قراءة معاصرة لمفهوم الأمن الجماعي
عبدالجليل زيد المرهون

ويكتسب مفهوم الشفافية مضموناً مختلفاً عند ربطه بمعاهدة الأمن الجماعي وبالمجال العسكري، حيث يشير إلى الحق في الحصول على المعلومات وتوافر الآليات التي تسمح بذلك


استخدم مفهوم الأمن الجماعي على المستوى الدولي منذ إنشاء عصبة الأمم في العام 1921، وهو يقوم على فكرة محورية قوامها عدم السماح بالإخلال بالوضع القائم بطريقة غير مشروعة، من خلال تكوين قوى دولية متفوقة تتمكن من إحباط العدوان أو ردعه. ويقوم هذا الترتيب الأمني على مجموعة من الافتراضات، أبرزها لزومية تبلور اتفاق دولي، لتحديد الطرف المعتدي في حال نشوب صراع مسلح، حتى يتسنى تصفية العدوان قبل أن يتسع نطاقه، ويصبح من المتعذر احتواؤه، وإلغاء آثاره الدولية. وأن يجمع كل الدول هدف واحد وهو مقاومة العدوان أياً كان مصدره، حيث تغدو تلك المقاومة واجباً محتماً على كل الدول، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. وأن تتمتع كل دولة بذات القدر من الحرية والمرونة، لتشارك في التدابير الدولية الجماعية التي تنفذ في مواجهة المعتدي. وأن تتاح الإمكانات الجماعية للدول التي تشارك في تحمل مسؤولية تنفيذ هذه التدابير المشتركة، وأن تكون من الضخامة إلى الحد الذي يجعلها قادرة على رد العدوان وإحباطه. وأن إدراك الدولة المعتدية أنها لن تستطيع أن تقاوم قوةً أكبر منها، سيجعلها ترتدع عن تنفيذ مغامرات، تعلم مقدماً أنها لن تعود عليها إلا بهزيمة مؤكدة.

ورغم ما يرتبط بهذا الترتيب الأمني من إيجابيات متعلقة بضعف احتمال اللجوء إلى العنف، إلاّ أنّ محاولات تطبيقه على المستوى الدولي، كما يشير إليها ميثاقا العصبة والأمم المتحدة، قد باءت بالفشل، إما لضعف إجراءاتها وعدم توافر ما يُلزم الدول بها، أو بسبب بنية هيكل النظام الدولي، وهذا ما تكشف عنه خبرة الحرب الباردة، أو لغموض بعض مفاهيمه المحورية كمفهوم العدوان.

ومع تزايد الاهتمام بأمن النظم الإقليمية والإقليمية الفرعية، خاصة تلك التي تمثل بؤرة توتر، أخذ يتبلور بين الدارسين شبه اتفاق يمكن أن يتعزز بمزيد من الدراسة على أمثلية الأمن الجماعي، كترتيب أمني، من شأنه أن يعزز الأمن والسلم الدوليين. وبتكييف هذا النوع من الترتيبات الأمنية مع المستوى دون الدولي، يمكن القول أنه يفترض ابتداءً، وجود مستويين من مستويات الإدراك. الأول، خاص بالإدراك المشترك بين وحدات النظام للخطر الذي يتهدد الأمن والسلم الإقليمي من ناحية، وهذا ما تغذيه الروابط المعنوية والمادية بينها، ويؤمنه غياب الصراعات والنزاعات، والتداخل والتشابك بين المصالح القومية لكل منها من ناحية أخرى. والثاني، خاص بإدراك أهمية تكاتف جهودها، لإحباط ذلك التهديد والذي يرتكز على اتفاقيات ملزمة يتم إبرامها فيما بينها، كما يفترض اعتماد الأساليب السلمية لإدارة التفاعلات الإقليمية السلبية والأساليب الجماعية للتعاطي مع التهديدات الخارجية. بعبارة أخرى يفترض هذا الترتيب الأمني دون الدولي، الآتي: أن يتسع مفهوم الأمن الجماعي ليشمل إلى جانب الحماية الإقليمية في مواجهة الخطر الخارجي، التعاون الإقليمي المحلي. وأن تكون هناك علاقة ولاء بين وحدات النظام الإقليمي تسمح بنوع من التضامن فيما بينها، على نحوِ يعطي الأولوية لإدارة التفاعلات بالطرق السلمية، وضمان نوع التعايش السلمي. كما يتطلب هذا الترتيب وجود نظام قانوني محدد، لفض المنازعات بشكل جدي دون اللجوء للقوة. والمقصود بهذا النظام، ليس مجرد النص في الاتفاقيات ذات الصلة على مبدأ التوفيق والتحكيم، وإنما تحديد الإجراءات التي يمكن أن يلجأ إليها أي طرف من الأطراف مباشرة، بحيث يصل من خلالها إلى توضيح موقف الطرف الآخر لتمييز شرعية سلوكه من عدمها.

