أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



بحث حول جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية

جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية مقدمة: يتحدد موضوع هذه الدراسة ببحث دور جماعات المصالح كأحد القوى السياسية الفاعلة والمحورية فى صنع وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية. ونظراً



بحث حول جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية


النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي بحث حول جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية

     
    جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية





    مقدمة:

    يتحدد موضوع هذه الدراسة ببحث دور جماعات المصالح كأحد القوى السياسية الفاعلة والمحورية فى صنع وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية. ونظراً للارتباط والتداخل بين السياستين الداخلية والخارجية، فإن الدراسة فى اهتمامها بدور جماعات المصالح فى مجال السياسة الخارجية، إنما تتجاوز مجرد استكشاف أبعاد هذا الدور، إلى بيان محدداته وآفاقه، وتحديد معايير تقييمه.
    واتساقا مع الطبيعة العامة لهذا الهدف واتساع نطاقه الزمنى، فإن الدراسة لم تبتغ التركيز على نوع بعينه من جماعات المصالح، أو قطاع محدد من بين قطاعات المجتمع الأمريكى، أوحتى على قضية بذاتها من بين مجالات المصالح والاهتمامات العامة للأمريكيين ذاتهم. ومـن ثم، تهتم الدراسة بإثارة عدة أسئلة جوهرية حول ماهية تلك الجماعات، ووظائفها الأساسية التى يمكنها القيام بها فى مجال السياسة الخارجيةالأمريكية، وطبيعة الآليات التى تستخدمها فى هذا الصدد، وإلى أى حد حققت تلك الجماعات نجاحا فى تلك الأدوار، وماهى المعوقات أو القيود التى ترد على هذا الدور أو تحد من فاعليته.
    وتأسيساً على ذلك، تتضمن الدراسة مباحث ثلاثة: يقدم أولها إطاراً نظريا للتعريف بجماعات المصالح وأهدافها وآلياتها. وبينما يتناول المبحث الثانى خصائص بيئة النظام السياسى الأمريكى وانعكاساتها على اهتمامات ودور جماعات المصالح كأحد الفاعلين الأساسيين وواحد من المدخلات الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية، فإن المبحث الثالث يقدم بعضا من حالات الخبرة العملية لدور جماعات المصالح فى مجال السياسة الخارجية. وأخيراً، تهتم الخاتمة بإيجاز محددات النجاح وتحديد معوقات الدور السياسى لجماعات المصالح فى السياسة الخارجية الأمريكية.

    المبحث الأول
    جماعات المصالح: إطار نظرى


    المطلب الأول: التعريف والخصائص

    جماعات المصالح هى نوع من الجماعات التى يلجأُ إلى تكوينها أو الانضمام إليها بعضُ أفراد أو مجموعات من أفراد مجتمع ما بهدف التأثير على سياسته العامة بشأن موضوع أو قضية محددة، تمثل بالنسبة إلى هؤلاء الأفراد أو تلك الجماعات مصلحة جوهرية مشتركة تربط بينهم. لذلك، عادة ما ُتعرفـُها الأدبيات السياسية بأنها "تنظيمات تستهدف التأثير فى صانعى القرار". فى هذا السياق، يأتى تعريف الرئيس الأمريكى ترومان بأنها "جماعة تشترك فى الاتجاه نحو مطالبة جماعات المجتمع الأخرى بمجموعة مطالب محددة، ويتم ذلك من خلال التأثير على مؤسـسات الحكومة"، وأيضا تعريف روى مكريدس بأنها "جماعات تجمعها مصلحة مشتركة، دائمة أو مستقرة تناضل باستمرار من أجل تعظيم مصالحها ومنافعها من خلال الضغط على الحكومة للحصول على المزايا والتنازلات والمساعدات، بل وعلى الدعم المباشر أو غير المباشر من قبل الحكومة" . فـى نفس الاتجاه، يجئ التأكيد على عنصر "استمرارية المصلحة" كشرط لقيام جماعة المصالح، فتعرف بأنها "مجموعة من الأفراد تسعى إلى تحقيق أهداف تتعلق بمصالح خاصة، عادة ما يكون لها صفة الاستمرار". يضافُ إلى ذلك، أن تلك الجماعات “تستخدم من الوسائل ما يمكنها من التأثير على الرأى العام والحكومة، وعلى عملية صنع القرار السياسى بوجه عام فى إطار سعيها لتحقيق مصالحها الخاصة . أما دولبير وأدلمان فهما يتجهان إلى التركيز بوجه خاص على عنصرى قوة المصلحة، واستمراريتها كشرطين أساسيين لقيام "جماعة المصالح"، وطبقاً لمفهومهما فإن الأفراد عادة "ما يتجهون للانضمام إلى تلك الجماعة للتعبير عـن مصالح مستقرة وقوية بدرجة كافية" .
    التمييز بين استخدامات كل من هـذه المصطلحات ُيظهرُ أن البعض مثل جان دانيل يذهب إلى استخدام تعبير "الجماعة الضاغطة Pressure Group " عندما تعمل "جماعة المصالح على الصعيد السياسى"، بينما يذهب برايس إلى إطلاق لفظ "اللوبـى" عندما يكون هدف جماعة المصالح متمثلا فى "إغراء البرلمان للتصويت مع أو ضد مشروع قانون ما"، أو كما يضيف بلانو وجرين برج تقديم المعلومات والحقائق الهامة حول المقترحات التشريعية، أو الإدلاء بالشهادة من قبل أعضاء وممثلى اللوبى أمام اللجان أو الهيئات التشريعية، ومن هنا كان إطلاق "المجلس الثالث “The Third House” على أعضاء ومؤسسات اللوبى. أما إدجار لانى فيضيف أن اللوبى "إنما يهتم بالتركيز على امتداد أعمال اللوبى إلى المؤسسات الحكومية تشريعية وتنفيذية، بينما يقصر برايس إطلاق تسمية اللوبى عندما يتعلق النشاط "بالأعمال التشريعية فقط". من هنا ان تفضيل بعض الأدبيات استخدام تسمية "جماعة المصالح" باعتبار أنه "لا توجد جماعة بدون مصلحة"، ومن ثم "فالمصلحة ملازمة للجماعة، بينما الضغط/اللوبى إنما يعبر عن "أحد ألوان النشاط الذى تمارسه الجماعة فى سبيل تحقيق مصلحة ما"، فضلا عن كونه- أى اللوبى- "نتاجا للثقافة الأمريكية ويمثل ميكانيزما خاصا بالنظام السياسى الأمريكى قد لا تعرفه بالضرورة الثقافات والمجتمعات الأخرى" .
    وفى النظم السياسية المعاصرة، فإن وجود جماعات المصالح على تنوعها وتباين توجهاتها يُعدُ من أهم خصائصها. فجماعات المصالح تُعدُ من بين أبرز مؤسسات المجتمع المدنى أو المؤسسات غير الحكومية فيها، وتتزايد فرصتها فى وجود مؤثر وفعال بتوافر مناخ أكثر ديموقراطية. وعادة ما يتجه عددها إلى الاضطراد بتزايد معدلات ومستوى التنمية. من هنا كان نموها وتقدمها أكثر وضوحاً فى المجتمعات الديموقراطية والصناعية أكثر من غيرها بوجه عام . ومع ذلك، فلا ينبغى أن ُيستنتج من ذلك اقتصار وجود جماعات المصالح على تلك المجتمعات الديموقراطية والصناعية، فتلك الجماعات توجد فى كل الدول ونظم الحكم: ديموقراطية أو ديكتاتورية، متقدمة أو نامية . أما القول بتزايد فرصة تواجد جماعات المصالح ونموها فى المجتمعات الديموقراطية ، فإنه يرتبط بآفاق التنوع والاتساع التى يتيحها امتداد المصالح فى تلك المجتمعات من جانب، إضافة إلى مناخ حرية العمل ومرونة الحركة التى يتيحها المجتمع ذاته، خاصة وأنه عادة ما لا يتمتع حيالها بقدر مماثل من التحكم والسيطرة على نحو ما يحدث مع الأحزاب السياسية. هذا فضلا عن تميز المجتمعات الديموقراطية بتوافر كثير من المتطلبات الضرورية لقيام جماعات المصالح وتطورها، والتى تتضمن:
    أ- وجود حكومات قوية تستوجب محاولة التأثير عليها: ذلك أن وجود الحكومة يعنى تنوعاً فى مضمون ومجالات السياسات والبرامج العامة المتنوعة. ومن ثم إتاحة الفرصة لوجود جماعات مصالح متنوعة، إن لم تكن أحيانا متباينة، فى تلك المجالات. وبالتالى فإن الدفاع عن مصلحة بذاتها أو سياسة بعينها يتطلب قيام جماعة مصالح تتولى الدفاع عنها والترويج لها. ومن هنا، يجىء الارتباط بين إنشاء جماعات المصالح وتعدد البرامج والأنشطة الحكومية.
    ب- مستوى عال من التنظيم والقدرة على الاتصال بمراكز صنع واتخاذ القرارات السياسية والتأثير على الرأى العام.
    ج- توافر بيئة مجتمعية مواتية تتصف بالحرية، والتنوع، والاستجابة التلقائية، والتطوعية، والاستقلال حيث تمثلُ تلك المقومات شروطاً ضرورية لقيام تلك الجماعات. الحريـة Freedom: تعنى توافر مناخ عام ييسر عمليات التنظيم والدعاية والإعلان من وجهات النظر الخاصة؛ التنـوع Diversity يفترض أن تلك الجماعات تمثل المصالح والقوى الاجتماعية المختلفة؛ قدرة الاستجابة Responsiveness بمعنى أن تلك الجماعات تنشأ لتستجيب تلقائيا لحاجات المجتمع، ولتعبر عن اهتماماته ومشكلاته المطلوب إيجاد حلول مناسبة لها؛ التطوعية Volunteerism حيث نشأة وتطور هذه الجماعات تعتمد وإلى حد كبير على الجهود التطوعية غير مدفوعة الأجر، وبمبادرة من الأفراد ذاتهم خارج الإطار الرسمى للحكومة؛ الاستقلال Independence ويعنى تمتع تلك الجماعات بالاستقلال عن بعضها البعض فى نشأتها وتطورها، كما أنها تكون أيضاً مستقلة عن الدولة .
    د– وأخيراً، فإن نشأة تلك الجماعات تكتسب وضعاً خاصا فى دول العالم الثالث: فهى تتأثر بقوة المصلحة واستمراريتها، كما أنها تتأثر بالخصائص العامة لتلك المجتمعات وعادة ما تتجه نحو التمركز حول العديد من المتغيرات مثل السن، والنوع، والعرف، والقرابة الاجتماعية، والتقاليد، إلخ. أهمية ذلك تتضح عندما يُؤخذُ فى الاعتبار الوزن النسبى المتزايد لهذه المتغيرات فى تحديد مفهوم المصلحة من جانب، ومن ثم درجة قوتها واستمراريتها من جانب آخر .


    المطلب الثانى: الأهداف والوظائف العامة

    على تعدد أنواعها، فإن الأهداف العامة التى تنشأ من أجلها جماعات المصالح عادة ما تندرج تحت أحد هدفين عامين؛ أولهما يختص بحفظ وحماية وتطوير وتعزيز مصالح الجماعة من خلال السعى نحو وضع اللوائح وصياغة القوانين والتشريعات المتعلقة بها، ووضعها موضع التطبيق الفعلى، وتحويل الحكومة سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى شريك فى تحمل مسئولية ذلك. أما الهدف الثانى، فيتمثل فى دعم وتعزيز التعديلات المطلوبة فى السياسات العامة موضع اهتمام الجماعة، وإزالة ما يعترضها من عوائق، والاحتفاظ بالوضع الراهن حالة كونه مواتياً ومناسباً لمصالح الجماعة.
    أما فيما يتعلق بوظائف جماعات المصالح، فإن تلك الجماعات تُعدُ بداية من أهم الفاعلين فى النظم السياسية. ذلك أن الفرد المهتم سياسيا يميل إلى المشاركة فى النشاط الجماعى الذى تزاوله جماعات المصالح بهدف التأثير على عملية صنع السياسات والقرارات الحكومية. وفى مجملها، تتضمن وظائف جماعات المصالح كلا من: أ ) صياغة المطالب والتعبير عن الاتجاهات السياسية؛ ب) الضغط للحصول على مكاسب مادية لأعضائها؛ ج) معارضة قرار أو سياسة ترى فيها إضراراً بمصالح أعضائها؛ د) التعبير عن رأى قطاع معين من الرأى العام حيال القضايا العامة؛ هـ) عمل دعاية لسياسة معينة .
    أما نجاح جماعات المصالح فى تحقيق أهدافها وزيادة فعالية وظائفها فإنه يتحدد بدوره على ضوء توافر خمس مجموعات من المقومات الذاتية للجماعة تتعلق بكل من:
    أ ) الخصائص الذاتية للجماعة مثل حجم العضوية، ومدى تماسك الجماعة، ودرجة اهتمام أعضائها بقضاياهم، وحجم مواردها المالية، وطبيعة الجهاز الفنى والإدارى للجماعة، ومدى تجانس النخبة القائدة؛ ب) الثقافة السياسية السائدة فى المجتمع، حيث ينعكس تجانس الثقافة السياسية السائدة على أسلوب عمل الجماعات فتتجه إلى العمل والتفكير من منظور قومى واسع. أما الثقافة السياسية المجزأة فتؤدى إلى قيام الجماعات بتمثيل تلك الانقـسامات أو التجزئة، وبالتالى تكريس الاختلافات السياسية؛ ج) طبيعة القضايا أوالسياسات المثارة، حيث تنشط الجماعات الأكثر اقترابا وارتباطا بقضاياها وموضوعاتها السياسية؛ د) درجة استقلالية الجماعة عن الحكومة والقوى السياسية الأخرى: فالجماعات القريبة من الدولة أو الأسيرة كما تسمى تتحول إلى أداة فى يدها ووسيلة تعبئة للجماهير؛ هـ) الإطار السياسى: ومدى مرونته في تيسيرعملية المشاركة السياسة فى، أو إعاقة الوصول إلى عملية صنع السياسة العامة.
    المطلب الثالث: أنواع جماعات المصالح

