفعلي، ولا تزعم أية دولة في العالم أنها تطبقه وتمارسه سوى الجماهيرية الليبية، ولذلك فإن ما يحسب لليبيا كدولة أنها كانت لديها الشجاعة في الأخذ بهذا النمط غير التقليدي من أنماط الديمقراطية، ليكونالأداة الأساسية لحكم البلاد، وممارسة السلطة من جانب الشعب الليبي، إيذانا ببدء عصر الجماهير، منذ أن صدر إعلان سلطة الشعب في الثاني من شهر مارس 1977، كما كان لدى الجماهيرية قيادة وشعبا المصداقية والشفافية في السعي والالتزام بتطبيق هذا النمط الديمقراطي المتميز دون سواه ووضعه موضع التنفيذ الفعلي، بما يعني التأكيد على ضرورة ترسيخ وتطوير التجربة وضرورة استمرار الشعب الليبي في ممارسته لسلطاته وفي حكم نفسه بنفسه ولصالحه وأن يكون بنفسه رقيبا على ذاته عند ممارسته لسلطاته تلك. لقد كانت القيادة الليبية ممثلة في قائد ثورة الفاتح على درجة كبيرة من المسؤولية وإنكار الذات عندما تخلت طواعية عن السلطة ليحكم وليسود الشعب، في وقت تسود غالبية دول العالم صراع محموم على السلطة، كما يحسب للقيادة الليبية أنها ضربت المثل والقدوة لباقي زعماء وحكام العالم لاحترام شعوب دولهم وإراداتهم ومصالحهم وتغليبها وتقديمها على مصالحهم الشخصية والأنانية، وأن لا يترددوا في النزول عن عروشهم والعمل في صفوف الجماهير كمواطنين على قدم المساواة، كما يحسب للقيادة الليبية أنها قدمت لشعبها وللإنسانية النظرية العالمية الثالثة لتكون منهاج العمل والدليل المرشد لوضع تجربة الديمقراطية المباشرة موضع التطبيق والممارسة الفعلية.
    ومن ثم فإن تجربة الجماهيرية الليبية في مجال تطبيق الديمقراطية تعد تجربة رائدة، وأنموذجاً يحتذى به ليس على المستوى الإقليمي فحسب، أو على مستوى دول ذات وضعية معينة، وإنما هي تجربة تصلح للتطبيق داخل أية دولة من دول العالم المتقدم منها والنامي، ومن له سابق/ ومن ليس له سابق عهد بالديمقراطية، وذلك لاعتبارات تتعلق بنمط الديمقراطية، والمتمثل في الديمقراطية المباشرة الذي ارتضته القيادة الليبية لتطبيقه في دولتها ولصالح شعبها، وكذلك لاعتبارات تتعلق بكيفية وبطريقة تطبيق وممارسة الديمقراطية كما ينبغي أن يكون عليه الحال، وتعد التجربة الليبية إسهاماً حقيقيا وغير مسبوق في مجال التطبيق والممارسة لهذا النمط من الديمقراطيات، وهو الأمر الذي يجعل منها أنموذجاً جدير بالاهتمام والدراسة والتحليل للوقوف على الإمكانيات والقدرات والإسهامات والفرص والنتائج الإيجابية التي يتيحها التطبيق لمثل تلك التجربة. وذلك للأسباب التالية:
    1. أنه من الضروري عدم الانقطاع عن الماضي بمحاولة التعرف على طبيعة التراث الإنساني الفكري، وخصوصا في مجال الديمقراطية، على اعتبار أنها من القضايا التي تلقى اهتماما عالميا في الوقت الحاضر، وهو الأمر الذي يتطلب التعرف على جذور الديمقراطية، ومراحل تطورها للوقوف على حقيقتها، وركائزها ومقوماتها، ومحاولة توظيف ذلك في التعامل مع القضايا الديمقراطية المختلفة. ومن ثم فإن دراسة تجربة أثينا في الديمقراطية هو أمر جدير بالاهتمام والتناول.
    2. إن ما يحسب للجماهيرية الليبية أنها كانت سباقة في مجال التحول الديمقراطي، فهي لم تكن موالية للمعسكر الغربي عند تفضيل قيادتها للخيار الديمقراطي على النحو الذي طبق كأداة للحكم في البلاد، وذلك منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ( 2 مارس 1977) فيقال أنها تبنت الديمقراطية نتيجة لعلاقاتها وتبعيتها للغرب، كما أن الجماهيرية اختارت التطبيق للديمقراطية وهي في أوج صداقتها وعلاقاتها المتميزة مع المعسكر الشرقي وخصوصاً الاتحاد السوفيتي ( سابقاً ) وهو ما يعني أن الإرادة السياسية كانت متحررة تماما من أية قيود خارجية عند تفضيلها الخيار الديمقراطي، ولم تأبه في ذلك لاستياء الشرق كما أنها لم تنتظر ثناءً من الغرب، كما أنها لم تأخذ بالديمقراطية امتثالاً وخضوعاً لضغوط الدول الغربية وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فيقال أن الجماهيرية لم تجد مخرجاً آخر أمامها سوى الانصياع للتوجهات الغربية، كما أن الجماهيرية لم تأخذ بالديمقراطية كوسيلة لاستيفاء متطلبات المشروطية السياسية للحصول على المعونات والمساعدات والمنح والقروض من الدول المانحة ومن المنظمات المالية والنقدية الدولية كما هو الحال بالنسبة للعديد من الدول.
    3. إن هذا الوضع المتميز للدولة الليبية في التعامل والتفاعل مع تجربة الديمقراطية، سواء في عملية المفاضلة والاختيار من بين الديمقراطيات ثم اختيار أفضلها وأكثرها موضوعية وهو الديمقراطية المباشرة، وسواء من حيث التوقيت المبكر في سبعينيات القرن الماضي ودون الارتكان لضغوط دولية سواء بالأخذ أو عدم الأخذ بالديمقراطية، ودون الخضوع لعمليات الترغيب والإغراء أو الترهيب والإكراه من جانب الدول والمنظمات الدولية لتبني الديمقراطية. إن كل هذا يشير إلى أن التجربة الليبية لم تأت من فراغ ولم تكن وليدة الصدفة، إنها تجربة رائدة بكل المقاييس والمعايير، وقد انطوت على قدر كبير من التضحيات التي قدمتها القيادة الليبية لشعبها، امتناناً وعرفاناً ووفاءً، فقد تركت القيادة السلطة طواعية وارتضت لنفسها أن يحكمها شعبها، لا أن تحكمه هي، كما ارتضت لنفسها أن تعمل ضمن جموع المواطنين الليبيين لا أن تنعزل عنهم، ومن ثم فعلى ضوء الركائز والأسس التي تقوم عليها تلك التجربة الفريدة والآليات التي تستخدم من أجل تطبيق وممارسة تلك الديمقراطية والنتائج المترتبة عليها، وأيضا على ضوء التحديات التي تواجهها يمكن أن يتيح كل ذلك الفرصة والإمكانية لتحليل تلك التجربة، وكذلك إمكانية إجراء مقارنة موضوعية بين النظام الديمقراطي غير التقليدي المطبق في الجماهيرية الليبية والنظم الديمقراطية التقليدية الشائعة في دول العالم المختلفة.