ويرتبط بالعقيدة العسكرية المتبناة من قبل الدول الأطراف في معاهدة الأمن الجماعي عاملان أساسيان، الأول خاص بحجم الإنفاق العسكري، والثاني بمستوى التسلح. فحجم الإنفاق العسكري يحدد ما تخصصه الدول من ناتجها القومي الإجمالي لمجال الدفاع والأمن، سواء لاستيراد الأسلحة من الخارج، أو تصنيعها محلياً، كذلك وللتطوير والبحث العلمي من أجل الارتقاء بالتكنولوجيا العسكرية، كما أنه يحدد مدى إدراكها لوجود تهديد خارجي لأمنها القومي وما تتكبده من تكلفة مالية على نشاطها العسكري، وهذه التكلفة هي بمثابة مدخلات للقطاع العسكري. ولذا فإنها لا تفيد بمفردها في تقدير القوة الأمنية أو العسكرية، والتي هي مخرجات لذلك القطاع. فتلك القوة بشقيها، تتوقف على التوازن بين فئات الإنفاق المختلفة ضمن ميزانية الدفاع، التكلفة، مستوى التكنولوجيا والتدريب، وعلى العقيدة العسكرية، ولذلك فإنّ ميزانية الدفاع الإجمالية قد تؤدي إلى مستويات مختلفة من الأمن أو التهديد تبعاً لكيفية الإنفاق.وفي إطار معاهدة الأمن الجماعي المتعارف عليها، يتعين وجود قدر من الالتزام المحدد بحجم الإنفاق العسكري وكيفية توزيعه على القطاعات الفرعية للقطاع العسكري. فلا يتم مثلاً الإنفاق من خارج ما هو مخصص للأغراض العسكرية، أو نقل التكاليف إلى الأمام في الزمن من خلال الائتمانات.

وفيما يتعلق بمستوى التسلح، فانه يتم الاتفاق إما على ضبط التسلح، أي الحد من سباق التسلح وتقليل احتمالات الحرب، أو تحديد نطاقها وتحجيم العنف المسلح قدر الإمكان، أو نزع السلاح الذي يشير إلى الخفض الجزئي لبعض الأسلحة التقليدية أو غير التقليدية. ويتطلب ذلك إبرام اتفاقات فرعية تحدد إجراءات التفتيش والرقابة، ومنها الرقابة على التجارب التي تجريها الدول على أسلحتها الجديدة، سبل استخدام الفضاء الخارجي والأجرام السماوية، حقيقة الأنشطة التي تدور داخل المصانع والمختبرات ومحطات القوى. وعادةً ما يواجه هذا النوع من الاتفاقيات، عدد من العراقيل من قبيل تعذر الاتفاق حول معدلات مقبولة لنزع السلاح أو تخفيضه بحيث لا تترك طرفاً في وضع أسوأ من طرف آخر. ولذلك تتردد في مفاوضات هذا النوع من الاتفاقيات مفاهيم مثل الخفض المتوازن للأسلحة، مشكلات الأمن القومي ذات الطبيعة المتجددة، والتي في الغالب تجعل الدول متشككة فيما إذا كان المجتمع الدولي سيهبّ لنجدتها في حال تعرضها لتهديد، بصرف النظر عن أية ترتيبات أمنية تكون طرفاً فيها، إطار المشاركة الدولية في ترتيبات نزع السلاح، ارتفاع معدل التغيير في نظم إنتاج الأسلحة والتي تؤثر في مستقبل أية اتفاقيات دولية لنزع السلاح أو الرقابة عليه، العقبات السياسية كتحفظ الدول على إخضاع نظمها العسكرية للتفتيش والرقابة، وذلك إلى جانب الجوانب الفنية المعقدة لإجراءات الرقابة على تنفيذ تلك الاتفاقيات.

ولذلك تبلورت عدد من النظريات لتحديد مدى نزع السلاح أو ضبطه، ومنها نظرية النزع المتوازن التي تبنى في أساسها على فكرة التوازن والاستقرار، وتفترض أنه بالإمكان تجاوز الحرب إذا تحقق مستوى متعادل للتسلح للأطراف الداخلة في هذه العملية. فهذا التكافؤ يلغي الحافز على إثارة الحرب، ليتيقن كل طرف من أنه لا يمتلك ميزة التفوق التي تتيح له بلوغ أهدافه بأسلوب المواجهة العسكرية.