    توصيف جماعات المصالح فى مجموعات تحظى بالإجماع حولها يُعدُ أمراً تحول دونه أسباب عديدة كاتساع مجال المصالح، وتعدد أنواعها، والتباين فى خلفيات واهتمامات أعضاء تلك الجماعات..الخ. من هنا كان تفضيل الاتجاه لاستخدام بعض المعايير التى تحظى بالاتفاق العام مثل التنظيم، والدوام، وطبيعة المصلحة، وتوظيفها كأساس يمكن على ضوئه التمييز بين أنواع جماعات المصالح على النحو التالى :
    أولا: من منظور التنظيم الرسمى: تقسم الجماعات إلى جماعات مصالح رسمية، وأخرى غير رسمية. الأولى تتميز وتسود فى تنظيم معترف به كالنقابات، بينما تنتشر الثانية فى خارج الإطار غير الرسمى، مثل المافيا.
    ثانيا: أما معيار الدوام والتأقيت: فيقسم الجماعات إلى جماعات مصالح دائمة، وأخرى مؤقتة أو غير دائمة. الجماعات الدائمة تتكون دفاعا عن مصلحة أو قضية ذات وجود مستمر، بينما الجماعات غير الدائمة فتنشأ لأداء غرض محدد ثم تنحل بعد ذلك.
    ثالثا: فيما يتعلق بنوع المصلحة العامة: فيتم التمييز بين أنواع أربعة لجماعات المصالح: النوع الأول ويسمى جماعات المصالح الترابطية Associational Interest Groups: وتتكون من أجل مصالح أعضائها، ووظيفتها الأساسية هى التعبير عن المصالح وتوصيل المطالب إلى جهاز صنع القرار. ومن أمثلتها نقابات العمال، الجمعيات المهنية، تنظيمات الفلاحين، الغرف التجارية. أما النوع الثانى فيسمى جماعات المصالح المؤسـسـية Institutional Interest Groups: وهى لا تتكون بهدف التعبير عن المصالح، بل لتحقـيق أهداف أخرى. فالافتراض الرئيسى أنها لا توجد أساساً لتقدم مطالب أو التأثير على السياسات العامة، بالشكل الذى يحقق مصالحها الخاصة. أهم أمثلة هذه النوعية من جماعات المصالح تتضمن الجيش، البيروقراطية المدنية، البرلمان، الكنيسة، المسجد... وكما يبدو واضحا، فإن بعضا من هذه الجماعات له طبيعة حكومية رسمية، بل والمفترض فيها أنها تقوم على صنع وإدارة السياسة العامة، وليس لتعظيم منافعها الذاتية من هذه السياسات. وعلى الرغم من هذه الخصوصية، فإن هذه الجماعات تقوم على خدمة مصالحها الذاتية، كما أنها أحيانا ما تحاول التأثير على السياسة العامة بما يخدم هذه المصالح، وعلى سبيل المثال عند مناقشة الميزانية العامة/ العسكرية). وبدوره، فإن النوع الثالث فيطلق عليه جماعات المصالح غير الترابطية Non- Associational Interest Groups: وهى تتكون من مجموعة كبيرة من الأفراد الذين يشتركون فى سمة أو أكثر مثل الموقع الجغرافى أو الطبقة الاجتماعية، أو الديانة والأصل العرقى، واللغة أو السن. وتتشكل هذه الجماعات أساسا على أساس من الانتماءات والثقافات الفرعية المتميزة داخل المجتمع الواحد، وعلى نحو ما تنتشر هذه الثقافات الفرعية فى بلدان آسيا وإفريقيا، كما أن لها نظائرها فى الدول المتقدمة مثل كندا وفرنسا والولايات المتحدة. وعلى ذلك، وعند ممارسة نشاطها السياسى، يكون من المتوقع أن يترتب على ذلك نوع من التهديد للاستقرار السياسى، ذلك أن الاشتراك فى الأصل الاجتماعى يعتبر ركيزة تفوق فى قوتها المهنة التى يزاولها المرء. وأخيرا، فإن النوع الرابع يسمى جماعات المصالح الأنومية Anomic Interest Groups : وهى جماعات تظهر فجأة عندما تثور مشكلة معينة أو حينما يعانى الأفراد المطالبون بسياسة ما أو المعارضون لها إحباطا شديدا. من أبرز أمثلة تلك الجماعات تأتى المظاهرات وأعمال الشغب والتى ليس لها تنظيم دائم، وقد تعبر عن مطالب متناقضة وغالبا ما تلجأ إلى العنف. وعلى الرغم من قصر عمر تلك الجماعات، فإنها عادة ما تكون شديدة الخطورة، ويمكن أن تؤدى وبسهولة إلى انتشار العنف وتزايد القمع السلطوى. وعلى ذلك، فإن هذه الجماعات تختلف عن الجماعات الترابطية المصلحية من جوانب ثلاثة تتضمن أنها ترفض القيم الأساسية، وتتسم تكتيكاتها بالتلقائية والعنف، كما يميل نشاطها إلى السلبية، بينما تقبل الجماعات الترابطية المصلحية بالقواعد الأساسية للنظام السياسى، وبقيمه وبقواعد اللعبة السياسية فيها، ويندر أن تسعى لتغيير النظام، كما يتصف نشاطها بالإيجابية.

    المطلب الرابع
    آليات عمل جماعات المصالح


    بوجه عام، يمكن التمييز فى تلك الآليات بين كل مما يلى: أ) التمثيل المباشر: فى أجهزة صنع القرار وخاصة البرلمان والأجهزة التنفيذية؛ ب) المساندة الانتخابية: وتهدف إلى مساعدة مرشح ما على الفوز وإسقاط مرشح آخر، وقد تكون المساندة بالمال أو الرجال أو الدعاية أو الثلاثة معا؛ ج) الدعاية والمعلومات: ولها أهمية خاصة، فهى متاحة أمام كل أنواع الجماعات خاصة فى النظم الديموقراطية لإقناع الجماهير واستثارة اهتمامها بفكرة أو سياسة ما. ويُعُد إعداد وتقديم المعلومات لصانعى القرار أمر يساعدهم فى اتخاذ قرار يخدم مصالح الجماعة؛ د) إقامة علاقات خاصة مع الأحزاب؛ وهى علاقات تعرفها النظم الديموقراطية، وأهم صورها خلق كتل تشريعية داخل حزب أو أكثر لتدافع عن مصالح الجماعة؛ هـ) المساومات المستترة: ويتبع هذا الأسلوب فى شتى النظم السياسية، ويتطلب تنفيذه امتلاك إمكانية الوصول إلى مراكز صنع القرار، وتفضله اتحادات العمال ضمانا لسرية التفاوض حول النشاط الاقتصادى وكنوع من صمام الأمان لتجنب التناقضات الاجتماعية؛ و) استخدام العـنـف: وقد تلجأ إليه الجماعة كوسيلة للتعبير عن المطالب خصوصا إذا لم تستطع أن تفعل ذلك من خلال القنوات الشرعية .
    على ضوء ما سبق، ومن منظور المشاركة السياسية، فإن جماعات المصالح،-وبما تمثله من مجالات اهتمام، وبما توظفه من آليات-، تُـتيحُ أطراً بديلة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب قطاعات متسعة، سواءً من الأفراد أو المؤسسات، غير الراغبة فى أو غير القادرة على المشاركة السياسية الحزبية، كما توفر، وعلى الأقل نظريا، آليات لها أهميتها وفعاليتها المباشرة فى التأثير على صنع القرار، هذا فضلا عن مما تتسم به من براجماتية وجرأة فى التعامل لا تضطر معها للالتزام دائما بالقواعد الأخلاقية والمعنوية.



    fpe p,g [lhuhj hglwhgp ,hgsdhsm hgohv[dm hgHlvd;dm


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي جماعات المصالح فى النظام السياسى الأمريكى

    المبحث الثانى
    جماعات المصالح
    فى النظام السياسى الأمريكى


    فى السياق العام للنظام السياسى الأمريكى، وفى توجهاته المتزايدة نحو تبوأ دور القيادة الدولية ومسئوليتها، تبرز خصوصية وضع جماعات المصالح الأمريكية وتفرد دورها كأحد المدخلات الرئيسية الفاعلة فى العملية السياسية عامة، وفى مجال السياسة الخارجية لهذا النظام على وجه الخصوص. فجماعات المصالح تعبر فى مجملها عن "قطاعات منظمة من السكان، لديهم قيم ومعتقدات مشتركة يؤمنون بها وبشدة حول الموضوعات والقضايا السياسية، ولا يستطيعون تحقيقها بمفردهم. من هنا تبرز أهمية نشأة جماعات المصالح كاستجابة لاتجاه عام لدى الأمريكيين نحو الاتحاد وتشكيل جماعات أو أطر تنظيمية من أجل العمل الجماعى. كما أنها، وإن كانت لا تقدم وبشكل مباشر مرشحين عنها فى عملية الاقتراع، إلا أنها تلعب أدواراً هامة ومتزايدة فى التأثير على نتائج تلك الانتخابات تأييداً أو معارضةً لأولئك الذين يسعون إلى شغل المناصب العامة، وتشكيلاً وتوجيها للرأى العام، واستحواذاً على منافذ الوصول إلى صانعى القرار فى الحكومة. كذلك تلتقى جماعات المصالح، وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، مع قطاعات الرأى العام الأمريكى فى مواجهته للتطورات والتحديات الدولية التى تتطلب استجابات سريعة ومتواصلة، وضرورة أن تتسق هذه التطورات مع قـيم ومعتقدات الجمهور الأمريكى على اتساعه، وفى مواجهة انعكاسات ذلك على موضوعاتها المتنوعة وكيفية تأثيرها على صنع القرار السياسى الخاص بها14.
    على هذا النحو، تكتسب جماعات ومنظمات المصالح الأمريكية أهمية خاصة باعتبار طبيعتها التمثيلية التى "تسمح بالتفاعل بين الشعب والإدارة، واستخدام القوة السياسية فى تنفيذ العملية السياسية، أو التأثير فيها"، مستهدفة، وعلى نحو ما يذكر إلويتز، "التأثير على السياسة العامة بطريقتين رئيسيتين: الأولى من خلال مقابلة المشرعـين والموظفين العموميين؛ والثانية بممارسة الضغط على صانعى السياسة باستخدام أساليب غـير مباشرة بـما فى ذلك وسائل الإعلام"15. فيما يلى مناقشة لأبعاد هذه الخصوصية المتميزة لجماعات المصالح فى النظام السياسى الأمريكى، والتحديد بأهم أنواعها وآلياتها، وبيان طبيعة دورها على وجه الخصوص فى مجال السياسة الخارجية.
    المطلب الأول
    خصوصية جماعات المصالح
    فى المجتمع الأمريكى


    بوجه عام، يتميز المجتمع الأمريكى بالوجود المكثف والفعال لجماعات المصالح، والتى تشهد خلال السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظا فى نموها كماً ونوعاً، كما يبدو حرصها واضحاً فى اتخاذ مقارها الرئيسية بالقرب من دوائر صنع القرار فى العاصمة واشنطون من جانب، وبالقرب من كبريات مؤسسات الأعمال الكبرى والاتحادات وشركات الأعمال والتجارة16، خاصة وأن أكثر من نصف جماعات المصالح الرئيسية تتمركز مقارها فى العاصمة الأمريكية. هذا النمو العام لجماعات المصالح، وتزايد تأثيرها فى العملية السياسة الأمريكية يجد جذوره فى مصادر متعددة من أهمها ما يلى:
    أولا: طبيعة المجتمع الأمريكى كمجتمع مهاجرين: تجعل من الولايات المتحدة، وعلى حد وصف بعض الأدبيات "مجتمعاً من المهاجرين والمنضمين الجدد “Joiners” بما يعنيه ذلك من تنوع إثنى ودينى وثقافى للمجتمع الأمريكى، ومن ثم تنوع وتباين، بل واختلاف المصالح والاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لشرائح السكان والمواطنين الأمريكيين. ومن ثم، فإن الاستجابة المجتمعية التلقائية لهذه الحاجات تجىء، وفى جزء هام منها، متمثلة فى إنشاء وتكوين الاتحادات والجمعيات المتنوعة كقنوات أكثر ملائمة للتعبير عـن تلك الاهتمامات والمصالح، وكآليات للمشاركة الفاعلة فى الحياة العامة، والتأثير في السياسات الحكومية الخارجية والداخلية، عبر الضغط على مسؤولين فيها، أو التأثير في الرأي العام عبر وسائل الإعلام المتنوعة كقنوات للتأثير الجماهيرى الفعال، إضافة إلى تقديم الدعم المادي والمعنوى للمرشحين إلى المناصب المختلفة المهمة بدءً بالمناصب الحكومية الكبرى، ومروراً بعضوية مجلسي النواب والشيوخ، ووصولاً إلى رئاسة البلديات، وعادة ما يرتبط هذا الدعم بمواقف ورؤى المرشحين للقضايا التي تهتم بها وتعمل من أجلها جماعات المصالح أو الضغط17.
    ثانيا: طبيعة النظام السياسى: وما يكفله من ضمانات دستورية وحقوق وحريات سياسية يتمتع بها الأفراد والجماعات على حد سواء، كحرية التعبير والاجتماع والاعتقاد وحق التقدم بالالتماسات وما إلى ذلك من حقوق سياسية وضمانات دستورية شكلت الأساس القانونى والسياسى لقيام تلك الجماعات طبقا لقانون تنظيم جماعات الضغط الصادر عام 1946، والذى أصبح بموجبه ولكل جماعة بشرية أو مؤسـسة أو دولة أجنبية أن تنشئ جماعات ضغط محلية مسجلة باسمها فى الكونجرس، وتتدخل نيابة عنها فى أى سياسات عامة أو قرارات متعلقة بها، الأمر الذى اسهم بدوره فى إفساح المجال أمام جماعات المصالح لتمارس وبشكل قانونى وعلنى أدوارها ووظائفها فى العملية السياسية الأمريكية فى بعديها الداخلى والخارجى18.
    ثالثا: نظام الإدارة الفيدرالية وما يستند إليه من توزيع للسلطات والموارد بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات والمحليات، أوجد بدوره حاجة لوجود آليات مؤسسية ات تنظيم جيد، ومعترف بها، تستطيع من خلالها الجماعات المتنوعة على مستوى الولايات والمحليات، وبصفة خاصة، عندما تفشل فى تحقيق أهدافها على مستوى الولاية، أن تلجأ من خلالها إلى واشنطون فى محاولة للتأثير على أجهزة صنع القرار فى الحكومة الفيدرالية (التنفيذية والتشريعية والقضائية) أملا فى أن ُيكتب لها النجاحُ فيما لم تستطع تحقيقه على مستوى الولاية. من الأمثلة ذات الدلالة هنا حالة جماعات الحقوق المدنية، وحكم المحكمة العليا بعدم دستورية الفصل العنصرى عام 1954 19.
    رابعاً: النمو المضطرد للإدارة الأمريكية وجهازها الحكومى واتساع مجال وأنواع البرامج والأنشطة الحكومية وما يرتبط بذلك من تزايد الحاجة لإنشاء جماعات جديدة تتولى تنظيم الاستفادة من تلك البرامج والمخصصات ومقاومة ما قد يرتبط بها من تغييرات على مصالح بعض الفئات الخاصة. من أمثلة ذلك مجالات مثل تشريعات الأجور والتأمينات والمعاشات وخدمات الرعاية الصحية والاجتماعية وما شابهها20.
    خامساً: التطورات السريعة والمتلاحقة فى المجتمع الأمريكى اجتماعيا واقتصاديا وما صاحبها وترتب عليها من عمليات إعادة صياغة علاقات القوى والتوازنات بين فئات وشرائح المجتمع الأمريكى، والآثار المترتبة على الثورة التكنولوجية فى تيسير عملية الاتصالات، وسرعة تداول المعلومات، وإنشاء وتمويل ومتابعة أنشطة جماعات المصالح المختلفة كاستجابة للحاجات الجديدة التى تنشأ مرتبطة بتلك التطورات (على سبيل المثال قضايا المرأة، والعلاقات بالمجتمعات الأم للجماعات العرقية الأمريكية)21.
    سادسا: الفراغ الأيديولوجى وتصاعد أهمية جماعات المصالح: فى نطاق الممارسة الحزبية ارتبط هذا الشعور بالفراغ الأيديولوجى وغياب تنوع أيديولوجى جوهرى بين الحزبين الكبيرين، والانخفاض العام لمعدلات التصويت، والتضخم الرهيب فى تكاليف الحملات الانتخابية، وغيرها من مشكلات وأوجه قصور متزايدة، أسهمت مجتمعة فى دفع التحول باتجاه جماعات المصالح كمنظمات تمثيلية يمكن أن تلعب دورا سياسيا بديلا يعوض بعضا من قصور الممارسات الحزبية. ومن ثم لا يمكن إغفال تأثير هذا فى إتاحة الفرصة لجماعات المصالح لتمارس دوراً سياسياً فعالاً يملأ قدراً من الفراغ فى الحياة السياسية22، خاصة وأن نشأة تلك الجماعات قد ارتبطت بداية وفى جانب كبير منها بقضايا تلك الجماعات العرقية، والحاجة إلى رعاية مصالحها بالوطن الأم أو غيره من الدول التى يرتبطون بها بروابط نفسية وأيديولوجية. من بين أهم أمثلة هذا النوع، حالات اللوبى الصهيونى، ولوبى المصالح الأيرلندية، ومنظمات اللوبى الممثلة لدول شرق أوربا وغيرها فى الولايات الأمريكية المتعددة23.
    سابعا: تداعيات انتهاء الحرب الباردة: وتشير إلى حالة الاضطراب والجدل الفكرى للتوصل إلى تحديد ماهية المصالح الأمريكية لفترة ما بعد الحرب الباردة، وبناء إجماع قومى لمواجهة تداعيات تفكك الاتحاد السوفيتى وإختفاء الخطر الشيوعى، وما تبع ذلك من تفجر النزاعات والمشكلات الدولية المتعددة. فى ظل هذا المناخ -والذى شخصه صامويل هانتينجتون بأنه "تآكل المصالح القومية الأمريكية"-، والذى ساد تلك الفترة بالغة التعقيد فى السياسة الأمريكية 24، جاءت الفرصة مواتية لجماعات المصالح لتلج وبقوة إلى مجال السياسة الخارجية فى محاولة للإسهام فى وضع جدول أعمل للسياسة الخارجية الأمريكية، والتعامل مع الأبعاد الجديدة للتعدية الثقافية والأيديولوجية، وقضايا التجارة الدولية، والمشكلات العرقية، وإعادة تحديد مفهوم المصلحة الوطنية22.
    وهكذا، وعلى ضوء تلك الخصائص المميزة لبيئة جماعات المصالح الأمريكية، يتحدد إطار وجودها فى النظام السياسى، وتتنوع نماذجها وتتبلور حركتها فيه، وتنطلق طاقاتها إلى مقدمة الفاعلين الرئيسيين فى السياسة الأمريكية بمجالاتها الداخلية والخارجية، كما يتواصل تفاعلها السياسى من خلال منظومة وظيفية عامة خماسية المجالات تتضمن وظائف التعبيرعن المصالح؛ وضبط السلوك؛ وخدمة أعضاء الجماعات؛ والمشاركة فى صنع السياسة العامة؛ ووظائف التنشئة السياسية، فضلا عن مهام التجنيد السياسى وإعداد الكوادر والقادة"؛ وتقديم إطر الإنتماء والولاء لأعضائها؛ واستقطاب غير الراضين عن الأحزاب السياسية، أو عن أداء موظفى الحكومة عامة.

