العولمة







مقدمة :

شهد العالم فى الحقب الأخيرة من القرن الماضى تشكلاً لنظام عالمى جديد اتضحت معالمه وآلياته تدريجياً حتى وصلت فى تجلياتها العليا إلى ما يطلق عليه العولمة، التى أصبحت الإطار الذى يفترض أن تتحرك فيه وتتأثر به كل الظواهر المجتمعية على المستوى المحلى والاقليمى والدولى، كما اعتبرت آلياتها هى الحاكمة لكل ما سبقها من إنجازات المجتمع الدولى الاقتصادية والسياسية والثقافية بحيث أصبحت هذه الإنجازات مسخرة إلى حد كبير لخدمة أهداف العولمة سلبية كانت أو إيجابية .

وقد تم تبلور ظاهرة العولمة ومأسستها وتقنينها على مدى الحقبتين الماضيتين من خلال عدد من السياسات التى من شأنها أن تؤدى إلى تحقيق الهدف الاستراتيجى لها، وهو إعادة تشكيل النظام الاقتصادى لجميع الدول وتحويلها إلى اقتصاد السوق بهدف إدماجها جميعاً فى إطار السوق العالمى، ولتحقيق هذا الهدف الاقتصادى، تشمل العولمة تجليات وآليات ذات أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وعسكرية, تنعكس على الشعوب العربية نساء ورجالا من خلال تبنى الحكومات لسياسات وبرامج العولمة وتحويلها إلى سياسات عامة وطنية يؤثر تطبيقها على حياة المواطنين نساء ورجالا، سلبا وإيجابا .
وعلى الرغم من نجاح هذه الظاهرة فى السيطرة على تشكيل وصياغة معظم المجتمعات على مستوى العالم، إلا أنها مازالت ظاهرة خلافية يتصاعد الجدل والصراع بين معضديها ومعارضيها يوما بعد يوم كما أن هناك كثير من التباين فى الرؤى فى داخل كل من المعسكرين .
ويرتبط الخلاف إلى حد كبير بتحديد ماهية وآليات الظاهرة، ومن ثم الخطاب الأيديولوجى المساند لها، والذى يؤدى إلى إيجاد استراتيجيات مختلفة للتعامل مع العولمة.
أدى الاختلاف الفكرى والسياسى حول ظاهرة العولمة إلى وجود العديد من التعريفات التى سنحاول، من أجل الوضوح الفكرى، اختزالها فى تعريفين أساسيين يرتبطان بمقاربتين منهجيتين ويشملا الخطوط العريضة لكل التعريفات الأخرىوهما، التعريف الوظيفى والتعريف البنيوى للعولمة .

أما التعريف الوظيفى, فيركز على وصف تجليات ومظاهر وإنجازات العولمة مثل ، التقدم التكنولوجى غير المسبوق، وثورة المعلومات والاتصالات، وقوة وحركية الشركات العابرة للقوميات، والتحولات اللازمة لإيجاد سوق عالمية واحدة تضمن فيها حرية الحركة لرأس المال، والسلع والخدمات، وقوى العمل البشرية،
شهيدة الباز ص6( تجليات العولمة فى الوطن العربى ) دراسة منشورة فى المراة والعولمة –نشرة غير دورية –دار نشر نور لبحوث المراة القاهرة 2004



ويتجلى الخطاب الثقافى الأيديولوجى لهذا التعريف فى اعتبار العولمة تعبيراً عن انتصار الحضارة الغربية الرأسمالية ومن ثم فهى نهاية التاريخ ، وهى ظاهرة لا مفر منها، من شأنها تحويل العالم إلى قرية كونية، وعلى المجتمعات التى تود الإستمرار فى الحياة فى هذا العالم Survival أن تعيد هيكلة واقعها لتتكيف مع متطلبات الاندماج فى السوق العالمى، وهو الهدف الاستراتيجى للعولمة .*2

وقد تمثلت روشتة تحقيق هذا الإندماج فى سياسات التكيف الهيكلى والتثبيت المالى التى صاغها البنك وصندوق النقد الدوليين، والتى اضطرت معظم دول العالم الثالث إلى تبنيها للخروج من أزمة الديون التى خنقتها فى الثمانينات من القرن الماضى .

ويلاحظ أن المدافعين عن هذه الرؤية يركزون على مطلب الحريات الاقتصادية والسياسية وتفعيل الديمقراطية الليبرالية وتعزيز دور المجتمع المدنى واستقلاليته عن الدولة، التى يجب أن يتقلص دورها إلى الدور التقليدى للدولة الحارسة، كما يرحبون بالاندماج فى القرية الكونية والاستفادة بكل ما تقدمه العولمة على أنهم من ناحية أخرى لا يهتمون بقضايا مثل تناقض المصالح وعدم التكافؤ فى علاقات القوى الاقتصادية والسياسية بين الأجزاء المختلفة من العالم، والنابع من عدم التكافؤ هيكلياً وتنموياً بين هذه الأجزاء والتى يمكن أن تعطل المشاركة الحقيقية فى العولمة، كما أنهم لا يهتمون باحتمالات تهميش، أو حتى القضاء على بعض هذه المجتمعات نتيجة للصراعات الدينية والعرقية والقبلية التى تغذيها العولمة والتى تحسم فى النهاية لصالح الدول الكبرى فى إطار سيادة فلسفة الداروينية الاجتماعية " أى البقاء للأقوى " .

على أنه من المهم الإشارة هنا إلى أنه قد ظهر فى إطار التعريف الوظيفى للعولمة توجيه أكثر انسانية، نادت به منظمات الأمم المتحدة، يؤمن بحتمية العولمة ولكنه ينادى بتطبيقها بشكل إنسانى Globalization with a Human Face ونتيجة لذلك بدأ اهتمام المنظمات الدولية بمواجهة الآثار الاجتماعية السلبية للعولمة على المجتمعات وعلى القوى الاجتماعية المهمشة فى داخل المجتمع الوحد. ويبرز هنا تبنى استراتيجيات الفقر تقليل وتمكين الفقراء من الحصول على دخل .

أما التعريف البنيوى للعولمة فهو بالإضافة إلى تناوله تجليات العولمة ومظاهرها وإنجازاتها، فهو يتخطى ذلك إلى تحليل بنيتها ومعرفة آليتها ومنطق تطورها بنيوياً فى السياق التاريخى الحالى .


وفى هذا الإطار ينظر التعريف البنيوى إلى ظاهرة العولمة باعتبارها عملية تاريخية جدلية تمثل مرحلة متقدمة من مراحل التاريخ الإنسانى، المتطور دائماً، من حيث تراكم المعرفة العلمية والتكنولوجية، ولذلك فالعولمة فى إطار هذا التعريف ليست نهاية التاريخ، كما يؤكد هذا التعريف على أن العولمة تمثل أيضاً مرحلة متقدمة فى نمو الرأسمالية تتخطى الحدود القومية من خلال الفاعل الرئيسى فى هذه المرحلة وهو الشركات متعدية الجنسية، ولذلك فإن العولمة تقوم بطبيعتها وبنيتها الرأسمالية على أساس التمايز وعدم التكافؤ فى مستويات تطور ونمو المجتمعات على المستوى الدولى، وفى تطور ونمو القوى الاجتماعية فى داخل المجتمع الوطنى الواحد، وفى هذا الإطار تنشىء العولمة تقسيماً عالمياً جديداً للعمل يتسم بعلاقات قوى غير متكافئة اقتصاداياً وسياسياً وعسكرياً، ويؤكد أصحاب هذا التوجه على أن العولمة بهذا المعنى ذات أثر استقطابى يتمثل فى حدوث عمليتى إدماج واستبعاد فى نفس الوقت على المستوى المحلى والعالمى، وأن منطق التوسع الرأسمالى لابد وأن يزيد من عدم المساواة بين أعضاء هذا النظام بشكل مستمر، ولذلك لا يمكن للبلدان النامية فى هذا العالم اللحاق بالدول المسيطرة على آليات العولمة إلا بفك الارتباط والخروج من إسار التبعية للقوى المسيطرة ، لن يمكن تحقيق ذلك إلا بإخضاع علاقات الدول النامية بالسوق العالمى لمتطلبات التنمية الوطنية النابعة من مجتمعاتها، لا لسياسات مفروضة عليها من الخارج *3

ويرى هذا التوجه أن فك الارتباط بهذا المعنى لا يعنى الانعزالية أو رفض العولمة بكل أشكالها، ولكنه يعنى النضال من أجل أن تصبح الدول النامية فاعلاً إيجابياً فى عمليات العولمة التى يجب أن تتكيف هى الأخرى تبعاً لاحتياجات تنمية هذه البلدان، كما يرى أن "التكيف" من طرف واحد، الذى يفرض الآن على الدول النامية فى إطار العولمة، من شأنه أن يؤدى بالضرورة إلى تهميش الأطراف الضعيفة فى النظام العالمى، وربما القضاء عليها، ويتخطى أصحاب هذا التوجه استراتيجية تقليل الفقر إلى استراتيجية القضاء على الفقر ومواجهته هيكلياً .

وقد أتجه مشروع الأمم المتحدة للألفية " 2005 " الاستثمار فى التنمية ـ إتجاهاً واضحاً وجريئاً نحو القضاء على معوقات وتحديات التنمية فى دول العالم الثالث، مستخدماً صيغاً قاطعة (القضاء على الفقر المدقع والجوع) غاية (1)، ومتحالفاً بصورة واضحة مع التعريف البنيوى للعولمة، ، وقد عكست استراتيجية المشروع توجهاً نحو القضاء على الفقر مشيرة فى التوصية الأولى من التوصيات العشر إلى أن " تصبح لدى جميع البلدان استراتيجيات إنمائية بحلول 2006،



وحيثما كانت هناك أوراق استراتيجية للحد من الفقر فعلاً، ينبغى تعديل تلك الأوراق بحسب الغايات الإنمائية للألفية "فى تعاصر مع تصاعد ظاهرة العولمة، تزايد الاهتمام دولياً ومحلياً بعدد من القضايا المتشابكة، ومن أهمها التنمية البشرية كمنطلق أكثر فاعلية لتنمية المجتمعات النامية، وفى هذا الإطار تزايد الوعى بضرورة تفعيل دور الشباب فى كل عمليات التنمية باعتباره العمود الفقرى للمجتمعات العربية، وقد أدى هذا الوعى إلى صحوة نظرية وعملية، كان من نتيجتها ظهور سلسلة من البرامج والمشروعات الدولية والإقليمية وحتى المحلية التى تهدف إلى تمكين الشباب، وفى هذا الإطار نهض مشروع الأمم المتحدة للألفية 2005 MDG., داعياً إلى الكفاح العالمى ضد الفقر المدقع، ساعياً إلى تمكين المجتمعات النامية من تفعيل مواردها البشرية البناءة وعلى رأسها الشباب .

ونود الإشارة إلى أن تداعيات العولمة ومجالات تأثيرها على المجتمعات العربية تعمل كعناصر متفاعلة باعتبارها متغيرات متكاملة ومتفاعلة جدلياً فى إطار كل (وهو ظاهرة العولمة)، كما أن ناتج العولمة لا يتحقق بشكل كامل إلا من خلال هذا التكامل والتفاعل الجدلى بين كل هذه المتغيرات .

hgu,glm