وهناك نظرية الحظر المحدودة التي لا تعتقد في إمكان تجنب الحروب بما فيها الحروب النووية أو القضاء عليها، فأقصى ما يمكن التوصل إليه هو الحيلولة دون تحوّل الحرب إلى حرب دمار شامل، حتى لو استُخدمت فيها الأسلحة النووية. فهذه النظرية تهتم بكيفية تجنب النتائج التي لا يرغب فيها أطرافها، خاصة تلك التي قد تنجم عن حروب الانتحار المتبادل والحرب التي تقع بطريق الخطأ. وهناك النظرية التدريجية التي تفضل نزع السلاح على مرحلتين، تبدأ بنزع السلاح التقليدي وتنتهي بالنووي، وتتضمن كل من هاتين المرحلتين عدداً من الخطوات، منها: إغلاق القواعد العسكرية، خفض حجم المؤسسات العسكرية، وتدمير بعض أنواع الأسلحة. ويحكم الانتقال إلى المرحلة الثانية مدى النجاح الذي تحقق في المرحلة الأولى.

وذلك إلى جانب نظرية النزع المنفرد للسلاح، التي تعتقد في جدوى نزع السلاح من جانب واحد دون انتظار مبادلة هذا الإجراء بإجراء مماثل من الطرف الآخر، باعتباره يقلل من الأخطار الرهيبة التي ينطوي عليها سباق التسلح. ويرى أنصار هذه النظرية، أنه لا يمكن تطبيق النزع المتبادل في وقت واحد وبالشروط التي تنص عليها الاتفاقيات الثنائية بشأن الرقابة على الأسلحة، نظراً لاقترانه بشكوك من قبل الطرفين، مما يعرقل إنجاز تلك العملية.

وعادةً ما ينتج عن ضبط التسلح أو نزع السلاح، تعزيز الثقة بين الدول الأطراف. وهذا على سبيل المثال، ما أفضت إليه معاهدة الحد من القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، رغم عدم الامتثال الكامل من قبل روسيا الاتحادية، فقد حددت هذه المعاهدة سقوفاً متساوية ضمن منطقة تطبيقها، من الأطلسي إلى الأورال، للفئات الرئيسية من الأسلحة والمعدات الثقيلة للدول الأطراف الثلاثين. وقد نُفذ التقليص الرئيسي لما هو زائد من تجهيزات محدودة، بموجب معاهدة التجهيزات المحددة على ثلاثة مراحل طوال الفترة الممتدة من العام 1993 إلى العام 1995، وتلا ذلك مزيد من إجراءات إزالة الأسلحة الثقيلة من ترسانات الدول الأطراف. وقد أنشأت الدول الأطراف، المجموعة الاستشارية المشتركة لمراقبة التنفيذ، ولحل القضايا المرتبطة به، ولدرس إجراءات تعزيز فاعلية نظام هذه المعاهدة ومدى قابليته للتطبيق. وبحلول الأول من كانون الثاني يناير من العام 2003، كانت 63,500 قطعة من الأسلحة والمعدات التقليدية داخل منطقة الأطلسي إلى الأورال وخارجها قد تم التخلص منها، أو أحَالتها الدول الأطراف إلى الاستخدام المدني مع قيام أطراف كثيرة بتقليص ما لديها من أسلحة ومعدات، إلى مستويات أدنى من المطلوب.

كما تم تطبيق الحد من الأسلحة على المستوى دون الإقليمي في منطقة البلقان، بموجب اتفاقية فلورنسا (اتفاقية المادة الرابعة)، التي وقعت عليها البوسنة والهرسك، كرواتيا، وجمهورية يوغسلافيا الاتحادية في العام 1996، وما يميز هذه الاتفاقية أن مدى وفاء الدول الأطراف بها مراقب ومؤازر من قبل المجتمع الدولي، وأنها تبني الأمن العسكري لشبه إقليم البلقان على توازن القوى بين الوحدات المحلية. وكان تنفيذ هذه الاتفاقية ناجحاً في سنة 2002، ولا تزال نوعية تبادل المعلومات السنوية وأعمال التفتيش في تحسن ثابت، كما لا يزال مجالان من مجالات المعدات المستثناة من المعاهدة دون حل، وهما أسلحة في حيازة قوات الأمن الداخلي، وأخرى محتفظ بها لأغراض البحث والتطوير.




ويشير مفهوم الشفافية، إلى تقاسم المعلومات والتصرف بطريقة مكشوفة، فهي تتيح لمن لهم مصلحة في شأن ما، أن يجمعوا معلومات حول هذا الشأن، قد يكون لها دور حاسم في الكشف عن المساوئ، وفي حماية مصالحهم. وتمتلك الأنظمة ذات الشفافية إجراءات واضحة لكيفية صنع القرارعلى الصعيد العام، كما تمتلك قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب المصلحة والمسؤولين، وتضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول الجمهور.

ويكتسب مفهوم الشفافية مضموناً مختلفاً عند ربطه بمعاهدة الأمن الجماعي وبالمجال العسكري، حيث يشير إلى الحق في الحصول على المعلومات وتوافر الآليات التي تسمح بذلك. ومن الناحية الإجرائية، يعني التبادل السنوي للمعلومات العسكرية الخاصة بحجم الإنفاق العسكري، برامج تنمية وتطوير القدرات العسكرية واجتماعات المراجعة السنوية واجتماعات الخبراء بشأن مستوى التسلح من الناحية الكمية والكيفية. ويتم ربط هذه الإجراءات بأجهزة ترقيم وطنية، إجراءات وطنية لمراقبة صناعة الأسلحة، تشريع وطني لسياسة التصدير القائمة من حيث الممارسة والإجراءات والتوثيق، إجراءات السيطرة على سمسرة الأسلحة الدولية وتقنيات وإجراءات التدمير. وقد نصت وثيقة الأمن والتعاون في أوروبا حول الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة على هذه الإجراءات، إلى جانب الإنذار المبكر، تجنب الصراع، إدارة الأزمات وإعادة التأهيل بعد الصراع وموجهات الممارسة الفضلى، كما أولت لمنتدى التعاون الأمني مسؤولية التنسيق بين هذه الأنشطة ومراجعة التطبيق الوطني، وكلفت كذلك مركز تجنب الصراع بمسؤولية عمل مسح عام لتبادل المعلومات حول تنفيذها، قدمت نتائجه في كانون الثاني يناير من العام 2002.

كما تم الاتفاق في فيينا في 25 نيسان أبريل2002 على إعلان وثيقة مشتركة بشأن إجراءات بناء الثقة والأمن البحرية في البحر الأسود بين الدول الخمس المطلة عليه، وهي جورجيا، رومانيا، أوكرانيا، تركيا وبلغاريا. وشملت هذه الوثيقة خمسة مجالات للتعاون، هي: المجال البحري، الاتصالات، الدعوات لزيارة القواعد البحرية أو القواعد البحرية الاحتياطية، تبادل المعلومات بشأن مجمل أعداد سفن السطح القتالية ذات الإزاحات، البالغة وهي بكامل حمولتها 400 طن أو أكثر، والغواصات ذات الإزاحات، البالغة وهي غاطسة 50 طناً وأكثر، والسفن البرمائية، وقوة الجنود البحريين المسموح بها في زمن السلم في منطقة التطبيق، ومجال مناورات الثقة البحرية السنوية التي تعقد على أساس التناوب لمدة ستة أيام، وتطلق عليها كل دولة «مناورة الثقة البحرية السنوية».

ويعتبر إقليم أمريكا اللاتينية مثالاً آخر على إجراءات بناء الثقة، فقد تم إنشاء مركز مشترك للتدريب على حفظ السلام في الأرجنتين، حيث تتدرب قوات مسلحة تابعة لدول في أمريكا الوسطى والجنوبية. وبدأت الأرجنتين وتشيلي منهجية عمل مشتركة لقياس نفقات الدفاع منذ العام 1998، كما اتفقت الأخيرة والبيرو على العمل معاً لتحديد السبيل الأفضل لقياس نفقات الدفاع في العام 2002 بهدف خفض الإنفاق، كما وقعت المعاهدة بين الدول الأمريكية بشأن الشفافية الخاصة بمقتنيات الأسلحة التقليدية في 1999 في إطار منظمة الدول الأمريكية، وتشبه منطقة أمريكا اللاتينية كثيرا منطقة الخليج العربي، حيث توجد ثلاث قوى متنافسة، هي: البرازيل وتشيلي والبيرو، تفتقر إلى توازن حقيقي بينها، مع حضور قوي للولايات المتحدة في الترتيبات الأمنية والعسكرية التي تجمعها مع غيرها من دول المنطقة، مع اختلاف طبيعة الدور الأمريكي في أمريكا الجنوبية والخليج والفجوة بين القوى الإقليمية.

ومما سبق يتضح أنّ النظم الإقليمية الملتزمة بمعاهدات معينة للأمن الجماعي قادرة على ضمان حد أدنى من الاستقرار الذي تغيب فيه التفجرات والانفلاتات الأمنية المفاجئة، مما يخلق مناخاً صالحاً للتعاون الاقتصادي والسياسي والتنمية الإقليمية والوطنية.

rvhxm luhwvm glti,l hgHlk hg[lhud