    المطلب الثانى
    جـماعات الـمصالح الأمـريكية:


    الأنواع والوظائف والآليات25
    1- الأنواع الرئيسية:

    تقدم جماعات المصالح الأمريكية، وعلى اختلاف مسمياتها، نموذجا متفردا باعتبارها أحد قوى المدخلات الرئيسية للعملية السياسية فى الولايات المتحدة. ففى مجملها تعكس بنية وتركيبة هذه الجماعات التنوع الديموجرافى الذى يميز المجتمع الأمريكى كمجتمع من المهاجرين؛ يمثلون خصائصه الاجتماعية والاقتصادية، كما تربطهم جماعات المصالح بكل ما تتميز به من تنوع هيكلى ووظيفى بوجه عام.
    محاولة التمييز داخل هذه التوليفة أو الصيغة المركبة والمعقدة لبنية جماعات المصالح الأمريكية توضح أنها تضم عشرات الآلاف من هذه الجماعات متضمنة أمثلة لكافة النماذج والثنائيات الهيكلية والوظيفية المتنوعة لجماعات المصالح: دائمة ومؤقتة، وجماعات الضغط العامة بكافة أنواعها، إضافة إلى جماعات الضغط الاتجاهية، وجماعات الضغط بين المؤسسات والهيئات الحكومية26.
    أولا: جماعات الضغط الاقتصادية Economic Pressure Groups: وينضوى تحتها عشرات الآلاف من الجماعات الممثلة لكل من: أ) اتحادات التجارة Trade associations ، ب) الاتحادات المهنية العمالية بأنواعها Trade Unions ، ج) المنظمات المهنية Professional Groups ، د) المؤسسات الخاصة العملاقة Giant Private Corporations..
    ثانيا: جماعات الضغط العامة Public Pressure Groups وتهتم بتمثيل جمهورها حول موضوع معين، وتتزايد أعدادها بشكل مستمر. كما أنها تعكس اتجاهات الأمريكيين حول الحكومة الفيدرالية، ويرجع تحول الأفراد إليها لاهتمامها الدائم بمتابعة موضوعات اهتمامهم، والسعى لتنفيذ ما يرغبونه من تغييرات، ومن أبرز أمثلتها جماعات المصالح المعرفة باسم القضية المشتركة Common Cause ومنظمة NADAR .من أبرز أمثلتها: أ) جماعات الضغط القطاعية Sectional Pressure Groups وتتخصص فى الدفاع عن وتعزيز مصالح جماعات اجتماعية معينة فى المجتمع الأمريكى، ومن أمثلتها منظمات الحقوق المدنية، وحق المساواة للمرأة؛ ب) الاتحاد القومى للسود أو الملونين NAACP والذى يرجع تأسيسه إلى عام 1909 بالدعوة إلى اتباع الإجراءات القانونية لدعم وتعزيز وتطوير حقوق وأوضاع الأمريكيين السود والعمل على تحقيق ذلك من خلال الكونجرس. وقد عانى هذا الاتحاد من تحول قدر كبير من مصادر تأييده إلى تأييد مؤتمر القيادة المسيحية للجنوب بقيادة مارتن لوثر كينج والذى ذاعت شهرته آنذاك فى ولايات الجنوب، وقد دعت تلك المنظمات الأمريكيين السود للدفاع عن حقوقهم والنضال من أجلها؛ ج) حركة الحقوق المتساوية للـمرأة Equal Rights for Women وقد استغرقت وقتا طويلا منذ مؤتمرها فى العشرينيات وحتى السبعينيات تنهض وتتطور وتؤسس المنظمة القومية للنساء والمعروفة اختصاراً (NOW) لتتولى تنظيم وتنفيذ الحملات المكثفة لحقوق أكبر وأوسع مجالا للمرأة، وبصفة خاصة فيما يتعلق بنوعية خاصة من تلك الحقوق مثل حق الإجهاض والتصديق على الحقوق المتساوية للمرأة من قبل كل ولايات الاتحاد.
    ثالثا: جماعات الضغط الخاصة بالاتجاهات أو الاتجاهية Attitude Pressure Groups وتعد من أسرع جماعات المصالح نموا فى الولايات المتحدة، مما دفع البعض لأن يعتبرها واحدة من أقوى جماعات المصالح فى الولايات المتحدة. وهى تعتمد على اشتراك أعضائها فى الإيمان ببعض المعتقدات والأهداف حول موضوع معين، والاعتقاد أن دورهم الأساسى، وبخلاف ممارسة الضغط على الكونجرس Lobbying Congress ، إنما يتمثل فى تعبئة التأييد الرسمى فى الدولة لما يعتقدون فيه، وكذلك حشد كل التأييد وراء المرشحين للمناصب العامة الذين يشاركونهم الإيمان بنفس المبادئ والمعتقدات.
    رابعا: جماعات الضغط بين المؤسسات الحكومية Intergovernmental Pressure Groups وقد تزايد الاتجاه لإنشائها ونمت أعدادها خلال عقدى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى نتيجة للنمو الهائل فى البرامج الفيدرالية، والمبالغ الضخمة التى تستثمر فيها، وما أتاحته من دور متزايد الأهمية لحكومات الولايات والمدن باعتبارها آليات للحكومة الفيدرالية ومؤسساتها فى واشنطون، الأمر الذى أوجد الحاجة لوجود مثل هذه المنظمات بالعاصمة ولتصبح فى قلب عملية اتخاذ القرار بالحكومة الفيدرالية، ولتتوافر لديها سرعة الحركة لتمثيل مصالحهم والتأثير فى صنع هذه القرارات بما يتفق وهذه المصالح27.
    2- الوظائف والآليات:

    فى مجملها، فإن وظائف جماعات المصالح تتضمن ثلاث مجموعات من الوظائف تشمل كل ما يتعلق: أ) بتمثيل المصالح على تنوعها؛ ب) والدفاع عن مصلحة معينة؛ أو ج) تعزيز مصالح بذاتها، سواء تعلقت هذه المصالح بأطراف داخلية محلية أو قومية، أو بأطراف خارجية كالدول أو الجماعات أو المؤسسات أو القضايا المعينة.
    وفى هذا الصدد، يؤكد دولبير وأدلـمان على حقيقة أن جماعات المصالح "تلعب دوراً هاماً فى كل مراحل العملية السياسية"، وأن هذا الدور، وكما يضيف الكاتبان، "عادة ما يتحقق تأثيره سواء على الفعاليات الحكومية، أو على المستويات التشريعية والتنفيذية والقضائية"، وذلك من خلال: أ) ممارسة الضغوط وصياغة التشريعات؛ ب) التأثير، ومن خلال الآليات المختلفة، على الأعمال التنفيذية والإدارية للحكومة؛ جـ) الظهور أمام المحاكم المحلية والقومية؛ د) التأثير على الانتخابات بتكتيل التعاطف خلف بعض المرشحين وحجبه عن الآخرين. ويضاف إلى ذلك وظائف إعداد الكوادر القيادية من جانب، والاستشراف المستقبلى لأبعاد وتطورات القضايا العامة وتداعياتها على اهتمامات هذه الجماعات. وهنا تجب الإشارة إلى الدور الخطير الذى تلعبه جماعات المصالح الخاصة والمعروفة باسم جماعات أو كتائب التفكير Think Tanks 28
    وفى أدائها لهذه الوظائف، فإن الوسائل والآليات التى تستخدمها جماعات المصالح تتصف بالتعدد والتنوع والتداخل فيما بينها من جانب، كما أن وجودها فى مناخ ديموقراطى تعددى يتيح أمامها فـرصة أكبر ومجالا أرحب لحرية اختيار واحدة أو أكثر من آليات ووسائل عملها التى تتضمن: أ) التنظيم السياسى؛ ب) الاتصال المباشر بالحكومة؛ ج) الاتصال المباشر بالهيئة التشريعية؛ د) الإعلام والدعاية للتأثير فى الرأى العام، هـ) التهديد والابتزازواللجوء إلى العنف.
    أ- التنظيم السياسى: ويتضمن التوظيف السياسى لقدرات وإمكانيات وموارد جماعة المصالح بما يدعم ثقلها السياسى، ويعظم فرصتها فى تحقيق أهدافها الخاصة المتعلقة بالسياسة العامة فى مجال نشاطها والمجالات المؤثرة على مصالحها. من أبرز الآليات فى هذا الخصوص محاولة التأثير على الانتخابات، وإلقاء ثقلها وتأييدها ومواردها وراء بعض المرشحين وضد البعض الآخر وتعبئة الناخبين وبما يتفق والقواعد القانونية المحددة، ومن ثم يصبح هؤلاء المرشحون فى حالة فوزهم أكثر استعداداً والتزاما بالدفاع عن مصالح تلك الجماعات والعمل على تنميتها.
    ب- الاتصال المباشر بالحكومة: لتقديم الخبرة الخاصة لجماعات المصالح المعنية بموضوع محدد، أو لتبادل وجهات النظر والتنسيق المسبق بصدد سياسة معينة، أو موضوع محدد، وبما يسهم فى تحقيق مصالح الطرفين، ويقلل من فرص الصدام العلنى أو المياشر بينهما. وغالبا ما يتم ذلك على المستويات المختلفة للحكومة، وطبقاً لجهة الاختصاص باتخاذ القرار المؤثر على مصلحة الجماعة ويستهدف هذا الاتصال اتخاذ القرار المناسب لأهداف الجماعة بصدد القضية أو الموضوع المثار.
    ج- الاتصال المباشر بالهيئة التشريعية: لإتاحة فرصة الاستفادة من الخبرات التشريعية الخاصة بجماعات المصالح بصدد تشريع معين أو مشروع قانون بذاته، وبما يُدعم فرصة الوصول إلى صيغة توفيقية، أو للإدلاء بشهادة، و تقديم معلومات، أو حتى لممارسة ضغوط، من أجل تعزيز المصالح الخاصة لتلك الجماعة.
    وعادة ما يحدث هذا الاتصال قبل سن التشريع أو إصدار القانون، أى أثناء إعداده، وبذلك تتاح الفرصة للجماعة لزيادة إيجابيته وتحجيم سلبياته على مصالحها. كما قد يجىء الاتصال بين الطرفين لاحقا على إصدار القانون أو العمل بتشريع معين، ومن ثم، فإن الهدف فى هذه الحالة قد يتمثل فى محاولة الإقناع بإدخال بعض التعديلات، أو بإصدار تشريع آخر يكون من شأنه تخفيض حدة تأثير القانون السابق، أو إلغائه، أو على الأقل تحييد آثاره السلبية على مصلحة الجماعة، أو تجميده عمليا.
    الوسائل التى تلجأ جماعات المصالح لاستخدامها فى هذا السياق عادة ما تتصف بالتنوع من حيث مشروعيتها. فقد تكون وسائل مشروعة مثل إقامة الحفلات وما إلى ذلك، وقد تكون غير مشروعة مثل تقديم الهدايا، وعرض أو تقديم الرشاوى، أو اللجوء إلى الضغط المباشر من خلال اتباع الأساليب غير الأخلاقية مثل إطلاق الشائعات، واختلاق الوقائع،.... الخ.
    وفى كل الأحوال، فإن اللجوء إلى استخدام أى من هذه الأساليب أو غيرها، إنما يتم بزعم استهداف تحقيق مصالح الجماعة وتعزيز فرصها عند إصدار التشريعات. وهنا تجدر الإشارة إلى أن جماعات المصالح قد تنشئ مكاتب متخصصة للقيام بعملية الاتصال هذه، ولتوفير الأبحاث والدراسات الفنية اللازمة لدعم وجهة نظرها، وتقديم بدائلها المقترحة لأعضاء الهيئة التشريعية عند اقتضاء الحاجة ذلك.
    د- الإعلام والدعاية: وتهدف إلى دفع الرأى العام لدعم وجهة نظر الجماعة، وحشد التأييد العام ورائها، وكسب التعاطف معها، ومن ثم، تعزيز ودعم الضغوط على أجهزة صنع القرار تشريعية، كانت أو تنفيذية، ليصدر قرارها مواتيا لرغبات الجماعة، وأكثر اقترابا من تحقيق مصالحها وأهدافها.
    الوسائل التى تستخدمها جماعات المصالح لإحداث هذا التأثير متعددة مثل إصدار الكتب والنشرات، وتنظيم اللقاءات العامة، والمحاضرات، وحلقات النقاش وورش العمل، واستخدام وسائل الاتصال الجماهيرى مثل الصحافة، الإذاعة، التليفزيون، والمؤتمرات والندوات، وشبكةالمعلومات لصياغة الرأى العام، أو إعادة توجيهه وتعبئته وحثه على إظهار تأييده لمطالب أو مواقف هذه الجماعات. ومن العوامل ذات التأثير فى هذا الاتجاه أن عديداً من جماعات المصالح تمتلك صحفها الخاصة، والتى تستخدمها وفى المقام الأول لإقناع كل الأفراد - داخل وخارج الحكومة- بمصداقية وجهة نظر الحماعة، وحشدهم لدعم وتأييد مصالحها29. إضافة إلى أن جماعات المصالح كثيرا ما تلجأ إلى اقتراح الأساليب التى ينبغى على الرأى العام استخدامها مثل البرقيات، المظاهرات، وقوائم التوقيعات ... الخ، كوسائل للضغط على الحكومة لتبنى الموقف المؤيد أو المتفق عليه مع مصالح تلك الجماعة.
    هـ – التهديد والابتزاز واستخدام العنف لممارسة الضغط المباشر على صانع القرار للتصرف بما يحقق مصالحها، أو على الأقل للامتناع عما قد يلحق الضرر بهذه المصالح. ويتضمن ذلك تنظيم حملات كتابة خطابات التأييد أو المعارضة لبعض السياسات أو حتى لبعض المواطنين الرسميين، وتنظيم المظاهرات والمسيرات لتعبئة المواطنين ضد بعض السياسات أو الشخصيات العامة الرسمية، لجعلهم عرضة للابتزاز والتهديد بل وهدفا لممارسة العنف بشكل شخصى ضدهم. أما تنظيم الإضرابات وأعمال العنف كوسيلة فهى تتخذ عدة صور كإبطاء العمل، إعاقة الطرق العامة ومنع المرور عليها ، التأثير على الأسواق وإحداث تأثيرات مصطنعة عليها، خاصة فى مجال الأسواق المالية … ويتمثل الهدف فى ممارسة نوع من الضغط المعنوى والمادى على الأشخاص أو المؤسسات المستهدفة ودفعها لتقديم التنازلات المطلوبة أو حتى اضطرارهم للاستقالة ومن ثم التخلص منهم30.
    وهكذا، ومع تعدد تلك الآليات وتنوعها، فإن هناك اعتبارات خاصة لها أهميتها فى التأثير على فاعلية تلك الوسائل، ومن ثم على قدرة الجماعة فى تحقيق أهدافها. من أهم هذه المتغيرات التوجه العام لعلاقات جماعات المصالح مع المؤسسات الحكومية العاملة فى مجالات اهتماماتها، وطبيعة العلاقات مع الجماعات الأخرى ومستوى التفاهم مع المتعاطفة أو المعادية ودرجته ما بين التعاون إلى التنافس وصولاً إلى الصراع، إضافة إلى قدرة الجماعة على الاحتفاظ بمستوى معلوماتى إخبارى عال لدى أعضائها، وبالتالى مدى استعدادهم الدائم لتوفير التأييد والدعم الدائمين للجماعة عند الاحتياج إليه.
    3- نماذج مؤسسية لجماعات المصالح الأمريكية:

    أ- نموذج اللـــوبـــى:
    يرتبط اصطلاح اللوبى بخبرة الممارسة التاريخية للمواطنين عند الاتصال بممثليهم التشريعيين وانتظارهم خلال ذلك فى الردهات خارج قاعات التشريع. ومن الناحية الرسمية، فإن هذا اللفظ يطلق على الشخص أو الجماعة التى تتولى رسميا وبأجر تمثيل إحدى جماعات المصالح. وفيما يتعلق بخبرة الممارسة العملية، فإن كثيرين ممن لعبوا هذا الدور كانوا أعضاء سابقين فى المجالس التشريعية، ويسعون إلى الاستفادة من خبرتهم التشريعية السابقة فى إقناع المشرعين الحاليين بالتصويت لصالح أو ضد مشروع قانون ما، أو إقناع الأجهزة التنفيذية بأن أحد البرامج المعينة مرغوب فيه ومطلوب، أو أن آخر لا تتوافر فيه شروط مثل هذا القبول.
    ومن أبرز الأساليب التى يتبعها ممثلو منظمات اللوبى: أ) إجراء المقابلات الخاصة مع المسئولين الحكوميين وتقديم المعلومات المطلوبة؛ ب) القيام بالشهادة أمام لجان الكونجرس والأجهزة التنفيذية؛ ج) مساعدة المشرعين فى وضع مسودات القوانين أو اللوائح أو تقديم المشورة القانونية؛ د) إقامة علاقات اجتماعية مع المشرعين كسبا لثقتهم (موائد الطعام والشراب،الحفلات، الهدايا،..)؛ هـ) تقديم المذكرات الموجزة ممن يطلق عليهم "صديق المحكمة"، وتتضمن عرضا موجزا للقضايا محل النزاع مقدمة من طرف ثالث بهدف التأثير على قرارات القضاه فى قضية معينة تنظرها المحكمة؛ و) مناقشة ما يمكن فعله أو تقديمه من خدمات أو إسهامات للحملات الانتخابية للمشرعين.
    إضافة إلى ما سبق، تقوم منظمات اللوبى بنشر ما يسمى "تقييم المشرعين"، متضمنا إعطاء درجة معينة لكل مشرع اعتماداً على مجمل أدائه العام (التصويت، التصريحات الإعلامية، والمواقف والتوجهات المعلنة، المناقشات، ..) ومدى ما يعكسه من اتفاق أو اختلاف مع وجهات النظر الخاصة لجماعة المصالح المعنية. ومن ثم، يُعدُ هذا التقييم من أهم الوسائل المباشرة ذات التأثير الفعال على السياسة العامة حيث يستخدم كأداة للثواب والعقاب تجاه المشرعين، وكمحدد لاختيارات الناخبين وتحديد قراراتهم عند الاقتراع بكل مستوياته، فضلا عن تأثيره على إتاحة أو منع موارد الدعم المالى من الجماعة لتأييد أو معارضة مرشح بعينه31 .
    ب) لجان العـمل السـياسـية 32
    فى جوهرها، فإن لجان العمل السياسية (PACs) أو كما يطلق عليها الباكس تقدم نموذجا للارتباط الوثيق بين قوة المال والسياسة. فهي منظمات تنشأ لتجميع تبرعات الأفراد والمؤسسات التابعة لجماعات مصالح أمريكية معينة وتوجيه هذه التبرعات لمساندة أعضاء الكونجرس والسياسيين المنتخبين المساندين لها. ومن هنا تجئ علاقتها بجماعات المصالح، وتتضح أسباب الاهتمام بهذه اللجان، وكذلك بدورها فى مساندة مرشحى الجماعات المساندين لقضاياهم لعضوية الكونجرس.
    وقد جاء إنشاء هذه اللجان مع بداية السبعينيات، فى إطار محاولة لتقنين علاقة المال بالسياسة، وإبرازها على سطح الممارسة السياسية. فـفى إطار قانون حملات الانتخابات الفيدرالية لعام 1972، وتعديلاته عام 1974، تم تحديد سقف المساهمة المالية بخمسة آلاف دولار من كل متبرع إلى اللجنة الواحدة، وبخمسة وعشرين ألف دولار إلى لجان العمل السياسية ككل. كما حدد القانون أيضا سقف مساهمة اللجنة إلى مرشح سياسى واحد بما لا يتجاوز أكثر من عشرة آلاف دولار للمرشح لمقعد الحزب أو فى الانتخابات العامة، وألا تتجاوز تبرعات الأفراد المباشرة إلى السياسيين أكثر من عشرة آلاف دولار فى كل دورة انتخابية. كذلك، فقد تم تحريم المساهمة المالية المباشرة للمؤسسات الاقتصادية والاتحادات العمالية في الانتخابات الوطنية، والسماح لها بالمساهمة فيها من خلال تلك اللجان، على أن تحرص فى عملها على الشفافية والالتزام بالقانون. ويشترط القانون قيام لجان العمل السياسية بالتسجيل مع لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC)، لتقوم بدورها بمراقبة عمل لجان العمل السياسية، وتقديم تقارير مفصلة عن الأموال التي قامت بتجميعها، والتبرعات التي قدمتها للمرشحين، إلى جانب التقارير التى يلتزم بتقديمها المرشحون إلى اللجنة الفيدرالية عما حصلوا عليه من تبرعات من لجان العمل السياسية.
    وكمؤشر على النمو السريع للجان العمل السياسية، فقد شهدت نهايات التسعينيات تضاعف عدد لجان العمل السياسية حوالى سبع مرات ليقترب من الأربـعة آلاف لجـنـة (3844) في عام 1998، بينما كان عددها خلال عام 1974 حوالي 608 لجنة. كما بلغ حجم إنفاقها ما يقدر بحوالي 217.8 مليون دولار أمريكي في عامي 1995-996، بعد أن كان 87.6 مليون دولار أمريكي في دورة عامي 1981-1982. وطبقا لدرجة ارتباطها أو استقلالها عن جماعات المصالح المساندة لها، تنقسم لجان العمل السياسى إلى لجان مرتبطة أو تابعة، وأخرى غير مرتبطة. لجان العمل المرتبطة تقوم بإنشائها وإدارتها وتحمل أعباء ذلك مؤسسات أو جماعات مصالح معينة، يكون من مسئوليتها أيضا تلقى وجمع التبرعات وتحديد أوجه إنفاقها. النوع الثانى فيتميز بالاستقلالية المالية والإدارية عن جماعات المصالح الكبرى المنشئة والمساندة لها، وهى تسمى لجان العمل السياسية غير المرتبطة، ولذا فهى تتمتع بإمكانية تجميع التبرعات بغض النظر عن انتماء المتبرع من عدمه لجماعة المصالح الكبرى المساندة للجنة.
    إضافة إلى ذلك، فهناك المعايير المعتادة لتقسيم لجان العمل السياسية طبقا لعلاقاتها بجماعات المصالح إلى مجموعات خمس من لجان العمل السياسية تمثل: 1) مصالح رجال الأعمال؛ 2) مصالح الاتحادات العمالية؛ 3) مصالح جماعات المصالح المهنية؛ 4) لجان العمل السياسية الأيديولوجية، 5) كبار السياسيين الأمريكيين.
    وعلى ضوء ذلك، تحدد هذه اللجان الخطوط العامة الحاكمة لتفضيلات إنفاق المساهمات المالية التى تتلقاها أو تتضمن القواعد التالية:
    1- تجنب المخاطرة وتوخى الحرص السياسى بمنح تبرعاتها لأعضاء الكونجرس القدامى الساعين إلى الحفاظ على مقاعدهم، كنوع من الرهان على المرشح السياسي الأقرب للفوز الانتخابات وعدم تفضيل المغامرة بأموالها وتبرعاتها بمنحها إلى سياسيين جدد.
    2- ترشيد الإنفاق وتعظيم فائدته المتوقعة بدعم الانتخابات الأقل تكلفة: تطبيقا لذلك، فإن انتخابات مجلس النواب، وهى أقل تكلفة عن انتخابات مجلس الشيوخ، وتعد أكثر اعتمادا على أموال لجان العمل السياسية، حيث ترتفع تكلفة حملات انتخاب مجلس الشيوخ نسبيا بشكل يصعب معه الاعتماد بشكل رئيسى على أموال لجان العمل السياسية. ففي المتوسط تساهم لجان العمل السياسية بحوالي 31 % من تكلفة حملات أعضاء مجلس النواب الانتخابية، بينما تساهم بحوالي 16 % فقط من نفقات حملات أعضاء مجلس الشيوخ الانتخابية.
    3-الاتجاه لدعم السياسيين المنتمين إلى أحزاب بعينها: فعادة ما تتجه لجان العمل الممثلة لرجال الأعمال إلى مساندة الجمهوريين، بينما تميل لجان العمل السياسية الممثلة لمصالح اتحادات العمال إلى مساندة مرشحي الحزب الديمقراطي.
    4- دعم السياسيين المسيطرين على مراكز صنع السياسات والقرارات الهامة بغض النظر عن خلفياتهم الحزبية: فعلى سبيل المثال فقد توجهت 54 % من تبرعات لجان العمل السياسية التابعة للشركات الاقتصادية الكبرى إلى المرشحين الديمقراطيين فى الكونجرس في عام 1994، وعندما استعاد الجمهوريون سيطرتهم على الكونجرس في انتخابات نوفمبر 1994 عاد إليهم دعم وتأييد لجان العمل السياسية الممثلة لرجال الأعمال.
    5- استهداف بعض أعضاء اللجان ذات الأهمية بمجلسي النواب والشيوخ، مثل لجان الاعتمادات المالية والشئون الاقتصادية: وفي هذا السياق تهتم الجماعات المسلمة والعربية الأمريكية والجماعات الموالية لإسرائيل بالتأثير على أعضاء لجان العلاقات الخارجية والشؤون الدولية بمجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين.
    6- في ظروف خاصة تتجه اللجان إلى مساندة السياسيين الساعين إلى تمرير قوانين هامة لها، وفي المقابل قد تتوقف هذه اللجان عن دعم هؤلاء السياسيين إذا عجزوا عن تمرير القوانين المنتظرة.
    وهكذا، وعلى ضوء ما سبق من خصوصية تميز موقع ودور جماعات المصالح فى النظام السياسى الأمريكى، وما أوضحته الخبرة المتعلقة بأنواع ووظائف وآليات هذه الجماعات بنماذجها المتعددة، يتضح أن من بين أهم العوامل المحددة لنجاح أو فشل جماعات المصالح فى تحقيق أهدافها وتعزيز مصالحها يأتى كل من نمط التفاعل بين المتغيرات المتضمنة لنوعية المصلحة أو المصالح التى تمثلها، وحجم ونوعية الموارد المتاحة والقدرات التنظيمية والمهنية للجماعة، إضافة إلى الفرص التى تتيحها أو القيود التى تفرضها بيئة تفاعل الجماعة مع قضية بذاتها فى توقيت معين.