    4. أن التجربة الديمقراطية الليبية وفقاً لمفهومها المعاصر هي تجربة ذاتية، وخرجت إلى الوجود ليبية خالصة، ونتاج فكر قيادتها التي لم ترض لبلادها إلا الديمقراطية الأصيلة التي تتناسب مع منظومة عادات وقيم ومبادئ الشعب الليبي، متمثلة في التطبيق للديمقراطية المباشرة التي هي جوهر وأساس الديمقراطيات، التي تزعم العديد من دول العالم بتبنيها في الوقت الحاضر. وإن دل ذلك على شئ فإنما يدل على أن القيادة الليبية لم يدفعها للقيام بذلك سوى سعيها الدءوب والواعي للإعلاء من شأن شعبها الذي حرصت على تقديمه على نفسها منذ قيام الثورة، والحرص على تمكين هذا الشعب المناضل من استمرار الاعتداد والاعتزاز بنفسه، ومن ضرورة حكم نفسه بنفسه ولمصلحته، ولمصالح البلاد العليا المتمثلة في حمايتها وتنميتها وتطويرها، ووجوب أن ترتقي الجماهيرية المكانة الدولية التي تليق بها وبشعبها بين دول وشعوب المعمورة.
    إن نقطة البدء في التعامل مع موضوع الديموقراطية المباشرة وآليات تنفيذ القرارات في المجتمع الجماهيري هو إثارة بعض التساؤلات ذات الصلة بهذا الموضوع ومنها ما يلي:
    * ما هي الديموقراطية ؟ وما هو مضمونها ؟ وما هي أنماطها ؟ وما هي شروطها ؟
    * هل الديموقراطية عقيدة أم منهج؟ وهل لا تقيدها شرائع ولا قيم أم تخضع لكل منهما ؟ وهل هي حرية أم فوضى؟
    * هل الديموقراطية المطبقة في الجماهيرية الليبية تتفق أم تختلف مع باقي الديموقراطيات المطبقة في العالم وإلى أي مدى؟
    * هل كان المجتمع الليبي في حاجة ضرورية للديموقراطية ؟ وهل تمثل تلك الديموقراطية أولوية وأساس للقرارات والقوانين والسياسات والممارسات اليومية للشعب الليبي؟ وهل هناك الفرص والإمكانيات التي تساعد على تحقيق الديموقراطية في الجماهيرية الليبية والارتقاء بها وتطويرها ؟
    * هل الآليات والأدوات المستخدمة في تطبيق وممارسة الديموقراطية في الجماهيرية الليبية تختلف عن مثيلاتها المستخدمة في تطبيق وممارسة أنماط الديموقراطيات الأخرى؟
    * هل هناك تهديدات وتحديات تواجه عملية تطبيق وممارسة الديموقراطية في الجماهيرية الليبية ؟ وإلى أي مدى تتفق أو تختلف عن تلك التهديدات والتحديات التي تواجه الديموقراطيات الأخرى؟
    * هل هناك إمكانية فعلية وعملية لتطبيق ولتحقيق الديموقراطية المباشرة وفقا للتجربة الليبية في دول أخرى من العالم قد تتفق أو تختلف في إمكانياتها وقدراتها واستعداداتها عن الجماهيرية الليبية ؟
    * وهل الديموقراطية المباشرة هي مجرد تعبير عن الرأي وعن المطالب والتأييدات والشكاوى أم هي نظام وبناء مؤسسي له قواعد ونظم عمل ويقترن بممارسات حقيقية للسلطة من جانب الشعب ؟ وهل يعني ضرورة توافر إجماع الإرادة الشعبية في ظل الديموقراطية المباشرة تجميد الحياة السياسية والاجتماعية ؟ وهل استحدثت التجربة الليبية حلولاً موضوعية وعملية لتلك الإشكالية أم عجزت عن ذلك ؟
    * ما هو مدى نصيب الشعب من السلطة في ظل الديموقراطيات الليبرالية / الغربية ؟ وهل هناك فرص متكافئة لمشاركة الشعب في السلطة في تلك الديموقراطيات بذات القدر وبالمقارنة بما هو معمول به في التجربة الديموقراطية الليبية ؟
    * ما هي العوامل المؤثرة على مدى كفاءة وفعالية واستمرار واستقرار التجربة الديموقراطية المباشرة المطبقة في الجماهيرية الليبية ؟ وذلك على ضوء ما وصلت إليه تلك التجربة وما حققته من إنجازات وما تواجهه من تهديدات وتحديات؟
    * ما هي السبل والأدوات الكفيلة بالحفاظ على قوة الدفع للإبقاء على تلك التجربة الليبية واستثمارها واستمرار الارتقاء بها وتطويرها ؟
    أ. الأسس الأيديولوجية التي تقوم عليها تجربة الديموقراطية المباشرة في الجماهيرية الليبية:
    إذا كانت الديموقراطية المباشرة في أبسط مفاهيمها هو حكم الشعب بالشعب ولصالح الشعب وفي ظل رقابة الشعب، فإن هذا المفهوم لم يخرج إلى حيز التنفيذ الفعلي، ولا تزعم أية دولة في العالم أنها تطبقه وتمارسه سوى الجماهيرية الليبية، ولذلك فإن ما يحسب لليبيا كدولة أنها كانت لديها الشجاعة في الأخذ بهذا النمط غير التقليدي من أنماط الديموقراطية، ليكون الأساس لحكم البلاد، وممارسة السلطة من جانب الشعب الليبي، إيذانا ببدء عصر الجماهير، منذ أن صدر إعلان سلطة الشعب في الثاني من شهر مارس 1977، كما كان لدى الجماهيرية قيادة وشعبا المصداقية والشفافية في السعي والالتزام بتطبيق هذا النمط الديموقراطي المتميز دون سواه ووضعه موضع التنفيذ الفعلي، بما يعني التأكيد على ضرورة ترسيخ وتطوير التجربة وضرورة استمرار الشعب الليبي في ممارسته لسلطاته وفي حكم نفسه بنفسه ولصالحه وأن يكون بنفسه رقيبا على ذاته عند ممارسته لسلطاته تلك.
    لقد كانت القيادة الليبية ممثلة في قائد ثورة الفاتح العظيمة على أعلى درجات المسؤولية وإنكار الذات عندما تخلت طواعية عن السلطة ليحكم وليسود الشعب، في وقت تسود غالبية دول العالم صراع محموم على السلطة، كما يحسب للقيادة الليبية أنها ضربت المثل والقدوة لباقي زعماء وحكام العالم لاحترام شعوب دولهم وإراداتهم ومصالحهم وتغليبها وتقديمها على مصالحهم الشخصية والأنانية، وأن لا يترددوا في النزول عن عروشهم والعمل في صفوف الجماهير كمواطنين على قدم المساواة، كما يحسب للقيادة الليبية أنها قدمت لشعبها وللإنسانية النظرية العالمية الثالثة لتكون منهاج العمل والدليل المرشد لوضع تجربة الديموقراطية المباشرة موضع التطبيق والممارسة الفعلية. وتتلخص العناصر أو المنطلقات الأيديولوجية لتلك النظرية والتجربة الديموقراطية المباشرة المرتبطة بها فيما يلي:
    1. أن لا نيابة عن الشعب وأن التمثيل تدجيل: وذلك على اعتبار أن المجالس النيابية لا تعبر تعبيراً صادقاً وأميناً وحقيقياً عن الشعب، ومن ثم فهي ليست جديرة بأن تنوب عن الشعب، وبناء على ذلك فإن المجالس النيابية أو التمثيل إنما هو عملية تدجيل وتزييف للديموقراطية الحقيقية.
    2. أن التحزب خيانة: بمعنى أن التعددية السياسية أو ما يسمى بالأحزاب السياسية ما هي إلا جماعات من ذوي التطلعات والمصالح الخاصة، وأنها لاتعبر سوى عن طموحات وتطلعات قيادتها في الوصول إلى السلطة، كما أنها لا تعبر سوى عن مصالح نخبة أو على الأكثر شريحة محدودة من شرائح المجتمع، ومن ثم فهي غير جديرة في ظل أية ظروف أن تتحدث باسم الشعب أو أن تنوب عنه أو أن تحكم الشعب وتمارس عليه سلطاتها، وعلى هذا الأساس فإن الحزبية هي إجهاض للديموقراطية.
    3. أن الانتخابات التنافسية تتسم بالانتهازية: فهي تتم وفقاً لحملات إعلامية ودعائية مغرضة تستخدم فيها العديد من الوسائل التي تكون غالبيتها غير مشروعة، وذلك للتغرير بالمواطنين وترغيب وإغراء الناخبين بالأموال والوعود الكاذبة والتعهدات المضللة، التي لا تلبث أن يتكشف زيفها بمجرد إعلان فوز أحد المرشحين المتنافسين، حيث تنقطع صلته أول ما تنقطع بالناخبين حتى الذين انتخبوه منهم. فضلاً عن ذلك فقد جرت العادة في كثير من تلك الانتخابات أن تنتفي عنها صفة النزاهة والحرية، وأن تقترن بها عمليات متنوعة من التزوير والتزييف لصالح مرشح وعلى حساب المرشحين الآخرين، كما أن تلك الانتخابات تنطوي على كثير من الإجراءات والممارسات التعسفية والإكراهية والترويعية في مواجهة المواطنين من جانب السلطات الحاكمة، لضمان أن تتم الانتخابات بما يتوافق ورغباتها ومصالحها، وهو الأمر الذي يفرغ مفهوم النيابة والتمثيل من مضمونه وجوهره العام تماماً.
    4. أن الاستفتاء تزييف وتدجيل على الديموقراطية: وذلك على اعتبار أن الاستفتاء هو نمط آخر من أنماط الدكتاتورية الكبحية، وذلك لتقييده لإرادة أفراد الشعب وآراؤه في التعبير عن الموافقة أو عدم الموافقة على أمر ما من أمور ممارسة السلطة والحكم، دون أن تكون هناك بدائل تتيح المفاضلة فيما بينها أو تدفع للتفكير والمناقشة حول الخيار الأفضل، ومن ثم فهي لا تتيح حرية التفكير والتعبير عن الإرادة الحرة والمستقلة لأفراد الشعب تجاه القضايا والمشكلات المصيرية والمصالح العليا للبلاد، وعلى رأسها مصالح الشعب ذاته.
    5. أن لا ديموقراطية بدون مؤتمرات شعبية: فالمؤتمرات الشعبية هي الوسيلة الوحيدة للديموقراطية الشعبية، باعتبارها الآلية الأساسية لتطبيق ولتحقيق الديموقراطية المباشرة التي تمثل أعلى وأرقى مراتب الديموقراطية، وذلك لأنها تعبر تعبيرا حقيقيا وموضوعياً عن سلطة الشعب وحقه في ممارسة سلطاته من أجل تحقيق مصالحه وكيفما يتراءى له دون وصاية ودون نيابة ودون رقابة عليه إلا من نفسه.
    6. أن الطبقية هي نمط من أنماط الديكتاتورية: فالنظام الطبقي يماثل النظام الحزبي ، وهو يعني أن تسود طبقة من ذوي التطلعات والمصالح الخاصة والمحدودة على المجتمع، وتكون النتيجة تحرك الطبقة باتجاه تحقيق رؤية ومصالح المنتمين إليها فقط، وهم لا يمثلون الشعب بكامله وإنما يمثلون شريحة محدودة منه.
    7. أن القانون الطبيعي هو شريعة المجتمع: والمقصود بالقانون الطبيعي كل من الدين والعرف باعتبارهما الأساس الحقيقي لشريعة المجتمع ، وبالتالي فإن أية محاولة لإيجاد أو لتخليق شريعة للأي مجتمع خارج نطاق هذين المصدرين تكون محاولة باطلة وغير منطقية، وأن الدين يحتوي العرف ، وأن العرف تعبير عن الحياة الطبيعية للشعوب، ومن ثم فإن الدين المحتوي للعرف هو تأكيد للقانون الطبيعي، وعلى ذلك فإن الدساتير التي تأخذ بها الكثير من دول العالم لا تعبر في معظمها عن شريعة المجتمع على أساس كونها بمثابة القوانين الوضعية، ولا تستند إلا على رؤية أدوات الحكم الديكتاتورية في العالم، من الفرد إلى الحزب إلى الطبقة وغيره. ولذلك تختلف الدساتير باختلاف نظم ورؤى أدوات الحكم وحلت بذلك القوانين الوضعية محل القانون الطبيعي ففقدت المقاييس والمعايير وفسدت السياسات الممارسات لتغليبها إرادة ومشيئة ومصالح أدوات الحكم على مصالح الشعوب والبلاد العليا.
    8. أن الديموقراطية هي الحكم الشعبي وليس التعبير الشعبي: فمجرد التعبير الشعبي عن الرأي تحدثا أو كتابة لا يمثل بديلاً لحكم الشعب نفسه بنفسه ولا يمثل بالتالي بديلا لممارسة الشعب لسلطاته كاملة بما فيها التعبير الشعبي، ومن هذا المنطلق فإن الصحافة هي مجرد وسيلة للتعبير الشعبي، وبذلك فإن ما يسمى مشكلة الصحافة أو مشكلة حرية التعبير عن الرأي بصفة عامة هي وليدة مشكلة الديموقراطية ولعدم ممارسة الديموقراطية بطريقة سليمة وصحيحة، بمعنى عدم ممارسة الديموقراطية كما ينبغي أن يكون أي في نمطها المباشر.
    9. في الحاجة تكمن الحرية: وهذا الشعار يلخص سبل تحرير الإنسان عن طريق تمكينه من الاستحواذ على حاجاته، سواء كان ذلك يتمثل في الحاجة إلى المسكن أو العمل، فالمستأجرون والأجراء ليسوا أحراراً لأنهم مقيدون بسلطة المالك وصاحب العمل، ومن ثم فإن إشباع حاجات الأفراد داخل المجتمع هو أحد المتطلبات لقيام الديموقراطية الحقيقية من منطلق " شركاء لا أجراء" و " البيت لساكنه" و " المنزل يخدمه أهله" وأن النشاط الاقتصادي هو نشاط إنتاجي من أجل إشباع الحاجات المادية للأفراد.
    10. أن العامل الاجتماعي هو المحرك للتاريخ الإنساني: فالرابطة الاجتماعية التي تربط الجماعات البشرية كل على حدة بين الرجل والمرأة ، والأسرة والقبيلة والأمة هي أساس حركة التاريخ، وهذه الحركة هي حركة الجماهير من أجل نفسها ومن أجل استقلاليتها. وتأسيساً على ذلك فإن لكل من افرد والأسرة والقبيلة والأمة حقوق عليها وواجبات، وكذلك فإن الأقليات في أي مجتمع لها حقوقها الاجتماعية الذاتية، ومن الجور المساس بتلك الحقوق من طرف أي أغلبية، أما مشكلاتها السياسية والاقتصادية فلا تحل إلا في إطار المجتمع الجماهيري ، وبالتالي فإن النظر إلى الأقلية على أنها أقلية من الناحية السياسية والاقتصادية هي ديكتاتورية وظلم.
    11. أن المعرفة حق طبيعي لكل إنسان: وهذا المنطلق المعرفي هو الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه التعليم بالنسبة للإنسان، فهو حق لكل إنسان وليس لأحد الحق أن يحرمه منه بأي مبرر، إلا إذا ارتكب الإنسان نفسه من الفعل ما يمنعه من ذلك. وأن الجهل سينتهي عندما يقدم كل شئ على حقيقته، وعندما تتوفر المعرفة لكل إنسان بالطريقة التي تناسبه.
    12. أن السلطة والثروة والسلاح (القوة) بيد الشعب: مما يحسب للقيادة الليبية أنها كانت على وعي تام بالمتطلبات الديموقراطية الأساسية، ولذلك لم تكتف بتمكين جماهير الشعب الليبي من السلطة ، ولكنها كانت مدركة لضرورة الربط بين حل المشكلة الاقتصادية وحل المشكلة السياسية لأن الفصل بينهما هو حل زائف للديموقراطية، وكذلك لضرورة تلازم تمكين الشعب من السلطة مع تمكين ذات الشعب من الثروة، على اعتبار أن اثروة تعد واحداً من أهم العوامل التي تدفع نحو الصراع على السلطة، وأنه في المجتمع الجماهيري تكون ثروة المجتمع ملكاً لكل أفراده، وأن يتمتع هؤلاء الأفراد بالمساواة الاقتصادية وأن لا يتوقف اشباع حاجات البعض منهم على أهواء الغير أو مراكزهم المتميزة، ولا أن يكون هناك سادة وعبيد، وأن يكون هناك تحرير للحاجات ، وأن يكون المجتمع ذاته هو الأداة المسيطرة على السلطة من جانب وأيضا على الثروة من الجانب الآخر.
    إن هذا لهو أبلغ دليل على نزاهة القيادة الليبية ورشدها في التعامل مع الشأن الداخلي الليبي، ولإدراكها بأن تمكين الشعب من السلطة دون الثروة، أوحتي السلطة والثروة دون القوة (السلاح) هو نوع من السيادة والسلطة المنقوصة لذلك آثرت تلك القيادة أن تترك السلطة والثروة والقوة والحرية والسيادة والتفويض للشعب بالكامل في التعامل مع مجمل قضاياه وشؤونه السياسية والاقتصادية، وكذلك الأمنية وذلك بإعلانها أيضاً أن السلاح ( القوة) بيد الشعب، وعلى اعتبار أن الديموقراطية الحقيقية شرط لقيام الشعب المسلح، لأنه حيث تسيطر الديموقراطية المزيفة تحرص الحكومات على أن يكون السلاح تحن سيطرتها هي لا تحت سيطرة الشعب وذلك لاستخدامه في البطش به .
    ومن هذا المنطلق الأيديولوجى لتطبيق وتحقيق التجربة الديموقراطية المباشرة، نجد أن حرص القيادة الليبية إنما يتركز على اعتبار الديموقراطية المباشرة هي آلية من آليات الحكم التي يستخدمها الشعب الليبي عند ممارسته لسلطاته الكاملة ويستهدف من وراء استخدام تلك الآلية تحديد وتحفيزعملية المشاركة السياسية لجميع القوى الشعبية الوطنية في عملية صناعة واتخاذ وتنفيذ القرارات المتعلقة بالشؤون الداخلية والخارجية للدولة، وضمان إمكانية تحقيق الرقابة على صانعى ومتخذى ومنفذى القرارات والسياسات، وضمان أن تتم تلك العملية بأعلى درجات الكفاءة والفعالية، وتحقيق استقرار واستمرار النظام السياسي الليبي، وضمان تحقيق وبلوغ التطلعات والطموحات للدولة الليبية باعتبارها إحدى دول العالم المتمدين، والتي ترنو لمكانة دولية تتناسب وتتوافق مع قدراتها وطاقاتها وإمكانياتها وإسهاماتها الوطنية والدولية.

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي تقييم لتجربة الديموقراطية المباشرة في الجماهيرية الليبية واتعكاساتها على عملية صناعة واتخاذ وتنفيذ القرارات

    ب. تقييم لتجربة الديموقراطية المباشرة في الجماهيرية الليبية واتعكاساتها على عملية صناعة واتخاذ وتنفيذ القرارات

    في إطار التقييم لتجربة الديموقراطية المباشرة المطبقة في الجماهيرية الليبية وفقا للنظرية العالمية الثالثة ومقولات الكتاب الأخضر، وخصوصا منذ إعلان سلطة الشعب الصادر في الثاني من شهر مارس 1977، فإنه يمكن التأكيد على أن إقدام الجماهيرية الليبية على اختيار أنموذج الديموقراطية المباشرة، وبمعنى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه ولصالح نفسه وبرقابة نفسه، هي تجربة فريدة من نوعها وجديرة بالاهتمام والمتابعة واستمرار التشجيع ليس على المستوى الوطني الليبي، وإنما أيضا على المستوى الخارجي ممثلاً في شعوب وحكومات دول العالم، خصوصا وأنها تجربة غنية بكل المعاني والقيم الانسانية التي تعلي من شأن الفرد والجماعة ، والأقلية والأغلبية، وتضع الحلول السهلة والبسيطة للكثير من أزمات ومشكلات نظم الحكم المختلفة. وفي هذا السياق فإن مايمكن رصده فيما يتعلق بالتجربة الديموقراطية المطبقة في الجماهيرية الليبية مايلي:
    1. أن تجربة الديموقراطية المباشرة المطبقة في الجماهيرية الليبية تمثل الأمل في عودة الوعي والإحياء للسلطة السياسية المفتقدة في العديد من دول العالم المعاصرة، والتي استلبت وانتزعت من الجماهير والشعوب تحت مسميات كثيرة وبوسائل عديدة ولصالح نخب وجماعات من ذوى المصالح المحدودة في ظل شعارات وسياسات وممارسات تزعم أنها ديموقراطية والحقيقة والواقع الحي والملموس يشيران إلى أن مايحدث هو أبعد ما يكون عن الديموقراطية وإن تمسحت بها، وأقرب ما يكون من الديكتاتورية والاستبداد وإن تظاهرت بالتنصل منها. ولذلك فإن التجربة الليبية هي محاولة لتطبيق ديموقراطية غير عادية وغير تقليدية خلال القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، وهي تجربة تكتسب أهميتها من كونها محاولة جادة ومعالجة عصرية وموضوعية لأشد ما يواجه العديد من دول العالم من مشكلات وعلى رأسها مشكلة السلطة.
    لقد تأسست تجربة الديموقراطية المباشرة المطبقة في الجماهيرية الليبية على نتاج فكر قائد الثورة الليبية معمر القذافي المتضمنة في مقولات الكتاب الأخضر ومبادئ النظرية العالمية الثالثة كمحاولة لتجنب النواقص في التجربتين السابقتين المتمثلتين في الديموقراطية الليبرالية التي أخذ بها الغرب والديموقراطية المركزية التي أخذ بها الشرق خلال القرن العشرين، وكان من أهم إيجابيات التجربة الثالثة الليبية يتمثل في التأكيد على سمو وسيادة الشعب الليبي وحقه المشروع والعادل في ممارسة السلطة بنفسه ولصالحه وبدون وسطاء أو نواب أو وكلاء عنه، ولايتوقف الأمر في التجربة الليبية عند هذا الحد وإنما اتسمت التجربة الليبية في مجال تطبيق وممارسة الديموقراطية المباشرة بالتكامل والإندماج بين العناصر والركائز والآليات والمقومات المتنوعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والتي تتضافر جميعها من أجل إنجاح تلك التجربة الديموقراطية وهو ما يعد من أقوى عناصر دعمها واستقرارها واستمرارها .
    2. لقد أثبتت تجربة الجماهيرية في مجال تطبيق وممارسة الديموقراطية المباشرة أن هذا النوع الأصيل للديموقراطية الحقيقية ليس مجرد فكرة مثالية غير قابلة للتطبيق، وإنما هي أنموذج مثالي للديموقراطية قابل للتطبيق في كل زمان ومكان، وأنه إذا كانت التجربة اليونانية القديمة ( الأثينية) قد عجزت عن التطبيق الواقعي وعن الاستمرارية، فقد كان ذلك يرجع أساساً لافتقادها إلى التنظيم الشعبي على المستويات الدنيا، وهو الأمر الذي استحدثته التجربة الليبية والتزمت به وهو ما ترتب عليه بالتالي استمرار واستقرار التجربة لفترة تزيد عن ربع قرن من الزمان، وبدرجة كبيرة من النجاح والفعالية.
    وتجدر الإشارة إلى أن من أهم العوامل التي أسهمت في نجاح التجربة الديموقراطية الليبية هو توافر الشروط اللازمة لتحقيقها سواء في ذلك الشرط الاقتصادي المتمثل في وجود نظام اقتصادي مستقر وقادر على إشباع الحاجات الضرورية للمواطنين، بالإضافة إلى الشرط الاجتماعي المتمثل في وجود قدر من التماسك والاندماج بين أفراد المجتمع الليبي، وشيوع علاقات التعاون والتسامح والتفاهم فيما بين عناصر الشعب الليبيي الذي تجمعه العديد من روابط الوحدة مثل اللغة الواحدة والدين الواحد والمذهب الواحد والعادات والتقاليد والأعراف الواحدة وغيرها، وتغليب الانتماء والولاء الوطني وإعلاءه على الولاءات التحتية القبلية منها أوالاقليمية، وكذلك توافر الشرط الأيديولوجي المتمثل في ضرورة وجود إجماع وطني على تبني الديموقراطية في ظل وجود تصور واضح عن هذه الديموقراطية يحوز رضا وقبول المواطنين ويخلق إجماع شعبي عليه، وفي ظل القناعة أيضا بأن الديموقراطية قيمة عليا تنطوي على مبادئ مثل : المساواة والعدالة والحرية وسيادة روح التسامح وتسوية الصراعات داخل المجتمع عن طريق الوسائل السلمية والتفاوضية والتصالحية، كما أن الشرط الثقافي والذي يعد لازماً لتثبيت وتنامي الديموقراطية يعد هو أيضا متاحاً وميسوراً، وذلك من خلال وجود الوعي السياسي لدى أفراد الشعب الليبي بغض النظر عن مستوى التعليم أو مستوى الثقافة، فمعظم إن لم يكن جميع أفراد الشعب الليبي على وعي كبير بطبيعة التجربة الديموقراطية المطبقة في بلادهم وعلى دراية بعمل مؤسسات صناعة واتخاذ وتنفيذ القرارات والسياسات، وربما يرجع الفضل في ذلك إلى الفطرة السليمة لهذا الشعب وإرادته الفذة، فضلاً عن ذلك التصميم القوي لدى أبناءه لأن تنتصر الحرية وأن تنتصر الديموقراطية في بلاده، وهو أمر يحسب لهذا الشعب العظيم.
    3. على الرغم من أن التجربة الليبية في ممارسة الديموقراطية المباشرة تم البدء والأخذ بها في ظل ظروف داخلية وخارجية صعبة، حيث عانى الشعب الليبي ولسنوات طويلة من التهميش في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فتارة في ظل الاحتلال والاستعمار وتارة في ظل الحكم الملكي، هذا بالاضافة إلى الضغوط الخارجية المتمثلة في الصراع بين الشرق والغرب الذي امتدت تأثيراته السلبية على دول العالم الأخرى حتى المحايدة منها ، فإن ما يحسب لهذا الشعب أنه تمكن بفطرته السليمة وإرادته اقوية والمستقلة وبروحه النضالية المعهودة فيه والتي تحيا بداخله من استيعاب تلك التجربة الصعبة وأن يتأقلم ويتفاعل معها بأعلى درجات تحمل المسؤولية ومن خلال توظيف قدراته وطاقاته وامكانياته حتى أضحت تلك التجربة واقعاً حياً ومعاشاً وملموساً، وهو الأمر الذي يتطلب مزيدا من الدعم والرعاية والتأييد من جانب الشعب الليبي حفاظاً على مكتسباته وحقوقه التي لا يدانيه فيها أي شعب آخر من شعوب المعمورة، وذلك من أجل مزيد من الإستمرار والإستقرار لتلك التجربة الرائدة .
    4. أن النظم الديموقراطية الأخرى المطبقة في العديد من دول العالم هي في واقع الأمر أبعد ما تكون عن جوهر ومضمون الديموقراطية الحقيقية، وذلك لتشبثها بقواعد ونظم عمل وآليات غير مناسبة وتتناقض تناقضاً حاداً مع أبسط مفاهيم الديموقراطية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وانصرفت تلك الدول عن الديموقراطية المباشرة معتقدة أنها مجرد فكرة طوباوية ومثالية لاتتناسب مع الواقع المعاش فعلياً، بينما أثبت هذا الواقع ومن بعد تطبيق وتحقيق التجربة الليبية، أنها جديرة بالاهتمام وبالتطبيق وأن كل ما يتطلبه الأمر لتحقيق ذلك هو توافر الرغبة الحقيقية والإرادة السياسية والنوايا الحسنة، وتغليب المصالح العليا ا للدول، وكذلك تغليب مبدأ حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها والاعلاء من شأن تلك الشعوب، ووضع حد لاستغلالها وقهرها باسم الديموقراطية ولصالح الحكام والنخب وذوى المصالح الأنانية والمحدودة، لذا فإن حكومات وشعوب هذه الدول مدعوة لإعادة النظر فيما تزعم أنه تطبيقات وممارسات ديموقراطية، وذلك على ضوء النتائج الإيجابية المترتبة على التطبيق والممارسة الديموقراطية الحقيقية في ظل تجربة الديموقراطية المباشرة في المجتمع الجماهيري الليبي، تلك التجربة التي أثبتت نجاحاً ملحوظاً ومتزايداً منذ بداية الأخذ بها وحتى الوقت الراهن وبدرجة عالية من الإستقرار والاستمرارية، هذا إذا ما أرادت تلك الحكومات والشعوب إحداث التحول الديموقراطي الحقيقي وكما يجب أن يكون.
    5. لايجب أن يفهم من التقديم السابق على أن التجربة الليبية في مجال تطبيق وممارسة وتحقيق الديموقراطية قد بلغت منتهاها وأوج نموها وتطورها، ولكن مانقصده أن تلك التجربة أثبتت نجاحاً ملحوظاً وملموساً ومازالت، ولكن هناك العديد من التحديات التي ظلت تواجه تلك التجربة وتؤثر بالتالي على مدى كفاءتها وفعاليتها، ومنها على سبيل المثال:
    ـ التحديات المتعلقة بضبط وتقويم أداء أجهزة صناعة واتخاذ وتنفيذ القرارات والسياسات.
    ـ التحديات المتعلقة بالاستخدام والتوظيف والتعظيم الأمثل للموارد العديدة والمتنوعة .
    ـ التحديات المتعلقة بضرورة التأكيد على عناصر الوحدة في المجتمع الليبي وتعظيمها.
    ـ التحديات المتعلقة بالإبقاء والمحافظة على التجربة الليبية وإعطائها المزيد من قوة الدفع.
    ـ التحديات المتعلقة بوضع شعار الجماهيرية العظمى موضع التنفيذ الفعلى وخصوصا في ظل استيفاء الجماهيرية لشروط ومتطلبات الدولة العظمى.

  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: إشكالية الديمقراطية غير المباشرة في أفريقيا

    خاتمة:

    من خلال تناول موضوع التحول الديمقراطي في أفريقيا يمكن الإشارة إلى أن هذا التحول وإن كان يمثل هدفا شعبيا يمكن أن يتحقق من خلال التجربة والممارسة، وعلى الرغم من أن معدلات التحول تلك تشهد تزايدا مطردا فما هو جدير بالملاحظة أن تلك الزيادة تقترن بظاهرتين:
    الأولى. أن عددا من قيادات الحزب الواحد والنظم التسلطية فى الدول الإفريقية قد قبلوا الديمقراطية بعد فترة امتناع وتباطؤ .
    الثانية. أن القبول ليس معناه التسليم المطلق بالإجراءات والنتائج ، فالنخب الحاكمة تقبل بالشكل وتقوم أحيانا بالتلاعب والتزوير فيما يتعلق بترتيب وتنظيم الإجراءات الإدارية والتنظيمية للعملية الانتخابية ، بينما النخب المعارضة تطعن في النتائج بالأسلوب القانوني وأساليب الاجتماع والحشد الشعبي والإعلامي .
    ويلاحظ أنه على الرغم من الدعاية الواسعة والمتواصلة من جانب الدول الغربية لأنموذج الديمقراطية غير المباشرة، وعلى الرغم سياسات الترغيب والترهيب التي تمارسها في إطار التعامل مع الدول الأفريقية لحملها على تبني ذلك الأنموذج، إلا أن الواقع يشير إلى أن التجارب التي تبنتها الدول الأفريقية العديدة لم تفضي نتائج مرضية ملموسة، وذلك لعدم تلاؤم الغايات والآليات والممارسات مع طبيعة تلك الدول، وبالتالي فهي في حاجة إعادة النظر في عملية الإصلاح السياسي بما فيها التحولات الديمقراطية، وبما يتفق مع ما يتناسب مع بيئاتها وشعوبها، ومع ما يتناسب مع تفضيلاتها وأولوياتها، وبمنأى عن عمليات الترويج والترغيب والترهيب التي تتبناها الدول الليبرالية الغربية في هذا الشأن.
    إن تجربة الجماهيرية الليبية في مجال تطبيق الديموقراطية المباشرة هي تجربة رائدة يمكن الاستفادة منها على مستويات متنوعة وسواء كان ذلك على مستوى ايجابياتها ومكامن القوة فيها، أو حتى على مستوى سلبياتها ومواضع الضعف فيها، ومن منطلق أن الديمقراطية المباشرة هي الأجدر بالاهتمام وطنياً باستمرارية التأييد والتشجيع، وتقديم الرعاية والاهتمام والدعم لها، في ظل الحرص على تعظيم ايجابياتها من خلال التعرف والمتابعة لمكامن قوتها، والحد من سلبياتها من خلال المراجعة والتقييم الموضوعي لنقاط الضعف فيها، ومن منطلق أن التجربة الديمقراطية ليست معصومة من الخطأ وإنما شأنها في ذلك شأن أي تجربة جادة ربما لا تتضح ثغراتها أونقاط الضعف فيها سوى مع التطبيق العملي وعند وضعها موضع التنفيذ الفعلي.
    ـــــــــــــــــــــــ


    قائمة المراجع والهوامش

    حمدي عبد الرحمن، أفريقيا والقرن الواحد والعشرون – رؤية مستقبلية (القاهرة, مركز لبحوث والدراسات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة يونيو 1997 ) ص 9
    راجع في هذا المعنى:
    Seyoum Hameso, "Issues and Dilemmas of Multi-Party Democracy in Africa" West Africa Review (Africa Resource Center, Inc.Vol.3,No.2 2002)pp6,7.
    محمد بشير حامد،" الشرعية السياسية وممارسة السلطة : دراسة في التجربة السودانية المعاصرة" المستقبل العربي ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 94 ديسمبر 1986 ) ص36
    المرجع السابق ، ص ص 38 ، 39
    Michael Bratton & Nicolas Van De Walle: Democratic Experiments in Africa,( Cambridge: Cambridge University Press , 1997.) pp.98,99.
    Seyoum Hameso, "Issues and Dilemmas of Multi-Party Democracy in Africa" West Africa Review (Africa Resource Center, Inc.Vol.3,No.2 2002)pp10,11.
    2 د . حمدي عبد الرحمن ، أفريقيا والقرن الواحد والعشرون، مرجع سبق ذكره، ص 9 .
    د. إبراهيم أحمد نصر الدين، " التنمية والإصلاح السياسي وتعزيز حقوق الإنسان كمداخل وقائية لحل مشكلات اللاجئين في أفريقيا"، بحـث مقــدم إلـى نـــدوة قضايا اللاجئين فى أفريقيا التحديات الراهنة وسبل المواجهة( القاهرة: برنامج الدراسات المصرية الأفريقية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 20 يونيو 2005 ) ص 6.
    نفس المرجع السابق.
    د. صبحي قنصوه ، أ التحولات الديمقراطية ، في أفريقيا : الأسباب , الأبعاد , احتمالات المستقبل في د. إبراهيم احمد نصر الدين (وآخرين), الموسوعة الأفريقية ( القاهرة : معهد البحوث و الدراسات الأفريقية مايو 1997 ) ص ص 115, 116 .
    د. إبراهيم أحمد نصر الدين، " التنمية والإصلاح السياسي ...، مرجع سبق ذكره، ص ص 10 ـ 12.
    د. إبراهيم أحمد نصر الدين،" التحولات الديمقراطية في أفريقيا: السودان نموذجاً " ندوة أمانة الشباب والطلاب بالحزب الاتحادي الديمقراطي فرع مصر، جريدة الاتحادي الدولية، (15 ديسمبر 1998)، الصفحة الخامسة.
    د. إبراهيم أحمد نصر الدين، " التنمية والإصلاح السياسي ..، مرجع سبق ذكره، ص 6.
    المرجع السابق. ص 14.
    د.إبراهيم أحمد نصر الدين ، التحول الديمقراطي في أفريقيا ، مرجع سبق ذكره.
    توفيق المديني، التوتاليتارية الليبرالية الجديدة والحرب على الإرهاب(دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب،2003) ص ص 7، 8.
    المرجع السابق، صص 8، 9.
    د. إبراهيم نصر الدين، في نقد العقل و الممارسات الغربية: نحو رؤية جديدة لتنمية أفريقيا ، الخطاب الرئاسي لرئيس الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية(ديربان: المؤتمر الرابع عشر للجمعية الأفريقية للعلوم السياسية 26 ـ 28 يونيو 2003) ص ص 9، 10.
    د. محمد زاهي بشير المغيربي، " الديمقراطية والإصلاح السياسي - مراجعة عامة للأدبيات " ندوة الديمقراطية والاصلاح السياسي في الوطن العربي: نحو رؤية عربية، تحت رعاية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ، والمركز العالمي لدراسات وابحاث الكتاب الاخضر (21 مايو 2006) ص 2.
    التجديد العربي
    د. محمد زاهي بشير المغيربي، مرجع سبق ذكره، ص ص 9 ـ 11.
    د.إبراهيم أحمد نصر الدين ، التحولات الديمقراطية في أفريقيا: السودان نموذجاً، مرجع سبق ذكره،
    د. محمد زاهي بشير المغيربي، " الديمقراطية والإصلاح السياسي - مراجعة عامة للأدبيات " ندوة الديمقراطية والاصلاح السياسي في الوطن العربي: نحو رؤية عربية، تحت رعاية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ، والمركز العالمي لدراسات وابحاث الكتاب الاخضر (21 مايو 2006) ص ص 6 ـ 9.
    فقد حدث ذلك خلال 4 أعوام منذ بداية حركة الاحتجاج السياسي في عام 1990 وحتى عام 1993، وأن موجه نشطة من الانتخابات قد حدثت بالفعل وأكملت 35 دولة أفريقية جنوب الصحراء تغيير نظم حكمها بحلول ديسمبر 1994، وكان إضفاء الطابع الديمقراطي يمثل تطورا سريعا ومحموما اقترن به محاولة إضفاء الطابع المؤسسي / الإجرائي من أجل قيام حكومات شعبية.
    Michael Bratton . Deciphring .. op . ci t . , p 72.

    د . حمدي عبد الرحمن ، ظاهرة التحول الديمقراطي في أفريقيا ، القضايا والنماذج وآفاق المستقبل " السياسية الدولية ، القاهرة ، مؤسسة الأهرام ، العدد 113 ، يوليو 1993 ، ص ص 8 – 10 .
    Bamidele A Ojo, Africa’s Triple Dilemma: The State, Democratization and the Challenges of Globalization (New Jersey: School of Political & International Studies Fairleigh Dickinson University, 2004)p.22
    د. إبراهيم نصر الدين، في نقد العقل و الممارسات الغربية..، مرجع سبق ذكره، ص ص 6ـ 9.
    راجع كل من :
    - د . إبراهيم أحمد نصر الدين، التحول الديمقراطى، مرجع سبق ذكره
    - د . صبحي قنصوه ، التحولات الديمقراطية، مرجع سبق ذكره ، ص ص 121 – 123
    - د . حمدى عبد الرحمن حسن ، ظاهرة التحول الديمقراطى، مرجع سبق ذكره ، ص ص 18 – 22.
    الشراكة الجديدة للتنمية الأفريقية (نيباد) هي مبادرة أفريقية طموحة على غرار خطة مارشال الأميركية لأوروبا، وأعلن رسميا عن المبادرة في أكتوبر2001 في أبوجا بحضور رئيس جنوب أفريقيا ثابو مبيكي والرئيس النيجيري أولوسيغون أوباسانجو والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس السنغال عبد الله واد. وتشمل المبادرة الأفريقية نطاقا واسعا من الأهداف الطموحة للغاية تتعلق بالسلام والديمقراطية والتعليم والاستثمار وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والبنية الأساسية. ومن أهم أسس المبادرة -التي تحتاج حسب معديها إلى دعم دول غربية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- التعامل مع مشكلة الديون وانتشار فيروس إتش.آي.في. المسبب لمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) الذي أصاب نحو 25 مليون أفريقي من بين 34.3 مليون مصاب في العالم. ويعتقد مراقبون أن مفتاح نجاح هذه المبادرة هو إنهاء الصراعات المسلحة في أفريقيا التي تعاني من انتشار الفقر مع ابتعاد المستثمرين وطغيان الإنفاق العسكري على ميزانيات الحكومات.
    الجزيرة نت :" قمة أفريقية لدعم الديمقراطية وجذب الاستثمارات" الجزيرة نت، 26مارس2002.
    Dov Ronen “ The state and Democrocy in Africa” in Dov Ronen op cit , p.201
    د. إبراهيم نصر الدين، في نقد العقل و الممارسات الغربية: نحو رؤية جديدة لتنمية أفريقيا ، الخطاب الرئاسي لرئيس الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية(ديربان: المؤتمر الرابع عشر للجمعية الأفريقية للعلوم السياسية 26 ـ 28 يونيو 2003) ص ص 10
    Celestin Monga,” Eight Problems with african Politics” Journal of Democracy (Battimor, John Hopkins University, Vol. 8,No July 1997) pp. 158 - 166
    د. إبراهيم نصر الدين، في نقد العقل و الممارسات الغربية: نحو رؤية جديدة لتنمية أفريقيا ، الخطاب الرئاسي لرئيس الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية(ديربان: المؤتمر الرابع عشر للجمعية الأفريقية للعلوم السياسية 26 ـ 28 يونيو 2003) ص ص 11، 12.
    Sahr John Kpundeh(ed.,) Democratization in Africa: African View, African Voices( Washington, D.c., National Academy Press,1992.) p.46
    د . حمدي عبد الرحمن ، إفريقية مرجع سبق ذكره، ص ص 36 ، 37
    د. إبراهيم أحمد نصر الدين، " التنمية والإصلاح السياسي ...، مرجع سبق ذكره، ص
    المرجع السابق، ص ص 13، 14.
    المرجغ السابق، ص ص 14 ، 15
    المرجغ السابق، ص ص 15، 16.
    د. ابراهيم أحمد نصر الدين:"ظاهرة الحروب الأهلية في أفريقيا بين أزمة الاندماج الوطني والتحول الديموقراطي" ورقة عمل مقدمة إلي ندوة: الصراعات والحروب الأهلية في أفريقيا ( القاهرة: منظمة تضامن الشعوب الأفريقية ـ الآسيوية) ص5
    نفس المرجع السابق.
    (1) Celestin Monga, op cit., p.
    Celestin Monga, op cit., p.
    د. جمال محمد السيد ضلع، "الديمقراطية المباشرة وآليات اتخاذ وتنفيذ القرار في المجتمع الجماهيري" حلقة نقاشية بالمركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر،(سبها: المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، 2005)
    راجع لمزيد من التفاصيل كتاب الزعيم الليبي:
    معمر القذافي، الكتاب الأخضر(طرابلس: المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، 1990.)

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. مزايا وعيوب الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى شعبة التسيير و الاقتصاد 3AS
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-05-2015, 19:02
  2. رسالة ماجستير المنازعات الجبائية للضريبة المباشرة .
    بواسطة Ć.ŖŎήaĻđo في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20-05-2014, 22:06
  3. بحث حول الدعوى المباشرة للمؤجر الأصلي ضد المستأجر من الباطن
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20-12-2012, 17:45
  4. إشكالية الديمقراطية بين الدولة - الأمة و الدولة - التعددية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 18-02-2012, 19:54
  5. النيجر تلحق بجنوب أفريقيا أولى هزائمها في تصفيات أفريقيا 2012
    بواسطة فتى المرح في المنتدى منتدى كل الرياضات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-09-2011, 18:59

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •