بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذه المسألة من أهم المسائل التي تحتاج منا إلى تحليل لأنها أخطر عقبة تواجه الإنسان عندما يريد إصلاح نفسه .
كيف تصلح الخطأ إذا كنت لا تراه ولا تعترف به أصلا ؟!
أنت تحتاج إلى فهم نفسك ’ تحتاج أن تفهم لماذا تستخدم النفس كل هذا الكم الهائل من المبررات ’ ولماذا ترى عيوب الآخرين ولا ترى عيوبها .
تفهم لماذا تنفعل بشدة من أخطاء فلان رغم أنك ترتكب مثلها أو أكبر منها ’ لماذا ترى عيوب الآخرين بسهولة بينما لا ترى عيوبك وتحتاج من ينبهك لها وبعد التنبيه ربما تقبل أو لا تقبل ’ تعترف أو لا تعترف ؟

مبررات النفس والشيطان معـا

نفسك وشيطانك عندهما القدرة على خداع عقلك بصورة فائقة فيخضع عقلك لمبررات نفسك وشيطانك .
الإشكالية أن هذه المبررات ( مبررات مقنعة ) ولذلك عقلك ينخدع بها ’ لكن رغم أنها مقنعة إلا أنها ( مبررات ) ومعنى مبررات أنها حيل ماكرة لتمارس النفس شهواتها ولكن بطريقة يقبلها عقلك ويقبلها بعض الناس .
الرسول عليه الصلاة والسلام في نصف الليل طرق الباب على سيدنا على بن أبى طالب وزوجته السيدة فاطمة فقال لهما الرسول من الخارج ( ألا تصليان ؟ ) فقال على رضي الله عنه :
يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله إن شاء أمسكها وإن شاء أرسلها ’ فغضب الرسول ومشى وهو يضرب على رجله ويقول ( وكان الإنسان أكثر شئ جدلا ) .
من الناحية العقلية والشرعية كلام سيدنا على رضي الله عنه صحيح ’ إذن فلماذا غضب الرسول عليه الصلاة والسلام ووصف فعل سيدنا على بالجدل ؟!
لأن في ذلك مبرر للنفس لتمارس شهوة النوم وترك فضيلة قيام الليل والذي بتركه قد تتمادى النفس فتنام عن فريضة صلاة الفجر !
كذلك لو قام الإنسان بترك السنن المرتبطة بالفرائض يكون من الناحية الشرعية والعقلية لا إثم عليه ’ لكن من الناحية النفسية قد تتمادى النفس وتضعف فيتم تأخير الفرائض ثم جمعها ثم ترك بعضها ثم تركها بالكلية !
إذن كلام على رضي الله عنه ( صحيح ) من الناحية الشرعية والعقلية لكن من الناحية النفسية لا ’ وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام ( أصح ) من الناحية الشرعية والعقلية والنفسية !
إذن احذر مبررات نفسك وشيطانك ( المقنعة ) أي المقبولة لعقلك لأنها ستؤدى إلى ضعف ثم تفعل ما هو غير مقنع ولا مقبول لا عقلا ولا شرعا ولا حتى نفسا !
فتبدأ هذه النفس الماكرة بعد أن تقنع عقلك وتخدعه وتفعل ما لا ينبغي تلومك ! لماذا تلومين ؟ ألست أنتي الذي كنت تريدين ذلك ولهذا استخدمت كل هذه الحيل ؟!
إذن فالأصل إغلاق الباب على النفس والشيطان ورفض مبرراتهما المقنعة حتى لا تقع فيما سبق ’ ومن هذا تعلم لماذا كان الصحابة يتركون بعض الحلال خوفا من الوقوع في الحرام لأنهم سمعوا قول الرسول عليه الصلاة والسلام :
( اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال ) الحديث صحيح .

تعـلم من أبيك

أبو البشر آدم عليه السلام نهاه الله عن الأكل من شجرة معينة في الجنة وأباح له أن يأكل من باقي شجر الجنة .
الشيطان وسوس لآدم أن يأكل من هذه الشجرة فأكل ’ قال الله لآدم وحواء : ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ )
قالا ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) هنا آدم لم يستخدم أي مبررات نفسية شيطانية رغم وجود مبررات نفسية شيطانية مقنعة مثل :
1- وسوسة الشيطان .
2- النسيان .
3- الضعف البشرى .
4- الاحتجاج بالقدر !
كلها فعلا مبررات مقنعة لكن آدم عليه السلام ( صادق مع نفسه ومع ربه ) !!
كذلك تأمل آدم لم يلم حواء وحواء لم تلم آدم وكلاهما اعترف أنه أخطأ وظلم نفسه واستغفر ربه وهذا هو الذي يجب أن نقوم بفعله .

شيطان مجادل

على العكس تماما لما أمر الله الشيطان أن يسجد لآدم رفض أمر الله ولما قال الله له لماذا عصيت لم يقل كما قال آدم مثلا ( ظلمت نفسي ) ولكن استكبر وقال مبررا استكباره ( أنا خيره منه ) فطرده الله من رحمته بسبب الاستكبار والتبرير العقيم .
عقلك الباطن ( اللاواعي )
هنا أحب أنبه على معلومة مهمة وهى أن الإنسان يتعامل مع المستقبل على أساس عقله الذي قد تشكل في الماضي ’ العقل الذي تم تشكيله في الماضي هو العقل ( اللاواعي وليس الواعي ) وهذه مشكلة كبيرة .
الفترة التي تم فيها تشكيل العقل اللاواعي تم تشكيله أيضا في غياب العقل الواعي لأن الإنسان كان صغيرا ولم يكن عقله الواعي قد نضج من حيث السن والعلم .
ومعلوم عند علماء النفس أن العقل اللاواعي يستقبل المعلومات والمعتقدات ويخزنها ويعمل بها بعد ذلك سواء كانت هذه المعلومات صحيحة أو خاطئة .
الآن بعد نضوج الإنسان عندما يسمع ويحاول أن يفهم يستخدم عقله الواعي ’ لكن عندما يتصرف فإنه يتصرف بعقله اللاواعي ’ أي أنه يتصرف تصرفات كثيرة أصبحت عادة عنده بدون وعى .
شخص يدخن ويشتكى من التدخين ويقول أتمنى تركه ولكنه عادة سيئة اعتدت عليها ’ العقل الواعي يرفض التدخين لكن العقل الباطن ( اللاواعي ) هو الذي يُدخن !
شخص آخر يحب الهدوء ويعانى من العصبية الشديدة والانفعال وخسر علاقات كثيرة بسبب ذلك ’ عقله الواعي يكره العصبية والانفعال لكن عقله الباطن هو الذي يغضب وينفعل !
والدليل على ذلك أنك تجد الشخص الانفعالي بعد أن يهدأ يندم ويلوم نفسه على هذا الغضب ’ فبعقله الواعي هو رافض الغضب ولكن الغضب ناتج عن عقله الباطن اللاواعي .
ولكل ما سبق نقوم بتحليل أي مشكلة تحليل نفسي مع ذكر العلاج الشرعي لها ’ لأن النفس هي التي نحتاج لفهمها ثم إصلاحها وصدق ربنا ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

من أسباب تبرير الخطأ من الناحية النفسية

1- عشق الطفولة

الإنسان يمر بمرحلتين خلال حياته ’ الأولى وهو صغير يكون معتمدا اعتمادا كاملا على والديه ويكون في راحة من تحمل أي مسئولية مما يجعله يحب الحياة ويحب الطفولة .
فإذا كبر يجد صعوبة في الفطام النفسي كي ينتقل من عدم التحمل إلى التحمل وكثير من الناس يرفض الفطام ويظل طفلا ’ فتجد الشخص حجمه كبير وسنه كبير ويتصرف تصرفات الطفولة .
فتجده يخطئ ويعاند ولا يسمع الكلام ويبرر أخطائه والمبررات هنا ما هي إلا إلقاء مسئولية الخطأ على غيره كما كان حاله وهو صغير ’ فإنه وهو صغير إذا أخطأ فإن والديه كانا يتحملان نتيجة أخطائه .
تجد بعض ( كبار السن صغار العقل ) عندما يخطئ وتنصحه ( يتقمص ) وهذا رد فعل الطفل وهو صغير ’ إنه مازال يمارس الطفولة لكنها مبررة بصور كثيرة .
ما أكثر الأطفال حولنا وقد قارب عمر أحدهم الثلاثين والأربعين والخمسين ! فلابد من تعويد الطفل منذ الصغر على تحمل المسئولية بالتدريج وعندما يخطئ نستعمل معه التسامح ثم العقاب الإصلاحي وليس الانتقامي .
بعض الآباء في بداية عمر الولد لا يعاقبه إطلاقا وهذا يفسد الولد ’ قد نحتاج لترك عقابه أحيانا ليتعلم أمرين :
الأول : التسامح حتى يسامح من يخطئ في حقه لأن هذا من مكارم الأخلاق .
الثاني : أن الإنسان من حقه أن يخطئ ويتعلم من خطئه .

2- لأن الإنسان يكره أن يرى نفسه بعين النقص




معلوم أن الإنسان يحب نفسه أكثر من أي أحد ’ كذلك الإنسان تصعب عليه النصيحة لأن النصيحة = وجود نقص وخلل في تصرفاته مما يضايقه لأنه يحب الكمال ويتمنى الكمال في نفسه وأفعاله .
أخي الحبيب النقص فينا وفيك إلى قيام الساعة والكمال لله وحده ’ فدعك من نفسك فإنها تجهل حالها وصفاتها ’ فاعترف بما فيك من نقص تعرف وتستشعر ما لله من كمال كما قال ابن القيم : من عرف نفسه عرف ربه .
ابن القيم رحمه يقصد أن من عرف أن الله عز وجل له الغنى التام والعبد له الفقر التام ’ للعبد الجهل وللرب العلم ’ للعبد الذل وللرب العز وهكذا .
لذلك كان من جميل الدعاء :
اللهم أعنى بقوتك على ضعفي وبغناك على فقرى وبعلمك على جهلي وبعزك على ذلي ’ يا رب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا رازق له سواك يا رب مسكين وفقير !

3- الانفعال الشديد من الآخرين

وهذه أساسية لتبرير الخطأ وهى أن الشخص وهو صغير إذا ثبت أنه أخطأ فالنتيجة سيول من الغضب والنقد والتوبيخ من حوله فيكون رد الفعل الدفاعي منه بعد ذلك هو الاجتهاد الشديد في عدم ثبوت أنه أخطأ ( حيل دفاعية نفسية ) وهذا واقع اعترف به كثير ممن يعانى من هذه المشكلة .

العلاج


1- ركز على إعادة برمجة عقلك الباطن وأصلح الأفكار التي تحتاج لإصلاح .
2- ركز على مراقبة تصرفاتك التي تتم بسرعة ودون وعى .
3- كن صادقا مع نفسك وربك والناس واعترف والاعتراف تواضع منك .
4- الاعتراف بالخطأ نصر وقوة وليس هزيمة وضعف .
5- الاعتراف = مغفرة من الله وعفو عن سيئاتك السابقة .

وصلى الله على محمد وأله وصحبه وسلم
منقول


jfvdv hgo'H