  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي دور جماعات المصالح فى السياسة الخارجية

    المبحث الثالث
    دور جماعات المصالح فى السياسة الخارجية


    المطلب الأول
    جماعات المصالح وصنع السياسة الخارجية


    فى مراجعته لنتائج استطلاعات الرأى لرؤية المواطنين للأدوار الفاعلة والمؤثرة والأهداف العامة للسياسة الخارجية الأمريكية خلال فترتى السبعينيات والثمانينيات، لاحظ جون رايلى أن رؤية معظم الأمريكيين لا زال يشوبها قدر من عدم الوضوح حول السياسة الخارجية صناعة وأهدافا. فبينما اعتبر كل من الجمهور والقادة ان الرئيس هو الفاعل المسيطر وأنه يلعب "دوراً فى غاية الأهمية “a very important role” (75% من الجمهور، 91% من القادة)، وبينما جاء دور وزير الخارجية 63% للجمهور، 83% للقادة، فإن الكونجرس قد جاء دوره "مهما جدا" عند القادة بنسبة 45%، بينما كان تقدير الجمهور له أكثر انخفاضاً، 14% فقط. كذلك، فقد كانت هناك نسبة مرتفعة "مازالت مقتنعة بأن الولايات المتحدة مازالت، وكما كانت 1945، قوة من أجل الخير فى العالم"، فى الوقت الذى "لم يغير فيه الأمريكيون رأيهم حول التدخل الأمريكى فى فيتنام"، فقد اعتبر 72% منهم أنه "كان أكبر من مجرد خطأ"، وأنها "كانت خطـأً أساسياً وأخلاقيا". إضافة إلى ذلك، فقد رأى معظم الأمريكيين أن "السياسة الخارجية ذات تأثير رئيسى على اقتصاد الولايات المتحدة.. فى مجالات أسعار الطاقة، قيمة الدولار فى الخارج، البطالة فى الداخل". واتساقا مع ذلك، فقد حدد الجمهور الأمريكى أولوياته لأهداف السياسة الخارجية لتعكس امتدادا لأهداف ذات صلة بأوضاعه الداخلية مباشرة مثل "حماية وظائف العمال الأمريكيين، تأمين إمدادات كافية من الطاقة، رفع قيمة الدولار…"، وقد جاءت هذه الأهداف فى أولوية أعلى من أهداف ضبط التسلح أو احتواء الشيوعية، أو تعزيز الديموقراطية، وتعزيز حقوق الإنسان فى الدول الأجنبية..33.
    وعلى ضوء ذلك، تبدو أهمية تحديد الملامح الرئيسية لدور كل من هذه القوى الفاعلة فى مجال السياسة الخارجية من حيث ارتباطه بجماعات المصالح، خاصة وأن صنع وتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية تعد "وظيفة الرئاسة والبيروقراطيات الرئيسية، كما يشارك فيها ومن الناحية العملية التنظيم الحكومى الأمريكى ككل".
    أ-الـرئـيس:
    يستمد دور الرئيس، وكذلك الرئاسة أو السلطة التنفيذية، أهميته من نظرة الدستور إلي الرئيس وصلاحياته، وكذلك من خبرات المنصب التى تتراكم بمرور السنين، وكاستجابة للمتغيرات الدولية والمحلية فى الولايات المتحدة نفسها. فالرئيس الأميركي دستوريا هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية بكافة فروعها. من هنا كانت صفته بأنه "جنرال مدني يخضع له جنرالات عسكريون في السلم والحرب.."34. ومن الناحية العملية، فإن الرئيس كمنصب تتنوع التصورات حول دوره وأهميته. فهو - وكما وصفه لويس براونلو فى كتاب "دين اتـيشسون عن سنواته فى وزارة الخارجية الصادر 1969- "قائـد ديموقراطى…فهو لا يقرر الأشياء وفقا لرغباته". وفى وجهة نظر الرئيس الأسبق تيودور روزفلت، " الرئيس ممثل للشعب، يعمل بنشاط وإصرار بكل ما يستطيع للشعب ولا يجنح إلى السلبية فى عدم استخدامه قدراته ومواهبه فى خدمة منصبه"، " وفى علاقتهم بالكونجرس، فإن الرؤساء "رؤساء لكل الشعب". وباعتباره شاغل وظيفة الرئاسة، فإن الرئيس "هو الذى يحدد كيفية ممارسة السلطة، وكيفية استخدام نفوذه، واختيار قضاياه ومساعديه لتحقيق أهدافه الشخصية". وأخيراً، فإنه وباستثناء جورج واشنطون، فإن كل الرؤساء يجب عليهم أن يعيشوا فى ظل ما قام به الرئيس السابق عليهم مباشرة، وفى نفس الوقت يجب عليهم أن يتركوا بصمتهم على وظيفة الرئيس". فكلهم عليهم أن يتعايشوا مع الجهاز الذى تعامل مع الرئيس السابق، ومع نفس التقاليد التى يجب أن يساهموا فيها بطريقة أو بأخرى، خاصة وأن "السلطة والمسئولية التى يخولها الدستور للرئيس ربما كانت أكبر مما يتمتع به أى رئيس ينتخب بالأسلوب الديموقراطى فى دولة حديثة 35.
    وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، يضاف إلى ما سبق من تصورات حول مكانة ودور الرئيس، حقيقة أن الأمريكيين قد اعتادوا النظر إلى رئيسهم باعتباره الرمز الذي يلتفون حوله ويوجهون أبصارهم وأفئدتهم إليه بصفة خاصة وقت الأزمات والملمات، كما أنه ومن الناحية العملية يستند إلى وجود العديد من الأجهزة والوكالات المتخصصة (مثل وكالة الاستخبارات المركزية والمخابرات الفيدرالية) إلى جواره لتعينه على أداء مهامه بشكل مقنع وصحيح. وهكذا، فالرئيس، يعد المسئول الأول عن السياسة الخارجية، وبالتالى فإنه وبهذه الصفة قد يصبح طرفا أصيلا سواء للتعاون أو المواجهة فى مقابل جماعات المصالح الساعية إلى تحقيق مصالحها التى تقع فى نطاق اختصاص السياسة الخارجية. وفى كل الأحوال، فإن الرئيس يقوم بإدارة السياسة الخارجية يساعده فى ذلك وزير الخارجية، وبدون تدخل كثير من الكونجرس إلا عند الضرورة.
    ب- الكونجرس والسياسة الخارجية:
    الكونجرس هو ثانى أكبر المؤسسات الأمريكية ذات التأثير الكبير بعد الرئيس في مجال السياسة الأمريكية. فإلى جانب سلطاته الدستورية الداخلية الكثيرة36 ، فإن له حق "السلطة المطلقة" لإعلان الحرب ويُعدُ من أهم السلطات والصلاحيات المهمة الممنوحة للكونجرس. وعلى الرغم من كون الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وله صلاحيات واسعة فى الأمور العسكرية، إلا أن دور وأهمية الكونجرس فى مجال السياسة الخارجية قد أخذا فى التزايد منذ حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت، حيث جاء إصدار قانون سلطات الحرب 1973، مـؤشراً قويا على تحول الكونجرس للوقوف في وجه مؤسسة الرئاسة وتصديه لاغتصابها لهذا الحق "حق الحرب" من الكونجرس، ومحاولة تقييد صلاحيات الرئيس، وضرورة رجوعه إلى الكونجرس في القرارات الإستراتيجية. إضافة إلى ذلك، فإن للكونغرس بمجلسيه ولجانهما صلاحيات وقدرات تمكنه من التأثيرعلى مجريات السياسة الخارجية-سلبا أو إيجابا- بإعاقة أو بتأييد كثير من مشاريع الرئيس وأولوياته، بل والوقوف له بالمرصاد والتدخل في سياسته الخارجية. يحدث ذلك من خلال ممارسة الكونجرس لسلطاته فى الإشراف والرقابة الـتشريعـيـة ( كفحص أداء السلطة، وتقصي الحقائق) والتى تعد قيوداً حقيقة على سلطة الرئيس فى هذا المجال.
    وهناك أيضا دور الكونجرس من خلال لجان مجلسيه (لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، ولجان القوات المسلحة ولجنة المساعدات ولجان والاستخبارات)، فى التأثيرعلى قرارات الرئيس في برامج السياسة الخارجية، وبرامج المعونة الخارجية بوجه خاص باعتبارها واحدة من أهم آليات السياسة الخارجية. ومن خلال الاتصال بقيادات وأعضاء اللجان، وتقديم المعلومات والأبحاث، وممارسة الضغوط على اللجان التشريعية والأجهزة التنفيذية، والتأثيرعلى الرأى العام وتعبئته، فإن دور جماعات المصالح يبدو واضحا وأكثر فاعلية فى التأثير على أعمال هذه اللجان، ومن ثم تزايد فرصتها فى توجيه قراراتها باتجاه خدمة أهداف هذه الجماعات. وعلى سبيل المثال، فإن خبرة لجنة المساعدات الخارجية تقدم نموذجا شهيراً لتوظيفها -كأداة للثواب والمكافأة، أو للعقاب والردع- واستخدام المساعدات الخارجية بأنواعها كوسيلة لمكافأة حلفاء الولايات المتحدة فى الخارج، أو لمعاقبة مناوئيها وردع خصومها المعارضين لسياساتها.
    ج- جماعات المصالح وصنع القرار الأميركي:
    تنشأ جماعات المصالح كآليات للتأثير في سياسات الحكومة عبر الضغط على مسؤولين فيها، أو التأثير في الرأي العام عبر وسائل الإعلام والخطب والبيانات، إضافة إلى عمليات تقديم الدعم المالي للمرشحين إلى المناصب المختلفة المهمة بدءاً بالمناصب الحكومية الكبيرة ومروراً بعضوية مجلسي النواب والشيوخ وانتهاء برئاسة البلديات. النمو المذهل والمضطرد فى عدد جماعات المصالح كان له دور بالغ فى تزايد فرصة ومجالات تأثيرها فى صنع وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية. بل إن هذا التأثير قد تجاوز، فى رؤية البعض، حدود ونطاق العملية الانتخابية ذاتها، فقد أصبحت جماعات المصالح إحدى المدخلات الرئيسية الفاعلة التى تتحدد على ضوء إسهامها ومشاركتها عملية صنع السياسة الأمريكية، خاصة وأن ما تمنحه تلك الجماعات من صور دعم وتأييد إنما تتحدد عادة تبعاً لمواقف ورؤى المرشحين لعدد من القضايا التي تهتم بها وتعمل من أجلها جماعات المصالح أو الضغط37.
    وفى توجيهها للأجندة السياسية للإدارة الأميركية في اتجاه يحقق مصالحها الخاصة، فإن جماعات المصالح أو جماعات الضغط تعتمد على طبيعة نظام اتخاذ القرارات في النظام السياسى الأمريكى، والذي يقوم على مجموعة من الضوابط والتوازنات، مما يشجع جماعات المصالح الراغبة على السعي نحو الحصول على منافع معينة عند القيام بإقرار الاعتمادات المالية في الكونجرس، ومن ثم نشوء نوع من العلاقة القائمة على المصالح المتبادلة بين الكونجرس والاجهزة التنفيذية في الإدارة الأميركية من جهة، وبين جماعات المصالح الخاصة من جهة ثانية.
    ومما يضيف إلى قوة تلك الجماعات وتأثيرها التزايد المستمر فى نـمو أعداد المنظمات غير الحكومية التي أخذت فى الظهور منذ السبعينيات وما تزال أعدادها تتزايد لتبلغ نسبتها بحلول الثمانينيات إلى اكثر من عشرين بالمائة من مجموع جماعات المصالح الساعية إلى التأثير على عملية سن القوانين والتشريعات في الكونجرس. وبصرف النظر عن اهتمام هذه الجماعات بالتعبير عن مصالح اجتماعية وبيئية والدفاع عن مصالح المستهلكين تمييزا لها عن مصالح رجال الأعمال في القطاع الخاص، إلا هذا الاختلاف لا ينسحب على الأساليب التي تتبعها تلك المنظمات فى سعيها لتحقيق مصالحها أو للحصول على التمويل المطلوب.
    وفى هذا السياق، فإن جماعات المصالح عادة ما تستمر فى استثمار ذلك دعما لمصادر قوتها وإمكاناتها من خلال التأييد القوي الذي تمنحه تلك الجماعات للنواب بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية. أهمية ذلك تتضح عندما نأخذ فى الاعتبار ما يذكره كينيث دبليو دام من أنه في مقابل كل عضو من أعضاء الكونجـرس الأميركي البالغ عددهم الإجمالي 535 عضوا، يوجد 38 عنصرا من عناصر جماعات الضغط المسجلة، والذين توجد تحت تصرفهم مخصصات تصل إلى 7 و2 مليار دولار أميركي تستخدم سنويا للإنفاق للضغط على أعضاء الكونجرس38.
    د- وسائل الإعلام:
    وهى من القوى ذات الخصوصية والتأثير الفاعل على عملية صنع القرار الأميركي داخليا وخارجيا. فهناك نسبة غير ضئيلة من الأميريكيين تحصل عبر هذه الوسائل، وعلى تنوعها، على معلوماتها ومدركاتها عن حكومتهم وسياساتها الداخلية، وعن القضايا والمشكلات الخارجية والموضوعات الدولية ذات الصلة بالسياسة الخارجية الأمريكية وبالعلاقات الدولية بوجه عام. ومن هنا، تبرز أهمية دور وسائل الإعلام كمدخل رئيسى للسياسةالأمريكية داخليا وخارجيا.
    ومع تعاظم إمكانيات التقدم التكنولوجى فى تقنيات الاتصال الحديثة والمعلومات وانهيار الحواجز والحدود التقليدية التى طالما أعاقت بشكل جوهرى الانتشار غير المقيد للإعلام والاتصال، فقد توثقت الصلة بين مؤسسات ووسائل الإعلام ودوائر الأعمال والمصالح الخاصة عبر ما تتيحه الأولى من آفاق غير محدودة لتحقيق أهداف وغايات الثانية. ومن هنا فارتباط جماعات المصالح بوسائل الإعلام متعدد الأغراض والمجالات: فالإعلانات التجارية، وعلى سبيل المثال، أصبحت ورقة ضغط شديدة التأثير في وسائل الإعلام، ليس فقط في تكييف الأخبار والموضوعات بحيث تصب فى مجملها باتجاه خدمة وجهات نظر بذاتها (سياسية، أيديولوجية..) أو مصالح معينة (استراتيجية، اقتصادية، عرقية،..) لتلك الجماعات ولأهدافها على المستويات المحلية والقومية والدولية، مما أتاح الفرصة لتوظيف قدرات وسائل الإعلام تأييدا أو معارضة باتجاه واحدة أو أكثر من تلك المصالح، وهو ما يثير التساؤلات حول تأثير وموضوعية تلك الوسائل فى تشكيل توجهات الرأى العام بصدد القضايا والمشكلات القومية فى أبعادها الداخلية أو الخارجية على حد سواء.
    مما سبق، يتضح تعددية القوى السياسية ذات التأثير على السياسة الخارجية. وعلى الرغم من تنوع مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، وما يستتبعه ذلك من تنوع فى سبل وأساليب الإدارة، إلا أن هذا لا يمنع من اتفاقها، إن لم يكن إجماعها، حول أهدافها القومية الكبرى كدعم القدرات والمكانة والقيادة الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة، وتأمين مصادر الطاقة، ونشر قيم ومثل النموذج الأمريكى فى الخارج والحفاظ عليها، فضلا عن الأهداف المرتبطة بعلاقتها الخاصة بإسرائيل.

    المطلب الثانى
    نماذج لخبرة الجماعات فى السياسية الخارجية


    أولا: خبرة الجماعات الإثنية:
    من منظور السياسة الخارجية، فإن للبعد الإثنى وجهين؛ إيجابى وسلبى. البعد الإيجابى للتنوع الإثنى يتعلق بكونه مصدراً دائما لإثراء التنوع فى الحياة والثقافة الأمريكيتين. فهذا التنوع يمثل نبعاً متجددا دائم التدفق يضخ مصادر وطاقات الإبداع فى بنية النظام السياسى الأمريكى، ويعيد نشرها بما يحافظ على تميز وخصوصية النموذج الأمريكى39. أما الجانب السلبى فيرتبط بما يثار حول تأثر دور هذه الجماعات فى السياسة الخارجية بمشكلتى الولاء بالنسبة لأعضائها، وفقدان التماسك والتضافر أو اختلال التوازن بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية. مشكلة الولاء والانتماء تشير إلى صورة محتملة من ثنائية أو ازدواج الولاء والانتماء لدى الأقليات العرقية؛ فـهم كمواطنين أمريكيين من المفترض أنهم يدينون بالولاء والإنتماء لوطنهم الجديد الولايات المتحدة، بينما استمرار تمسكهم بخصائصهم وروابطهم الإثنية والعرقية مع أوطانهم الأم التى هاجروا منها، وتواصل اهتماماتهم بمشكلاتها وقضاياها، يولد لديهم نوعا من التطلعات والتوقعات، وخاصة فى أوقات الأزمات، بأن تقوم السياسة الأمريكية بدور إيجابى لمساعدة تلك المجتمعات وإحداث نوع ما من التغيير فيها. وفى أفضل الأحوال، فقـد تقتصر تداعيات ذلك إلى فرض أعباء جديدة، أو حدوث نوع من التوريط غير مرغوب فيه للسياسة الخارجية الأمريكية.
    وبصورة ما، فقد ساعدت طبيعة المجتمع السياسى الأمريكى على استمرار هذا التوتر أو التشتت فى مشاعر إنتماء مواطنيها من المهاجرين الجدد. فالمنظومة الأمريكية تقوم على إعلاء قيم الحرية والتعددية واحترام المبادرة الفردية ..، وهى فى مجملها تساعد ليس فقط على استمرار احتفاظ أعضاء مواطنيها من المهاجرين الجدد بمقومات هويتهم العرقية الأصلية (كاللغة والمعتقدات الدينية والتقاليد، وغيرها) بل أنها تدفعهم أيضا- وللصعوبات التى تواجه اندماجهم فى وطنهم الجديد (قلة الخبرة، حاجز اللغة، نظم وظروف العمل، أنماط الحياة الجديدة، ارتفاع الأعباء الاقتصادية، ..)- باتجاه تقوية هذا الوعى الإثنى لدى أعضاء تلك المجتمعات (ظهور التجمعات والأحياء السكانية العرقية بالعديد من ولايات المهجر الأمريكية، والنمو التدريجى لمصادر قوتها الاقتصادية الاجتماعية داخل وخارج هذه المجتمعات، ومع إدراك هذه المجتمعات لحقوقها وفرصها السياسية فى المجتمع الأمريكى الجديد، تنمو مصادر وأشكال القوة السياسية الذاتية لهذه الجماعات، وتصبح بما لها من قوة تصويتية هدفا للتنافس بين القيادات السياسة الحزبية وغيرها للاستفادة من أصواتها ومواردها. وفى المقابل تثار قضايا ومشكلات الأوطان الأم، ويتم إقحامها فى سياق البرامج والحملات الانتخابات والمنافسة السياسية، بصرف النظر عما يترتب على ذلك من التزامات وانعكاسات على المصالح القومية الأمريكية، بالإضافة إلى تزايد الفرصة لاختلال التوازن بين الجماعات الإثنية ذات النصيب الأكبر من مصادر القوة العددية والتنظيمية على حساب غيرها من الجماعات.
    أما المشكلة الثانية، فإنها تشير إلى الخسارة المرتبطة بفقدان مستوى التماسك والتضافر والتجانس المفروض توافره فى السياسة الخارجية الأمريكية. يبرز هذا التهديد عندما تسعى إحدى جماعات المصالح ذات التركيز الاستراتيجى المعتمد أساسا على جماعات المهاجرين من أصول إثنية معينة إلى دفع السياسة الخارجية إلى تبنى أولويات ومواقف معينة تخدم وبالدرجة الأولى مصالحها الإثنية بصرف النظر عن درجة اتساق ذلك مع الأهداف القومية للسياسة الخارجية ككل. وفى سبيل ذلك، فإن تلك الجماعات تلجأ إلى تشجيع الوعى الإثنى للمهاجرين الجدد، وتتنافس فى إظهار التعاطف معها، وتقديم الخدمات والتسهيلات لأعضائها، بل إن الأمر قد وصل، وعلى حد وصفه السيناتور جيمس ماتياس إلى "بداية تقاليد سياسية مريبة ومشكوك فيها كالدعوة لسياسة الانفصال والأحادية، وإلى الإهمال المتتالى للأهداف الأمريكية المشتركة، ومصالح كل الأمريكيين .... مما يتناقض مع فلسفة "بوتقة الانصهار"، ويسهم فى إعادة ظهور الاختلافات العرقية مرة ثانية وزيادة حدتها على الرغم من التغييرات الجذرية التى حدثت فى حياة الجيلين الثانى والثالث من المهاجرين"40.
    وبوجه عام، ففـيما يلى بعض من نماذج الخبرة العملية للسياسة الخارجية الأمريكية مع بعض جماعات المصالح ذات الأصول الإثنية المتعددة لكل من شعوب ودول أوربا الشرقية السابقة، أيرلندا، اليونان وتركيا، بالإضافة إلى الخبرة التقليدية لجماعات اللوبى الإسرائيلية والعربية فى الولايات المتحدة.
    1-جمعية الأمم الأوربية الأسيرة: Assembly of European Captive Nations-ACEN

    وكانت قد تأسست عام 1954 متخذة شعاراً لها "الحرية والاستقلال الكامل لكل شعوب وسط وشرق أوربا" الواقعة آنذاك تحت السيطرة السوفيتية. وفى سياق التنافس الحزبى على أصوات الناخبين، ُقدم إلى الكونجرس مشروع قرار أعد مسودته الدكتور ليف دوبراينسكى الأستاذ بجامعة جورجتاون، والذى عرف بتخصصه فى حماسه وتبنيه لقضايا شرق أوربا، مقترحا الموافقة على إقامة أسبوع لهذه الشعوب تضامناً معهم ومع حقهم فى التمتع بالحرية والاستقلال. وقد تضمنت قائمة الدول التى اشتملت عليها مسودة القرار كلا من الدول الشيوعية المستقلة رسميا فى شرق أوربا، إضافة إلى كل من أوكرانيا، وأرمينيا، وجورجيا، وبيلاروسيا، والتى كانت تعد أجزاءً من لاتحاد السوفيتى نفسه"، مما دفع الاتحاد السوفيتى إلى أخذ هذا القرار بالجدية اللازمة على الرغم من كل أنواع التطمينات التى صدرت عن كل من الرئيس أيزنهاور، ونائبه آنذاك ريتشارد نيكسون الذى كان فى زيارة إلى الاتحاد السوفيتى41.
    وعلى الرغم من الحرص الأمريكى الرسمى على التأكيد على أن القرار لايخرج عن الطبيعة الروتينية لمثل هذه القرارات، إلا أن الحساسية والجدية الزائدة التى تناول بها الاتحاد السوفيتى هذا القرار قد أظهرت أن القرار قد أحدث نوعاً من توريط الولايات المتحدة الأمريكية فى علاقاتها مع الاتحاد السوفيتى، اضطر معه الرئيس أيزنهاور إلى أن يدلى بتصريحات وتأكيدات "استبعدت قائمة الدول الأسرى، وحذفت أى وعود باتخاذ إجراءات لتأمين تحريرها". كما اضطر ريتشارد نيكسون - نائب الرئيس آنذاك- وأثناء زيارته الرسمية لموسكو للاعتذار عن هذا القرار، والإلحاح على تأكيد طبيعته الروتينية كأى قرار مماثل عن الكونجرس، وعدم مسئولية الرئيس أو نائبه عن صدوره، مؤكدا أنه من غير المعقول أن تكون الإدارة على علم بمضمون مثل هذا القرار وترتيبات إصداره فى الوقت الذى يقوم فيه بزيارة للاتحاد السوفيتى تستهدف دعم وتطوير العلاقات بين الدولتين.
    المحصلة النهائية لهذا القرار، ورد الفعل السوفيتى تجاهه، واستمرار جهود جماعات المصالح المعنية ورابطة جماعة الأمم الأسيرة لدفع الولايات المتحدة للاستمرار فى تبنى أهداف هذا القرار، وعلى ضوء خبرة التدخل العسكرى السوفيتى السابقة على القرار فى بعض هذه الدول، برزت الصعوبة الحقيقية فى قيام الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات ذات طبيعة عسكرية فى مواجهة الاتحاد السوفيتى دون المخاطرة بحرب عالمية ثالثة. ولذا، فقد تمثلت محصلة هذه التفاعلات فى إعاقة جهود التهدئة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، وبدلا من ذلك، فإنها قد أسهمت بدورها فى تغذية توجهات الحرب الباردة بين البلدين. أقصى ما ترتب على هذا القرار تمثل فى بعض إجراءات بتأجيل منح وضع الدولة الأولى بالرعاية ليوجسلافيا فى أوائل عام 1960، وإلغاء بعض عقود مقاولات كبيرة فى 1964 بين شركة فايرستون للمطاط وبين حكومة رومانيا، فضلا عن إعاقة مبادرة الرئيس جونسون لبناء الجسور مع أوربا الشرقية.
    2- حالة الجماعات الأيرلندية/ الأمريكيةAmerican Irish Community

    تعد جماعات المصالح الأمريكية الإثنية الأيرلندية الأقدم بين نظيراتها الأمريكية. وهى جماعة اشتهرت بخبرتها التاريخية فى الابتزاز، بينما تواضع إنجازها خاصة فيما قبل الحرب العالمية الأولى، مقارنا بقدرتها على إثارة المشكلات فى العلاقات الأمريكية البريطانية بعد الحرب الثانية. ففى الفترة الأولى، تشابه موقف الأيرلنديين الأمريكيين مع نظرائهم الألمان فى المقاومة الشديدة للتدخل الأمريكى فى الحربين العالميتين، ومن المحتمل أنهما قد ساهمتا، وعلى نحو مايرى ماثياس، بالفعل فى تأجيله.
    وفى الفترة السابقة على مؤتمر السلام فى باريس، وأثناء انعقاده، كثفت جماعات المصالح الإثنية الأيرلندية ضغوطها فى الكونجرس وعلى الرئيس الأمريكى ويلسون لتأمين حكم أيرلندى ذاتى “To secure Irish Home Rule..” لبلادهم. وإزاء استمرار ضغوط الكونجرس المستمرة آنذاك، وافق الرئيس ويلسون على سفر وفد أمريكى أيرلندى إلى أيرلندا، إلا أن سلوك أعضائه، وما قاموا به خلال تلك الزيارة بإلقاء الكلمات الحماسية ضد بريطانيا، ووصف سلوكها بالوحشية، قد أثار مشكلات جديدة فى العلاقات البريطانية الأمريكية، مما أدى إلى أن يفقد الرئيس الأمريكى صبره إزاء "ممارساتهم السيئة وأدائهم السياسى البائس" على حد وصفه، مع أنه كان وفى الوقت ذاته مدركا لحقيقة أن المسألة الأيرلندية ستظل عقبة تحول دون إنشاء علاقة صداقة قوية مع بريطانيا ما لم تتم تسويتها تماما42.
    إزاء تواصل ضغوط الجماعات الإثنية الأيرلندية، فقد تزايد مناخ الشكوك وتآكل الثقة بينها وبين الإدارات الأمريكية المتتالية. فمن جانبه، انتقد الرئيس روزفلت ولأكثر من مرة ما اعتاد وصفه "بالتوجهات الانعزالية الشديدة للجماعات الأيرلندية، ومعارضتها لسياساته". ومع دخول القوات البريطانية إلى أيرلندا الشمالية عام 1969 لقمع العنف هناك، وفشل البريطانيين فى التوصل إلى تسوية للصراع بين الكاثوليك والبروتستانت فى ألـستر، فقد تزايد اهتمام الأمريكيين من أصل أيرلندى بتطورات هذا الصراع، وبالتالى زيادة ضغوطهم على ممثليهم فى الكونجرس بمجلسيه.
    ومنذ عام 1979، فإن ضغوط المجتمع الأيرلندى الأمريكى ممثلة بكل من المؤتمر القومى الأيرلندى The Irish National Caucus ولجنة العمل السياسة الخاصة بالشئون الأيرلندية، قد تبلورت فى اقتراحات وخطوات محددة إلى الإدارات الأمريكية، تضمنت ما يلى: أ) مقترحات لقيام المسئولين الأمريكيين بالتوسط لحل النزاع فى ألـستر ؛ ب) ضغوط لتأجيل مبيعات الأسلحة أو تعليقها لقوات الشرطة فى أيرلندا الشمالية؛ ج) إصدار تصريحات متتالية بنفاذ الصبر الأمريكى تجاه النزاع، والتى عادة ما كانت تستقبل بكل برود فى لندن؛ د) مقترحات محددة وحملات مشتركة من قيادات الحملة المؤيدة لأيرلندا، والتى عرفت منذ عام 1979 بالفرسان الأربعة وهم كل من السيناتور كيندى، ومويهان، وأونيل، والحاكم كارى، والتى اتهمت الحكومة البريطانية بالإهمال والتراخى فى مواجهة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان هناك؛ هـ) مواصلة إصدار التحذيرات من قبل تلك القيادات الأربعة المذكورة للمجتمع الأيرلندى الأمريكى من الاستمرار فى تمويل الجيش الإقليمى "غير الشرعى" فى إشارة للجيش الجمهورى الأيرلندى43.
    وبوجه عام، فقد استمرت المشكلة فى إحداث اجواء من التوتر فى العلاقات الأمريكية البريطانية من آن لآخر، كما تزايدت الاتهامات البريطانية من آن لآخر لكل من المؤتمر القومى الأيرلندى، ولجنة العمل السياسية بمساندة الجيش الجمهورى الأيرلندى ودعم أحداث العنف فى أيرلندا، الأمر الذى كان له أثره فى تراجع التأييد لهما، خاصة وأن الحجم الحقيقى لإنجازهما يبدو أقل كثيراً مما قد يوحى به حجمها.

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي الجماعات اليونانية والتركية والأزمة القبرصية

    3- الجماعات اليونانية والتركية والأزمة القبرصية

    لهذه الحالة أهميتها الخاصة فيما تبرزه من تعدد أطراف جماعات المصالح واللوبى التى اشتركت فيها. حيث لعب تداخل المصالح المشتركة بين كل من اليونان وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة دورا بارزا فى تشكيل توجهات جماعات المصالح الأمريكية تجاه هذا النزاع، وبالتالى على الطريقة التى تمت إدارته بها.
    يتميز المجتمع اليونانى الأمريكى بامتلاكه للعديد من صفات التنظيم الجيدة ومقومات النجاح الأساسية لجماعات المصالح. فالجماعة الإثنية اليونانية تتصف بالتنظيم الجيد، والتركز فى المناطق الحضرية بحيث يمثلون فيها تجمعات تصويتية هامة ومؤئرة، والتماسك الداخلى الشديد بين أعضائه، والنشاط السياسى الملموس فى كل من الحزبين الجمهورى والديموقراطى، إضافة إلى التمثيل الجيد فى دوائر الأعمال. كما أن أفراد هذه الجماعة تتميز بوجود مشاعر قوية وحقيقية تجاه مشكلاتهم المجتمعية، وخاصة مشكلاتهم مع تركيا فى جزيرة قبرص44.
    ولليونانيين الأمريكيين لوبى إثنى قوى يستطيع أن يقوم بعملية التعبئة من أجل قضيتهم، ومن ثم كان لهم اليد العليا فى واشنطون حيث نجح فى استغلال انتهاك الأتراك لقانون المساعدات العسكرية الأمريكية، وقيامهم باستخدام الأسلحة الأمريكية فى غزوهم للجزيرة القبرصية عام 1974، وقد استغل اللوبى اليونانى فرصة تأسيس "المعهد الهلينى الأمريكى" ليدير حملة ناجحة استطاعت استصدار قرار من الكونجرس بفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى تركيا اصبح ساريا اعتباراً من 5/2/1975.
    وقد تمثلت أبرز الوسائل التى لجأ إليها اللوبى اليونانى الأمريكى فى تعبئة الجماهير والرأى العام؛ ممارسة الضغط على نوابهم فى الكونجرس لإرسال البرقيات والرسائل وإجراء المكالمات التليفونية والاتصالات والقيام بالزيارات الشخصية للنواب وممثليهم. وعموما، فإن هذا النجاح لم يدم طويلا،فقد نجحت جماعات المصالح الإثنية التركية بدورها، ومن خلال استثمارها للعلاقات التركية الأمريكية فى إطار الأطلنطى، وبالتعاون والتنسيق مع اللوبى الإسرائيلى فى واشنطون، نجحت فى تكثيف الضغوط على الإدارة الأمريكية حتى تم إلغاء الحظر بشكل جزئى فى أكتوبر 1975، ثم إلغائه كليا فى صيف 1978.
    أما الجماعة الأمريكية ذات الأصول الإثنية التركية فإنها تتفوق عدديا على نظيرتها اليونانية، إلا أنها لا تماثلها فى امتلاك باقى خصائص القوة والتفرد المتعلقة بها كإحدى الجماعات الإثنية الأمريكية. ومع أن اليونان عضو بالناتو مثل تركيا، إلا أن تركيا وبكل المقاييس المادية تمثل أهمية استراتيجية جوهرية للمصالح القومية الأمريكية وللناتو فيما يتعلق باستراتيجية إحتواء الخطر السوفيتى (آنذاك)، ومنه إمتداد نفوذه إلى جنوب المتوسط، ودور الجيش التركى بعدده قرابة نصف المليون جندى، والقواعد العسكرية والتى تمكنها من الحصول على المعلومات المخابراتية الحساسة عن القوة والأنشطة العسكرية السوفيتية45.
    وقد ترتب على حدوث انقلاب 1974 العسكرى فى جزيرة قبرص، والمدبر بمساندة الحكومة اليونانية، تدخل الحكومة التركية عسكريا فى الجزيرة، مما أدى إلى انفجار الموقف فى السياسة الداخلية للولايات المتحدة، خاصة مع الاستغلال الناتج لهذا الحدث من قبل اللوبى اليونانى الأمريكى، مركزا على خرق تركيا لمقتضيات قانون المساعدات العسكرية الأمريكية باستخدامها لتلك الأسلحة فى غزوها للجزيرة القبرصية. وقد تصاعدت حملات اللوبى اليونانى الأمريكى فى الضغط على الكونجرس، مستغلة فى ذلك تأييد ومساندة اللوبى الأرمنى، مما حدا بالكونجرس إلى إصدار قراره السابق الإشارة إليه بفرض الحظر على تصدير الأسلحة الأمريكية لتركيا، والذى أصبح سارى المفعول اعتبارا من الخامس من فبراير 1975، وجاء الرد التركى فى اليوم التالى متمثلا فى قرارها بإغلاق (26) قاعدة وموقع للتصنت على أراضيها.
    وهنا يجىء دور جماعات المصالح الإسرائيلية واللوبى اليهودى الأمريكى ليقوم، وبالتنسيق الهادىء والمنظم، مع لوبى جماعات المصالح التركية لتأييد إدارة الرئيس فورد لتستمر فى جهودها لتأييد إزالة أو تعديل شروط الحظر على تركيا، والتى حققت نجاحا فى أكتوبر عام 1975 حيث صوت الكونجرس بالموافقة على رفع جزئى للحظر عن بيع الأسلحة لتركيا. ثم تواصلت جهود التنسيق بينهما، اللوبى اليهودى واللوبى التركى، باتجاه دوائر الكونجرس حتى تم التخفيف من إجراءات الحظر خلال العامين التاليين (75/1977)، إلى أن قام الكونجرس بإلغائها تماما فى صيف 1978. الروابط والمصالح الإسرائيلية بهذه الحالة ترتبط بالآثار السلبية التى عانت منها إسرائيل من إغلاق قواعد ومراكز التصنت بالأراضى التركية، خاصة وأن تلك المراكز كانت قد أثبتت قيمتها المرتفعة لإسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973، ومن ثم كان إغلاقها خسارة كبيرة لإسرائيل، ومن ثم لم يكن فى مصلحتها استمرار هذا الوضع.
    وبوجه عام، فقد كان لقرار الحظر أثره السلبى على العلاقات الأمريكية التركية لفترة غير قصيرة، وإلى أن أعلن الرئيس الأمريكى جيمى كارتر فى مؤتمر صحفى يوم 14 يونيو 1978 "أن رفع الحظر كان القرار الأكثر إلحاحا فى السياسة الخارجية الأمريكية أمام الكونجرس"46.

    ثانيا: خبرة جماعات المصالح الاقتصادية:
    مما لاشك فيه أن دور ومكانة جماعات المصالح الاقتصادية فى النظام الأمريكى لها خصوصيتها وأهميتها التى تحظى باتفاق واهتمام جميع القوى داخل النظام السياسى الأمريكى وخارجه. بالإضافة إلى إمكانياتها ومواردها الاقتصادية، وبالتالى أهميتها وقدراتها السياسية، فإن هذه الجماعات تتميز، ومن منظور السياسة الخارجية، بضخامة عددها وتنوعها الكبيرين، فهى تضم ممثلين لكل مجالات النشاط الاقتصادى بلا استثناء مثل الشركات والاحتكارات البترولية الكبرى، كبريات شركات الطيران العالمية، مؤسسات الخدمات والرعاية الصحية، المؤسـسات المالية والبنوك، شركات الأسلحة، المجالات الزراعية، مقاولات مشروعات ومنظومات الدفاع والتسلح والاتصالات،…إلخ.
    كذلك، فإن جماعات المصالح الاقتصادية، وما يرتبط بها من تداخل فى المصالح، وتشابك فى الأطراف، وتناقض فى المواقف والتوجهات، إنما يفتح الباب واسعا أما الأطراف المعنية لممارسة كل أنواع التحالفات، واستخدام وتوظيف كل آليات الضغط المادى والمعنوى لعقد الصفقات وتبادل المصالح والمواقف فى منظومة أداء معقدة يصعب الوقوف على أبعادها الحقيقة دون معلومات كافية وقدرة على التخيل والتحليل، وعلى نحو ما تبرزه خبرة الصفقة الشهيرة بصفقة الأواكس، والتى تم إقرارها لصالح المملكة العربية السعودية بفارق ضئيل فى الأصوات 52-48 سيناتور.
    صفقة الأواكس السعودية: ترتبط هذه الصفقة بإدارة الرئيس ريجان التى خططت عام 1981 لعقد صفقة قيمتها 5, 8 بلـيـون دولاراً من مبيعات الأسلحة للملكة العربية السعودية. وقد تضمنت الصفقة خمس طائرات أواكس بخزانات الوقود لطائراتها المقاتلة من طراز F-15، وطائرات إعادة الإمداد بالوقود، وأكثر من ألف صاروخ جو/جو. وفى ظل قانون ضبط صادرات السلاح الصادر 1976، فإن للكونجرس الحق فى عدم الموافقة على أى صفقة سلاح تبلغ قيمتها أكثر من 25 مليون دولار.
    وإزاء المعارضة المؤكدة من قبل الكونجرس، فقد اضطرت المملكة العربية السعودية أن تدخل معركة فعلية واستخدمت فيها كل القنوات الممكنة والمتصورة والتى يتيحها النظام الأمريكى لتأمين الموافقة على هذه الصفقة (قنوات العلاقات الرسمية وغير الرسمية، الصلات بدوائر الأعمال والمال وكل شركات الأعمال صاحبة المصالح مع المملكة، وشركاء الأعمال الذين يتعاملون معهم، وأعضاء الكونجرس فى مقار دوائرهم ومكاتبهم، وحملات الاتصالات التليفونية وإرسال البرقيات، وإرسال العرائض والالتماسات، ..بمضمون واحد ووحيد يطالب بالموافقة على الصفقة استنادا على مبررات من أن الصفقة أمر اقتصادى بحت، وأنها تدعم الاستقرار فى إقليم الشرق الأوسط لأهميته لمصالح للولايات المتحدة، والحفاظ على علاقات الصداقة والتعاون مع المملكة، حفاظا على المصالح الذاتية للأطراف المشاركة فى الحملة، استجابة لضغوط شركاء الأعمال،……).
    من هنا كان النظر إلى صفقة طائرات الأواكس للملكة العربية السعودية كنموذج أداء متفرد شاركت فيه منظومة متكاملة من جماعات المصالح وممثلى اللوبى المعتمدين ورموز سعودية، بالإضافة إلى الاستخدام الفعال والتوظيف الكفء للعديد من آليات الاتصال والتأثير والضغط والابتزاز والتهديد تأمينا للحصول على موافقة الكونجرس على الصفقة، والتى تمت موافقة السينت أو مجلس الشيوخ عليها فى الثامن والعشرين من أكتوبر 1981 بأغلبية 52 صوتا ضد48 صوتا.47
    أهمية هذه الصفقة متعددة الدلالات فيما يتعلق بدور جماعات المصالح والسياسة الخارجية. فقد قدمت دليلا واضحا على أهمية وتأثير قوة علاقات التحالف بين دوائر الأعمال الأمريكية وشركائهم الأجانب (فى هذه الحالة المملكة العربية السعودية)، والدور المشترك الذى تلعبه المصالح الذاتية لكل من الطرفين، وأهمية أن توضع هذه المصلحة، وبشكل أو آخر، فى إطار من التماهى والارتباط مع المصلحة القومية. إضافة إلى ذلك، فقد أبرزت هذه الصفقة الدور الاستراتيجى الذى يمكن أن تقوم به دوائر اللوبى المتخصصة والمعتمدة داخل النظام لتأمين قنوات التأثير الداخلية المطلوبة والتنسيق بينها، وصياغة التحالفات ومواجهة التحالفات المضادة، تحقيقا لمصالح الأطراف الخارجية المعنية، إضافة إلى ضرورة امتلاك قناة، أو قنوات اتصال ما إلى دوائر العلاقات الخاصة الرسمية أو ما يطلق عليه The Connections
    ثالثا: جماعات المصالح اليهودية والعربية:
    1- اللــوبى اليهودى:
    وهو فى مجمله، يشير إلى منظومة جماعات المصالح اليهودية المتعددة فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تنضوى تحتها عشرات، إن لم تكن مئات، الجماعات بمجالات اهتمامها المتعددة والمتنوعة، والتى تتميز فى مجموعها عن غيرها من جماعات المصالح بامتلاكها للمقومات الأساسية المطلوبة لنجاح جهود ومبادرات أى جماعة مصالح. ومن ثم، ُيتخذُ اللوبى اليهودى نموذجا يُـقتدى به فى حسن التخطيط، وتميز الأداء، وبلوغ الأهداف48.
    وفى مجملهم، فإن اليهود الأمريكيين لا يتجاوز عددهم ستة ملايين نسمة، وهم على ارتباط شديد بدولة إسرائيل منذ قيامها عام 1948، ولا يدخرون وسعاً فى دعم وتعزيز المصالح الإسرائيلية فى أى بقعة من العالم، وبصفة خاصة فى الشرق الأوسط، بل وفى الولايات المتحدة ذاتها. فالمجتمع اليهودى الأمريكى وكجماعة مصالح متعددة الأبعاد، يعد من أنشط المجتمعات سياسيا واجتماعيا فى الولايات المتحدة، وهم يتمتعون بعمق التأثير على السياستين الداخلية والخارجية، كما يتميز مجتمعهم بالتنظيم الجيد، والتماسك الداخلى، وقوة الدافعية، وحسن التمثيل فى الدوائر المهنية ودوائر الأعمال، بالإضافة إلى نشاطه السياسى، وحضوره البارز والمؤثر فى كل من الحزبين الجمهورى والديموقراطى. وتتعدد الأطر المؤسسية الممثلة لجماعات المصالح اليهودية الأمريكية لتضم وعلى سبيل المثال "مؤتمر المنظمات اليهودية الأمريكية" والذى تكون بصورة غير رسمية عام 1955 من أجل الدفاع عن المصالح الإسرائيلية فى أمريكا، وهو معروف باسم "مؤتمر الرؤساء"، واللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة، والمعروفة اختصارا باسم الأيباك AIPAC، وكذلك لجان العمل السياسية والمعروفة أيضا PACs
    - الإيــباك: ويعد اللوبي الصهيوني "إيباك" من أبرز جماعات الضغط المعروفة في الولايات المتحدة والتي تلعب دوراً مهماً في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويتودد لها المرشحون كثيراً مثلما يفعل كذلك أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس. ولقد صار طبيعياً أن يتردد يها الحاخامات بصورة منتظمة على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وبالطبع ذاك التردد له مقاصده وأهدافه ويدركها العضو الذي لا يتردد في العمل من أجل تحقيقها قدر المستطاع رغبة وطمعاً في استمراره على ما هو عليه49.
    وتتضمن أهم الوسائل التى توظفها الإيباك، باعتبارها اللوبى المسجل رسميا للتحدث نيابة عن إسرائيل وباسمها، من أجل تحقيق أهدافها كلا مما يلى: 1) السيطرة على أجهزة الدعاية الأمريكية مثل الصحافة والإذاعة والتلفزيون؛ 2) إنشاء أو تأسيس العديد من المؤسسات التنظيمية التى تتعامل مع كل قطاعات الشعب الأمريكى كرابطة العمل الصهيونية، مؤسسة هاداسا العاملة فى مجال الصحة؛ 3) تشجيع انخراط أعداد ضخمة من المهنيين والمثقفين من اليهود الأمريكيين فى منظمات الدفاع عن مصالح مجموعات اجتماعية مختلفة (مجموعات الدفاع عن الحقوق المدنية)؛ 4) إخضاع السياسيين لعملية تقييم متواصل لأدائهم وبالتالى تعريضهم للثواب والعقاب: صور المكافأة والثواب تتضمن تجميع الأموال الانتخابية للمرشح، إرسال برقيات التأييد ووسائل المدح، ممارسة الضغوط الإعلامية وتوجيه حملات التشهير فى الصحف، التلويح باستخدام الاتهام بمعاداة السامية، حجب الموارد المالية عن عمليات الدعاية، وإصدار المنشورات والدراسات50.
    إضافة إلى ما سبق، فإن أبرز ما يميز أساليب الإيباك هو اعتمادها على التفاعل والتواجد الدائم مع المشرعين بمجلسى الكونجرس، والاعتماد على تقديم الدراسات والمعلومات الموثقة والدقيقة التى تساعدهم على اتخاذ القرار، إن لم تقترحه عليهم بشكل أو آخر دراساتها وتحليلاتها، ويعد تقرير الشرق الأدنى، والذى تصدره الجماعة كل أسبوعين، أحد أهم أسلحتها المعلوماتية. وكما يذكر موقعها على شبكة المعلومات الدولية، فإن "مندوبيها قد ساعدوا، وعلى مدى ما يربو على 200 جلسة، فى تمرير "أكثر من مائة تشريع لصالح إسرائيل، وعملوا على تأمين حصولها على نحو ثلاثة بـلايـيـن دولار سنويا، .. باختصار فإن أعضاء إيباك منغمسون فى كل القضايا الهامة التى تمس إسرائيل"51.
    - جماعات الضغط العربية:

    جماعات الضغط العربية ذات نشأة حديثة نسبيا، وترجع إلى موجات الهجرة الأولى قبل 1948، والتى وفدت آنذاك من مناطق المشرق العربى فى سوريا ولبنان وفلسطين والأردن. وفيما بعد 1948، فإن موجات الهجرة العربية قد تميزت بارتفاع مستوى كل من الوعى القومى العربى، والتعليم. ومع بداية الستينيات، بدأت أعداد الطلبة العرب القادمين للدراسة فى الولايات المتحدة فى التزايد، مما أتاح فرصة أكبر للاحتكاك بالمجتمع وبالثقافة الأمريكيتين.
    وخلال تلك الفترات، فقد تضمنت التشكيلات المؤسسية لجماعات المصالح العربية عدة منظمات مثل رابطة العرب الأمريكيين والتى أنشئت عام 1967، والربطة القومية للعرب الأمريكيين 1972، واللجنة الأمريكية العربية لمكافحة العنصرية 1980. وقد تبلورت الأهداف العامة لتلك المنظمات حول توحيد صفوف الجماعة العربية الأمريكية، والتأثير على السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وتصحيح صورة العرب لدى الرأى العام الأمريكى، ودعم العمل الإعلامى وإصدار النشرات والدراسات.
    أ) معهد العرب الأمريكيين: Arab American Institute وأنشىء عام 1985 لتمثيل مصالح العرب الأمريكيين فى السياسة والحكومة، ويصدر تقييما تشريعيا كل عام بهدف تعريف الناخبين العرب وأعضاء المجتمع العربى الأمريكى بأداء ممثليه فى السلطة التشريعية فى الكونجرس، وفى القضايا ذات الصلة بمصالحهم للاسترشاد بها فى العملية الانتخابية، وفى توجيه الدعم المادى والمعنوى باتجاه دعم وتأييد المصالح والقضايا العربية المرتبطة بكل من: 1) العلاقات بالسلطة الفلسطينية؛ 2) اتفاقية التجارة الحرة مع الشرق الأوسط؛ 3) إصلاح التمويل الانتخابى؛ 4) حقوق المهاجرين؛ 5) قضايا أخرى خاصة بالعرب الأمريكيين52
    ب) اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز Arab American Anti-Discrimination Committee وقد أنشأها عام 1980 عضو مجلس الشيوخ الأسبق، جيمس أبو رزق. وتتضمن أهدافها: 1) الدفاع عن الحقوق المدنية للعرب الأمريكيين؛ 2) تقديم الميراث الحضارى العربى لغير العرب. وتضم اللجنة ثلاثة إدارات فرعية: قانونية وتعليمية وإعلامية. إلى جانب ذلك، تقوم اللجنة بعدة أنشطة ذات صلة ببيوت الخبرة التشريعية، وإصدار تقرير نصف شهرى، وتقارير وأوراق بحثية. بالإضافة إلى ذلك، تصدر اللجنة ملخصا للأحداث الراهنة والتصريحات الصحفية.
    ومن أهم أنشطة هذه اللجنة السعى الدائم لتأسيس شبكة من الاتصالات بالمشرعين. وفى محاولة لتثقيف الرأى العام والشرائح المهمة فيه، تقدم اللجنة ومن خلال موقعها على شبكة المعلومات الدولية، مجموعة من الدراسات والمصادر حول العرب وتاريخهم وحضارتهم فى محاولة لتثقيف القراء والمهتمين بالمعرفة53.
    المقارنة بين جماعات المصالح على الجانبين العربى واليهودى توضح بعض الحقائق ذات الدلالة الهامة بصدد تقييم أداء الجانبين. فالخبرة العربية بجماعات المصالح لا تعكس عمقا ولا امتدادا زمنيا مماثل للحالة اليهودية: فهناك، وعلى الجانب اليهودى، تاريخ طويل من الخبرة المؤسسية والتنظيمية، والتمرس مع آليات ومؤسسات صنع القرار الأمريكى. بينما مؤسسات الجالية والمصالح العربية تعدُ نسبيا أكثر حداثة، وإن كانت أكثر استعدادا لاكتساب الخبرة والممارسة عن ذى قبل. على الجانب اليهودى أيضا، هناك أسلوب واستراتيجية التعامل مع المعلومات والقيم: إعدادها، وتشكيلها، وإعادة تقديمها وتوظيفها بشكل يتفق مع منظومة قيم واحتياجات المواطن الأمريكى، وبما يدعم الثقة والمصداقية مع الأطراف الأمريكية المتعاملة مع هذه المعلومات، وبصفة خاصة فى المجال التشريعى، بينما على الجانب العربى، فإن الشكوى دائما ما تثور بسبب نقص أو قلة المعلومات، وعدم دقتها فى حالة تواجدها، وندرة وجود الدراسات والمقترحات التى يتطلبها عمل المشرعين فى الكونجرس. إضافة إلى ذلك، فإن الجانب اليهودى أيضا، وهو يركز اهتمامه على المصالح والقضايا ذات الصلة بإسرائيل إنما يتمتع بميزة نسبية على نظيره العربى، الذى يتعامل مع قضايا الدول العربية ككل، مما يشتت الاهتمام ويهدر الموارد. وأخيراً، فإن اهتمام اللوبى اليهودى المتواصل بالمواطن الأمريكى وبقضاياه وموضوعات اهتمامه يعكس سعى أجهزة اللوبى اليهودى لإيجاد شكل من الارتباط القيمى والمعنوى بين المواطن الأمريكى، ومواقف وقضايا اللوبى الإسرائيلى مما يزيد التعاطف والتماهى معها.
    الخبرات المقارنة لكل من منظمات اللوبى على الجانبين العربى واليهودى وعلى مدى سنوات الصراع العربى الإسرائيلى تؤكد أنها فى مجملها فى غير صالح الجانب العربى. نماذج مواقف السياسة الخارجية الأمريكية فى الآونة الأخيرة وانحيازها الدائم للجانب الإسرائيلى (قرار السفارة، التحول الكامل بعد أحداث سبتمبر نحو الانحياز شبه المطلق للسياسة والمواقف الإسرائيلية على حساب حقوق الشعب والسلطة الفلسطينية، حصار السلطة الفلسطينية، الصراع بين الخارجية والأمن القومى وتراجع دور الأولى لصالح الأخيرة فى الشرق الأوسط، ووصولا إلى الموقف الراهن من خريطة الطريق،..).
    أما على جانب جماعات الضغط العربية، فقد بدأت مؤخراً ومنذ انتخابات 1988 بدايات التحول الإيجابى النسبى على طريق تطوير المنظمات العربية لقدراتها وإمكانياتها القومية فى عملية التصويت فى المراكز الحضرية وأماكن التجمعات العربية الأمريكية على المستوى القومى. تجربة 1988 مع مرشح الحزب الديموقراطى (آنذاك) جيسى جاكسون والذى رفع لواء حق تقرير المصير للشعب الفلسطينى، وتأييده لإقامة دولة فلسطينية. وعلى الجانب الآخر من تلك الحملة كان إعلان المرشح الجمهورى المنافس جورج بوش لرفض استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضى الفلسطينية المحتلة، ورفض الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل54. وبصرف النظر عن المحصلة الفعلية لهذه الانتخابات من حيث نتيجتها النهائية، إلا أن الاتهامات التى سرعان ما وجهت لجاكسون من قبل اللوبى الإسرائيلى، وإنتهاء الحزب الديموقراطى بترشبح دوكاكيس، تمشيا مع مفهوم وثقافة الواسب (أبيض، أنجلو ساكسونى، مسيحى بروتستانتى)،وفوز المرشح الجمهورى فى النهاية. التجربة هنا تعكس بداية تعرف منظمات الضغط العربية الأمريكية على طريقها الصحيح بالبحث عن شركاء بالداخل وتدعيم مصادر قوتهم الذاتية بالداخل، والاستفادة من آليات وثقافة النظام السياسى الذى يعيشون فيه. وفى هذا الاتجاه كان قيام المنظمات العربية الأمريكية بتشكيل لجان العمل السياسية، والتسجيل الانتخابى، والتورط فى العمل والنشاط السياسى القومى، وأخيرا نهوضهم بأعباء مواجهة تداعيات سبتمبر 2001 على الإسلام والمسلمين على المستويين القومى الداخلى، والدولى الخارجى.

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: بحث حول جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية

    خاتمــة

    استهدفت هذه الدراسة التعرف على أبعاد وماهية الدور العام الذى تقوم به جماعات المصالح فى السياسة الخارجية الأمريكية. وقد أوضحت الدراسة أن تعددية جماعات المصالح الأمريكية تجعل منها كيانات أو قوى متعددة تجمع بينها وعلى المستوى النظرى خصائص بنيوية ووظيفية مشتركة، إلا أنها وعلى صعيد الممارسة العملية تفرق بينها الأهداف والغايات والوسائل والآليات، وتحكم علاقاتها وفى كثير من الأحيان قواعد التنافس والصراع. وعلى ذلك، يمكن الإنتهاء إلى تأكيد النتائج التالية:
    1-أن القاعدة الحقيقية لقوة جماعة المصالح، وبالتالى قدرتها على الوفاء بمتطلبات دورها (أو أدوارها) إنما تستمد من مصادر قوتها الداخلية: أولا قاعدة صلبة من التأييد الجماهيرى، المقومات التنظيمية وهيكل صنع القرار والسياسة العامة للجماعة، الموارد المادية والمعنوية وعلاقتها بالقوى الأخرى، ومنظومة القيم التى تؤمن بها والقضايا والموضوعات التى تتعامل فيها، وتسعى إلى تحقيقها، وأنماط علاقتها بغيرها من القوى الأخرى فى بيئتها.
    2- تحقيق التوازن فى اهتمامات وعلاقات جماعة المصالح بين التزامها بالمصلحة القومية الأمريكية، وبين مصالحها الذاتية أو الفئوية. وهنا، فإن أحد أهم عوامل القدرة على تحقيق أهداف الجماعة (التأثير على المشرع، توجيه القرار السياسى، الفوز بصفقة ما، عقد تحالف أو التوصل إلى صيغة توفيقية مع المنافسين أو الشركاء.. ) يرتبط بالقدرة على تحقيق التماهى بين أهداف الجماعة والسياق العام للأهداف القومية. وهنا، فإن للمعلومات (نوعية، وتوقيت، وصورة إتاحتها..)، بالإضافة إلى القدرة على توظيفها فى الاتجاه الصحيح، مع حشد التأييد الكافى لها، كل ذلك يعضد قدرة جماعة المصالح على دفع صانع القرار للقبول بوجهة نظر الجماعة وتبنى مطالبها باعتبارها_أى هذه المطالب- جزءً من صميم الوظيفة التمثيلية للجماعة، وتعبيراً عن مطالب أعضائها واهتماماتهم. كما أن فشل جماعات المصالح فى تحقيق هذا التوازن سوف يؤدى إلى إضعاف درجة تماسك السياسة الخارجية وقوتها الداخلية.
    3- يرتبط بما سبق، ويترتب عليه أن توافر الموارد قد لا يصلح عوضا عن التأييد الجماهيرى ( حالة العرب وإسرائيل)، وبالتالى فإن تأثير جماعات اللوبى عن الدول الأجنبية التى تفتقر إلى قاعدة قوية من التأييد الداخلى سوف يصبح محدودا للغاية على السياسة الخارجية الأمريكية، وربما أقل محدودية مما هو متصور، بل إنها سوف تخرج وبسرعة من حلبة المنافسة إذا افتقدت مثل هذا التأييد.
    4- إن مرونة جماعة المصالح فى اختيار الوسائل والبدائل السياسية المحققة لأهدافها من بين الآليات المتنوعة المتاحة (التعامل مع السلطة التشريعية، الرئاسة، أعضاء اللوبى المعتمدين،..)، وكذلك قدرتها على التعاون والتنسيق مع جماعات المصالح والقوى الأخرى، وتعظيم سبل الاستفادة من قدراتهم وموارد القوة لديهم، يمثل مصدرا إضافيا لدفع جماعة المصالح باتجاه تحقيق أهدافها.
    5- إن فرصة تحقق الهدف الذى تسعى إليه جماعة المصالح تكون أكبر فى النجاح كلما تعلق أمرها بالكونجرس، حيث فرص ومجالات المناورة والتحالفات وممارسة كافة أشكال الضغوط واللوبى تكون أكبر مما يجعل المجال أوسع لتأمين التصويت المطلوب.
    6- وأخيراً، فإن خبرة الحالات المتعددة التى تم التعرض لها بشكل أو آخر أثناء الدراسة توضح أن الفرصة لنجاح جماعة لمصالح فى تحقيق أهدافها ترتفع بتزايد درجة اهتمام أو تورط الولايات المتحدة بالشئون الخارجية.

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. جماعات المصالح والسياسة الخارجية الأمريكية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 29-01-2012, 19:06
  2. الأحزاب السياسية و جماعات المصالح و الرأي العام
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-09-2011, 23:11
  3. صناع السياسة الخارجية الأمريكية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 05-09-2011, 22:55

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •