أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



بحث حول الحق و العقاب

بحث حول الحق و العقاب 1- تمهيد وتقسيم : تمثل مكافحة الظاهرة الإجرامية والحد منها الهدف الأسمى الذي يرمي إليه كافة المهتمين بتلك الظاهرة ، وبلوغ



بحث حول الحق و العقاب


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 29
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي بحث حول الحق و العقاب

     
    بحث حول الحق و العقاب

    1- تمهيد وتقسيم :
    تمثل مكافحة الظاهرة الإجرامية والحد منها الهدف الأسمى الذي يرمي إليه كافة المهتمين بتلك الظاهرة ، وبلوغ تلك الغاية أو الفشل فيه مقياس على مدى نجاح السياسة الجنائية المتبعة داخل المجتمع.

    وللسياسة الجنائية - بحسبانها العلم الذي يهدف إلى استقصاء حقائق الظاهرة الإجرامية للوصول إلى أفضل السبل إلى مكافحتها - مراتب تبدأ بالمستوى القاعدي المتعلق بشق التجريم من القاعدة الجنائية ، فتبحث في مدى تلائم التجريم المقرر من قبل المشرع الداخلي مع قيم وعادات المجتمع ، ومدى الحاجة إلى هذا التجريم في الفترة المقرر فيها ، حيث تتباين المجتمعات في هذا بحسب مستواها من التطور الاجتماعى والخلقى والروحي. وكذلك تبحث في طبيعة الوقائع المجرمة لتحديد أى الوقائع يجب أن تظل مجرمة ، وأيها يجب إباحته ، وأيها يجب أن يصبغ عليها وصف التجريم . وتنتقل السياسة الجنائية إلى الشق الجزائي من القاعدة الجنائية ، كي تقيم العقوبات المقررة وحالات التخفيف والتشديد والإعفاء وسبل التفريد التشريعي المقررة في مدونة العقوبات . ثم تنتهي السياسة الجنائية إلى مرتبتها الثالثة المتعلقة بتحديد أساليب المعاملة العقابية حال التنفيذ الفعلي للجزاء الجنائي داخل المؤسسات العقابية ، خاصة ما يتعلق بالتفريد التنفيذي للعقوبة والتدابير الجنائية ، وكفالة إتباع أسلوب علمي في تنفيذ الجزاء على المجرم بما يضمن تأهيله وإصلاحه وتهذيبه وإعادة اندماجه في المجتمع مرة أخرى.

    وعلى ذلك فإن هدف السياسة الجنائية لا يقتصر على الحصول على أفضل صياغة لقواعد قانون العقوبات وإنما يمتد إلى إرشاد القاضي الذي يضطلع بتطبيق هذه الأخيرة وإلى الإدارة العقابية المكلفة بتطبيق ما قد يحكم به القاضي . وهذا الشق الأخير للسياسة الجنائية - والمسمى بالسياسة العقابية - هو الذي يضمه علم العقاب موضوع هذا الكتاب ، والذي يرمي بالتالي إلى الوقوف على الكيفية التي ينبغي بها مواجهة الظاهرة الإجرامية في مرحلة التنفيذ العقابي ، بما يكفل تحقيق أهداف المجتمع في منع الجريمة أو تقليصها إلى أبعد مدى . فكأن علم العقاب علم يسلم بحقيقة الظاهرة الإجرامية ، ويتلقفها بالدراسة والتحليل في أعقاب وقوع الجريمة وثبوتها على جان أو أكثر ، ثم يبدأ التعامل معها في مرحلة تنفيذ الجزاء الجنائي كي يباعد بين الجاني - وكذا بقية أفراد المجتمع - وبين تكرار وقوعها. من هنا تظهر أهمية دراسات علم العقاب حيث يتوقف على هذا العلم نجاح المجتمع في مواجهة الظاهرة الإجرامية . وكان لزامًا علينا والحال كذلك أن نكشف في مهد مؤلفنا عن بعض الأوليات والعموميات حول الحق في العقاب التي تعين على إدراك مبادئ هذا العلم وتفهم مشكلة الجزاء الجنائي ، كل ذلك من خلال الباب التمهيدي من هذه الدراسة.

    ومن الحقائق الثابتة أن أي علم من العلوم ، طبيعياً كان أم إنسانياً ، ينمو ويتطور بقدر نمو وتطور موضوع هذا العلم والمحل الذي يعني بدراسته. وإذا كانت العقوبة قديماً ، بحسبانها نوعاُ من الألم يعادل ويكافئ ما قد وقع من جرم ، هي الصورة الأولى للجزاء الجنائي إلا أنه سرعان ما تبين أن هذا النمط يظل قاصراً عن تحقيق أغراض المجتمع من توقيع العقاب والمتمثل في منع ومكافحة الجريمة ، لذا فقد كشف التطور عن نمط آخر من أنماط الجزاء الجنائي ألا وهو التدابير ، سواء أكانت وقائية أو عقابية أم علاجية ، والتي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر على يد المدرسة الوضعية الإيطالية حين قالت بفكرة الخطورة الإجرامية. فكأن هناك تطوراً قد أصاب ما يمكن أن نطلق عليه صور رد الفعل العقابي ، وهو ما سوف نوضحه من خلال الباب الثاني من المؤلف.

    ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن نجاح سياسة المكافحة للظاهرة الإجرامية على مستوى التنفيذ العقابي يتوقف في نهاية الأمر على أساليب وطرق المعاملة العقابية المتبعة داخل وخارج المؤسسة العقابية وقدرتها على إعادة تأهيل المجرم وتحقيق كلاً من الردع العام والخاص والحد من معدلات الجريمة في المجتمع. من هنا فقد خصصنا الباب الثالث والأخير من هذا المؤلف لبيان الكيفية التي يتم بها اقتضاء الحق في العقاب ، أي بيان أساليب المعاملة العقابية ، سواء أكانت داخلية كالتصنيف والرعاية الصحية والاجتماعية والعمل ، أو خارجية كالوضع تحت الاختبار وإيقاف التنفيذ والإفراج الشرطي والعمل للمصلحة العامة والرعاية اللاحقة.

    بيد أن التطور الذي أصاب نوع العقاب وأساليب المعاملة العقابية (صور رد الفعل العقابي وكيفية اقتضاء الحق في العقاب) ما كان ليتم لولا التطور الذي طرأ على فلسفة وأساس حق العقاب ذاته ؛ هذا التطور الذي نجم عن تبدل وتنوع المدارس الفكرية في مجال الدراسات الجنائية. من هنا كان ولابد قبل بيان صور رد الفعل العقابي وكيفية اقتضاء الحق في العقاب أن تبدأ الدراسة بتسليط الضوء على فلسفة الحق في العقاب ، وهو ما خصصنا له الباب الأول من الدراسة.

    وعلى هذا فسوف تنقسم الدراسة على النحو التالي :



    الباب التمهيدي : عموميات حول الحق في العقاب
    الباب الأول : فلسفة الحق في العقاب
    الباب الثاني : صور رد الفعل العقابي
    الباب الثالث : اقتضاء الحق في العقاب


    fpe p,g hgpr , hgurhf


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي عموميات حول الحق في العقاب

    الباب التمهيدي
    عموميات حول الحق في العقاب

    2- أولاً : موضع القانون الجنائي من القانون عامة :
    إذا كان يمكن تعريف القانون بأنه مجموعة القواعد القانونية التي لها صفة الإلزام والتي تقرها الجماعة الإنسانية في مجتمع ما من المجتمعات من أجل تنظيم العلاقات والمبادلات والظواهر التي تسوده ، فإننا بهذا ندرك أن القانون هو أمر قديم قدم المجتمع الإنساني ذاته. فتلاحم الجماعة الإنسانية يؤدي وبالضرورة إلى نشوء علاقات متبادلة بعضها قد يتوافق وبعضها قد يتنافر بحكم توافق وتنافر الرغبات والمصالح ، مما يوجب في النهاية وضع إطار تنظيمي يضمن منع العدوان واستقرار الحقوق لأصحابها. وبالجملة فإن القانون والمجتمع وجهان لعملة واحدة يتواجدان سوياً ولا غنى لأحدهم عن الآخر .

    وبقدر تنوع العلاقات والمعاملات فإن القواعد القانونية الحاكمة لها تتنوع ، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء ما نسميه الأفرع القانونية. فمن القواعد ما يهدف إلى تنظيم العلاقات المالية التجارية بين الأفراد كالقانون المدني والتجاري ، ومن القواعد ما يهدف إلى تنظيم علاقات الأفراد بالسلطة أو تلك الأخيرة بغيرها من السلطات داخل المجتمع كالقانون الإداري أو القانون العام ، ومن القواعد ما يهدف إلى تنظيم الإطار الأمني الذي تتحرك فيه كافة العلاقات السابقة من أجل درء أي عدوان أو عصيان أو خرق يقع على النظام الذي ارتضاه المجتمع ، وتلك هي رسالة القانون الجنائي.

    فالقانون الجنائي يهدف إلى تحقيق الأمن في المجتمع عن طريق وضع القواعد التجريمية التي تحظر أنماط السلوك التي من شأنها أن تهدد المجتمع بالضرر أو تعرض أمنه للخطر، مع تفريد الجزاء المناسب والمكافئ لما وقع من اعتداء.

    3- ثانياً : علم العقاب وموضعه من القانون الجنائي :
    إذا أردنا أن نتخير من شتات التعريفات التي قيلت بشأن علم العقاب فإننا يمكننا أن نوجز الأمر بقولنا أنه العلم "الذي يعكف على دراسة الحق في العقاب فيبحث في أسسه ويبين القواعد الخاصة بتنظيم الجزاء الجنائي (رد الفعل العقابي) وسبل اقتضاء هذا الحق على النحو الذي يكون من شأنه أن يحقق الجزاء الجنائي أغراضه حال التنفيذ الفعلي داخل المؤسسة العقابية ". وأول ما يستلفت نظرنا في هذا التعريف هو أن علم العقاب يظهر في ثوب علم المكافحة اللاحق ، أي ذلك الذي لا تظهر قواعده إلا بعد وقوع الجريمة بالفعل .

    على أنه لا ينبغي أن نفهم أن علم العقاب هو مجرد شرح لنصوص القانون الوضعي في معاملة المجرمين ، إنما هو علم كلي مجرد يهدف إلى استخلاص القواعد العامة والكلية التي تحكم تنفيذ الجزاء الجنائي كي يحقق الأغراض التي ترسمها له مصلحة المجتمع في مواجهة الظاهرة الإجرامية. وبالتالي فإن دراسات علم العقاب تهدف بالدرجة الأولى إلى توجيه المشرع في اختيار أفضل القواعد والأحكام التي يجب أن يراعيها في تنظيم الجزاء الجنائي وطرق تنفيذه . ومن ثم يظهر لنا أن موضع علم العقاب من القانون الجنائي هو الجزء المتعلق بشق الجزاء من القاعدة الجنائية.

    فالمعلوم أن قواعد قانون العقوبات لها شقين ، الأول منها يتعلق بشق التكليف ، أي الشق الذي يحدد صور السلوك الأفعال المحظورة. وهذا الشق يحكمه ما يسمى مبدأ الشرعية الجنائية (م5 عقوبات ، م 66 من الدستور المصري) القائل بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ، وبمعنى أخر أنه لا يعد سلوكاً ما جريمة ما لم يكن هذا السلوك محظوراً صراحاً بنص القانون عند ارتكابه ، إذ لا رجعية لنصوص قانون العقوبات. والهدف من تلك القاعدة هو تحقيق الاستقرار في العلاقات الاجتماعية ، كي لا يعاقب الأفراد على أفعال هي مباحة لحظة القيام بها لمجرد أن تشريعاً ما اعتبرها جرماً في أعقاب وقوعها .

    أما الشق الثاني من أقسام القاعدة الجنائية فهو شق الجزاء ، أي الشق الذي يحدد الآثار القانونية المترتبة على مخالفة الأوامر والنواهي الواردة في شق التكليف ، أي أنه رد الفعل تجاه الخروج على أحكام قانون العقوبات. وهذا الشق قديم قدم الجريمة ، وإن تنوع رد الفعل تجاه الجريمة بتطور المجتمعات ، حيث انتقل هذا الشق من صورة الانتقام الفردي والجماعي في المجتمعات القبلية في صورة اعتداءات مستمرة من قبل المجني عليه أو عشيرته. إلى أن وصلنا إلى صورة أكثر تهذيباً توكل أمر تنظيم رد الفعل تجاه الجريمة إلى يد سلطة عليا ، أخذت في العصر الحديث شكل الدولة ، وبدأت بالتالي معالم علم العقاب وعلم السياسة العقابية من أجل التنظيم الفعال الذي يجمع بين وجوب مكافحة الجريمة وبين إعادة تأهيل الجاني مرة أخرى ليصبح عضواً نافعاً في المجتمع.

    واتصال علم العقاب بشق الجزاء من القاعدة الجنائية يفرض عليه من أجل مكافحة الظاهرة الإجرامية القيام بتفعيل الجزاء الجنائي في مرحلة الاختيار ، وكذا تفعيل أغراض الجزاء الجنائي والمعاملة العقابية ، وذلك على التفصيل التالي :

    4- أ : تفعيل الجزاء الجنائي في مرحلة الاختيار :
    بعد قيام المشرع بتحديد أنماط السلوك التي يعتبرها جريمة تمس الهيئة الاجتماعية عليه أن يتخير أفضل الأجزية التي تتناسب مع جسامة الفعل والأضرار الناشئة عنه. وهذا الاختيار لا يتم بصورة عشوائية إنما بعد دراسة مختلف الأجزية الجنائية المتاحة وفق تطور المجتمع ومفاهيمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية.

    وهذه الدراسة تقع موقع القلب من علم العقاب ، فهي جوهره. وكان لهذا العلم دوره في تفعيل الجزاء الجنائي ، حيث لم يعد هذا الأخير يقتصر على العقوبات باعتبارها الألم الذي يتناسب مع جسامة الجريمة المرتكبة والذي يصيب المحكوم عليه في حياته أو حريته أو ذمته المالية ، وإنما اتسع الأمر ليشمل سلسلة من التدابير الاحترازية التي تطبق على طائفة معينة من الجناة الذين وفق قياسات معينة ينبئ وضعهم الجنائي عن عدم صلاحية العقوبة التقليدية في إصلاحهم وتقويمهم. وهكذا اتسعت فرصة الاختيار أمام القاضي الجنائي حال القيام بدورة في مكافحة الجريمة ، وما هذا إلا نتيجة للتطور الذي شهدته أبحاث علم العقاب والسياسة العقابية.

    5- ب : تفعيل أغراض الجزاء الجنائي والمعاملة العقابية :
    كان لدراسات علم العقاب أثرها في تطوير أغراض الجزاء الجنائي وأساليب المعاملة العقابية. ففي الوقت الذي كانت فيه العقوبة هي الجزاء الأساسي بدأ علماء القانون الجنائي في القرن الثامن عشر في الانتقال بالعقوبة من مرحلة اعتبارها مجرد قصاص تستوجبه قواعد الأخلاق أو مجرد اعتبارها تعويضاً عادلاً ومستحقاً للمجتمع إلى مرحلة الوظيفة الوقائية للعقوبة. إذ يجب على العقوبة أن تلعب دوراً في حماية المجتمع بمنع تكرار الجريمة سواء من غير المحكوم عليه وهو ما يسمى بالردع العام Prévention générale ، وسواء من المحكوم عليه ذاته وهو ما يسمى بالردع الخاص Prévention spéciale.

    وفي المرحلة التي كان ينظر فيها للعقوبة على أساس أن لها طابع القصاص والانتقام اصطبغت بما يسمى بالوظيفة الاستبعادية للعقوبة Fonction d’élimination ، والتي ترى أن كفاح المجتمع ضد الجريمة لا يكون إلا بإقصاء المجرم عن المجتمع ككل. من هنا ازدادت أهمية عقوبة الإعدام وكذلك العقوبات السالبة للحرية (خاصة طويلة المدة أو المؤبدة) لأنها تؤدي في النهاية إلى إبعاد المحكوم عليه عن المجتمع. لذا فإن الدراسات العقابية في هذه المرحلة كانت تسمى " بعلم السجون "Science Pénitentiaire".

    وإزاء العيوب التي ظهرت للوظيفة الاستبعادية للعقوبة ، لما لها من نتائج سلبية على المحكوم عليه ذاته وعلى أسرته وعدم تناسبها مع الجرائم القليلة الجسامة من وجهة النظر الاجتماعية ، بدأ الاهتمام بغرض عقابي آخر للجزاء الجنائي ألا وهو غرض الردع الذي قد يتحقق بطريق التخويف La dissuasion par l’intimidation أو بطريق الإصلاح La dissuasion par l’amendement .

    والطريق الأول له قسمان : الأول هو الردع العام الموجه للكافة من الناس لما يحدثه الجزاء الجنائي الواقع على عاتق المحكوم عليه من ترهيب لبقية أفراد المجتمع وإحباط الإرادة الإجرامية لديهم . وهذا الردع يتفاوت فيه الناس بحسب نوع الجريمة المرتكبة ، فالعقوبات المقررة لجرائم التهرب الضريبي والجمركي وللمخالفات عموماً لا تحدث درجة التخويف بذات القدر الذي تحدثه العقوبات في الجرائم الأخرى. كما أن الردع يتفاوت حسب نوع العقوبة ودرجة جسامتها ، فالإعدام أشد من الحبس في درجة الردع كما أن هذا الأخير له أثر رادع أشد من الغرامة. ويتوقف أخيراً غرض الردع العام على نوعية المجرم ، فالمجرم العاطفي مثلاً لا يتمثل العقاب في ذهنه قبل الإقدام على فعله الآثم ، كما أن هناك طوائف أخرى تقل لديها حدة الردع لما يثور لديهم من باعث الأمل من الإفلات من العقاب .

    أما القسم الثاني فهو التخويف الذي ينصرف إلى المحكوم عليه وحده ، أو ما يسمى بالردع الخاص. وهذا التخويف ينصرف أثره للمستقبل بعد تنفيذ العقوبة ، بمعنى أنه يستهدف الحيلولة بين المحكوم عليه وبين العودة إلى سلوك سبيل الجريمة مرة أخرى. غير أن هذا التخويف الخاص في حالات العقوبة القاسية السالبة للحرية ، وأحيانا المغالي فيها ، من شأنه أن يجعل المحكوم عليه أكثر عدوانية وكراهية للهيئة الاجتماعية لما للسجن من أثر سلبي على صحة ونفسية وجسد وأسرة المحكوم عليه.

    ولقصور وظيفة الردع بشقيقها العام والخاص عن مكافحة الجريمة كان لابد أن تنهج الدراسات العقابية نهجاً حديثاً في النظرة إلى أغراض الجزاء الجنائي وأساليب المعاملة العقابية ، الأمر الذي تم على يد أنصار المدرسة الوضعية الإيطالية ، التي لا تنظر للجسامة الذاتية للواقعة الإجرامية كأساس للعقاب وإنما للخطورة الإجرامية للفاعل واحتمال وقوع الجريمة منه في المستقبل.

    من هنا ظهر الطريق الثاني ألا وهو الردع بطريقة الإصلاح ، أي العمل بأساليب مختلفة على دفع المحكوم عليه في المستقبل وبعد انتهاء مرحلة التنفيذ العقابي إلى التوافق في سلوكه مع القواعد الاجتماعية السائدة في المجتمع ، وبالجملة تحوله إلى رجل شريف. وهذا الهدف - كما ترى المدارس العقابية في فرنسا خاصة مدرسة الدفاع الاجتماعي - هو من مهام الإدارة العقابية التي يجب أن تعمل على خلق وتنمية الإرادة داخل المحكوم عليه وتهذيبه وتأهيله كي يعتاد على العمل الشريف في أعقاب خروجه من المؤسسة العقابية. وهذا يلقى على هذه الإدارة عبء تثقيفي وعبء القيام بالرعاية الصحية والاجتماعية للمحكوم عليه ، سواء أكان ذلك أثناء مرحلة التنفيذ العقابي أو بعد ذلك في إطار ما يسمى بالرعاية اللاحقة للمحكوم عليه بهدف ضمان تأهيله وانخراطه عضوا نافعاً في المجتمع. وقد أصبح تحقيق هذا الهدف أهم ما يشغل الباحثين في علم العقاب .

    هذا التطور دفع البعض - ومع سيادة هذه المفاهيم الحديثة في المعاملة العقابية - إلى إطلاق اصطلاح "علم معاملة المجرمين" Science de traitement des délinquants على ذلك العلم الذي يعكف على دراسة القواعد التنفيذية لمختلف الجزاءات الجنائية (عقوبات وتدابير) ودراسة وسائل المكافحة العامة للجريمة والوقاية منها. هذا الأمر الذي تهتم به منظمة الأمم المتحدة في إطار دعوتها المتكررة للعديد من المؤتمرات الدورية والتي تنعقد كل خمس سنوات حول "الوقاية من الجريمة ومعاملة المذنبين" ومنها المؤتمر الأول الذي انعقد بمدينة جنيف بسويسرا عام 1955. وفى هذا المؤتمر تم عرض المشروع الذي أعدته سكرتارية الأمم المتحدة حول قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين وتم إقراره واعتماده من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في 31 يوليو 1957 ليمثل جملة القواعد التي أجمع الخبراء في المجال العقابي على قبوله بوجه عام كمبادئ وأساليب صالحة في مجال معاملة المسجونين وإدارة المؤسسات العقابية ، وليعد بمثابة دليل العمل في مجال الإصلاح العقابي .

    جملة القول أن الدراسات العقابية الحديثة لم تعد تقتصر على دراسة كيفية تنفيذ العقوبات والتدابير الاحترازية Mesures de sûreté أياً كان نوعها ، بل أصبحت تتناول فوق ذلك أساليب المعاملة العقابية التي تجري داخل المؤسسة العقابية أو التي تجري خارجها (الإفراج الشرطي ونظام الرعاية اللاحقة…الخ) على النحو الذي سيظهر في ثنايا هذا المؤلف.

    6- ثالثاً : طبيعة التنفيذ العقابي :
    من بين الأسئلة التقليدية التي تحاول دراسات علم العقاب الإجابة عليها التساؤل حول طبيعة التنفيذ العقابي. وفي الإجابة على هذا التساؤل يمكنا القول أن هناك سمات ثلاث تحكم طبيعة التنفيذ العقابي نتولاها بالإيضاح على النحو التالي :

    7- أ : الطبيعة الإدارية لقواعد التنفيذ العقابي :
    غالباً ما يكون سند التنفيذ العقابي هو الحكم الجنائي النهائي الذي يصدر من القاضي المختص بعد إحالة الدعوى إليه من السلطة المختصة بذلك وفق القانون ، متضمناً هذا الحكم توقيع عقوبة جنائية أو تدبير يحدده التشريع على متهم ثبتت إدانته. وقد يكون سند التنفيذ العقابي أمراً جنائياً يصدره قاضي أو أحد أعضاء النيابة من درجة معينة وفي أحوال تعينها النصوص القانونية. والأمر الجنائي له طبيعة قضائية ، إذ هو في حقيقة الأمر حكماً واجب التنفيذ متى صار نهائياً يتضمن توقيع عقوبة دون اتخاذ الإجراءات العادية للدعوى الجنائية من تحقيق ومحاكمة ، وبه تنقضي سلطة الدولة في العقاب قِبل المتهم (المواد 323 إلى 330 إجراءات جنائية مصري) .
    وبمجرد صيرورة الحكم الجنائي حكماً باتاً لا يجوز الطعن فيه ، إما باستنفاذ طرق الطعن أو بسبب انقضاء مواعيده المقررة ، فإن الرابطة القانونية العقابية التي تترتب على وقوع الجريمة بين الدولة صاحبة الحق في العقاب وبين مرتكب الجريمة تكون واجبة التنفيذ. وفي هذه المرحلة (مرحلة التنفيذ العقابي) تكون الدعوى قد خرجت من حوزة المحكمة ويصبح أطراف الرابطة الإجرائية هما المحكوم عليه محل التنفيذ والسلطات الإدارية في الدولة التي يوكل إليها أمر تنفيذ ما جاء في الحكم الجنائي.

    من أجل هذا فإن القواعد التي يشملها علم العقاب وتحكم مرحلة التنفيذ العقابي هي قواعد ذات طبيعة إدارية وليست قضائية. ويترتب على ذلك أن السلطة القضائية تغل يدها عن التدخل في هذه المرحلة إلا في الحالات الاستثنائية التي قد يقررها المشرع .

    8- ب : الطابع الاستقلالي لقواعد علم العقاب :
    ونقصد بالطابع الاستقلالي لقواعد تنفيذ الجزاء الجنائي هو استقلال هذه الأخيرة عن التشريع الوضعي باعتباره التجسيد الحي للقواعد القانونية التي تحكم تنفيذ الجزاء. فقواعد علم العقاب هي قواعد ودراسات إرشادية تهدف إلى توجيه المشرع إلى الوسائل العلمية والفنية الحديثة التي يمكن أن تتلافى عيوب الأساليب العقابية المأخوذ بها بالفعل في التشريع القائم.

    وعلم العقاب في وصوله لهذه المبادئ الحديثة التي يوجها إلى المشرع لا يعتمد على تشريع وضعي معين ، ولا يتقيد بإدارة شارع بعينة. فهو علم توجيهى تجريبي يدرس الأصول والمبادئ الكلية المجردة التي تكفل تحقيق الأغراض المبتغاة من تنفيذ الجزاء الجنائي. إذاً لا تعني دراسات علم العقاب بتحليل النصوص القانونية القائمة وشرحها ، ولكن الدور الرئيسي هو تقيمها بهدف الوصول إلى أفضل النظم التي تحكم التنفيذ العقابي. ويعتمد علم العقاب في تحقيق ذلك - شأنه شأن بقية العلوم الاجتماعية - على أسلوب الدراسة المقارنة ، فهو يفاضل ويقارن بين التشريعات الأجنبية من أجل توجيه المشرع الوطني إلى النظم التي ارتقت بأساليب التنفيذ العقابي بغية التطوير على المستوى الوطني أو الداخلي .

    9- ج : الطابع العلمي لقواعد التنفيذ العقابي :
    دائماً ما يطرح الفقه التساؤل حول ما إذا كان العقاب يعد علماً Science أم أنه يعتبر مجرد فن Technique.
    ولكي نجيب على هذا التساؤل نبادر إلى القول أنه إذا كانت الدراسات العقابية تعني باستقراء الواقع العملي للتنفيذ العقابي ، كي تفاضل بين الأنظمة العقابية الواجب إتباعها ، محاولة من ناحية استخلاص مجموعة من القوانين العلمية تحدد علاقة السببية بين وسائل تنفيذ العقوبات والتدابير المختلفة على نحو معين وتحقيق غرض معين من ناحية أخرى ، وتضع بذلك للمشرع الخطط التي يجب إتباعها حال التنفيذ العقابي ، فإن هذه الدراسات يكون لها الصبغة العلمية ، ويكون العقاب علماً بالمعنى الفني الدقيق للكلمة. ذلك أن العلم ما هو إلا مجموعة من القوانين التي تحدد صلة سببية بين ظاهرتين أو أكثر من ظواهر الدراسة . وهذه الصلة قد تكون حتمية وقد تكون احتمالية حسب نوع العلم (علم طبيعي ـ علم إنساني أو اجتماعي) . وإلى هذه الأخيرة ينتمي علم العقاب ، فهو لا يعطي قوانين عامة ويقينية كتلك المعروفة في العلوم الطبيعة.

    ورغم الطابع العلمي للعقاب فإن الأخير له شق فني كجزء أساسي من مستلزمات علم العقاب، ذلك لأن القواعد التي تخص التنفيذ هي قواعد عامة ومجردة ويوكل تنفيذها إلى أشخاص متخصصين عليهم واجب العلم بوسائل وأدوات التنفيذ التي تصلح لكل مجرم على حدة حتى يمكن تطبيق كافة القواعد التي توصل إليها علم العقاب في مجال التنفيذ العقابي. ففن العقاب هو الأداة اللازمة لتطبيق علم العقاب ، وهو السلاح في يد رجال الإدارة العقابية يمكنهم من إعمال قواعد التفريد العقابي .

    جملة القول أنه إذا العقاب في المقام الأول هو علم يستهدف الوصول للقواعد المثلى للتنفيذ العقابي من خلال مقارنة النظم العقابية بعضها ببعض ، إلا أن هذا العلم لن يكون له القيمة الفعلية إلا بالاهتمام بفن العقاب ، أي الاهتمام بالكيفية التي بها يتم تطبيق قواعد هذا العلم على المستوى العملي داخل وخارج المؤسسات العقابية. وهذا التركيز على جانب فن العقاب هو تمسك بحقيقة تاريخية مؤداها أن فن العقاب كان أسبق في الظهور من قواعد علم العقاب .

    10- رابعاً : علم العقاب وأفرع العلوم الجنائية الأخرى :
    لعلم العقاب طبيعة ذاتية تجعله مستقلا عن فروع القانون الجنائي الأخرى. هذه الذاتية تنشأ من اختلاف موضوعه وأغراضه عن موضوع وأغراض العلوم الأخرى ، مما يؤكد من جديد الطابع العلمي الخاص لهذا العلم. ورغم تلك الذاتية إلا أنه تظل لهذا العلم صلة وثيقة بغيره من العلوم الجنائية ، كقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية وعلم الإجرام وعلم السياسة الجنائية. وهو ما سنوضحه بإيجاز في النقاط التالية.

    11- أ : علم العقاب وقانون العقوبات :
    من المعلوم أن قانون العقوبات هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم التجريم والعقاب. بمعنى أن المشرع من خلال هذا القانون يحدد أنماط السلوك (السلبي أوالإيجابي) التي توصف بأنها جريمة ، ويحدد لهذه الأنماط الأجزية (عقوبات وتدابير) المناسبة. وبهذا المعنى فإن قانون العقوبات هو علم قاعدي يهدف إلى دراسة القواعد التي تحكم التجريم والعقاب بقصد تفسيرها وبيان مضمونها ثم استخلاص النظريات التي تحكم الأشكال القانونية لنماذج السلوك محل التجريم والجزاءات المنصوص عليها كأثر لوقوع الجريمة وثبوت مسئولية مرتكبيها.

    أما علم العقاب ، ورغم أنه هو أيضاً علم قاعدي يهتم بتنظيم الجزاءات الجنائية المختلفة وأساليب المعاملة العقابية بهدف الوصول إلى الغايات المرجوة من التنفيذ العقابي , إلا أنه علم مستقل عن قانون العقوبات. إذ أن هذا العلم – علم العقاب - كما قلنا لا يعتمد في دراساته على تشريع وضعي معين أو على ما هو مطبق بالفعل في دولة ما من الدول ، ولكنه يهتم بدراسة الأصول والقواعد الكلية التي تحكم التنفيذ العقابي ، أو بمعنى أدق يرسم الصورة لما يجب أن يكون عليه بالفعل تنفيذ الجزاء الجنائي. فجوهر دراساته هو تحديد أثر جزاء معين بنوع وقدر معين وكيفية تطبيق معينة في تحقيق الغايات المبتغاة من توقيع الجزاء من الناحية الفعلية .

    وبالجملة فإن دراسات قانون العقوبات تعتمد على تحليل ما هو كائن بالفعل من تجريم وعقاب، أما دراسات علم العقاب فهي تبحث فيما يجب أن يكون عليه الحال في مرحلة التنفيذ العقابي.

    ورغم هذه الاستقلالية إلا أنه يظل بين الفرعين صلة وثيقة تنشأ لعدة أسباب منها :
    *- أن دراسات علم العقاب هي التي تقدم للمشرع الجزاء الجنائي المناسب عند محاولة المشرع الجنائي التدخل لتجريم سلوك ما. وعند إفراغ هذا الجزاء في قاعدة قانونية مضافاً إلى شق التجريم تبدأ قواعد قانون العقوبات في التشكيل والتكوين.
    *- أن لكل من قواعد قانون العقوبات وعلم العقاب طابع معياري مشترك. فالأولى تبين ما ينبغي أن يكون عليه نشاط الأفراد حتى لا يقعوا تحت طائلته ، أما الثانية فتبين ما ينبغي أن يكون عليه نشاط الإدارة العقابية حتى تتحقق الأهداف المرجوة من توقيع الجزاء الجنائي .
    *- أن الباحث في علم العقاب لايسعه للتعرف على النظام القانوني الذي يحكم التنفيذ العقابي في دولة ما من أجل تحليله ونقده ومعرفة مزاياه وعيوبه إلا التوجه إلى القواعد المدونة في قانون العقوبات لهذا البلد. فهي التي تبين للباحث في علم العقاب ما إذا كان التشريع القائم في بلد ما يأخذ بأساليب المعاملة العقابية المتطورة أم لا.

    12- ب : علم العقاب وقانون الإجراءات الجنائية :
    قانون الإجراءات الجنائية هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم السبيل الإجرائي لاقتضاء الدولة حقها في العقاب. فهو جملة قواعد إجرائية تنظم إثبات الواقعة الجنائية قبل متهم معين ، بدءاً من التحري والاتهام والتحقيق والمحاكمة ، انتهاءً بتنفيذ الجزاء المقضي به. فلا يكفي أن ينشأ للدولة حق في العقاب كحق موضوعي ينظمه قانون العقوبات ، بل يجب أن يتوافر أيضاً حق أخر يكفل وضع الحق الأول موضع التنفيذ. هذا الحق هو حق إجرائي يرسم كيفية ممارسة الدولة لسلطتها في العقاب وتحديد السلطة المنوط بها هذا الأمر. وكلها أمور يعالجها قانون الإجراءات الجنائية.

    من هنا يظهر أن قانون الإجراءات الجنائية هو الأداة القانونية لتوقيع الجزاء الجنائي. فبعد المراحل المختلفة للدعوى الجنائية وبمجرد صدور الحكم النهائي تنتهي مرحلة الإجراءات الجنائية لتبدأ مرحلة التنفيذ العقابي كما يحددها علم العقاب. ومن هنا تبدو الصلة بين كلا الفرعين ، فمن ناحية ساهم علم العقاب بتطوير قواعد الإجراءات الجنائية من أجل كفالة أفضل الضمانات للمتهم ، ومن قبيل ذلك استحداث نظام قاضي تنفيذ العقوبات في بعض الدول. ومن ناحية أخرى تأثر قانون الإجراءات الجنائية بما وصل إليه علم العقاب من نتائج في مجال شخصية المتهم ووجوب فحصه طبيعياً ونفسياً واجتماعياً ووجوب إعداد ما يسمى بملف الشخصية الذي ينتقل مع المتهم خلال كافة مراحل الدعوى الجنائية.

    كذلك تكشف دراسات وبحوث علم العقاب عن ضرورة تقسيم مراحل الدعوى الجنائية إلى مرحلتين : الأولى هي مرحلة الإدانة ، وفيها تبحث المحكمة حول ثبوت وقوع الجريمة وإسنادها إلى المتهم ، والثانية هي مرحلة الحكم وفيها تبحث المحكمة في شخصية المتهم ووضعه الاجتماعي والعائلي والمادي من أجل تحديد الجزاء الجنائي الذي يلائم ظروفه وحالته .

    13- ج : علم العقاب وعلم الإجرام :
    علم الإجرام هو فرع من العلوم الجنائية يهتم ببحث كافة العوامل الدافعة للسلوك الإجرامي. ومن هنا يبدو الفارق بين العلمين ، فبينما تهتم دراسات علم العقاب بدراسة الإجراءات التي يمكن اتخاذها بعد وقوع الجريمة ، فإننا نجد أن أبحاث علم الإجرام تهتم بدراسة الأسباب المختلفة للظاهرة الإجرامية قبل وقوع الجريمة ذاتها. علاوة على ذلك فإن علم العقاب كما سبق القول هو علم قاعدي يتناول بالدراسة الجزاء الجنائي – عقوبة أم تدبير – من أجل استخلاص أغراضه وبيان مجموعة القواعد والمبادئ العامة التي يجب أن تحكم تنفيذه. أما علم الإجرام فهو علم من العلوم السببية التفسيرية ، التي تعني بتفسير الظاهرة الإجرامية بهدف الوصول إلى قوانين عامة تحكم السلوك الإجرامي من حيث دوافعه وأسبابه الفردية والاجتماعية.

    وعلى الرغم من هذا الاختلاف ، إلا أن بين العلمين صله هي أقرب إلى التصاهر والاندماج. فكلا العلمين يجعل من الظاهرة الإجرامية موضوعاً لأبحاثه ، ومن المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجريب أسلوباً ومنهجاً للدراسة. كما أن كلا الفرعين يلتقيان عند هدف واحد هو العمل على مكافحة الجريمة ، وأن كلاهما يعد منطلق للأخر ، فلا يمكن دراسة الجزاء الجنائي - كمحور اهتمام علم العقاب - إلا بعد التعرف على أسباب الإجرام ذاته. وبالتالي فإن علم الإجرام - أو علم أسباب الظاهرة الإجرامية - هو مقدمه أولية وضرورية لعلم العقاب ، الذي يرمى إلى إصلاح المجرم وإعادته إلى حظيرة المجتمع الشريف مرة أخرى. لذا يصدق قول البعض أن علم العقاب ما هو إلا "علم الإجرام التطبيقي" .
    فبناء على ما تسفر عنه أبحاث علم الإجرام من نتائج حول أسباب الظاهرة الإجرامية والعوامل الدافعة إليها يمكن تحديد أفضل الأساليب في مجال المعاملة العقابية ، كي يؤتي الجزاء الجنائي ثماره ويحدث أثره في نفس الجاني وبقية أفراد المجتمع.

    14- د : علم العقاب والسياسية الجنائية :
    السياسية الجنائية هي العلم الذي يبحث فيما يجب أن يكون عليه القانون مستقبلاً لا فيما هو كائن بالفعل .

    وكما سبق وأن أوضحنا في مهد هذا المؤلف فإن علم السياسية الجنائية يهدف إلى اقتراح الوسائل الفعالة لمحاربة الظاهرة الإجرامية. لذا فإن هدف السياسية الجنائية لا يقتصر على الحصول على أفضل صياغة لقواعد قانون العقوبات ، وإنما يمتد إلى إعطاء الإرشادات والتوجيهات إلى كل من المشرع في مرحلة صياغة النصوص العقابية ، وإلى القاضي حال تطبيق تلك النصوص ، وإلى الإدارة العقابية حال تطبيق ما قضى به القضاء في حكمه.

    على هذا فإن للسياسية الجنائية مساحة بحثية أوسع وأرحب. فهي تشمل دراسة القاعدة القانونية في مرحلة التجريم ، فتبحث في الأفعال المجرمة بالفعل والأفعال التي يجب تجريمها والأفعال التي يجب أن يرفع عنها وصف التجريم. كما تشمل دراسة القاعدة القانونية في مرحلة اختيار الجزاء الجنائي ، فتبحث فيما إذا كان الجزاء الجنائي القائم يحقق أغراضه أم يلزم استبداله بجزاء أخر أكثر ردعاً ، وما هي أفضل النظم والوسائل التي يجب أن تتبع في تنفيذ الجزاء الجنائي.

    عند تلك النقطة تتماس خطوط علم العقاب بعلم السياسية الجنائية. فعلم العقاب هو جزء من السياسية الجنائية يختص بدراسة أهداف وغايات الجزاء الجنائي وأفضل الأساليب التي بجب أن تتبع في تنفيذ هذا الجزاء على نحو يحقق معه أغراضه.

    15- خامساً : مصادر قواعد التنفيذ العقابي :
    تتنوع المصادر التي تحكم نشاط المؤسسات العقابية حال التنفيذ الفعلي للجزاء الجنائي. ويمكن أن نقسم هذه المصادر إلى نوعين رئيسيين ، فمنها ما يكون ذو طابع داخلي ومنها ما يكون ذو طابع دولي.

    16- أ : المصادر الداخلية لقواعد التنفيذ العقابي :
    تأخذ معظم الدول بنظام توزيع قواعد علم العقاب التي تحكم التنفيذ العقابي للجزاء الجنائي بين عدة قوانين ولوائح داخلية .
    وإذا نظرنا إلى التشريع المصري نجد أن المصادر الداخلية توزعت بين عدة قوانين منها قانون العقوبات (كالمادة 23 عقوبات التي تنظم خصم مدة الحبس الاحتياطي بمقدار الحكم الصادر بالغرامة ، والمادتان 34 و35 اللتان تنظمان تنفيذ العقوبات المتعددة على محكوم عليه واحد) وقانون الإجراءات الجنائية (الكتاب الرابع المتعلق بالتنفيذ : المواد من 459 إلى 553 التي تنظم الأحكام واجبة التنفيذ ، وكذلك قواعد تنفيذ عقوبة الإعدام وتنفيذ العقوبات المقيدة للحرية وتنفيذ المبالغ المحكوم بها والإكراه البدني وتقادم العقوبة ورد الاعتبار) وكذلك المرسوم بقانون رقم 396 لسنة 1956 بشأن تنظيم السجون . ويضاف إلى كل ذلك اللائحة الداخلية للسجون الصادرة بقرار وزير الداخلية رقم 79 لسنة 1961. وقد تضمن هذا القانون الأخير وكذلك اللائحة الداخلية بيان بأنواع السجون وقبول المسجونين وتصنيفهم ومعاملتهم وعلاجهم وتأديبهم والإفراج عنهم والتفتيش على السجون والإشراف القضائي عليها.

    بيد أن بعض الدول اتجهت إلى نظام توحيد قواعد علم العقاب ، أي ضم كل قواعد التنفيذ العقابي في مدونه واحدة ، وهو اتجاه محمود يرجع الفضل في المناداة به إلى الأستاذ تسربوليو Zerboglio في إيطاليا تحت تأثير مبادئ المدرسة الوضعية. وقد لاقت هذه الدعوة قبولاً لدى بعض التشريعات ، ومنها قانون العمل العقابي الصادر في إتحاد الجمهوريات السوفيتية السابق في 16أكتوبر 1924 ، الذي تم تعديله في أول أغسطس من عام 1933 منظماً أساليب العمل العقابي وتفريد المعاملة العقابية وفقاً لمدة العقوبة المقررة. ومن التجارب التي سعت إلى تكريس مبدأ توحيد قواعد التنفيذ العقابي ما قام به الأستاذ جوزيف مانيول Joseph Magnol في مؤتمر قانون العقوبات الذي انعقد في باليرمو بإيطاليا عام 1933. حيث قام هذا الأستاذ بتقديم مشروع متكامل لقانون التنفيذ العقابي ، ضمن الكتاب الأول منه مجموعة من القواعد العامة التي تحكم تنفيذ الجزاء الجنائي ، وتضمن الكتاب الثاني قواعد تنفيذ العقوبات ، وخصص الكتاب الثالث لتنفيذ التدابير الاحترازية ، ثم خصص الكتاب الأخير من المشروع لبيان القواعد التي تطبق بعد العقوبات والتدابير.

    وكما سبق وأن قلنا فإن اتجاه التوحيد هو اتجاه مرغوب الأخذ به ، حيث ازدادت أهمية مرحلة التنفيذ العقابي بعد أن تغيرت فلسفة العقاب وأصبحت لا تنظر إلى العقوبة والغاية منها على مجرد أنها ألم يهدف إلى الانتقام من الجاني ، بل أصبح التهذيب والإصلاح والعدالة من بين أغراضها ، مما أدى إلى أتساع مجال علم العقاب وتنوع أساليب المعاملة العقابية ، الأمر الذي يوجب على المشرع التدخل بضم كل قواعد التنفيذ العقابي في مدونه واحدة تراعي الاتساق بين أحكامها .

    17- ب : المصادر الدولية لقواعد التنفيذ العقابي :
    تنبع أهمية دراسة المصادر الدولية لعلم العقاب من كون هذه المصادر يمكن أن تحتل جزء من التشريع الداخلى إذا ما وقعت عليها الدولة وصدق عليها البرلمان الوطني. فتكون هذه المصادر بمثابة قانون وطني داخلي ملزم وواجب التنفيذ من سلطات الدولة كافة ، مثاله في ذلك مثل القوانين الوطنية التي تصدر عن البرلمان (م151 من الدستور المصري). بل لا نغالي إذا قلنا أن هذه المصادر في تلك الحالة تكون لها قوة أعلى من القانون الوطني تعادل القوة الممنوحة للنصوص الدستورية . بيد أن هناك العديد من النصوص الدولية التي ليس لها إلا طابعاً إرشادياً بالنسبة للمشرع الوطني عند وضع النصوص الخاصة بالتنفيذ العقابي.

    18- النصوص الدولية ذات الطابع الإلزامي :
    من بين أهم النصوص الدولية التي لها طابع إلزامي في مواجهة المشرع الوطني عند تنظم أحكام التنفيذ العقابي يمكننا أن نذكر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 2200 (د-21) في 16 ديسمبر 1966 ، والذي دخل حيز التنفيذ في 23 مارس 1976 .

    ومن بين أهم أحكام هذا العهد المتصلة بالتنفيذ العقابي ما جاء بالمادة السابعة منه بحظر إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو الحاطة بالكرامة . ولا يجوز على وجه الخصوص إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر.

    وكذلك ما جاء بالمادة العاشرة في فقرتها الأولى من وجوب معاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصلية في الشخص الإنساني ، وفي الفقرة الثانية من وجوب الفصل بين الأشخاص المتهمون عن الأشخاص المدانين ، إلا في ظروف استثنائية ومعاملتهم على حدة بما يتفق وكونهم أشخاصاً غير مدانين. كما جاء بذات الفقرة الثانية من المادة العاشرة من وجوب الفصل بين الأحداث والأشخاص البالغين ووجوب إحالتهم على وجه السرعة للقضاء للفصل في قضاياهم. وأكدت الفقرة الثالثة من ذات المادة على أن يراعى نظام السجون معاملة المسجونين معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم الاجتماعي ، مع التأكيد ثانياً على وجوب الفصل بين المذنبون الأحداث والبالغين ووجوب معاملتهم بما يتفق مع سنهم ومركزهم القانوني.

    وأكدت المادة الحادية عشر من ذات العهد على عدم جواز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي. كما أكد البند الرابع من المادة الرابعة عشر على أنه في حالة الأحداث يراعى جعل الإجراءات مناسبة لسنهم ومواتية لضرورة العمل على إعادة تأهيلهم.

    ومن بين المصادر الدولية الإلزامية يمكن أن نذكر أيضاً اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة La lutte contre la torture et les peines ou les traitements inhumains ou dégradants ، والتي اعتمدت وصدق عليها بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 39/46 في 10 ديسمبر عام 1984 والتي بدأ نفاذها في 26 يونيو عام 1987 .
    هذه الاتفاقية تحظر كل أشكال التعذيب ، الذي تعرفه في مادتها الأولى بأنه "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدياً كان أم عقلياً ، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص ، أو من شخص ثالث ، على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه ، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو شخص ثالث ، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب للأي سبب من الأسباب يقوم على التميز أياً كان نوعه ، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص أخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها" .

    وتلقى الاتفاقية على عاتق الدول الأطراف عبء اتخاذ كافة الإجراءات التشريعية والإدارية والقضائية الفعالة لمنع أعمال التعذيب على إقليمها (م2/1). كما توجب على الدول الأطراف اعتبار جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب القانون الجنائي الداخلي (م4/1). كما تلزم الدول الأطراف بإدراج التعليم والإعلام فيما يتعلق بحظر التعذيب في برامج تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين وغيرهم ممن تكون لهم علاقة باحتجاز أي فرد معرض للأي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن أو باستجواب هذا الفرد أو معاملته (م10/1). كما توجب الاتفاقية إبقاء كل دولة قيد الاستعراض المنظم قواعد الاستجواب وتعليماته وأساليبه وممارسته وكذلك الترتيبات المتعلقة بحجز ومعاملة الأشخاص الذين يتعرضون للأي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن وذلك بقصد منع حدوث أي حالات تعذيب (م11). كما يجب على الدول الموقعة على الاتفاقية أن تتعهد بصنع حدوث أي أعمال أخرى من أعمال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية التي لا تصل إلى حد التعذيب وفق ما تم تحديده في المادة الأولى (م16).

    19- النصوص الدولية ذات الطابع الإرشادي :
    هناك من المصادر الدولية ماله طابع إرشادى بالنسبة للمشرع الوطنى ، ومن قبيل ذلك ما يصدر من اتفاقات إقليمية لا تكون الدولة بحكم موقعها الجغرافي طرفاً فيها. فعلى سبيل المثال يمكن للمشرع المصري مثلاً أن يسترشد في تنظيمه لقواعد التنفيذ العقابي بالاتفاقيات الصادرة عن دول الاتحاد الأوروبي والمتصلة عموماً بحقوق الإنسان . ومن قبيل ذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والقواعد العقابية الصادرة عن المجلس الأوروبي والاتفاقية الأوروبية لمنع التعذيب والعقوبات وكافة أشكال المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة من الكرامة La Convention européenne pour la prévention de la torture et des peines ou traitements inhumains ou dégradants. ويمكن أن نضيف إلى المصادر ذات الطابع الإرشادي ما يعرف باسم القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة المذنبين وكذلك مجموعة المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء.

    فلقد تضمنت الاتفاقية الأوروبية لضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية La Convention de sauvegarde des Droits de l’Homme et des libertés fondamentales ، الصادرة عن المجلس الأوروبي والموقعة بروما في الرابع من نوفمبر عام 1950 وأصبحت نافذة في 3 سبتمبر عام 1953 ، العديد من النصوص التي تتضمن حقوق الإنسان في كافة المراحل ، خاصة في مرحلة التنفيذ العقابي ، التي يكون فيها الإنسان في أمس الاحتياج للبحث في ضمان حقوقه الأساسية.

    من قبيل ذلك يمكن أن نذكر المادة الثالثة التي تحظر التعذيب La torture وتحظر إخضاع الأفراد للمعاملة اللاإنسانية أو المهينة Traitement inhumain ou dégradent والمادة الرابعة التي تحظر الرق L’esclavage أو العمل الجبري Travail forcé ، إلا في بعض الأحوال التي يحددها البند الثالث من ذات المادة. وكذلك المادة الخامسة التي تؤكد حق الإنسان في الحرية Droit à la liberté وحقه في الأمن Droit à la sûreté وتحظر كل مساس بهما ، إلا في الأحوال الاستثنائية المذكورة في عجز البند الأول من المادة.

    كما تؤكد الاتفاقية على ضمان حق الإنسان في المحاكمة العادلة Droit à un procès équitable (م6) وحقه في احترام حياته الخاصة والأسرية (م8) Droit au respect de la vie privée et familiale وضمان حرية التفكير والعقيدة Liberté de pensée, de conscience et de religion (م9) وحرية التعبير Liberté d’expression (م10). وتحظر الاتفاقية كل أشكال التمييز Interdiction de discrimination بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو اللغة أو الدين أو الأراء السياسية أو بسبب الانتماء للأقليات الوطنية L’appartenance à une minorité nationale (م14) أو بسبب الثروة La fortune أو بسبب الميلاد... الخ.

    ويعطي الباب الثاني من الاتفاقية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان La Cour Européenne des Droits de l’Homme حق الاضطلاع برقابة احترام الدول الأطراف في الاتفاقية لتعهداتهم المتولدة عن الاتفاقية وبروتوكولاتها (م19).

    ويمكن للمشرع الوطني أن يسترشد أيضاً بما جاء في توصيات اللجنة الأوروبية الخاصة بالمشاكل الجنائية ، كأحد اللجان المتفرعة عن مجلس أوروبا. ونشير بصفة خاصة إلى ما جاء بالتوصية رقم R(87)3 ، الصادرة عن لجنة الوزراء في 12 فبراير 1987 والمتضمنة مجموعة القواعد العقابية الأوروبية Règles pénitentiaires européennes(مئة قاعدة).

    وقد اشتملت هذه التوصية على خمس أقسام : الأول منها يتضمن بيان المبادئ الأساسية (ستة مبادئ) التي تحكم فلسفة وإدارة المؤسسات العقابية والتي يجب أن تقوم على مبادئ الإنسانية Principes d’humanité والأخلاق Moralité والعدالة Justiceواحترام كرامة الإنسان Respect de la dignité humaine. ويبين القسم الثاني إدارة المؤسسات العقابية Administration des établissements pénitentiaires ، بدأً من الاستقبال والتسجيل Accueil et enregistrement وتوزيع وتصنيف المحكوم عليهم Répartition et classification des détenus وشروط أماكن الاحتجاز Locaux de détentionوالصحة الشخصية للمحكوم علية Hygiène personnelle والملابس والنوم Vêtements et literie والتغذية Alimentationوالخدمات الطبية Services médicaux والتأديب والعقاب Discipline et punition ووسائل الإكراه Moyens de contrainte والإعلام وحق الشكوى Information et de droit de plainte والاتصال بالعالم الخارجي Contact avec le monde extérieur والمساعدة الدنية والأخلاقية Assistance religieuse et morale. أما القسم الثالث فيبين ما يتعلق بموظفي الإدارة العقابية ذاتها Les personnelsوما يشترط فيهم من شروط وما عليهم من واجبات. أما القسم الرابع فيحدد أهداف المعاملة العقابية وأساليبها ومنها العمل Travail والتعليم Instruction والتدريب البدني Education physiqueوممارسة الرياضات والهوايات وكذلك النظام التمهيدي على الإفراج Régime préparatoire à la libration. ثم يأتي القسم الخامس لبيان الأحكام التكميلية المطبقة علي طائفة معينة من السجناء ، سواء المحكوم عليهم جنائياً Prévenusأو المدانون بعقوبات غير جنائية Condamnés par une procédure non pénaleأو المحتجزين من المرضى العقليين والنفسيين Détenus aliénés et anormaux mentaux.


  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: بحث حول الحق و العقاب

    ومن بين أهم المبادئ التي جاءت بهذه التوصية يمكن أن نشير خاصة إلى الآتي :
    *- ضرورة احترام الكرامة الإنسانية والمعاملة الحيادية والعادلة غير القائمة على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الرأي السياسي أو الانتماء إلى أقلية قومية أو الثروة أو الميلاد أو أى وضع آخر .
    *- أن يكون الهدف من المعاملة العقابية المحافظة على صحة السجين وحماية كرامته ، تنمية إحساسه بالمسئولية ، ومنح السجين الوسائل الضرورية لتأهيله اجتماعياً.
    *- ضرورة خضوع المؤسسات العقابية لتفتيش دوري من قبل سلطة مستقلة عن الإدارة العقابية.
    *- أن تسمح المؤسسات العقابية بالعزلة الليلية للسجناء وأن تراعي الاشتراطات الصحية خاصة من حيث كمية الهواء والمساحة المكانية المتاحة للسجين ، الإضاءة والتدفئة والتهوية. مع مراعاة أن تكون النوافذ من الاتساع بما يمكن المحكوم عليه من استخدام الضوء الطبيعي.
    *- وجوب قيام الإدارة العقابية باختيار موظفيها من بين العناصر ذات الكفاءة المهنية وذات القدرة الشخصية على العمل.
    *- وجوب الاستعانة بعدد كافي من الأخصائيين في مجال الطب والأمراض النفسية والعقلية وعدد كافي من الأخصائيين الاجتماعيين والتربويين.
    *- حظر اللجوء للقوة من قبل إدارة السجن تجاه المحكوم عليهم إلا في الحالات الاستثنائية ، كأن يكون ذلك للدفاع عن النفس أو منع المحكوم عليه من الفرار.
    *- حظر إخضاع المحكوم عليه للتجارب التي تمس بالتكامل الجسدى للإنسان ، كما يحظر إخضاعه للعقوبات الماسة بالكرامة أو اللاإنسانية.
    *- يجب على الإدارة العقابية أن تمكن للسجين فرص الاتصال بها.
    *- اعتماد مبدأ الشفافية مع السجين بأن تحدد الإدارة العقابية له أنماط السلوك المحظورة ، وأن تبصره بالعقوبات التأديبية التي يمكن أن توقع عليه في حالة مخالفة اللوائح الداخلية للسجن ، وأن تسمح له بالتظلم في حالة توقيع أحد العقوبات التأديبية عليه.

    ولعل أهم القواعد التوجيهية أو الإرشادية للمشرع الوطني حال تنظيمه لقواعد التنفيذ العقابي ما يسمى بالقواعد النموذجية الدُنيا لمعاملة السجناء Règles minima pour le traitement des détenues ، التي أوصى باعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذي انعقد في جنيف بسويسرا عام 1955 وأقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراريه 663ج (د. 340) الصادر في 31 يوليه عام 1957 والقرار رقم 2076 (د. 620) الصادر في مايو عام 1977 .

    وكما تحدد هذه القواعد النموذجية في ملاحظاتها التمهيدية ، أنه ليس الغرض منها تقديم وصف تفصيلي لنظام نموذجي للسجون ، بل إن كل ما تحاوله هو أن تحدد على أساس التصورات المتواضع على قبولها عموماً في أيامنا هذه والعناصر الأساسية في الأنظمة المعاصرة الأكثر صلاحاً ، ما يعتبر عموماً خير المبادئ والقواعد العلمية في معاملة المسجونين وإدارة السجون. لذا فإنه لاختلاف القواعد القانونية والظروف الاجتماعية من بلد إلى أخر فإنه لا يرجى التوحيد في تطبيق هذه القواعد النموذجية ، وإنما ما يرجى هو بذل الجهد المستمر للتغلب على العقبات العملية التي تحول دون تطبيقها باعتبارها تمثل في جملتها الحدود الدُنيا التي تعترف بها منظمة الأمم المتحدة. ولذا لا تمنع تلك المبادئ من الخروج عليها متى كان هذا الخروج يتوافق مع جملة المبادئ ومع المعاني الكلية لها.

    وتشتمل تلك القواعد النموذجية على جزأين : الأول منها يتناول القواعد المتعلقة بالإدارة العامة للمؤسسات الجزائية. وهذا الجزء ينطبق على جميع فئات المسجونين ، سواء كان سبب حبسهم جنائياً أو مدنياً ، وسواء كانوا متهمين أو مدانين وبما في ذلك أولئك الذين ينطبق بحقهم "تدابير أمنية" أو تدابير إصلاحية أمر به القاضي.

    ولا تحاول تلك القواعد تنظيم إدارة المؤسسات المخصصة للأحداث الجانحين (مثل الإصلاحيات أو معاهد التهذيب... الخ). ومع ذلك فإن الجزء الأول منها يصلح أيضاً للتطبيق على هذا النوع من المؤسسات. ويبين الجزء الأول القواعد الكلية التي تشمل تطبيق هذه المبادئ بحيادية ، مع احترام المعتقدات الدينية والأخلاقية وعدم التمييز بين السجناء بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي أو المنشأ القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.

    وتوجب القواعد الإمساك بسجل تبين فيه المعلومات عن السجين ، وتوجب الفصل بين الفئات بما يراعى الاختلاف بين السجناء حسب سنهم وجنسهم وسوابقهم وأسباب احتجازهم. ثم تبين ما يحكم أماكن الاحتجاز من حيث عدد السجناء في الزنزانة الواحدة ومن حيث الاشتراطات الصحية لتلك الأماكن. ثم تبين ما يتعلق بالسجناء من حيث نظافتهم الشخصية وطعامهم وما يمارسونه من ألعاب ، والخدمة المقدمة لهم ، وعقابهم وتأديبهم والأدوات المسموح استخدامها لتأديب المسجون والحالات التي يجوز فيها ذلك. ثم تحدد القواعد النموذجية ما للسجين من حقوق تتعلق بحقه في تقديم الشكوى وحقه في الاتصال بالعالم الخارجي وحقه في التعليم والحق في ممارسة الشعائر الدينية ، وحقوقه في حالة الوفاة أو المرض أو النقل من سجن إلى آخر. وأخيراً تبين هذه القواعد الدنيا في جزئها الأول كل ما يتعلق بموظفي السجون من شروط وما عليهم من واجبات تجاه المسجون وكيفية التفتيش على هذه الأماكن.

    ثم يبين الجزء الثاني من تلك القواعد المبادئ التي يمكن أن تنطبق على فئات خاصة ، كتلك التي تنطبق على السجناء المدانون والتي تنطبق على السجناء المصابون بالجنون والشذوذ العقلي والأشخاص الموقوفون والمحتجزون رهن المحاكمة والسجناء المدينين والأشخاص الموقوفون أو المحتجزون دون تهمة.

    ونشير أخيراً إلى مجموعة المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء ، التي اعتمدت ونشرت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 45- 111 الصادر في 14 ديسمبر عام 1990. هذا القرار الأخير يتضمن إحدى عشر مبدأً تشتمل على القواعد الكلية أو الأصول التي يجب مراعاتها تجاه السجناء أياً كان سبب احتجازهم. وأهم ما حرص هذا القرار على تأكيده هو احتفاظ السجناء بكافة حقوق الإنسان والحريات الأساسية المبينة في المواثيق الدولية المختلفة (البند 5) ، ووجوب إلزام المؤسسات العقابية - وبمعاونة المجتمع المحلي والمؤسسات الاجتماعية - على تهيئة كافة الظروف للإعادة إدماج السجناء المفرج عنهم في المجتمع مرة أخرى (البند 10).

    20- سادساً : تطور الدراسات العقابية :
    لا شك أنه في الوقت الذي كانت تسود فيه فكرة العقوبات البدنية أبان العصور الوسطى مثل الإعدام وبتر الأعضاء والجلد لم تكن الدراسات العقابية لتشغل بال أحد ، إذ لا يثير تنفيذ هذه العقوبات مشاكل تستوجب الدراسة ، كما أن تنفيذها لم يكن يستغرق وقتاً طويلاً. ولم يكن السجن في تلك الفترة الزمنية مكاناً لقضاء العقوبة ، بل هو مجرد مأوى للفقراء والمشردين أو مكاناً للتحفظ على الأشخاص تمهيداً لمحاكمتهم أومن أجل تنفيذ العقوبات البدنية عليهم .

    لذا فإن بداية ظهور الدراسات العقابية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظهور العقوبات السالبة للحرية أواخر القرن الثامن عشر ، حيث اعتبر السجن أداة رئيسية للعقاب. ويرجع ذلك إلى أن بقاء المحكوم عليه داخل السجن فترة من الزمن بهدف إيلامه والانتقام منه قد يفتح باب المشكلات العقابية ، كالتي تتعلق بأساليب المعاملة العقابية وكيفية تنظيم العلاقة بين الإدارة العقابية والمحكوم عليهم .

    على أنه ممالا شك فيه أيضاً أن تلك الدراسات كانت من الضعف الشديد بحيث كانت أثارها محدودة ، وما هذا إلا للنظرة التي كانت سائدة تجاه المجرم على اعتبار أنه شخص شرير ومنبوذ من المجتمع يجب التنكيل به واحتقاره وإذلاله ، والنظرة للعقوبة على أنها مجرد انتقام من الجاني. ولتحقيق هذا الهدف كان التنفيذ العقابي يعتمد على مجموعة من العقوبات القاسية ولم تعتني الدولة بتقديم أية وسائل مساعدة للمحكوم عليهم.

    ثم كانت نقطة الانطلاق عندما بدأت رياح التغيير تهب على فلسفة العقاب ، فبدأت تأخذ فكرة الإصلاح والتهذيب مكانها في الفكر العقابي وتصبح هي الهدف الأساسي للعقوبة ، وبدأ ينظر إلى المجرم على أنه شخص عادي دفعته بعض الظروف الاجتماعية والنفسية للانحراف والسير في دروب الجريمة. ومن هنا بدأت الدراسات العقابية يصيبها الثراء والخصوبة بهدف ضمان علاج وإصلاح المحكوم عليهم وتأهيلهم حتى يكونوا في المستقبل أعضاء نافعين في المجتمع.

    وقد دفعت إلى هذا التطور عدة عوامل نوجزها في الآتي :

    21- أ : العامل الديني :
    كان لظهور المسيحية وتطور علوم اللاهوت أثره الفعال في تحول النظرة إلى المجرم من شخص منبوذ سيطرت عليه الأرواح الشريرة ولا سبيل لعلاجه إلى شخص مخطئ يمكن عن طريق الجرعات الدينية التي يقوم رجال الكنيسة ببثها في نفسه من إعادته إلى طريق الرشاد والتوبة. وفي ظل هذه التعاليم – القائمة على الرحمة والتسامح – لقول السيد المسيح " من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر" - تم اللجوء إلى فكرة العزل في زنازين تعمل على تذكير المخطئ بجريمته وتدفعه إلى التأمل فيما اقترفت يداه من ذنب إلى التوبة والندم. وكان هذا هو مهد ميلاد فكرة السجون الانفرادية .

    ويرجع الفضل في إظهار هذه الفكرة إلى القديس جان مابيون Jean Mabillon في مؤلفة "تأملات حول السجون الدينية" والذي رجح فيه فكرة السجون الانفرادية لما لها من دور في إصلاح وتقويم المحكوم عليه ، مع مراعاة إصلاح أحوالها من حيث الاشتراطات الصحية. كما نادى بوجوب إعمال مبدأ تفريد العقوبة عند تنفيذها بطريقة تراعي التمايز في القوى العقلية والنفسية للمحكوم عليهم.

    22- ب : العامل السياسي :
    لقد شهدت أوروبا أواخر القرن الثامن عشر تطوراً في العديد من الأفكار السياسية على أثر انتشار المبادئ الديمقراطية التي نادى بها كبار الفلاسفة والمفكرين خاصة ما يتعلق منها بمفاهيم الحرية والإخاء والمساواة بين الأفراد على يد روسو وفولتير ومونتيسكيو. وكان لزاماً في ظل هذه الأفكار أن تتطور دراسات علم العقاب وأن تتبدل النظرة إلى المجرم ، فلم يعد من يسلك سبيل الجريمة مواطناً من الدرجة الثانية ، إنما هو مواطن يقف على قدم المساواة مع أقرانه من بقية أفراد المجتمع ، وله ما لهم من حقوق إنسانية. لذا كان من المؤكد الاعتراف للمحكوم عليه بكافة الحقوق الإنسانية في المجتمع ، كالحق في التعليم والحق في الرعاية الصحية ، والحق في العمل. كل هذا ألقى على عاتق الدولة واجب القيام بمساعدة المحكوم عليهم ، بحسبان أن ذلك التزام يفرضه عبء مكافحة الجريمة وليس بحسبان ذلك تبرعاً أو إحساناً.

    23- ج : عامل تطور العلوم الإنسانية :
    لقد أسهم التطور الذي شهدته العلوم الإنسانية بدوره في تطور الدراسات العقابية والمفاهيم التي تحكم تنفيذ الجزاء الجنائي.

    وكان علم الإجرام من بين أهم العلوم التي ساهم تطورها في ازدهار الدراسات والبحوث العقابية. فهذا العلم الذي يبحث في أسباب الظاهرة الإجرامية باعتبارها ظاهرة في حياة الفرد وحياة المجتمع ، سواء أكانت أسباب شخصية تتصل بالفرد ذاته أو أسباب اجتماعية ، قد ساعد على توجيهه المعاملة العقابية نحو استئصال أسباب الجريمة حسب حالة كل مجرم على حدة. لذا فقد ظهر في علم العقاب ما يسمى بنظام "تصنيف المحكوم عليهم" تبعاً لنوع العوامل الإجرامية التي دفعتهم إلى انتهاج طريق الجريمة وبما يتفق وشخصية وظروف كل مجرم.

    وما كان للدراسات في مجال التنفيذ العقابي أن تتطور إلا تبعاً لتطور عدد أخر من العلوم الإنسانية ، منها علم النفس ، الذي مكن الباحثين من التعرف على الخصائص النفسية للمحكوم عليهم حسب كل جريمة ، وعلم الاجتماع ، الذي ساعد الباحثين في مجال الدراسات العقابية على تحديد العوامل المؤثرة في علاقة الإنسان بالبيئة الاجتماعية المحيطة ، والتي يمكن أن تجعل من هذا الإنسان فرد سوي في علاقته الاجتماعية أو بالعكس تجعل منه فرد يهدد الكيان الاجتماعي المحيط به.

    كل هذه العوامل قد تناولها العديد من الباحثين في مجال الدراسات العقابية بالاهتمام محاولين الاستفادة من نتائجها بما يمكن دراسات علم العقاب من النمو والتطور. ومن بين هؤلاء الباحثين يمكن أن نذكر العالم الإنجليزي جون هوارد John Howard الذي أجرى دراسة انتقادية للسجون الإنجليزية في ضوء المقارنة بينها وبين السجون في عدد من البلدان الأجنبية ، وانتهى إلى ضرورة التخفيف من قسوة نظام السجون الانفرادية ، والتأكيد على ضرورة الاهتمام بعمل المسجونين وتجميعهم نهاراً والفصل بينهم ليلاً ، لما للعمل من أثر في تهذيب وتأهيل المحكوم عليهم ، أو كما قال هذا العالم (دع المحكوم عليهم يعملون وسوف يصبحون رجالاً شرفاء) .

    وقد توالت الدراسات على يد العديد من تلامذة هوارد ومنهم جيرمي بتنام Bentham الفيلسوف الإنجليزي ، وميرابو Mirabeau الباحث الفرنسي. وببزوغ السنوات الأولى من القرن التاسع عشر كان لشارل لوكا Charles Lucas دوره الهام في تطوير دراسات علم العقاب. فله الفضل في إضفاء الطابع العلمي والمنهجي على دراساته من خلال أفكاره عن نظام عزل المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة المدة ، والأخذ بالنظام المختلط داخل السجون ، القائم على الجمع بين المحكوم عليهم نهاراً والعزل بينهم ليلاً ، والاهتمام بالعمل والرعاية الدينية والاجتماعية للسجناء. تلك الأفكار التي قام بنشرها في مؤلفين ، أحدهما بعنوان "النظام العقابي في أوروبا والولايات المتحدة Le système pénitentiaire en Europe et aux Etats-Unis في عام 1828 ، والأخر بعنوان "نظرية السجون"La théorie de l’emprisonnement في عام 1837. كما ساهم هذا العالم في تأسيس الجمعية العامة للسجون في عام 1877 .

    24- سابعاً : منهج الدراسات العقابية :
    علم العقاب أحد العلوم التي تعتمد في إجراء بحوثها على المنهج العلمي التجريبي القائم على الاستقراء والملاحظة. فالباحث في علم العقاب يبدأ بملاحظة كيفية التنفيذ العقابي وملاحظة أثر الوسائل السابق تنفيذها على سلوك من نفذت عليهم ، بمعنى أثرها على السلوك اللاحق للمحكوم عليهم بغية استقراء النتائج التي توصل إليها بالملاحظة والصعود من جزئيات هذه النتائج إلى تشكيل قانون علمي عام . وهو في هذا قد يعتمد إلى جانب الملاحظة على الأسلوب الإحصائي وبعض الأساليب الفردية كدراسة الحالة والاستبيان والمقابلة والاختبارات النفسية والبيولوجية والعقلية .

    وبعد رصد النتائج المتصلة بتطبيق جزاء معين وبيان مدى نجاحه أو فشله في تحقيق الأغراض المرجوة منه تصاغ القواعد التي توضع تحت بصر المشرع لترشده إلى أفضل السبل لتحقيق أغراض السياسية العقابية.

    ولإصباغ الصفة العلمية على منهج البحث في علم العقاب يتعين على دارسيه التجرد الكامل ، سواء من حيث محل الدراسة أو من حيث نطاقها ، بحيث لا تقتصر الدراسة على نتائج الأساليب العقابية في القوانين الوطنية القائمة بل ينبغي أن تمتد إلى دراسة نتائجها الأساليب العقابية المطبقة في القوانين الأجنبية بهدف الوصول إلى أفضل أساليب التنفيذ العقابي. وعلاوة على ذلك فيجب على دارسي وباحثي هذا العلم التجرد من الناحية المذهبية والفلسفية وألا يهتم بما قد يقوم في الفقه من خلافات ، فعماد الباحث وسنده هو الملاحظة والاستقراء كما سبق القول.

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي فلسفة الحق في العقاب

    الباب الأول
    فلسفة الحق في العقاب

    25- تمهيد وتقسيم :
    ما من فكرة تنشأ ولا مبدأ يسود إلا ويوقف وراءه فلسفة تمهد له وتدعمه. ولا تشذ عن ذلك فكرة الحق في العقاب ذاتها. وقد ارتبط نشوء الفلسفة التي تدعم حق الدولة في العقاب بالتطور الذي طرأ على المجتمعات الإنسانية وانتقالها من مرحلة البداوة إلى مرحلة النظم القانونية ، من الأسرة إلى العشيرة ثم القبيلة ثم المدنية وأخيراً الدولة ككيان سياسي معاصر.

    لذا فليس من المقبول القول بأن الحق في العقاب قديم قدم الوجود الإنساني ذاته. فإذا كانت الجريمة حقيقة وظاهرة إنسانية وجدت مع وجود الإنسان ، إلا أن رد الفعل العقابي تجاه الفعل الإجرامي لم يكن يمثل استعمالاً لحق الجماعة في العقاب. فرد الفعل الغريزي تجاه الاعتداء لا يمكن النظر إليه بحسبانه عقوبة ، ففعل الإنسان هذا إنما يتماثل مع ردود الأفعال الغريزية للطيور والحيوانات التي تدفع عن نفسها وأقرانها قوي العدوان المختلفة ، ومن المعلوم أن هذا السلوك الغريزي الحيواني لا يمكن أن يكون عقوبة. فالحق في العقاب ما نشأ إلا مع ظهور الجماعة الإنسانية المنظمة ، وتطور معنى السلطة في الجماعة ، وكذلك تطور المنظور الديني للمجتمع وانتقاله من مرحلة العقيدة المبنية على الأساطير إلى العقائد القائمة على دعائم سماوية أو فكرية. كما أن هذا الحق قد تطور مع انتقال المجتمعات من مرحلة الزراعة إلى مرحلة الاقتصاديات الصناعية.

    خلال هذا التطور كله نشأت وتطورت العديد من المدارس الفكرية - خاصة منذ القرن الثامن عشر - التي تؤسس لفكرة الحق في العقاب ، الأمر الذي يعتبر بداية النشأة الحقيقية لفكرة العقاب في العصور الحديثة. وعلى هذا فإننا سوف نقسم هذا الباب إلى فصلين : نبين في الأول فلسفة الحق في العقاب في المجتمعات القديمة ، وفي الثاني نعرض للحق في العقاب في الفلسفات الحديثة.

    الفصل الأول
    فلسفة الحق في العقاب في المجتمعات القديمة

    26- تمهيد وتقسيم :
    لقد ارتبط ظهور العقوبة بظهور الجريمة ذاتها ، الأمر الذي يمكن معه القول بأن العقوبة لصيقة بالإنسانية. ولما كان نظام العقاب يرتبط في حقيقته بمشكلة الحرية والسلطة ، ولا يمكن الفصل بين الأمرين ، بحسبان أن وجود سلطة ذات سيادة أمر لازم لممارسة الحق في العقاب ، لذا ففي المراحل الأولى للإنسانية ارتبطت فكرة العقوبة بفكرة الانتقام من الجاني مرتكب الجريمة. الانتقام الذي بدأ أولاً بمرحلة الانتقام الفردي دون تدخل من الجماعة (القبيلة أو العشيرة) ، ثم انتقل إلى الانتقام ذو الطابع العام الذي تتولاه السلطة السياسية ضد الخارجين على مصالح الجماعة.

    ولقد اصطبغت العقوبة في نهايات تلك الفترة بالطابع الديني على اثر ظهور المسيحية والفكر الكنسي ، فظهرت فكرة العقاب بهدف التفكير. وفي مرحلة لاحقه أضيف إلى العقوبة هدف جديد هو هدف الردع ، والذي يعني الرغبة في منع وتحذير الكافة من الإقدام على ارتكاب الجريمة في المستقبل. ويشمل هذا كلاً من الجاني ذاته ، وهذا هو مضمون الردع الخاص ، ويشمل بقية أفراد الجماعة ، وهذا هو مضمون الردع العام.

    على هذا النحو فإننا سوف نقسم هذا الفصل المتعلق ببيان فلسفة العقاب في المجتمعات القديمة إلى مبحثين يبينان المراحل التي مر بها الحق في العقاب في الفكر القديم.

    المبحث الأول
    الأساس الانتقامى للحق في العقاب

    27- تمهيد :
    يمكننا داخل هذا المبحث التمييز بين مرحلتين ، الأولى مرحلة الانتقام الثأري والثانية مرحلة الانتقام المتعادل.

    28- أولاً : مرحلة الانتقام الثأري :
    في العصور القديمة لم تكن الدولة قد ظهرت كتنظيم سياسي وككيان على النحو المعروف في زماننا هذا. لذا فكان أساس الحق في العقاب يغلب عليه طابع الانتقام ، حيث لا توجد سلطة عليا تمارس هذا الحق. فقد ترك لكل فرد الحق في دفع الأذى والضرر الواقع عليه بنفسه انتقاماً وثأراً من الجاني ، بغض النظر عما إذا كان العدوان مقصوداً أم لا . فالفرد كان ينظر إلى الجريمة على أنها شر يجب أن يرد عليه بشر مثله. لذا فلا عجب أن يسود في تلك المرحلة الثأر بحسبانه الأذى المقابل للضرر الناشئ عن الجريمة .

    وتختلف صور رد الفعل الانتقامي بحسب ما إذا كان الجاني ينتمي إلى ذات الجماعة أم ينتمي إلى جماعة أخرى. ففي الحالة الأولى كان العقاب يأخذ طابع التأديب الذي قد يصل إلى حد قتل الجاني أو طرده من الجماعة. وهذا العقاب كان يوقعه الزعيم أو السيد ، الذي كان له سلطة الحياة والموت على كل رعاياه. وهي سلطة تنتمي في حقيقتها إلى سلطة الأبوة أكثر مما تنتمي إلى معنى السلطة السياسية المعروفة في وقتنا الحالي .

    أما في الحالة الثانية ، حيث ينتمي الجاني إلى جماعة أخرى (أسرة أو قبيلة أو عشيرة) ، وحيث لا توجد سلطة عليا يخضع لها كل من الجاني والمجني عليه ، فكان من الطبيعي أن يأخذ الحق في العقاب صور الانتقام الشامل على هيئة حرب بين الجماعتين ، حيث تهب الجماعة لنصرة المجني عليه والانتقام من الجاني وأفراد جماعته. وكان من الطبيعي والحال كذلك أن يكون الانتقام والثأر مبالغ فيهما ولا يوجد بينهما وبين الضرر الناشئ عن الجريمة أي تتناسب ، لاسيما وأن هذا التجاوز ذاته لم يكن معاقباً عليه . فلم يكن يوجد حائل أو مانع - قانوني أو أدبي - يحول بين المجني عليه وأفراد جماعته وبين المبالغة في العقاب. وقد يفسر هذا التجاوز في تلك المرحلة البدائية أن الجريمة كان ينظر في جزء منها على أنها إساءة للقوى الإلهية وانتهاك للأمر أو نهي ديني ، وكان ينظر للعقاب الشديد والجسيم والمتجاوز على أنه محاولة للاستبقاء رضاء الآلهة .

    29- ثانياً : مرحلة الانتقام المتعادل :
    مع انتقال الجماعة الإنسانية إلى طور جديد من حياتها وزيادة نفوذ وهيمنة السلطة العامة في الجماعة ، بدأت المراحل الأولى لوضع القيود للحد من الانتقام الثأري والمتجاوز ، بحيث يكون العقاب متعادلاً ومتوازناً مع الضرر الناشئ عن الجريمة.

    وكانت أولى الصور لتحقيق هذا التعادل ظهور مبدأ القصاص Loi du talion أو ما يسمى بشريعة المثل ، ليكون العقاب مماثلاً للجريمة كماً وكيفاً. فظهر ما نطلق عليه في لغتنا العامية "العين بالعين والسن بالسن" فالقاتل يقتل ، والضارب يعاقب بالضرب ، وشاهد الزور يقطع لسانه ، والسارق تقطع يده وهكذا. وقد ظهر هذا المبدأ لدى غالبية الشعوب الشرقية القديمة وفي تشريعاتها ، كشريعة بابل - وأشهرها قانون حمورابي في القرن السابع عشر قبل الميلاد - والقانون الموسوي وقانون مانو الهندي في عام 1200 قبل الميلاد وكذلك في القانون الفرعوني القديم .

    وللقصاص في الشريعة الإسلامية مكانته كركن من أركان سياستها العقابية ، وذلك بسند من القرآن الكريم لقوله تعالى "النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" . وأيضا قوله سبحانه "الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" .

    ومن بين الصور التي أمكن من خلالها تحقيق هذا الانتقام المتعادل النظام المعروف باسم الدية Régime de composition ، والذي عرفته على وجه الخصوص في ذلك الوقت روما القديمة من خلال قانون الألواح الإثنى عشر .
    والدية عبارة عن مبلغ من المال يتقاضاه المجني عليه أو عشيرته في مقابل تنازلها عن الثأر أو القصاص. فالدية تنطوي في واقع الأمر على مقابل ثمن حياة المعتدي الذي يكون تحت سيطرة المجني علية أو عشيرته .

    وكانت الدية في مراحلها الأولى اختيارية ، كثمن للصلح لا يمكن إقراره إلا عن طريق التراضي واتفاق الجاني والمجني عليه أو عشيرته. وكانت تتسم الدية الاختيارية بالمغالاة في التقدير إشباعا لغريزة الانتقام. ثم تحولت هذه الدية ، ومع تطور السلطة في الجماعة وازدياد نفوذها ، إلى ما يعرف بالدية الإجبارية Composition obligatoire ، وهي مقادير محددة من واقع العرف لكل جريمة يلتزم المعتدي بأدائها ، كما يلتزم المجني عليه بقبولها ، الأمر الذي استتبع بالطبع استقطاع مبلغ من هذه الدية كي يؤول إلى السلطة مقابل تدخلها للإقرار الأمن. وتطور الدية على هذا النحو جعل منها في النهاية عقوبة بالمعنى العام ، أي الجزاء الذي توقعه السلطة العامة على كل من يخرج على قواعد وأعراف الجماعة ويهدد نظام الأمن فيها . وبهذا المعنى الأخير أخذت الشريعة الإسلامية إذ أجازت للمجني عليه أو لولي الدم أن يتنازل عن حقه في القصاص مقابل الدية المقررة شرعاً .

    غير أنه يجب التأكيد على أن هذه الحدود الرامية لجعل الانتقام متعادلاً مع الجريمة اقتصرت في غالب الأحيان على حالة ما إذا كان المجرم منتمياً لذات الجماعة ، أما في الفرد العكسي ، ففي الغالب لم يكن ليفلح نظام القصاص أو الدية ، وعادة ما تنشأ الحروب فيتحول الانتقام من الطابع الفردي إلى الانتقام الجماعي أو العام .

    المبحث الثاني
    الأساس الردعى والتكفيرى للحق في العقاب

    30- تمهيد :
    إن ظهور الغرض الردعي والتكفيري للحق في العقاب إنما يرجع في الحقيقة إلى سببين أو يستند على دعامتين ، مهدا لخروج العقاب من حيز الانتقام وإرضاء الآلهة إلى آفاق أخرى كالردع والتكفير والإصلاح. وهذين العاملين نوجزهما في الآتي :

    31- أولاً : الدراسات الفلسفية الإغريقية :
    أدى ظهور الفلسفات الإغريقية القديمة ، وخاصة على يد أفلاطون وتلميذه أرسطو ، إلى تطوير الأساس المتعلق بالحق في العقاب. فبعد أن كان الحق في العقاب حتى هذه المرحلة يمتزج بالطابع الديني ، بحيث ينظر للعقوبة على أنها محاولة لاسترضاء الآلهة ، بدأ ظهور طابع أخر للعقاب هو الطابع السياسي المتمثل في المحافظة على النظام الاجتماعي. فالجريمة ليست فقط إساءة للقوى الإلهية ولكنها أيضاً تمثل اضطراباً اجتماعياً.

    وعلى هذا الأساس فقد نادى أفلاطون بمبدأ شخصية العقوبة ، وأن يكون من بين أهداف العقوبة الردع على أمل توقي المجتمع شرور الجريمة في المستقبل. وهى ذات المبادئ التي نادى بها أرسطو محاولاً جعل غرض إصلاح الجاني من بين أهداف الجزاء الجنائي إلى جانب الردع كوظيفة أساسية. أي أن العقوبة استهدف بها تحقيق أمرين هما الردع والإصلاح .

    32- ثانياً : الفكر والدراسات الكنسية :
    كان لدخول المسيحية أرجاء الإمبراطورية الرومانية واعتبارها الدين الرسمي لها أثره على النظرة للحق في العقاب. فكان لهذه الديانة الفضل في المناداة بالمساواة بين الناس في العقاب ، الأمر الذي كانت تنكره بعض الشرائع والتي كانت تخص الأسياد بعقوبات تختلف عما يطبق على العبيد (كالإعدام مثلاُ الذي خصص كعقوبة للعامة من الناس وللعبيد).

    وعلى أثر الدراسات الكنسية بدأت العقوبة تستند إلى مبدأ التكفير عن الخطيئة المتمثلة في الجريمة. هذا التكفير لا يستهدف الانتقام من الجاني بل محاولة تطهير نفسه وتهذيبه وإصلاحه. من هنا كان بداية ظهور الأساس الإصلاحي والتهذيبي للجزاء الجنائي. الأمر الذي استوجب تعزيز الدراسات التي تهتم بشخص المجرم والعوامل الداخلية للنفس الآثمة. لذا فلا عجب أن ظهور فكرة المسئولية الفردية والإثم الجنائي والخطأ والإسناد كان يرجع إلى الفكر الكنسي.

    إلا أنه رغم هذا الأثر الإيجابي للفكر الكنسي فإنه يظل لتلك الفترة من حياة الإنسانية آثارها السلبية ، التي نشأت بفعل جمع رجال الكنيسة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية وإدخالهم في عداد الجرائم كل ما يمس المصالح الدينية والعقاب عليها بأشد وأبشع العقوبات ، حتى ولو كان الأمر لا يخرج عن كونه نوع من الفكر الإنساني. فظهر ما نسميه في أيامنا هذه الإرهاب الفكري تحت مسميات عديدة كالهرطقة L’hérésie ، والزندقة La blasphème ، وانتهاك المحرمات Le sacrilège. كما أتخذ الدين في تلك الفترة ستاراً للتخلص من الخصوم السياسيين والمفكرين الذين يحفزون العامة على الخروج على سلطة الكنيسة. لذا فلم تفلح دعوات رجال الكنيسة ومفكريها المطالبة بالإقلال من قسوة العقوبات المفرطة.

    ولقد استمر الحال هكذا أبان العصور الوسطى وظهور الملوك الذين يستندون في حكمهم إلى مبدأ التفويضي الإلهي ، والذين لجئوا لتدعيم حكمهم إلى إضفاء المزيد من القسوة على العقوبات واستخدام أبشع الوسائل في تنفيذها. فجعلت عقوبة الإعدام وبتر الأعضاء عقوبة لجرائم الخيانة وعدم الولاء للملك والهروب من الجيش ، وكلها جرائم تهدف إلى تدعيم سلطان الدولة والحكم. ولهذا غلب في مجال العقاب طابع الردع على طابع الإصلاح ، الأمر الذي أدى إلى تطبيق العقوبة أحياناً على صغار السن وعلى المكره وعلى المجانين والحيوانات وجثث الموتى . بل وتوارى مبدأ المساواة الذي حاولت المسيحية تدعيمه. ففي تلك الفترة كانت العقوبات تختلف باختلاف المركز الاجتماعي للجاني وكذلك تختلف وسيلة التنفيذ. كل هذا كان يدعمه ما يتمتع به القضاة من سلطة مطلقة في التجريم والعقاب.

    الفصل الثانى
    الحق في العقاب في الفلسفات العقابية الحديثة
    33- تمهيد وتقسيم :
    لما كان سمة الفكر الإنساني هي التبدل والتطور ، فكان لابد من ظهور اتجاهات فكرية ومذهبية وفلسفية تعمل على تطوير النظام الجنائي الذي استقر طيلة العصور الوسطى. وكان للكتابات الإصلاحية التي حمل لوائها العديد من الفلاسفة والمفكرين أمثال كريتوس (1583– 1645) ، وهوبز (1588– 1679) ، ولوك (1632– 1755) ، ومونتيسكيو (1686– 1755) ، وروسو (1712– 1778) ، وفولتير (1689– 1755) ، وبيكاريا (1738– 1794) ، أثرها في التمهيد لقيام ثورات سياسة كالثورة الفرنسية التي عملت على تطوير النظام الجنائي والعقابي. فكان لها الفضل في إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن في عام 1789 والذي كرس مبدأ الشرعية الجنائية والمساواة أمام القانون (م 6 من الإعلان) وإحلال العقوبات السالبة للحرية محل العقوبات البدنية ووضع القيود على سلطة القضاء في التجريم والعقاب. فكما يقول مونتسكيو في مؤلفة "عن روح القوانين" "أنه من قبيل المبدأ الأبدي أن كل إنسان يحوز سلطة يسعى إلى إساءة استخدامها إلى أن يجد حدود تحده" .

    وهذه الحدود ، فيما يتعلق بالحق في العقاب ، هي ما نسميها بالمدارس العقابية. والتي حاول مفكريها وضع الأسس والحدود التي ترسم للسلطة - المتمثلة في الدولة - كيفية وأسلوب ومقدار حقها في العقاب ، كما تحدد أيضاً الأهداف والغايات التي ترمي إلى تحقيقها من وراء توقيع العقاب.

    وتتنوع المدارس العقابية بدءً من القرن الثامن عشر إلى وقتنا الحالي. ويمكننا أن نميز وفق التسلسل التاريخي بين المدارس التقليدية بطابعها النظري المجرد والمدرسة الوضعية بطابعها المفرط في استقراء الواقع ، ثم المدارس التوفيقية بين المذاهب السابقة ثم المدارس المعاصرة، سواء مذهب الدفاع الاجتماعي أو الاتجاه النيوكلاسيكي المعاصر.

    ولكل من هذه المذاهب سوف نخصص مبحثاً مستقلاً نكشف فيه عن السياسة الجنائية لكل مذهب في مكافحة الظاهرة الإجرامية وعن الأساس الذي الأساس الذي اعتمده كل اتجاه للحق في العقاب.
    المبحث الأول
    السياسة الجنائية التقليدية
    La politique criminelle classique

    34- تمهيد وتقسيم :
    لا ينتظم الفكر العقابي التقليدي في اتجاه مذهبي واحد. فداخل الاتجاه التقليدي يمكننا أن نميز بين المدرسة العقابية التقليدية الأولى أو المدرسة الكلاسيكية ، التي ترى أن الردع العام هو الهدف الأساسي للعقوبة ؛ وبين المدرسة التقليدية الحديثة أو النيوكلاسيكية والتي تضيف إلى هدف الردع العام هدفاً أخر للعقوبة ألا وهو تحقيق العدالة. ولكل من المدرستين سوف نخصص مطلباً.

    المطلب الأول
    المدرسة الكلاسيكية L’école classique

    35- أولاً : نشأة الاتجاه الكلاسيكي :
    ترجع نشأة هذه المدرسة إلى وقت كان يسود فيه نوع من الخلل في النظام الجنائي ككل. فالعقوبات كانت تتسم بالشدة والقسوة وعدم التناسب مع قدر الضرر والخلل الاجتماعي الذي أحدثته الجريمة ، كما أن القضاء قد أصابه التحكم والهوى والرغبة فقط في إرضاء الحاكم ، وبعيداً عن تحقيق المساواة بين المواطنين.

    ويظل الفضل في الثورة على هذا الاستبداد الجنائي إلى الفيلسوف والمفكر الإيطالي سيزار بونزانا دي بيكاريا Cesar Bonesana de Beccaria (1735– 1794) وذلك من خلال مؤلفة الشهير "عن الجرائم والعقوبات (1767)" (Die delitti e delle pene) ، الذي يعد بحق نقطة تحول في تاريخ القانون الجنائي عامة . وقد أعقب هذه المحاولة للثورة على النظام الجنائي القائم محاولات أخرى على يد كل من العام الإنجليزي جيرمي بنتام Jeremy Bentham (1778– 1832) والعالم الألماني أنسلم فويرباخ ِAnselme Feuerbach (1775– 1833) والعام الإيطالي فيلاميجري Filamgerie (1702– 1788) .
    36- ثانياً : الدعائم الفلسفية للمدرسة الكلاسيكية :
    استمد بيكاريا الأساس الفلسفي لأرائه وللمدرسة التقليدية ككل من نظرية العقد الاجتماعي Le contrat social التي شيدها المفكر الفرنسي جان جاك روسو Rousseau في مؤلفه الذي يحمل ذات الاسم (1762). ووفقاً لهذه النظرية فإن أساس حق الدولة في العقاب يرجع إلى تنازل الأفراد عن بعض حرياتهم وحقوقهم للجماعة في سبيل المحافظة على الباقي منها. ومن ثم يكون جزاء الخروج على الجماعة بالقدر اللازم فقط لحمايتها. فهذا القدر هو ما يلزم حتماً للإقامة السلطة في الجماعة حتى تتمكن من إقرار الأمن والمحافظة على حقوق وحريات الأفراد فيها. فأفراد المجتمع -كما يرى روسو ومن وراءه بيكاريا - قد تعاقدوا على العيش في سلام وولاء لسلطة موحدة ، وبالتالي فإن الجريمة تعتبر إخلال بتنفيذ هذا العقد وتوجب توقيع العقاب.

    فهذا التصور هو التبرير الأخلاقي والقانوني للجزاء الجنائي. فالأفراد تنازلوا للسلطة العامة (الدولة) عن حقهم في الدفاع عن أنفسهم وعن أموالهم ، وبالتالي فإن سلطة الدولة في العقاب ليست سوى حاصل جمع تلك الحقوق جميعاً وما زاد عن ذلك فلا يظل في حدود سلطتها. ومن ثم فإن توقيع العقاب في تلك الحالة يعتبر خرقاً للعقد الاجتماعي ونقضاًَ له. ويترتب على هذا التحليل عدة نتائج نوجزها في الأتي :

    37- أ : الشرعية الجنائية أساس التجريم والعقاب :
    إذا كان للمدرسة التقليدية فضل ، فلن يكون سوى إظهار أهمية إعمال مبدأ الشرعية الجنائية في مجال التجريم والعقاب ، بحيث لا تكون هناك جريمة ولا عقوبة إلا بمقتضى نص قانوني واضح ومحدد ، وبحيث يقطع على القضاء كل سبيل للتحكم والهوى. فالتشريع وحده هو السبيل لتقرير العقوبات مثلما هو الحال في مجال التجريم. وهذا الأمر يستلزم الاستقلال التام بين السلطتين التشريعية والقضائية , فإلى الأولى يسند أمر تقرير الجرائم والعقوبات والى الثانية يسند أمر تطبيقها. لذا فلا يجوز للقضاة إعمال القياس في التجريم أو في العقاب , كما لا يجوز لهم إعمال التفسير الموسع الذي يخرج عن حدود النص الجنائي الواضح. فليس للقاضي أن يجرم ما ليس مجرماً ولا أن يعاقب بعقوبة غير التي نص عليها المشرع.

    ولقد سجل إعلان حقوق الإنسان والمواطن البدايات الأولى لهذا المبدأ في عام 1789 بإعلانه أنه "لا يجوز إطلاقاً عقاب شخص إلا بناء على قانون سابق على ارتكاب الجريمة و ليس للقانون أن ينص على عقوبات غير ضرورية". كما أقرت مدونة العقوبات الفرنسية في عام 1791 هذا المبدأ بصورة جامدة تمثلت في أخذها بمبدأ العقوبات المحددة والثابتة Peines fixes.

    38- ب : المنفعة أساس الحق في العقاب :
    لا يجوز للسلطة العامة (الدولة) أن تسرف في الحق في العقاب ولا أن تستعمله إلا بالقدر الذي يحقق المنفعة العامة المتمثلة - كما يرى بيكاريا ، في منع الجاني من تكرار جرمه في المستقبل ومنع أقرانه من تقليده. ففائدة العقوبة لا علاقة لها بالجريمة وقد وقعت بالفعل وإنما في نفعها في منع وقوع الجريمة مستقبلاً. فكأن وظيفة العقوبة – علي حد قول بيكاريا – هي الردع والزجر وليس التمثيل والتنكيل بكائن حساس ولا هو إزالة الجريمة . هذا الردع ينصرف إلي الجماعة ككل ، وهو ما يطلق عليه الردع العام ، وكذلك ينصرف إلي المجرم نفسه بترهيبه بالعقوبة وإنذاره ، وهو ما يسمي بالردع الخاص.

    ولما كانت المنفعة هي أساس الحق في العقاب فكان لزاماً ألا تتعسف الجماعة في تقدير العقوبة بحيث تتجاوز مقدار الضرر الناشئ عن الجريمة. فيكفي لكي تكون العقوبة عادلة أن يفوق الألم أو الأذى الذي تمثله العقوبة مقدار الفائدة أو المنفعة التي يتوقع الجاني حصولها بعد ارتكابه للجريمة. فالمجرم حينما يوازن بين ألم العقوبة ومنفعة الجريمة ويجد أن الأولي هي التي تعلو سوف يحجم عن القيام بما يضر الجماعة. وفي هذا يقول بيكاريا "كي تتوصل العقوبة إلي أغراضها ، فإن الضرر الناجم عن العقوبة ينبغي فقط أن يتجاوز المنفعة التي سيتحصل عليها من الجريمة ، وفي هذا التجاوز للضرر ، فإن بوسع المرء أن يضمن فاعلية العقوبة وأن يفسد المنفعة التي تتحقق من الجريمة ، وكل ما يتعدى ذلك فهو تزيد وغير ضروري" .

    وكان لفكرة المنفعة - كأساس للحق في العقاب - صداها لدي بقية أنصار المدرسة التقليدية رغم تنوع التفسيرات عندهم لهذه الفكرة. فالفليسوف الإنجليزي جيرمي بنتام نادي بفكرة منفعة العقوبة في مؤلفة مبادئ الأخلاق والتشريع Principes de morale et de législation ومؤلفة عن التشريع المدني والجنائيDe législation civile et pénale ومؤلفة نظرية العقوبات والمكافآت Théorie des peines et des récompenses (1818). علي أن هذا الفقيه يفهم المنفعة من منظور أن الإنسان أناني بطبعة تحركه منفعته الخاصة وأن النفس الإنسانية محكومة بقانون اللذة والألم. لذا فإن العقوبة يجب أن تنصرف إلي تحقيق أكبر قدر من الألم بما يفوق المنفعة المتوقعة من الجريمة ، وهذا وحدة هو الكفيل بمكافحة الجريمة. فمهمة العقوبة لا ينبغي أن تتعلق بتحقيق المعاني المجردة - كالعدل مثلا - وإنما بتحقيق منفعة ما ، أو كما يقول "إن ما يبرر العقاب هو منفعته أو بالأدق ضرورته" . فالقيود التي يضعها المشرع لا تكون مبررة إلا حيث تهدف إلي تحقيق منفعة ما دون نظر للعدالة أو الأخلاق ، وليس هناك محل للعقاب إلا حيث يكون هناك منفعة.

    وذات التصور نجده عند العالم أنسلم فويرباخ الذي يرى أن الإنسان يندفع في تيار الجريمة بدافع اللذة التي يستشعرها بارتكابه لها ، لذا فإن العقوبة لن يكون لها من نفع إلا حيث تفوق هذه اللذة. فكأن هذا الفيلسوف يبرر العقوبة بفكرة "الإكراه النفسي" .

    39- ج : حرية الاختيار المطلقة Libre arbitre absolu أساس المسئولية الجنائية ( المسئولية الأخلاقية )
    لما كانت وظيفة العقوبة وهدفها لدى أنصار المدرسة الكلاسيكية هى الردع بشقية العام والخاص ، وأن هذا الردع يقوم علي أساس خلقي ، يتمثل في تقويم وتهذيب إرادة المجرم ، فكان لابد من تحديد المسئولية الجنائية وحصرها في كل شخص أهل لتحملها من واقع ثبوت الإرادة وحرية الاختيار لديه ، الأمر الذي لا يتوافر لدي عديمو الإرادة ولدي من يثبت جنونه أو صغر سنة. فالمجرم لدى أنصار المدرسة التقليدية ليس إنساناً وحشياً أو مريضاً أو كافراً ، بل هو فرد خالف عن وعي وإرادة العقد الاجتماعي. فهو إنسان حر الإرادة والاختيار لكنه أساء باختياره وإرادته استعمال حريته . وحرية الاختيار تلك - أي حرية الموازنة والخيرة بين طريق الخير وطريق الشر - لدى أنصار المدرسة الكلاسيكية متساوية لدى جميع الأفراد ، مما يوجب المساواة التامة بين جميع المجرمين الذين يتمتعون بملكتي الإدراك والتميز. وقد ترتب مع هذه المساواة أن اعتمدت هذه المدرسة مبدأ العقوبة ذات الحد الواحد ، بحيث ينحصر دور القاضي في تطبيق العقوبة المقررة قانوناً. وعلى هذا النحو فلا يوجد أي صدى لمبدأ تفريد العقوبة ، أي المغايرة في المعاملة العقابية من جان إلى أخر حسب ظروف وشخصية كل مجرم على حدة. كما انتفى لدى أنصار هذه المدرسة الأخذ بفكرة المسئولية المخففة أو الأخذ بنظام العفو الخاص. فضوابط التجريم والعقاب ضوابط مادية وموضوعية مجردة.

    ولقد تأثر قانون العقوبات الفرنسي الصادرة في 1791 في أعقاب الثورة الفرنسية بهذه الفكرة عن المساواة ، التي يطلق عليها البعض فكرة المساواة الحسابية والتي تتطلب خضوع المخاطبين بأحكام القاعدة الجنائية لذات التجريمات ولذات العقوبات دون النظر للأي عوامل شخصية تتعلق بالإنسان المجرم .

    40- ثالثاً : تقدير السياسة العقابية الكلاسيكية :
    لا يمكن عند تقديرنا للدعائم الفلسفية للمدرسة التقليدية أن ننكر فضل تلك المدرسة على القانون الجنائي عامة. فلذلك الاتجاه الفضل في الدعوة إلى إقرار مبدأ الشرعية الجنائية في مجالي التجريم والعقاب ، وإظهار أهمية الأخذ بالمسئولية الأخلاقية القائمة على الخطأ الشخصي ، والدعوة إلى التخفيف من قسوة العقوبات ، ومنع الوسائل الوحشية في التنفيذ العقابي. ولعل أفضل ما يحسب لتلك المدرسة – على حد قول الفقيه الفرنسي ريموند سالي Raymond Saleilles - أنها دعت لإلغاء كافة السبل التي تدفع القضاة إلى التحكم والهوى .

    بيد أن تلك المدرسة لم تفلت من النقد وقد تعدت أوجه القصور بشأنها والتي يمكن إيجازها في الآتي :

    *- لقد نحت المدرسة الكلاسيكية نحو التجريد المطلق ، حيث أقامت أسس التجريم والعقاب على قواعد موضوعية مجردة لا تراعي شخص المجرم وعوامل انحرافه والظروف الفارقة من جان إلى أخر. ولقد ترتب على عدم مراعاة الفروق الفردية أو الجانب الشخصي في كل مجرم على حدة أن فشلت المدرسة التقليدية في تحقيق المساواة التي دعت إلى الأخذ بها. فتحقيق العدالة والمساواة يتطلب دراسة ومراعاة كافة الظروف الشخصية لكل مجرم التي تدعوه إلى الانحراف وسلوك سبيل الجريمة. فالطابع التجريدي المحض أسفر في الحقيقة عن ظلم ناشئ عن التطرف في الجزاء ، الذي وإن تناسب مع ماديات الواقعة الإجرامية إلا أنه لا يناسب ظروف المجرم الشخصية على مستوى الواقع العملي. فمعاملة المجرم العائد على قدم المساواة مع المجرم البادئ هو عين الظلم .
    *- إن إصرار المدرسة الكلاسيكية على ربط الجزاء بعوامل موضوعية مجردة دفعها إلى جعل هذا الجزاء ثابتاً لا سلطان للقاضي عليه رفعاً أو خفضاًً ، وبالتالي فقد أهملت هذه المدرسة واجب تحقيق العدالة بحسبانه أحد أهداف العقوبة. فالجزاء المحدد الثابت لكل المجرمين المترفين لفعل واحد لا يمكن أن يكون رادعاً لهم جميعاً ، حيث أن اختلافهم في التكوين الخلقي والنفسي من شأنه أن يجعل هذا الجزاء ناقصاً بالنسبة لبعضهم وكافياً بالنسبة للبعض الآخر ومتجاوزاً للبعض الأخير. وهكذا تفقد العقوبة وظيفتها في الردع بالنسبة للبعض الأول وتصبح ظالمة للبعض الأخر .
    *- كما أخذ على هذه المدرسة المغالاة في وظيفة الردع العام أو الخاص ، فهذه الوسيلة مهما قيل من خطورتها كوظيفة اجتماعية للتشريع العقابي لا ينبغي التعويل عليها إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى للعلاج بما يكفل تهذيب وإصلاح وتأهيل المجرم بحيث لا يعاود ارتكاب الجريمة مرة أخرى. فكما يقول البعض "فارق كبير بين مجتمع يحكمه تشريع يقدر نوازع الإرادة البشرية حق قدرها ، ويتصدى لعلاج انحرافاتها في رفق وحكمه ، وبين تشريع يسلط على المجتمع - بحجة تحقيق الردع العام أو الخاص – سياطاً من الإرهاب لا تصنع فضيلة حقيقية ، بل نفوساً شرسة متحفزة للعدوان كلما أتيحت لها فرصة وهي متاحة أبداً – حتى لو افتقد العدوان أسبابه ، ومهما اشتط الشارع في عقابه" .
    *- وفي النهاية فقد أخذ على هذه المدرسة أنها أخذت من فكرة العقد الاجتماعي التي قال بها روسو أساساً فلسفياً لها تقيم على أساسه فكرة الحق في العقاب ، والمعلوم أن هذه الفكرة – العقد الاجتماعي – لم يقم على وجودها دليل قاطع من الناحية التاريخية .

    المطلب الثاني
    المدرسة النيوكلاسيكية L’école néo-classique

    41- تمهيد :
    لم تكن المدرسة النيوكلاسيكية أو التقليدية الجديدة فكرة عارضة أو مرحلة منفصلة في الفكر الجنائي الحديث ، ولكنها تمثل امتداد طبيعي لما سبقها من أفكار ومفاهيم تتعلق بفكرة الحق في العقاب. ولذلك فقد احتفظت هذه المدرسة بالكثير من المبادئ التي قامت عليها المدرسة التقليدية ، فلم يزل المجرم في نظرها إنساناً خالف عن وعي وإرادة العقد الاجتماعي الذي ارتضاه ، كما أنها أسست المسئولية الجنائية على فكرة حرية الاختيار. بيد أن تلك المدرسة قد عمدت إلى إضافة مبادئ جديدة تستهدف دراسة شخصية المجرم وإقرار التفاوت النسبي بينهم في الظروف والإرادة ومن ثم في حرية الاختيار.

    ولإظهار أكثر لمبادئ تلك المدرسة يجدر بنا أن نتعرض أولاً للدعائم الفلسفية لها قبل بيان أوجه النقد التي قيلت بشأنها .

    42- أولاً : الدعائم الفلسفية للمدرسة النيوكلاسيكية :
    تتحدد الدعائم الفلسفية للاتجاه النيوكلاسيكي في عنصرين ، يتصل الأول بفكرة العدالة المطلقة كأساس للحق في العقاب ويتعلق الثاني بحرية الاختيار النسبية كأساس للمسئولية الجنائية.

    43- أ : العدالة المطلقة أساس الحق في العقاب :
    إذا كانت فكرة العقد الاجتماعي التي قال بها المفكر الفرنسي جان جاك روسو هي دعامة وركيزة الأساس الفلسفي للمدرسة التقليدية وكل أفكارها حول الحق في العقاب ، فإن أنصار المدرسة النيوكلاسيكية – ومنهم الفقيه جيزو Guizot في مؤلفه عن عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية (1822) La peine de mort en matière politique , وجو فروي Jouffroy في مؤلفه عن القانون الطبيعي (1830) Traité de droit naturel ومنهم أيضاً الفقهاء روسي Rossi وأورتولان Ortolan وجارو Garraud وجارسون Garçon وشارل لوكا Charles Lucas - قد أقاموا دعائم هذه المدرسة على الأفكار المستمدة من الفلسفة المثالية الألمانية التي يمثلها الفليسوف إيمانويل كانت Kant حول "العدالة المطلقة"La justice absolue . وهذه العدالة المطلقة هي التي تمثل أساس الحق في العقاب وليس المنفعة كما كان يقول أنصار المدرسة التقليدية .

    ونقطة البدء عند كانت ، هي إقراره بمبدأ الحرية ، وهي القيمة الخلقية العليا وبغيرها يصبح القانون مدعاة للسخرية. وهذه الحرية هي حق طبيعي للفرد لا منحه ، إذ للإنسان في أعماقه قدرة في الاختيار أسمى - على حد قول البعض - من قانون السببية الذي يحكم الظواهر الطبيعية . ويصبح العقاب - كما يرى كانت - هو المقابل الحتمي لحرية الإرادة التي دفعت الجاني إلى سلوك سبيل الجريمة ، وذلك بصرف النظر عن فكرة منفعة العقوبة. فالحرية إذا ما أسيئ استخدامها حق العقاب ، وهذا هو منطق العدل أو هذه هي العدالة المطلقة.

    ولتأكيد كانت على فكرة عدالة العقاب بغض النظر عن نفعيته ضرب لنا المثال الشهير الذي أسماه "الجزيرة المهجورة" L’île abandonnée ، والذي يقول فيه لو فرض ووجدت جماعة إنسانية تعيش في جزيرة ثم قررت هذه الجماعة أن تنفض وتترك هذه الجزيرة ، فإن واجب العدالة يقتضي أن تقوم الجماعة بتنفيذ أخر حكم إعدام صدر عن السلطة العليا فيها ، رغم أن هذا التنفيذ عديم الجدوى بالنسبة للجماعة لأنها على وشك الانفضاض ولا يعود عليها بأي نفع. وما التنفيذ في تلك الحالة إلا لإرضاء الشعور بالعدالة مجرداً عن أي شعور أخر باعتباره فكرة ترتبط بالنواميس الخلقية التي تشعر بها الجماعات.

    وتلك الفكرة تتطابق أيضاً مع ما قال به الفيلسوف الألماني هيجل الذي يرى أن الجريمة هي نفي للقانون وأن العقوبة هي نفي لهذا النفي ، وبالتالي فالعقوبة تأكيد للقانون.

    وإذا كانت فكرة العدالة المطلقة هي أساس الحق في العقاب لدى أنصار تلك المدرسة إلا أنهم حاولوا التوفيق بين تلك الفكرة وفكرة نفعية العقوبة التي قال بها أنصار المدرسة التقليدية. وكان من نتيجة هذا المنهج التوفيقي أن قال أنصار المدرسة التقليدية الجديدة "النيوكلاسيكية" أن العقوبة ينبغي ألا تجمع بين العدالة والمنفعة الاجتماعية ، فهي – أي العقوبة – تهدف إلى العدالة ولكن في حدود تحقيق المنفعة الاجتماعية. فالعدالة هي مصدر سلطة المجتمع في العقاب والمنفعة هي المعيار الذي يتحدد به نطاق استعمال هذه السلطة. وعلى هذا فلا ينبغي للعقوبة - كما يقول الفقيه الفرنسي أورتولان - أن تكون أكثر مما هو عادل ولا أكثر مما هو نافع أو ضروريPas plus qu’il n’est juste pas plus qu’il n’est nécessaire.

    44- ب: حرية الاختيار النسبية أساس المسئولية الجنائية :
    لقد تداركت المدرسة النيوكلاسيكية النقد الذي وجه إلى المدرسة السابقة في أخذها بمبدأ المسئولية الجنائية القائمة على أساس حرية الاختيار ، منظوراً إليها على أنها حرية ذات طابع مطلق ومتكافئ لدى جميع الأفراد حال خروجهم على أحكام القانون. فالحرية لدى أنصار الاتجاه الجديد حرية نسبية وغير متساوية. فأما أنها نسبية فلأن هذه الحرية هي قدرة مقاومة الدوافع والميول المختلفة ، وهذه القدرة مقيدة بما جبل عليه الإنسان من طباع وبما يعتمل داخله من عوامل وراثية وتكوين فطري وما يحيط به من ظروف خارجية تتعلق بالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها .

    وأما أن هذه الحرية غير متساوية عند الجميع ، فلأنها تتفاوت باختلاف الميول والنزعات من إنسان إلى أخر وفي الإنسان الواحد من وقت إلى أخر. وعلى هذا اعتمدت هذه المدرسة مبدأ المسئولية الجنائية المتفاوتة أو غير المتكافئة ، حيث يراعى في تقدير المسئولية إلى جانب العوامل الموضوعية المتصلة بالواقعة الإجرامية ذاتها ، بعض الظروف والعوامل الشخصية المتصلة بالمجرم ذاته.

    وعلى هذا دعت هذه المدرسة لتبني مبدأ تفاوت العقوبات بين حدين أقصى وأدنى ، كي يكون للقاضي الجنائي السلطة التقديرية بين الحدين حسب ظروف كل واقعة وحسب شخصية كل جان. كما أولت هذه المدرسة عناية بدارسة التأثيرات النفسية والبيولوجية والاجتماعية التي تؤثر في الجانب الشخصي للمسئولية الجنائية. كذلك اهتمت بالعناصر الشخصية المشددة للعقاب كعنصر سبق الإصرار والتمايز في المسئولية بين من يرتكب الجريمة والنفس هادئة وبين من يرتكبها في حالة استفزاز. ومن هنا عرف مبد المسئولية الجنائية المخففة ، كما كان لهذه المدرسة الفضل في انتشار أنظمة التخفيف العقابي التي من صورها نظام الأعذار القانونية والظروف القضائية المخففة ووقف التنفيذ. وهي حلول اعتمدتها الكثير من التشريعات منها قانون العقوبات الفرنسي في عام 1832 وقانون العقوبات الألماني في عام 1889 وكذلك قوانين العقوبات المصرية المتعاقبة بدءً من عام 1883 ومروراً بعام 1904 وانتهاء بقانون العقوبات الحالي لعام 1937 .

    45- ثانياً : تقدير السياسة العقابية النيوكلاسيكية :
    لا ريب أنه يعود لهذه المدرسة الفضل في توجيه الأنظار نحو الاهتمام بالجوانب الشخصية للمسئولية وما يترتب على ذلك من وجوب تحقيق التناسب بين العقوبة ودرجة المسئولية التي تقاس بصفة أساسية على أساس مقدار حرية الاختيار المتوافر حال ارتكاب الواقعة الإجرامية ، مع مراعاة كل الجوانب الشخصية التي قد تؤثر في هذه الحرية. فالمساواة الحسابية في حرية الاختيار أمر يتنافى مع منطق هذه المدرسة ، وهو اتجاه ولا شك موفق.

    بيد أن هذه المدرسة قد اعترى النقص بعض جوانبها ، ومن قبيل ذلك :
    *- أن دعوة هذه المدرسة للتخفيف من قسوة العقوبات ووضع العقوبات بين حد أدنى وحد أقصى أظهر فيما بعد مشكلات عقابية أخرى تتعلق بالعقوبات قصيرة المدة ، التي انتشرت بفعل إعمال قواعد التخفيف أو ما نسميه بالظروف المخففة للعقاب التي ظهر على يد تلك المدرسة. ومن المعلوم أن لهذا النوع من العقوبات مثالبة ، حيث أن قصر فترة العقوبة لا يتيح الفرصة لإصلاح وتهذيب الجاني ، بل يمكن لهذه العقوبات أن تساهم في انتقال عدوى الجريمة نتيجة اختلاط المجرمين المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة المدة بغيرهم من عتاة المجرمين داخل المؤسسة العقابية.
    *- أنه إذا كانت هذه المدرسة تجعل من حرية الاختيار ودرجتها أساس المسئولية الجنائية ، فإن هذا الأمر يقتضي بدأه إيجاد مقياس أو معيار واضح على أساسه يمكن قياس مقدار الحرية المتوافر حال ارتكاب الواقعة الإجرامية ، وهي أمور من المتعذر قياسها بأسلوب علمي دقيق.
    *- على الرغم من محاولة الاتجاه النيوكلاسيكي التوفيق بين فكرتي منفعة العقوبة وعدالتها بيد أنه قد أغفل تماماً الاهتمام بفكرة الردع الخاص كهدف من أهداف العقوبة ، بمعنى أنها قد أهملت جوانب الإصلاح والتهذيب المتعلقة بالجاني والتي تحول بينه وبين معاودة ارتكاب الجريمة مرة أخرى.



  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي السياسة الجنائية الوضعية La politique criminelle positive

    المبحث الثانى
    السياسة الجنائية الوضعية La politique criminelle positive

    46- أولاً : نشأة السياسة الوضعية :
    يرجع ظهور المدرسة الوضعية الجنائية في أواخر القرن التاسع عشر على يد الثلاثي الإيطالي الشهير سيزار لومبروزو C. Lombroso (1836-1909) وأنريكو فري E. Ferri (1856-1929) ورافائيل جاروفالو R. Garofalo(1851-1934) إلى الفشل الذي لاقته المدارس التقليدية في مكافحة الظاهرة الإجرامية ، وكذلك التشريعات التي أخذت بها. فلقد كشفت الإحصائيات الجنائية عن ازدياد نسبة الإجرام في تلك الدول التي طبقت تلك السياسة الجنائية في مواجهة الانحراف الجنائي. ولعل هذا الفشل يرجع إلى تعلق السياسة الجنائية التقليدية بأفكار فلسفية (العقد الاجتماعي – العدالة المطلقة – نفعية العقوبة) مجردة حول الجريمة والعقوبة وإعطاء الاهتمام الأكبر للجريمة على حساب المجرم ، فكأنها قد عالجت أثار الفعل وأهملت مصدر الفعل ذاته. وهذه الأزمة التي واجهت المذهب التقليدي – كمذهب مجرد وميتافيزيقي – يعود إلى ظهور الدراسات التي وجهت النظر نحو منهج الملاحظة والتجربة في دراسة السلوك الإنساني وكذلك ظهور الدراسات الإحصائية المتعلقة بالظواهر الاجتماعية .

    ومن بين ما ساعد على انتشار المذهب العقابي الوضعي ظهور بعض الدراسات الإيطالية على يد الفقيد الإيطالي إليرو Ellero والذي أوضح إستحالة التناسب بين الجريمة والعقوبة ، ومن ثم إستحالة تحقيق العدالة الجنائية المطلقة. فتلك العدالة لن تكون في جميع الأحوال إلا عدالة نسبية أو اتفاقية ، الأمر الذي يهدم بالتالي المسئولية الأخلاقية كأساس لتحقيق تلك العدالة. وقد تابع دراسات إليرو فقيه إيطالي أخر هو جيوفاني بوفيو G. Bovio الذي أوضح أن الجريمة ما تنشأ إلا نتيجة مساهمة العديد من العوامل الطبيعية والاجتماعية إلى جانب الإرادة الفردية الآثمة. وهو استخلاص ذو قيمة عالية يمثل أحد أسس المدرسة الوضعية. غير أن هذا الفقيه لم يستطع أن يكون من ذلك نظرية عامة ، أو يستخلص النتائج المنطقية لهذا التحليل .

    غير أن عماد المدرسة الوضعية المعتمدة على منهج الملاحظة والتجريب في استخلاص وتحليل النتائج قد قام على أكتاف الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت Aujuste Compte عندما شرع في نشر مؤلفة المكون من ستة أجزاء المعنون باسم "دروس الفلسفة الوضعية" (1803-1842).

    ولقد تلقف الإيطالي سيزار لومبروزو (1836-1909) - والذي كان يعمل أستاذاً للطب الشرعي والعصبي بجامعة برافيا وطبيباً للأمراض العقلية في السجون الإيطالية - هذا المنهج التجريبي وبدأ يجري أبحاثاً تطبيقية تعتمد على منهج الملاحظة في دراسة الظاهرة الإجرامية. وقد ضمن نتائج بحوثه في مؤلفه الشهير الإنسان المجرم L’homme criminel (L’Umo delinquento1876) وكذلك مؤلفه الأخر عن "الجريمة أسبابها وعلاجها" Le crime : ses causes et Remèdes (1901). وقد عمد لومبروزو إلى إظهار ما قد يتميز به المجرمون من صفات تشريحية وجسدية وعضوية ، كعدم انتظام حجم الجمجمة وضيق الجبهة وبروز العظام الخاصة بالوجهين وطول الفك وبلادة الإحساس ...الخ .

    وقد اعتقد لومبروزو في كون المجرم يحمل علامات ارتدادية وراثية Atavisme قد تدفعه في ظل ظروف معينة إلى سلوك سبيل الجريمة. ومن هنا غلب دور الوراثة لديه كعامل من عوامل الجريمة. وقد اعتمد لومبروزو تقسيماً خماسياً للمجرمين - وهو تقسيم يساهم في إنجاح المعاملة العقابية تجاه كل طائفة – يستند إلى نوع العوامل والظروف التي تساهم في تكوين السلوك الإجرامي. وهذه الطوائف هي المجرم بالفطرة Criminel instinctif ou né وأن المجرم العاطفي Criminel passionnel والمجرم المعتاد أو بالعادة Criminel d’habitude والمجرم المجنون Criminel aliéné والمجرم بالصدفة Criminel d’occasion .

    أما رفائيل جاروفالو Raffaele Garofalo (1852-1932) - القطب الثاني من أقطاب المدرسة الوضعية وأستاذ القانون الجنائي بجامعة نابولي - فقد عرف بتمييزه بين الجرائم الطبيعية التي تنافي مشاعر العدل والقيم الخلقية لكافة المجتمعات (كالقتل والسرقة وشهادة الزور ...الخ) وبين الجرائم المصطنعة التي يتوقف تجريم الفعل فيها على القيم المستمدة من النظام السياسي والاجتماعي السائد ، ومن ثم تتفاوت فيها التشريعات. وكان هذه التقسيم هو أساس مؤلفة "علم الإجرام" La Criminologie (1885). وفي ضوء هذا التقسيم اعتبر جاروفالو المجرم الحقيقي هو الذي يرتكب الجريمة الطبيعية ومن ثم لابد من أن يتميز بمعاملة عقابية خاصة. كما أعطى هذا العالم للعوامل البيولوجية أهمية خاصة واعتبر أنها هي المحرك لتفعيل دور العوامل الاجتماعية في الدفع للارتكاب الجريمة .

    ثم تابع عالم الاجتماع والنائب بالبرلمان الإيطالي أنريكو فيري (1856-1928) هذه الدراسات ، ولكنه نحي في دراسة الجريمة إلى استظهار بعض العوامل الاجتماعية لما ظهر من قصور في تفسير الظاهرة على أساس العوامل الداخلية للمجرم وحدها .
    ويرى فيري أن هناك مجموعة من العومل تتفاعل بينهما لتكوين الحدث الإجرامي وتتلخص في عوامل أنثروبولوجية Facteurs anthropologiques وعوامل طبيعية وجغرافية Facteurs physiques et consomo-telluriques وأخيراً عوامل اجتماعية Facteurs sociaux ، وأنه يتفاوت لدى كل جان أياً كان نوعه وفي كل جريمة أياً كان نوعها مدى قوة العامل سواء أكان ينتمي إلى الدوافع البيولوجية أم الطبيعية أم الاجتماعية أم إلى دوافع خاصة به.

    ومن خلال هذه النظرية الخاصة للجريمة وضع فيري ما يسمى "بقانون الإشباع والتشبع الإجرامي Saturation et de la satisfaction criminelle والذي مؤداه أنه إذا تكاتفت عوامل طبيعية مع ظروف اجتماعية معينة ، فينتج حتماً عدداً معيناً من الجرائم لا يزيد ولا ينقص . وقد ضمن فيري هذه الأفكار مؤلفه عن "علم الاجتماع الجنائي" La sociologie criminelle الذي ظهر بالإيطالية في عام 1884.

    47- ثانيا : الدعائم الفلسفية للسياسة الوضعية :
    تتلخص الدعائم الفلسفية للسياسة الوضعية في المجال الجنائي في ثلاث دعائم ، أولها تتصل بمنهج هذه المدرسة في البحث ، والثانية ترتبط بطبيعة المسئولية الجنائية ، أما الأخيرة فتعود إلى سبل مكافحة الجريمة.

    48- أ : اعتماد التجريبية منهجا للبحث :
    مما لاشك فيه أن السمة الأساسية للسياسة الجنائية الوضعية هى منهجها في البحث. فعند أنصار تلك المدرسة أن الجريمة ظاهرة لا يمكن مواجهتها إلا بالأسلوب الواقعي والمنهج التجريبي القائم على الملاحظة واستخلاص النتائج ، أي باستخدام المعطيات التي تتوصل إليها علوم الاجتماع والنفس والطب ، وليس باللجوء إلى الافتراضات النظرية غير المدروسة. وفى هذا يقول أنريكو فيري "إذا كنا نطلق على مدرستنا وصف الوضعية ، فما ذلك إلا لأننا نتبع نظاماً فلسفياً معيناً ، والذي هو نظام أوجست كونت ، القائم على أسلوب الملاحظة والتجريب. فلم يعد فيها بالتالي محل للنظر إلى الجاني كدمية حية يخضع لتطبيق صيغ نظرية نشأت من تخيلات نظرية ، وعلى ظهر هذه الدمية يتعين على القاضي أن يلصق رقم مادة من التشريع العقابي ، ثم تصبح هذه الدمية الحية نفسها رقما عند تنفيذ العقوبة" .

    49- ب : اعتماد المسئولية القانونية بديلاً عن المسئولية الأخلاقية :
    إن أهم ما تؤمن به الفلسفة الوضعية هو أن الجريمة هى نتاج مجموعتين من العوامل ، الأولى داخلية تتصل بالتكوين العضوي والنفسي للمجرم ، والأخرى خارجية تتعلق بظروف المجرم الاجتماعية والبيئية. والمجموعتين في مجملهما عوامل حتمية ، لا يملك الإنسان حيالها أدنى قدر من الحرية. فالإنسان المجرم ليس حراً في تصرفاته ، بل هو مسير شأنه شأن بقية أفراد المجتمع. فتلك المدرسة تستبعد مبدأ حرية الاختيار وتعتنق مبدأ الجبرية أو الحتمية.
    ويترتب على ذلك أنه إذا ما كان الجاني منقاداً حتما للجريمة بتأثير عوامل وقوى داخلية وخارجية حتمية لا دخل لإرادته فيها ، فمن العبث القول بوجود المسئولية الأخلاقية المستندة إلى مبدأ حرية الاختيار والإرادة تجاه هذا المجرم. فلدى أنصار هذه المدرسة أصبحت المسئولية مسئولية قانونية أو اجتماعية ، يكون بموجبها الإنسان مسئولاً باعتباره عضو في المجتمع ، سواء توافر لديه الإدراك أو التميز أم لحقه عارض من عوارض الأهلية العقلية. أي سواء كان عاقلاً أم مجنوناً ، مميز أم غير مميز ، ويجب عندئذ أن يخضع إلى التدابير التي تحد من خطورته الإجرامية.

    هذه المسئولية الاجتماعية أو القانونية كبديل عن المسئولة الأخلاقية تستند إذاً إلى فكرة الخطورة الإجرامية ولا تستند إلى درجة الخطأ. ففي كل حالة إجرامية يتعين إجراء فحص لتقدير مدى الخطورة الكامنة في الشخص لتقدير التدبير الاجتماعي الملائم والمعاملة (طبية – نفسية – تربوية) الملائمة للمجرم ، على أساس خطورته وليس على أساس الواقعة الإجرامية ودرجة جسامتها. فرد الفعل القضائي أو التدبير يقدر على أساس شخصية المجرم وما تفصح عنه خطورته على مصالح الغير المشروعة. فإذا كانت الاتجاهات التقليدية تقرر مبدأ "لا عقوبة إلا بنص" فإن الفكر الوضعي على المستوى الجنائي يأخذ بمبدأ "لا تدبير بدون خطورة".

    50- ج : اعتماد التدابير كأسلوب لرد الفعل تجاه الجريمة :
    لما كانت الخطورة الإجرامية - وليس الخطأ ولا جسامة الواقعة الإجرامية - هي أساس المسئولية عند الاتجاه الوضعي ، لذا وجب اعتماد أسلوب التدابير كوسيلة للدفاع الاجتماعي تجاه الجريمة. وكان لزاماً على هذا النحو الاهتمام بتصنيف المجرمين حسب الفروق النفسية والاجتماعية والعضوية ، وحسب تغلب العوامل الداخلية أو الخارجية في الدفع للجريمة ، كل هذا بهدف تسهيل مهمة القاضي في تطبيق التدبير الملائم وتحديد أنسب طرق المعاملة العقابية.

    ولا يتوقف تطبيق التدابير بأنواعها على حدوث الجريمة بالفعل ، فهذه التدابير ابتدعت لمواجهة الخطورة الإجرامية للشخص التي قد تظهر في مرحلة سابقة على وقوع الحدث الإجرامي. وهى على هذا النحو يتعذر تحديد طبيعتها ومدتها مقدماً ، بل تترك لتقدير كل حالة على حدة وبعد متابعة هذه الحالة الفترة الكافية لتقدير ما إذا كانت الخطورة الكامنة قد زالت أم لا .

    وتعتمد السياسة الجنائية الوضعية على نوعين من التدابير لمواجهة الخطورة الإجرامية : هما التدابير الوقائية وتدابير الدفاع أو الأمن :

    51- التدابير الوقائية أو البدائل العقابية Les substituts pénaux
    يقصد بهذا النوع من التدابير أو البدائل العقابية كما يسميها أنريكو فيري مجابهه كل الظروف الاجتماعية التي قد تدفع إلى سلوك سبيل الجريمة. ومثال ذلك مكافحة السكر والإدمان والبطالة عن طريق التوعية والتعليم والاهتمام برعاية الطفولة والنشئ وفتح فرص جديدة للعمل …الخ. فكما يقول فيري "إن الطريق المظلم ليلا يكون مسرحا للعديد من الجرائم ولكي نواجه ذلك فيكفي أن يضاء الطريق ليلاً ، فذلك أجدى في الدفاع ومكافحة الجريمة من أن تخصص الدولة عدداً من رجال الشرطة لمراقبة هذا الطريق". فاجتثاث الجريمة من جذورها بالقضاء على أسبابها أفضل من مكافحة أثارها.

    وتلك التدابير عادة ما تستخدم قبل وقوع الفعل الإجرامي ، وخاصة لمواجهة حالات الخطورة الفردية والتي قد تفصح عن ميل نحو الجريمة ، ومثال ذلك التدابير التي تطبق في حالات التشرد والاشتباه لمنع حدوث الجريمة في المستقبل .

    52- تدابير الدفاع أو الأمن :
    وهى التدابير اللاحقة على الحدث الإجرامي ، وهى تهدف إلى وضع المجرم في ظروف لا يستطيع معها الإضرار بالمجتمع المحيط به. لذا فهى تتنوع من مجرم إلى أخر مما يقتضي دراسة المجرم دراسة شاملة من الناحية الجسدية والنفسية والاجتماعية. فعند بعض المجرمين قد لا تفلح إلا التدابير الإستئصالية كالإعدام أو العزل مدى الحياة ، وعند البعض الأخر قد تفلح التدابير العلاجية كالإيداع في مصحة نفسية أو عقلية ، أو قد تفلح التدابير الاجتماعية كحظر الإقامة في مكان معين أو المنع من مزاولة مهنة معينة .

    53- ثالثا : تقدير السياسة الجنائية الوضعية :
    لا يمكننا أن ننكر أن السياسة الجنائية الوضعية كانت ثورة في الفكر الجنائي عامة ، فقد كان لها التأثير الكبير بما ابتدعته من أفكار. فللمدرسة الوضعية الفضل في التأسيس لعلمين من العلوم الجنائية المساعدة ، هما علم الإجرام Criminologie وعلم العقاب Pénologie ، وتوجيه الاهتمام إلى شخص المجرم كعصب عملية المكافحة بعد أن كان التوجه كله ينصب على الواقعة الإجرامية ذاتها. كما يعود الفضل لهذه المدرسة في إظهار فكرة الخطورة الإجرامية وجعلها مناط المسئولية والعقاب ، واعتماد أسلوب التدابير الوقائية وتدابير الدفاع الاجتماعي كوسيلة للحد من الخطورة الإجرامية.

    وكان لفكر هذه المدرسة أثره في الدعوة للأخذ بنظم جنائية جديدة ، مثل العفو ووقف التنفيذ والإفراج الشرطي والإبعاد وتأجيل النطق بالعقوبة والوضع تحت الاختبار. تلك النظم التي تبنتها الكثير من التشريعات ، منها قانون العقوبات الإيطالي لعام 1930 والبولندي لسنة 1932 والسويسري في عام 1937. كما تأثر بها المشرع المصري في عام 1908 بإصداره قانون الأحداث المشردين. كما أخذ بها المشرع المصري في قانون العقوبات الحالي لعام 1937 عندما أخذ ببعض التدابير الوقائية (كالمصادرة – وغلق المنشأة …الخ). كما اعتمد أسلوب التدابير مشروع قانون العقوبات لعام 1967 عندما ميز بين التدابير الجنائية التي تطبق على المجرم بعد ثبوت ارتكابه لفعل إجرامي وبين تدابير الدفاع الاجتماعي التي تهدف لمواجهة حالات الخطورة الإجرامية المجردة قبل وقوع الفعل الإجرامي (كالتشرد والاشتباه).

    إلا أن هذه الثورة الفكرية لم تسلم من النقد ، على أننا يجب أن نؤكد أن هذا النقد كان موجها بصفة أساسية لفكرة المسئولية الاجتماعية عند أنصار هذه المدرسة وقيامها على أساس الجبر (مبدأ الجبرية أو الحتمية) ، أما سياستها العقابية فقد ظلت - إلى حد بعيد - بمنأى عن النقد الجاد.

    ومن بين ما قيل في انتقاد هذه المدرسة :
    *- إقرارها لإمكان خضوع الشخص لبعض التدابير الوقائية قبل وقوع الجريمة يمكن أن يعد اعتداء صارخ على الحرية الفردية ، وتعدي على مبدأ الشرعية الجنائية ، الذي يوجب توجيه الإنذار بالأفعال المحظورة قبل توقيع العقاب بالفعل .
    *- القول بمبدأ الحتمية والجبرية للسلوك الإنساني - ومنه السلوك الإجرامي - أمر لم يقم عليه دليل علمي ، بل هو محض افتراض مجرد. ومن المعلوم أن تلك المدرسة لا تعتمد على أسلوب الافتراضات المجردة بل تعتمد على أسلوب التجريب العلمي والملاحظة ، فمن أين لها بهذا الافتراض ؟
    *- حتى لو سلمنا بالقدرية المطلقة أو مبدأ الجبرية فإن ذلك سوف يتعارض مع البنيان الجنائي الذي يقوم عليه أي مجتمع معاصر ، أو ما يسميه البعض التعارض مع مبدأ "القانونية الجنائية" . فالحالة الخطرة ، أو الخطورة الإجرامية التي تقول بها هذه المدرسة ، لا يمكن الكشف عنها إلا عن طريق الجريمة ذاتها ، فإذا أبعدنا تلك الجريمة "كفكرة قانونية جنائية مستقرة" فكيف يمكن الكشف عن الحالة الخطرة للشخص ؟ وحتى لو قلنا أن الكشف عن تلك الحالة يمكن التوصل إليه قبل وقوع الجريمة من خلال الظروف التي يعيش فيها الشخص مثلا ، والتي قد تنبئ عن إمكانية ارتكابه لجريمة في المستقبل ، فإنه من العبث أن يخضع الشخص لأي تدبير على أساس هذا المظهر المادي الذي يعايشه دون مراعاة للجوانب النفسية لديه من حيث القصد أو الإهمال. وهى أمور لا تبنى إلا على حرية الاختيار التي تنفيها المدرسة الوضعية.

    ولا يسعنا إلا أن نردد مع البعض قوله بأنه "لو قدر لأي تشريع وضعي أن يقيم عمد المسئولية على أساس من التسليم بصحة القضاء والقدر وانتفاء الاختيار على وجه مطلق ، لما كان في ذلك أية خطوة للإمام ، بل خطوت عديدة إلى الوراء ، وإلى أنظمة غامضة بعيدة عن أن ترضي احتياجات الجماعات المتحضرة" . فحرية الاختيار يجب أن تظل هى أساس المسئولية الجنائية وهو ما لا ترضي به تلك المدرسة.

    وما يؤكد أن حرية الاختيار يتعين أن تظل ركيزة إنسانية أساسية ، وعليها يجب أن تقوم دعائم المسئولية الجنائية ، أن كافة التشريعات والمشروعات الوضعية التي حاولت إحلال المسئولية القانونية والاجتماعية محل المسئولية الأخلاقية لم يكتب لها النجاح. ومن ذلك مشروع فيرى Ferri في سنة 1921 والذي أخذ بالمسئولية القانونية حينما نص على أن "الفاعلين والشركاء مسئولين قانوناً عن الجريمة إلا إذا كان هناك سبب يبيح الفعل". إلا أنه اعترف بالمساهمة المعنوية في الجريمة وبالإكراه وبأن التدابير الاحترازية ذات الطابع العقابي لا تتخذ حيال المجانين وضعاف العقول الذين لا يستطيعون السيطرة على تصرفاتهم. مما يعنى الاعتراف بفكرة حرية الاختيار والإرادة رغم الرغبة في إنكارها.

    ومن ذلك أيضا قانون العقوبات السوفيتي الصادر في أول يناير عام 1937 الذي أقر مبدأ المسئولية القانونية ثم وقع في التناقض في المادة 11 منه عندما نص على أن الأشخاص المسئولين هم الذين يتصرفون بادراك ويقدرون نتائج تصرفهم ويرغبون في هذه النتائج. وهو ما يعنى الاعتراف بمبدأ حرية الاختيار والمسئولية الأدبية .

    *- كما عيب على هذه المدرسة تجاهلها للاعتبارات الردع العام والعدالة من نطاق أغراض الجزاء الجنائي.
    *- وأخيراً فإنه لم يقم دليل علمي على ما اعتمدته هذه المدرسة في مجال تصنيف المجرمين على أسس عضوية ونفسية ، فهناك ممن تتوافر فيهم تلك الصفات ولم يقترفوا جرما قط ، في حين أنه وقعت أشبع الجرائم ممن لا تتوافر فيهم تلك الصفات. فهذا التضييف لا يصلح اعتماده في تحديد المعاملة العقابية.

    المبحث الثالث
    سياسات الوسط التوفيقية الجنائية
    Les politiques criminelles conciliatrices

    54- تمهيد :
    كان من الطبيعي أن يُحدِث التصادم بين أفكار المدرسة التقليدية والمدرسة الوضعية نوع من عدم الاستقرار في الفكر الجنائي ، الأمر الذي أدى إلى ظهور مذاهب أو مدارس - أطلق عليها مذاهب الوسط أو المذاهب التوفيقية – حاولت أن تحدث التوائم أو التعادل بين المذاهب جميعها قديمها وحديثها. فلقد عيب على المدرسة التقليدية أو الاتجاه الكلاسيكي أن أسرف في الاعتداد بالجريمة باعتبارها كيانا قانونيا مجرداً يكفى التثبت من أركانه من أجل استحقاق العقاب ، دون الأخذ في الاعتبار ظروف المجرم الشخصية. فكانت النظرة لهذا الأخير على أنه كائن مجرد لا دور له في تقدير الجزاء. كما عيب على المدرسة الوضعية تطرفها في الاهتمام بشخصية المجرم وخطورته ، دون الأخذ في الاعتبار حقيقة الواقعة الإجرامية من كونها مزيج من جوانب مادية أو موضوعية وجوانب أخرى شخصية ، الأمر الذي دعاها إلى إنكار حرية الاختيار ومبدأ المسئولية القائمة على الخطأ الجنائي وتجاهل أفكار المنع العام والعدالة.
    وفى ضوء ذلك حاولت التيارات الفكرية اللاحقة على المدرسة الوضعية الاهتمام بالجريمة من حيث جسامتها وشخصية المجرم وحالته الخطرة ، كنوع من الوسطية أو التوفيقية في الفكر الجنائي. ويمثل هذا الاتجاه تيارات ثلاثة نبرزها في النقاط التالية.

    55- أولا : المدرسة الوضعية الانتقادية L’école critique
    تسمى المدرسة الوضعية الانتقادية أحياناً بالمدرسة الثالثة La troisième école "Terza scuola" لمجيئها بعد المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الوضعية. ولقد تزعم هذه المدرسة عديد من الفقهاء الإيطاليين أمثال برناردينو أليمينا B. Alimena وإيمانويل كارنفالي E. Carnovale وجامباتيستا أمبالومينى G. Impollomeni.

    وأول ما يميز المدرسة الوضعية الانتقادية أو المدرسة الثالثة أنها تنازلت عن البحث في مشكلة التسيير والتخيير واعتبرتها مشكلة هامشية مما أسقط أول محكات التطرف والتناقض بين الفكر التقليدي والفكر الوضعي. فآلمينا مثلا - الذي تعود إليه تسميه هذا الاتجاه بالوضعية الانتقادية عندما نشر مؤلفة المعنون بذات الاسم في عام (1892) - يرى أنه ما دامت الجريمة ظاهرة اجتماعية فإن العقاب ينبغي أن تكون له وظيفة اجتماعية هو الأخر. تلك الوظيفة هى الدفاع عن المجتمع لا إيلام المجرم بصرف النظر عن كونه قد اختار الجريمة حراً أو مجبراً. فالمجتمع في دفاعه عن نفسه لا تعنيه حرية المجرم وجبريته ، لأن تلك مشكلة فلسفية لا تنال من حقه في الدفاع عن نفسه ضد المخيرين والمسيرين سواء بسواء .

    كما يميز هذا الاتجاه التوفيقي القول بإمكانية الجمع بين العقوبة والتدابير. فكارنفالي - الذي تعود إليه تسمية الاتجاه بالمدرسة الثالثة La Terza scuola - يؤكد على ضرورة الإبقاء على كل من العقوبة والتدابير ليتم النطق بإحداها حسب كل حالة على حده وفق ظروف وأسس محددة. ويتأتى ذلك من الجمع بين كل من الخطأ والخطورة كأسس للمسئولية الجنائية. فالخطأ الذي لا يتوافر إلا لدى من تتوافر فيهم الأهلية الجنائية لا يردعه إلا العقوبة بينما لا توجه التدابير إلا للمجرمين عديمي أو ناقصي الأهلية. فكما يؤكد هذا الفقيه ، فإن المفهوم العقابي لابد وأن يتسع ليشمل كافة الوسائل الصالحة للدفاع ضد الجريمة.

    هذا الجمع بين كلا من العقوبة والتدابير يؤكد أن المسئولية الجنائية لدى أنصار مذاهب الوسط إنما هى مسئولية أخلاقية قانونية معاً ، أساسها الخطأ والخطورة جنباً إلى جنب.
    وأخيراً يميز هذا الاتجاه أن الجزاء الجنائي يستهدف أن يحقق كلا من الردع العام والردع الخاص. فالجزاء أو حق العقاب - كما يقول كرنفالي - هو تعبير عن ضرورة سياسية وليس انتقاماً أو ثأراً من المجرم ، وهو وسيلة لوقاية المجتمع من ارتكاب جرائم مستقبلية سواء من قبل ذات المجرم أو من قبل غيره من الأفراد. فعلى المجتمع أن يوفر بالجزاء الأثر النفسي الكفيل بقمع النفوس وردعها ، سواء لدى المجرم ذاته أو لدى بقية أقرانه .
    56- ثانيا : الاتحاد الدولي لقانون العقوبات L’Union International de Droit Pénal
    تكفل الاتحاد الدولي لقانون العقوبات - الذي أنشئ في عام 1881 على يد كل من الأساتذة فان هامل Van Hamel الأستاذ بجامعة أمستردام وأدولف برانز Adolf Prins الأستاذ بجامعة بروكسل وفون ليست Von Liszt الأستاذ بجامعة برلين - بمحاولة التوفيق بين كلا من السياستين الجنائية التقليدية والوضعية ، وذلك من خلال سلسلة من المؤتمرات بدأت في عام 1889.

    ويمكننا أن نحدد أهم ما يميز هذا الاتجاه التوفيقى في النقاط التالية :
    *- اعتمد أنصار هذا الاتجاه سياسة جنائية تبتعد عن الافتراضات الفلسفية ، كما هو الحال عند أنصار المدرسة الوضعية ، ومن ثم فقد اتبعوا منهجاً تجريبياً يهتم أول ما يهتم بشخص المجرم لإصلاحه ومنعه من العودة لمقارفة الجريمة مرة أخرى. وعلى هذا فكان طبيعياً أن يكون للتفريد العقابي أهميته لدى هذا الاتجاه ، بحيث يكون لكل مجرم نوع متميز من المعاملة العقابية. في ضوء ذلك قام أعضاء الاتحاد بوضع نوع من التصنيف بين المجرمين ، يميز بين المجرمين بالتكوين أو بالفطرة ، والذي تدفعه عوامل بيولوجية ونفسية إلى سلوك سبيل الجريمة ، وبين المجرمين بالصدفة الذين تدفعهم للجريمة مجموعة عوامل خارجية تتصل بالظروف الاجتماعية والبيئية.
    *- تمثل العقوبة الجنائية الجزاء الأول للجريمة لدى أنصار هذا الاتجاه ، والتي تستهدف المنع العام والمنع الخاص إلى جانب تحقيق العدالة وإصلاح المجرم والحد من خطورته في المستقبل ، الأمر الذي قد لا يتحقق إلا باستئصاله كلياً من المجتمع.
    *- تعتبر التدابير بأنواعها المختلفة جزاء احتياطي عند هذا الاتجاه ، لا يلجأ إليه إلا عند عجز العقوبة عن تحقيق أغراضها. وفى حالة اللجوء إلى هذه التدابير ، يدعو الاتحاد إلى احاطتها من قبل المشرع بذات الضمانات التي تحيط بالعقوبة ، كالشرعية والشخصية والقضائية ، على نحو ما سنحدده فيما بعد.
    *- يمكن للخطورة الإجرامية أن تكون أساسا لتوقيع الجزاء الجنائي ، حتى قبل وقوع الجريمة بالفعل ، وذلك من خلال توقيع بعض التدابير المانعة أو تدابير الأمن على بعض الأشخاص الذين تكشف حالتهم الشخصية وظروفهم الاجتماعية عن ميل نحو الجريمة ، ولو لم يكونوا قد أجرموا بالفعل ، وهو الحال في شأن حالات الإدمان والسكر وتعاطى المخدرات والتشرد .

    بيد أن هذا الاتحاد قد توقف نشاطه على أثر نشوب الحرب العالمية الأولى ولوفاة مؤسسيه. وقد استمر الحال هكذا إلى حين تأسيس الجمعية الدولية لقانون العقوبات L’Association Internationale de Droit Pénal في باريس عام 1924 والتي أحيت مبادئ الاتحاد الدولي لقانون العقوبات. وتعقد الجمعية الدولية مؤتمرات دورية كل خمس سنوات في بلد من البلدان ، وعادة ما تمهد الجمعية الدولية لمؤتمرها الدوري بالعديد من الحلقات النقاشية التمهيدية Colloques préparatoires تتناول كل حلقة منها وجه من أوجه المشكلة التي سوف يتناولها المؤتمر العام ، فتنصب حلقة على المشكلة من وجه نظر القسم العام وثانية عن القسم الخاص ، وثالثة عن جوانبها الإجرائية ، وتخصص الأخيرة للجوانب الجنائية الدولية . وتنشر الجمعية أعمالها وتوصياتها في المجلة الدولية لقانون العقوبات Revue Internationale de Droit Pénal ، فضلاً عن مجلة الدراسات الجنائية الحديثة Nouvelles études pénales.

    ورغم ما بذله الاتحاد الدولي لقانون العقوبات وما تبذله الجمعية الدولية للقانون الجنائي من جهود في محاولة للتوفيق بين المذاهب الجنائية والحد من تطرفها ، وتأكيدها على ضرورة الجمع بين العقوبة والتدابير والاهتمام بتفريد المعاملة العقابية ، إلا أن سياستها عموماً عيب عليها أنها لا ترتبط برباط واحد يجعل منها مدرسة أو نظرية فقهية متكاملة. فأفكارها لا تعدو إلا أن تكون مجموعة من الحلول العملية لعدد من كبار الفقهاء .

    57- ثالثا : الحركة العلمية الفنية Le mouvement scientifique technique
    إلى هذا الاتجاه دعا الفقيه الإيطالي فلوريان جرسبينى Florian Grispigni والذي استهدف منه تصحيح النتائج المتطرفة للمدرسة الوضعية. وتتلخص نتائج هذا الاتجاه في الآتي :-
    *- أن هدف الجزاء الجنائي – سواء آكان عقوبة أم تدبير ، هو تحقيق الردع الخاص الذي ينصرف إلى شخص المجرم وحده بحيث ينصرف عن المعاودة لسبيل الجريمة مرة أخرى. وعلى هذا فإن هدف الردع العام يمثل هدف احتياطي ، بمعنى أنه إذا تحقق كأثر للردع الخاص فأهلاً ومرحباً ، أما إذا لم يتحقق فإنه يجب التنازل عنه واستبعاد العقوبة والأخذ فقط بالتدبير الذي يكفل الزجر الخاص وحده.
    *- أن التدابير التي يعنى بها هذا الاتجاه ويقرر الأخذ بها في حالة عجز العقوبة عن أداء وظيفتها هى فقط تدابير الدفاع أو الأمن ، أي التدابير اللاحقة على ارتكاب الجريمة. وعلى هذا فالاتجاه العلمي لا يقر التدابير الوقائية أو السابقة على ارتكاب الجريمة ، لأن الجزاء الجنائي لا ينبغي توقيعه إلا على أثر فعل إجرامي معين ومحدد سلفاً في التشريع كي لا تكون حريات الأفراد وحقوقهم عرضه للمساس بها ، خاصة في ظل الأنظمة السياسية ذات الطابع الديكتاتوري.
    *- أن أساس توقيع الجزاء الجنائي- عقوبة أم تدبير- هو دائماً المسئولية الأدبية أو الأخلاقية. وعلى هذا طرحت الحركة العلمية فكرتا التسيير والتخيير فيما يتعلق بالسلوك الإنساني جانباً باعتبارها مشكلة فلسفية بحتة. على أن هذا الاتجاه يعود ويؤكد على أنه يمكن الاحتفاظ بالمسئولية الاجتماعية أو القانونية التي قالت بها المدرسة الوضعية في الحالات التي تعجز المسئولية الأدبية عن تغطيتها ، كما هو الشأن في حالات العود للجريمة وفى حالات المجرمين الشواذ… الخ ، وذلك حتى تكون مواجهة الظاهرة الإجرامية أعم وأشمل .



  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي السياسة الجنائية المعاصرة La politique criminelle contemporaine

    المبحث الرابع
    السياسة الجنائية المعاصرة
    La politique criminelle contemporaine

    58- تمهيد وتقسيم :
    ينصرف مصطلح السياسة الجنائية المعاصرة عندنا إلى حركة الدفاع الاجتماعي التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية ولا زالت مستمرة إلى الآن ؛ وكذلك إلى الاتجاه التوفيقي – أو ما يسمى بالنيوكلاسيكية المعاصرة – والذي يهدف إلى التوفيق بين أفكار مدرسة الدفاع الاجتماعي والسياسة الجنائية التقليدية. وعلى هذا فسوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبين نخصص الأول للسياسة العقابية في فكر الدفاع الاجتماعي ، بينما نخصص الثاني لبحث الاتجاه التوفيقي المعاصر.

    المطلب الأول
    السياسة العقابية في فكر الدفاع الاجتماعي
    La politique pénitentiaire de la défense sociale

    59- تمهيد وتقسيم :
    لاشك أن تعبير الدفاع الاجتماعي La défense sociale تعبير موغل في القدم وتمتد جذوره إلى كافة النظريات التي قيلت في السياسة العقابية على مر العصور القديم منها والحديث ، غاية الأمر انه كان يأخذ في كل مرحلة مفهوماً مختلفاً.

    فنراه في المذاهب القديمة التي تسند إلى الدولة ونظام العقاب وظيفة نفعية هدفها الدفاع عن المجتمع ضد عوامل الاضطراب فيها وعلى الأخص الجريمة. كما نراه أيضا في كتابات الفلاسفة القدماء في العصر الإغريقي أمثال أرسطو وفى العصر الوسيط والحديث لدى ومونتيسكيو وفولتير وبنتام وهوبز وفويرباخ ورومانيوزى. فيقول هذا الأخير تعبيراً عن فكرة الدفاع الاجتماعي "إن غاية القانون الجنائي والعقوبة ليس هو تعذيب أو إيلام كائن حي ، أو إشباع رغبة في الانتقام ، أو التكفير عن جريمة ، أو اعتبارها كأن لم تكن ، ولكن هو إرهاب كل آثم حتى لا يضر مستقبلا بالمجتمع" .
    وكان لهذه الفكرة صدى أيضاً لدى الفكر التقليدي – بزعامة بيكاريا – الذي رأى أن هدف العقوبة هو الردع العام على أساس حق المجتمع في الدفاع عن نفسه. كذلك فإن للدفاع الاجتماعي حظ كبير لدى أنصار المدرسة الوضعية ، ولكن بمفهوم جديد مؤداه أن الهدف من النظام الجنائي عامة هو الدفاع عن المجتمع ضد المجرم لا ضد الجريمة ، وهو ما يوجب التضحية بالمجرم في سبيل حماية المجتمع. ولهذا سلمت هذه المدرسة في سبيل الدفاع عن المجتمع بإمكانية توقيع الجزاء الجنائي على أساس الخطورة الإجرامية للشخص لا الفعل الإجرامي أو الواقعة المؤثمة ، مما يوسع من دائرة الجزاء ليشمل كافة المجرمين أيا كان حظهم من الإدراك وحرية الاختيار.

    إلا أنه ومنذ بدايات القرن العشرين بدأ الدفاع الاجتماعي يأخذ بعداً جديداً مؤداه أن هدف النظام الجنائي كله لا يجب أن ينصرف للدفاع عن المجتمع ضد المجرم ليقي المجتمع شره وخطره وإنما الهدف هو التوجه للمجرم ذاته من أجل معاونته على استعادة تكيفه مع المجتمع. فالدفاع الاجتماعي في صورته المعاصرة هو حركة نظرية وعملية تهدف إلى توجيه القواعد والتنظيمات الجنائية نحو العمل على استعادة المجرم من خارج المجتمع ليعاود الاندماج فيه مرة ثانية .

    ولهذه الحركة المعاصرة للدفاع الاجتماعي اتجاهان أحدهما متطرف ، يتزعمه الفقيه الإيطالي فيليبو جراماتيكا Filippo Grammatica ، وهو الدفاع الاجتماعي التقليدي ، والأخر معتدل بزعامة مارك أنسل Marc Ancel القاضي والمستشار بمحكمة النقض الفرنسية ، المؤسس للدفاع الاجتماعي الجديد. وسوف نفرد لكل اتجاه بعض من الصفحات التالية.

    60- أولا : الدفاع الاجتماعي التقليدي (مفهوم جراماتيكا) :
    61- تمهيد وتقسيم :
    ينسب الدفاع الاجتماعي المعاصر إلى الأستاذ الإيطالي فيليبو جراماتيكا الذي كان يعمل أستاذاً للعلوم الجنائية بجامعة جنوا ، وأسس بها مركزاً لدراسات الدفاع الاجتماعي في عام 1945 تولى عقد العديد من المؤتمرات العلمية الدولية حول الدفاع الاجتماعي كان أولها في سان ريمو San Remo في عام 1947 وكان ثانيها في لييج Liège في عام 1949 ، والذي خلاله تم إنشاء الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي L’Association Internationale de la Défense Sociale برئاسة جراماتيكا نفسه. ثم تولت الجمعية نفسها عقد العديد من المؤتمرات للدفاع الاجتماعي ، كان من بينها مؤتمر أنفرس Anvers في عام 1954 ومؤتمر ميلانو Milano في عام 1956 وكان أخرها المؤتمر الدولي السابع للدفاع الاجتماعي في عام 1966 في مدينة ليتشي Licci بإيطاليا.

    وقد انتقلت عدوى الدعوة للدفاع الاجتماعي إلى الأمم المتحدة في عام 1948 فأنشأت قسماً للدفاع الاجتماعي يتبع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بهدف توجيه النشاط في مجال الوقاية عن الجريمة ومعاملة المجرمين ، مع الاهتمام بصفة خاصة بانحراف الأحداث. ومن الصعيد الدولي إلى الصعيد الإقليمي داخل الوطن العربي تسربت أفكار الدفاع الاجتماعي فأنشئت المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي بمقتضى الاتفاقية التي أقرها مجلس جامعة الدول العربية في عام 1960.

    هذا الانتشار يوجب علينا أن نبين الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي التقليدي قبل أن نستعرض تقديرنا لهذا الاتجاه.

    62- أ : الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي التقليدي :
    بين جراماتيكا دعائم الدفاع الاجتماعي في مؤلفه "مبادئ القانون الجنائي المقترح" Principi di diritto penale soggettivo في عام 1934 ثم في مؤلفه مبادئ الدفاع الاجتماعي Principi di difesa sociale في عام 1961 .

    وتتلخص أهم أفكاره في الدفاع الاجتماعي في النقاط التالية :

    63- هدم المفاهيم الجنائية التقليدية وإحلالها بمفاهيم الدفاع الاجتماعي :
    يبدأ جراماتيكا أفكاره بانتقاد المفاهيم التقليدية للقانون الجنائي المرتبطة بالجريمة والمسئولية الجنائية ، على أساس أن هذه المفاهيم ما زالت تجعل من الفعل الإجرامي محوراً للنظام الجنائي ، مع التغافل عن شخص الفاعل نفسه. وعلى هذا ارتبطت المسئولية بالواقعة المسندة وصار تطبيق العقوبة يجرى على نحو تلقائي لا يحتاج سوى النظر إلى الجريمة والعقوبة المقررة. ففي القانون الجنائي التقليدي يرتكز بنيان الجريمة على مقدار ما تمثله من ضرر على المجتمع أو خطر عليه ، كما أن العقوبة ترتبط بالجسامة الذاتية للسلوك ومدى كثافة ما يمثله من ضرر ومقدار ما ينتج عنه من خطر ، ومن ثم تصبح العقوبة موضوعية المعيار لا علاقة بينها وبين شخص الفاعل.

    وعلى هذا فيرى جراماتيكا إلغاء قانون العقوبات بمفاهيمه المرتبطة بالجريمة والمسئولية وإحلاله بقانون أخر للدفاع الاجتماعي ، يستعاض فيه عن الجريمة باسم "الانحراف أو العصيان الاجتماعي" وبدلاً من المجرم يستبدل به "الشخص المضاد للمجتمع" أو صاحب السلوك اللااجتماعي ، وأن يستبدل بالعقوبة بعض تدابير الدفاع الاجتماعي.

    وعلى هذا فإن جراماتيكا يرى في الدفاع الاجتماعي نظاماً قانونياً مستقلاً يحل محل القانون الجزائي لا أن يندمج فيه أو يتكامل معه .

    64- إحلال فكرة التكيف الاجتماعي محل المسئولية الجنائية :
    انتقد جراماتيكا فكرة المسئولية الجنائية بمفهومها التقليدي المرتبط بالجريمة وبالخطأ قائلاً أن هذا المفهوم قاصر عن أن يدفع عن المجتمع حالات الانحراف التي لا ترقى إلى مستوى الجريمة ، كما لا تكفل الحماية الوقائية للمجتمع قبل وقوع الجريمة نفسها. لذا فإن جراماتيكا يقترح استبدال فكرة المسئولية الجنائية بفكرة أوسع هى فكرة "التكيف الاجتماعيSociabilité".

    ولديه أن القانون المقترح - "قانون الدفاع الاجتماعي" – يجب أن يهدف إلى مناهضة كل شكل من أشكال عدم التكيف الاجتماعي ، سواء ظهر عدم التكيف في صورة جريمة أو ظهر في أي شكل أدنى من ذلك. وهو في هذا السبيل يقترح استخدام عدد من تدابير الدفاع الاجتماعي يكون غرضها الوقاية والعلاج والتربية ، وأساسها الدراسة العلمية والتجريبية وفق معطيات العلوم الإنسانية ، كتشغيل العاطلين ونشر التعليم والتثقيف بالنسبة للأميين وعلاج المرضى والشواذ … الخ. وتلك التدابير ليست جزاءات ولكنها وسائل تربوية وعلاجية ووقائية تنفذ على الفرد غير المتكيف اجتماعيا (مجرم أو غير مجرم) إكراهاً ، على نحو ما يحدث بالنسبة للمريض بمرض معدٍ أو المجانين ، وتنفذ في أماكن أبعد ما تكون عن معنى السجن.

    وقد اشتراط جراماتيكا في هذه التدابير - والتي ستحل محل العقوبات - أن تكون موحده ، وأن تشتمل على تدابير وقائية ، وأن تكون غير محددة المدة بحيث يمكن تعديلها أو تبديلها أو إلغائها خلال التنفيذ ، وفق ما تسفر عنه عمليات الرقابة على شخصية الإنسان غير المتكيف اجتماعياً .

    65- الجوانب الشخصية للفرد كأساس للدفاع الاجتماعي :
    لقد نادى جراماتيكا بجعل الجوانب الشخصية للفرد ، سواء الاجتماعية أو البيولوجية أو النفسية ، وليس جسامه الضرر الناشئ عن الجريمة ، محوراً لاهتمام قانون الدفاع الاجتماعي المقترح. وعلى هذا فالجزاء (التدابير الاجتماعية عند جراماتيكا) ينبغي أن يرتبط لا بما تحويه الجريمة من ضرر أو بما تمثله من خطر وإنما بالتقدير الشخصي للفاعل على ضوء الظروف التي أحاطت بسلوكه. إذاً ترتبط المسئولية عند جراماتيكا بالحالة النفسية والصحية لصاحب كل سلوك منحرف. وبالتالي تصبح المسئولية الجنائية مجرد إعلان بوجود نفسية فردية مضادة للمجتمع ، أي تنبئ عن فرد غير متكيف اجتماعياً.

    على هذا النحو يصبح للجزاء هدف أسمى هو إصلاح هذا الانحراف - "عدم التكيف أو العصيان الاجتماعي" - تمهيداً لعودة الفرد إلى حياة الجماعة الطبيعية. هذا الأمر يقتضى الأخذ بتدابير متنوعة ومتفاوتة بحسب التكوين النفسي وبحسب القالب الاجتماعي للفاعل. فلم يعد المبدأ "هو أن لكل جريمة عقوبتها" ولكن أصبح المبدأ هو أن "لكل شخص غير متكيف اجتماعيًا تدبير يلائمه".

    بيد أن جراماتيكا يؤكد على أن بلوغ تلك الأهداف بطريقة متكاملة وعامة يوجب أن تمتد الثورة الإصلاحية لتشمل كل مناحي الحياة الاجتماعية من نظام أسري واقتصادي وتعليمي وصحي. بمعنى أخر وجوب إتباع سياسة اجتماعية تقضي على أسباب الانحراف أو العصيان الاجتماعي في مهده.
    66- ب : تقدير الاتجاه الجراماتيكي (الدفاع الاجتماعي التقليدي) :
    يعود الفضل لجراماتيكا في توجيه الأنظار نحو الصفة الإصلاحية للجزاء الجنائي ، واعتبار هذا الإصلاح حق من حقوق الفرد ومقرر لمصلحته إذا ما ثبت انحرافه اجتماعياً. فالكشف عن هذا الانحراف يلقى على المجتمع الالتزام باتخاذ ما يلزم من تدابير من أجل إعادة التلاؤم بين الفرد وحياته النفسية وبين الحياة الاجتماعية. كما يعود له الفضل في الدعوة لتبنى سياسة عامة لإصلاح النظام العائلي والاقتصادي والتعليمي. وربما هذا هو ما دعى عدد من الدول إلى أن تتدخل في تشريعاتها الكثير من مفاهيم الدفاع الاجتماعي ، خاصة بالنسبة للتدابير التي تطبق على طوائف معينة من المجرمين كالأحداث ومرضى العقول والمشردين. ومثال ذلك قانون المتشردين والشواذ الصادر في أسبانيا في عام 1923 ، وقانون تدابير الأمن الصادر في ألمانيا في عام 1927 وقانون الدفاع الاجتماعي الصادر في بلجيكا عام 1930. وكان قانون الدفاع الاجتماعي الكوبي في عام 1934 أوضح القوانين أخذاً بمفاهيم الدفاع الاجتماعي ، حيث قد وضع أسس هذا القانون جراماتيكا نفسه. كما يعد مشروع قانون العقوبات المصري لعام 1967 من أحدث المشروعات التي تبنت بعض مفاهيم الدفاع الاجتماعي ، خاصة فيما يتعلق بالتدابير واجبة الإتباع حيال بعض أنماط الانحراف الاجتماعي.

    وبالرغم من كل هذا فإنه عيب على هذا الفقيه تطرفه في الأفكار حين دعى إلى إلغاء فكرة الجريمة والمسئولية الجنائية والمجرم والعقوبة ، أي القضاء على كل مفاهيم قانون العقوبات التقليدية. ولا شك أن من شأن تلك الدعوة - إذا ما طبقت - أن تعرض النظام الاجتماعي كله للفوضى ، كما تعرض مبدأ الشرعية للخطر ، مما قد يوقع العدوان على الحقوق والحريات الفردية. وحتى لو سلمنا بهذا الإلغاء - رغم وضوح الأفكار المبتغى إلغائها - فإن المفاهيم المقترح الأخذ بها ، كعدم التكيف أو العصيان الاجتماعي والشخص المضاد للمجتمع والسلوك اللااجتماعي ، مفاهيم يصعب تحديدها ويشوبها الكثير من الغموض .

    هذا التطرف دعا بعض مؤيدي الدفاع الاجتماعي إلى محاولة تهذيب أفكار جراماتيكا ورد العدوان الذي حاول القيام به على مفاهيم القانون الجنائي التقليدية. وهذا بالفعل ما حاول القيام به المستشار مارك أنسل ، مكونا ما يعرف "بالدفاع الاجتماعي الجديد".

    67- ثانيا : الدفاع الاجتماعي الجديد (مارك أنسل) :
    68- تمهيد وتقسيم :
    لم تلقى أفكار جراماتيكا (الدفاع الاجتماعي التقليدي) تأييد من بعض أنصار حركة الدفاع الاجتماعي ، خاصة في فرنسا ، الأمر الذي دعا هؤلاء إلى المنادة بوجوب تصحيح مسار هذه المدرسة. ويعود الفضل إلى المستشار مارك أنسل (المستشار بمحكمة النقض الفرنسية) في وضع أسس الدفاع الاجتماعي الجديد ، أو ما يمكن أن نسميه الاتجاه المعتدل للدفاع الاجتماعي. فلقد وضع هذا الفقيه في عام 1940 كتابة "الدفاع الاجتماعي الجديد ، حركة لسياسة جنائية إنسانية" والذي توالت طبعاته كان أخرها عام 1981 .
    وسوف نستعرض أهم ما جاء من أفكار في هذا المؤلف ، من خلال بيان الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي الجديد ، قبل بيان تقديرنا لهذه الحركة.

    69- أ : الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي الجديد :
    تتنوع الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي الجديد ، فمنها ما يرتبط بمفاهيم القانون الجنائي التقليدية خاصة المسئولية ، ومنها ما يتصل بشخصية المجرم ، وأخيراً ما يتصل بهدف الجزاء الجنائي وطابعه الإنساني.

    70- الإبقاء على المفاهيم التقليدية للقانون الجنائي :
    يضع مارك أنسل سياسة للدفاع الاجتماعي لا تنكر قواعد القانون الجنائي التقليدية ، فهو لا ينكر مبدأ الشرعية ولا يذهب إلى حد إلغاء المسئولية ولا الجزاء. ولديه أن المسئولية الجنائية ينبغي أن يكون مبناها الخطأ القائم على حرية الإرادة. فهو لا يؤمن بالوضعية المادية التي تؤمن بالحتمية ولا تعترف بالخطأ. كما أن محرك هذه المسئولية هو الجريمة وليس الفعل المناهض للمجتمع أو العصيان الاجتماعي كما كان يسميه جراماتيكا.

    ويؤكد أنسل على أن المسئولية الجنائية هى الغاية والهدف من النظام الجنائي القائم ، بحيث تؤدى المعاملة العقابية بإنماء روح المسئولية لدى المجرم نحو المجتمع ، فينصرف عن سلوك سبيل الجريمة في المستقبل. وبالجملة فإن الدفاع الاجتماعي الجديد يقوم على ذات الأسس التي قامت عليها المدرسة التقليدية ولكن مع تطوير هذه الأسس في ضوء ما أظهرته الدراسات الحديثة حول السلوك الإنساني .

    71- تدعيم الاهتمام بشخص المجرم :
    إن أخذ شخصية المجرم في الاعتبار وإعطائها وزناً في الدعوى الجنائية ، من خلال دراسة مختلف العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية المتصلة بهذه الشخصية والمؤثرة فيها كعوامل دافعة لارتكاب الجريمة ، يمثل أول سمة لحركة الدفاع الاجتماعي الجديد. فعن طريق الاهتمام بتلك الشخصية وتدعيم الدراسات المتصلة بها يمكن تحديد أنسب طرق المعاملة العقابية ، ويمكن للقاضي تبعا لحالة كل مجرم أن يتخير الجزاء المناسب (عقوبة أو تدبير) ، بما يعين المجرم على التأهيل الاجتماعي والاندماج مرة أخرى في البيئة المحيطة .

    وهذه الدراسة لشخصية المجرم هى دراسة علمية. فالدفاع الاجتماعي الجديد يدعو إلى إعداد ما يعرف بملف الشخصية Dossier de personnalité ، الذي يحوى كل ما يتصل بالجوانب الشخصية للمجرم ، والمعد من قبل الخبراء المتخصصين بدراسة السلوك الإنساني ، كالأطباء وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والإجرام والدراسات الجنائية ، كي يكون تحت يد السلطات الجنائية في كافة مراحل الدعوى ، بما فيها مرحلة التنفيذ العقابي ذاتها باعتبارها – عند هذا الاتجاه - مرحلة من مراحل الخصومة الجنائية. لذا فإن مارك أنسل يرى أن الاهتمام بالفحص العلمي للشخصية ، للاستعانة به في مراحل الدعوى ، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد إجراء التعديلات الضرورية على النظام الإجرائي ذاته الذي يحكم الدعوى الجنائية .

    ويمكن هذا الملف القاضي من التعرف على كل ما يتصل بالمتهم. ولا يعنى هذا مجرد التعرف على الظروف الخارجية للفعل الإجرامي والسوابق القانونية للمتهم ، ولا حتى بياناته الشخصية المحفوظة في دوائر الشرطة ، ولكن يمتد هذا إلى تكوينه البيولوجي وردود فعله النفسية ، وتاريخه الشخصي وحالته وبيئته الاجتماعية…الخ .

    72- الطابع الإنساني للجزاء الجنائي :
    يبقي الدفاع الاجتماعي على فكرة الجزاء الجنائي بشقيه العقوبة والتدابير. إلا أن هذا الاتجاه يطالب بتوحيد صور الجزاء الجنائي في نظام واحد يكون في مجموعة نموذج لرد الفعل الاجتماعي تجاه الجريمة ، بحيث يكون الجزاء الجنائي عملاً اجتماعياً يهدف إلى حماية المجتمع عن طريق التدابير الاجتماعية والعلاجية والتربوية لشخص الجاني ، بما يحول بينه وبين وقوع الجريمة في المستقبل وبما يكفل إعادة تأهيل الجاني ،كل ذلك في إطار مفاهيم القانون الجنائي التقليدية. فالجزاء الجنائي يطبق لتحقيق هذا الهدف الإنساني ، ألا وهو تأهيل المجرم وعدم تركه يهوى في دروب الجريمة ، بعيداً عن الأفكار الفلسفية المتصلة بعدالة الجزاء أو نفعيته.

    والجزاء الجنائي عند فكر هذا الاتجاه له طابع إنساني ، يقوم على احترام وضمان الحرية الفردية. ويظهر ذلك جليا في رفض مارك أنسل وأنصاره للتدابير غير محددة المدة ورفضه للتدابير السابقة على الجريمة أو التدابير الوقائية ، كذلك إعلانة الرفض التام لعقوبة الإعدام لتنافيها - حسب زعمهم - مع القيم الإنسانية واحترام حقوق الإنسان .

    73- ب : تقدير حركة الدفاع الاجتماعي الجديد :
    لا يمكننا أن ننكر ما لحركة الدفاع الاجتماعي من مزايا ، ومن قبيل ذلك تأكيدها على ضرورة تخليص القانون الجنائي من الأفكار المجردة والافتراضات الميتافيزيقية التي لا تراعي جوانب الملاحظة والتجريب على مستوى الواقع ، ودعوتها إلى تفعيل دور المؤسسات المتصلة بالجريمة والمجرم سواء على المستوى التشريعي أو القضائي أو العلمي ومحاولة علاج هذه المؤسسات من حالة "تصلب الشرايين" على حد قول مارك أنسل .
    ولهذه الحركة الفضل في تأكيد احترام حقوق الإنسان ووجوب إحاطة الجزاء الجنائي بكافة الضمانات ، والدعوة إلى الإشراف القضائي على التنفيذ والتمسك بمبادئ الشرعية الجنائية والمساواة وشخصية العقوبة وتناسب هذه الأخيرة مع الفعل الإجرامي. فلا يستعبد الدفاع الاجتماعي الجديد القانون الجنائي ومفاهيمه التقليدية كما سبق القول . كما كان لهذه الحركة الفضل في تصحيح التناقض الذي وقع فيه جراماتيكا عندما ارتكن إلى نظام وقاية تحكمى أو نظام ردع تقديري ، يكون الفاعل فيه مجرماً من حيث الإثم الذي أتاه ومريضا غير مسئول يستوجب فقط العلاج دون أن يكون للعقاب معنى الجزاء.

    على أن أعظم ما قدمته حركة الدفاع الاجتماعي الجديد هو تركيزها على شخصية المجرم من خلال وجوب إعداد ما سمته ملف الشخصية للاستعانة به في مراحل الدعوى المختلفة . وهو الأمر الذي أخذ به المشرع الفرنسي في قانون الإجراءات الجنائية عندما عدل المادة 81/6 بالقانون رقم 466-83 الصادر في 10 يونيه 1983 ملزما قاضى التحقيق Juge d’instruction في الجنايات ببحث الظروف الشخصية للمتهم من حيث مركزه المادي والأسرى والاجتماعي ، والترخيص له بذلك في مواد الجنح. والإجازة له في كافة المواد بإجراء فحص طبي ونفسي لشخصية المتهم (م81/7) .

    كما كان لهذه الفكرة - "ملف الشخصية" - أثرها الإجرائي عند بعض الفقهاء عندما اقترحوا تقسيم مراحل المحاكمة إلى مرحلتين ، في الأولى يقرر القاضي الإدانة من الناحية الموضوعية ، أي من حيث ثبوت ونسبة الواقعة الإجرامية إلى المتهم ، وفى الثانية يقرر القاضي الحكم. وهذه المرحة الأخيرة شخصية ينظر فيها القاضي للظروف المتصلة بشخص المتهم "المدان" من حيث وضعه المالي والعائلي والاجتماعي…الخ ، كي يقدر الجزاء المناسب لحالته.

    هذا الاقتراح كرسته - إلى حد ما - بعض التشريعات ، منها قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي بالقانون رقم 624-75 الصادر في 11 يوليو 1975 (م 469/3 و 539/1) عندما أجاز للمحكمة بعد أن تقرر الإدانة أن تحكم بتأجيل النطق بالعقوبة L’ajournement ، عندما يثبت لديها أن الضرر الناشئ عن الجريمة قد زال أو على وشك الزوال وأن الجاني في سبيله للتكيف الاجتماعي مرة أخرى .

    إلا أنه رغم هذا الانتشار لمفاهيم الدفاع الاجتماعي الجديد ، فإنها قد تعرضت للكثير من أوجه النقد ، نوجزها في الآتي :
    *- عيب على هذه الحركة افتقارها إلى المنهج الموحد الذي يجعل منها مدرسة أو حركة مذهبية متكاملة ، وليس مجرد شتات أفكار. وقد يبدو أن هذا الأمر كان مقصوداً عند مارك أنسل إذ أنه في رده على هذا النقد قد أوضح أن الدفاع الاجتماعي الجديد ليس اتجاهاً عقائدياً ولا يرتبط بأي دين ولا لأية عقيدة سياسية. فهو مجرد حركة أو تيار مستقل من الناحية الفكرية ويهدف إلى إرساء مبادئ عامة تحكم رد الفعل الاجتماعي تجاه الجريمة ، من أجل أن تصبح السياسة الجنائية الحديثة معبرة عن جانب من جوانب إدخال الطابع الاجتماعي إلي القانون المعاصر وخاصة القانون الجنائي .
    *- كما عيب على هذه الحركة أنها بتوجيهها الاهتمام نحو شخصية المجرم قد ألزمها بالاستناد إلى النتائج التي توصلت إليها علوم إنسانية أخرى ، رغم أن تلك العلوم مازالت في مرحلة التكوين ولم تتأكد بعد ، كعلم الإجرام مثلا. غير أنه مما يخفف من غلواء هذا النقد - وحسب ما يرى مارك أنسل نفسه - أن تلك الحركة استطاعت التقريب بين علماء القانون وعلماء السلوك الإجرامي في فروع العلوم الإنسانية الأخرى ، دون أن يكون رجل القانون تابعاً لعالم الإجرام. فالهدف هو أن يدرك رجل القانون من أنه ليس وحده المختص بمحاربة الجريمة ولكن يشاركه في ذلك أفرع أخرى ، بحيث ينظر للجريمة على أنها حقيقة قانونية ذات طابع اجتماعي دون تغليب لجانب على جانب أخر.

    فقانون العقوبات يجب أن يخرج – وهو لحسن الحظ يخرج أخيراً – من عزلته الفخيمة والنظر إليه كعلم اجتماعي يرتبط بالشخصية الإنسانية وبالعلوم المتصلة بها . وكما يقول مارك أنسل : إن إقامة الفرصة للقاضي لفهم الإنسان الذي أمامه من حيث شخصيته ودوافعه ووسطه لا يؤدى إلى دعوة ذلك القاضي إلى الإقلاع عن مهمته الحقيقية (أي النظر للجريمة كحقيقة قانونية تقاس بمعايير قانونية موضوعية لجسامة الفعل) وإنما الهدف من كل ذلك هو التقدم نحو إقامة نوع من العدل الإنساني مما يوجب التخفيف من غلواء النظرة القانونية المجردة للجريمة وإصباغها ببعض السمات الشخصية النابعة من التمايز الفردي والاجتماعي لكل مجرم .

    *- كما عيب على هذه الحركة مغالاتها في الهدف التأهيلي للجزاء الجنائي مما يقلل من الهدف والمضمون الأخلاقي لهذا الأخير المتمثل في الردع العام ، ويضعف بالتالي الإحساس بالمسئولية لدى الأفراد ولدى الجماعة. على أن مارك أنسل يرد على هذا النقد بقوله أنه يمكن الوصول لتحقيق الهدف الأخلاقي للجزاء وكذلك الهدف التأهيلي عن طريق الجمع بين كل من العقوبة والتدابير في نظام موحد لرد الفعل العقابي. ولا يعيب ذلك كون كلا النوعين من الجزاءات يستند إلى أسس مختلفة. فبالعقوبة يمكن للقاضي أن يواجه الجريمة على أساس القمع أو الردع العام بالنسبة لبقية أفراد المجتمع (الهدف الأخلاقي) ، وبالتدابير يمكن أن يحقق الهدف الاجتماعي الخاص بتأهيل وإصلاح المجرم عن طريق البرامج العلاجية والتربوية ، بحيث يرتفع التعارض بين العقوبة والتدابير ، ويرتفع التعارض بين الهدف الأخلاقي والتأهيلي للجزاء الجنائي .

    وربما الذي جعل هذا الاتجاه يغالي في الهدف التأهيلي للجزاء الجنائي - كما يقول مارك أنسل - هو أن تحقيق الردع العام كهدف للعقوبة أمر يظل غير مؤكد إلى حين تمام تنفيذ العقوبة بالفعل داخل المؤسسة العقابية. فليس حكم القاضي نفسه هو الذي يحقق الأثر الرادع للعقوبة ، فالتفريد العقابي الذي يحدث داخل السجن وأساليب المعاملة المطبقة كثيراً ما تغير في هذا الحكم. فضلاً عن أن الأثر الرادع للعقوبة لا ينبع في الحقيقة من العقوبة ذاتها التي يطبقها القاضي وإنما يحدث نتيجة عوامل أخرى أهم منها ، كسرعة تحقيق العدالة الجنائية وفاعليه دور الشرطة والنيابة العامة والقاضي الجنائي .

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي السياسة العقابية في النيوكلاسيكية المعاصرة Le néo-classique contemporain

    المطلب الثاني
    السياسة العقابية في النيوكلاسيكية المعاصرة
    Le néo-classique contemporain

    74- تمهيد :
    ترتكز السياسة العقابية عند الاتجاه النيوكلاسيكي المعاصر على أفكار العديد من الفقهاء المعاصرين أمثال جورج ليفاسير G. Levasseur وروجه ميرل Merle R. وجان ليوتيه J. Léautéوجان لارجييه J. Larguier. ويهدف هذا الاتجاه إلى إجراء سياسة توفيقية بين فكر الدفاع الاجتماعي ، كما انتهى إليه مارك أنسل ، وبين السياسة الجنائية التقليدية ، في استعارة واضحة للأفكار الفقيه ريموند سالي R. Saleilles في مؤلفه الذي ظهر في عام 1898 حول تفريد العقوبة. وهو ما سنبينه من استعراض دعائمها الفلسفية وأوجه نقدها .

    75- أولاً : الدعائم الفلسفية للنيوكلاسيكية المعاصرة :
    لإعمال النظرة التوفيقية اعتمدت السياسة النيوكلاسيكية المعاصرة على عدد من المبادئ منها :
    *- التمسك بالمفاهيم الكلاسيكية عن الجزاء الجنائي كمقابل للجريمة ، وأن الإدانة عن الجريمة تتوقف على المسئولية ، وهو شرط أساسي لكل معاملة عقابية ، دونما بحث نظري أو تجريدي لفكرة التسيير والتخيير في السلوك الإنساني ومنه السلوك الإجرامي. فالمسئولية الجنائية ليست حتماً مسئولية أخلاقية وإلا اعتبر ذلك إهدار لبعض جوانب الجبرية في السلوك البشرى.
    *- أنه لتحقيق معنى الإيلام (الردع) ومعنى الإصلاح والتأهيل يجب الاقتصار على العقوبة وحدها كصورة للجزاء الجنائي دونما لجوء إلى فكرة التدابير. فتحدد العقوبة وفقاً لقدرة المجرم على تحمل العقاب والإستفاده منه في المستقبل ، وهو ما أسمته هذه الحركة "أهلية تنفيذ العقوبة". وهذا التحديد يتم في المراحل الأولى للدعوى الجنائية ، أما عند الدخول في مرحلة التنفيذ العقابي ، فإنه يتم إجراء فحص شامل للشخصية الإجرامية للمحكوم عليه من حيث وضعه العائلي والاجتماعي والمادي ، في ضوء معطيات كافة العلوم الاجتماعية ، بما يمكن من إعمال قواعد التفريد العقابي لكل مجرم ويحقق الهدف الإصلاحي والتأهيلي للعقوبة. وفى ضوء ذلك ترى النيوكلاسيكية المعاصرة إمكانية تحقيق كلا من الردع العام والإصلاح من خلال العقوبة وحدها ودون اللجوء إلى فكرة التدابير الاحترازية التي استعيض بفكرة التفريد العقابي بديلاً عنها.

    76- ثانياً : تقدير النيوكلاسيكية المعاصرة :
    أٌخذ على هذا الاتجاه إسقاطه للكثير من الأفكار التي ساهمت في تطوير الفكر الجنائي عامة. ومن قبيل ذلك فكر المدرسة الوضعية عن التدابير ، وخاصة التدابير الوقائية "بدائل العقاب" ، والتي تتخذ حيال الحالات الخطرة التي تكشف عن احتمالية ارتكاب الجريمة في المستقبل .

    كما عيب على هذا الاتجاه أنه جعل التفريد عمل من أعمال الإدارة العقابية وليس مهمة القاضي الجنائي أي جعله تفريد تنفيذي فقط. فالقاضي يكتفى بتحديد العقوبة بطريقة قانونية مجردة ، ثم يترك للإدارة العقابية مهمة تحديد أشكال المعاملة العقابية الملائمة في ضوء ما يكشف عنه فحص الشخصية. ولا شك أن الأخذ بهذا الأمر فيه من الخطورة على الأفراد في ظل الأنظمة التي لا تأخذ بنظام الإشراف القضائي على التنفيذ (مثال مصر) ، وتجعل من هذه المرحلة مرحلة منفصلة عن الدعوى الجنائية تتولاها السلطة التنفيذية (وزارة الداخلية في مصر من خلال الإدارة العامة للسجون) ، الأمر الذي يوجب حال الأخذ بهذه المفاهيم النيوكلاسيكية ، إخضاع التنفيذ العقابي للإشراف ما يعرف بقاضي تطبيق العقوبات ، على نحو ما هو معمول به في التشريع الفرنسي ، ولا يخفى ما لتطبيق هذا النظام من مشكلات ، خاصة على الصعيد المالي للدولة.


  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي صور رد الفعل العقابي

    الباب الثاني
    صور رد الفعل العقابي

    77- تمهيد وتقسيم :
    تحديد صور رد الفعل العقابي ، هو بيان لأنماط الجزاء الجنائي واجبة التطبيق كأثر قانوني لازم عند وقوع الفعل الإجرامي وثبوت الإدانة من قبل القاضي الجنائي حال أداءه لدوره في مرحلة المحاكمة. وكما سبق وأن أوضحنا في الصفحات السابقة أن تطور الفكر الجنائي قد كشف عن ظهور نوعين من الجزاءات الجنائية ، هما العقوبة والتدابير الاحترازية. والأولى أسبق في الظهور من الثانية ، هذه الأخيرة التي ظهرت على يد المدرسة الوضعية ومع ابتداع فكرة الخطورة الإجرامية. وعلى هذا فليس صحيحا الربط بين الجزاء الجنائي - رد الفعل العقابي - وبين العقوبة. فالعقوبة وإن كانت جزاء جنائياً ظل لحقبة طويلة بمثابة الأثر القانوني المباشر للجريمة ، إلا أن كل جزاء ليس بالضرورة يشكل عقوبة جنائية ، فهناك التدابير كصورة أخرى لرد الفعل العقابي. وبذا أصبح مبدأ ازدواج العقوبات والتدابير هو السمة المميزة للسياسة الجنائية المعاصرة.

    ولما كانت العقوبة الجنائية هى أخطر الجزاءات وهى الأثر الحتمي والمباشر للجريمة - فلا جريمة بدون عقوبة - فإننا سوف نشرع في دراستها من خلال الفصل الأول ، قبل أن ننتقل بالدراسة إلى التدابير الاحترازية في الفصل الثاني.

    الفصل الأول
    العقوبة الجنائية
    78- تمهيد وتقسيم :
    العقوبة La peine جزاء يوقع باسم المجتمع ، حماية له وضمان لمصلحته ، وهى جزاء يتناسب مع جسامه الواقعة الإجرامية ومقدار الخطيئة والإثم إعمالا لمبادئ العدالة. وعلى هذا فالعقوبة ضرورة حتمية تفرضها اعتبارات حماية النظام العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولبيان العقوبة كجزاء جنائي فإننا سوف نقسم هذا الفصل إلى أربعة مباحث نحدد فيها على التوالى جوهر العقوبة وأغراضها ، ثم بيان ضماناتها ، ثم بيان أقسامها ، وأخيراً بيان الإشكاليات المتصلة بتطبيق بعض العقوبات خاصة الإعدام والعقوبات السالبة للحرية .

    المبحث الأول
    جوهر وأغراض العقوبة الجنائية

    79- أولا : جوهر العقوبة الجنائية :
    يقرر الفقه التقليدي أن العقوبة ، هى جزاء يقرره القانون ويوقعه القاضي من أجل الجريمة على من يثبت إدانته ومسئولية . غير أن هذا التعريف لا يكفل في حقيقة الأمر بيان ذاتية وجوهر العقوبة الجنائية ، لذا فإننا نميل إلى تعريفها بأنها "إيلام مقصود وحتمي للجريمة ويتناسب معها" . وعلى هذا فإن جوهر العقوبة ينصرف إلى ثلاثة عناصر :

    80- أ : العقوبة الجنائية كإيلام مقصود :
    إن أول ما يميز العقوبة الجنائية هو أنها جزاء ينطوي على إيلام. ولا يقصد بالإيلام امتهان كرامة وإنسانية وأدمية المحكوم عليه بهدف إذلاله وتحقيره من الناحية الاجتماعية. إنما يقصد بالإيلام توجيه اللوم للمجرم عما اقترفه من سلوك إجرامي ، من خلال المساس بأحد حقوقه اللصيقة بالشخصية ، إما إلغاءً أو انتقاصاً ، بفرض بعض القيود على استعمال هذه الحقوق.

    فقد ينصرف الإيلام إلى سلب المجرم حقه في الحياة باعتباره أهم الحقوق اللصيقة بالشخصية. وهذا هو الإيلام البدني. كما قد ينصب الإيلام على حق الإنسان في الحرية ، من خلال فرض العقوبات السالبة أو المقيدة للحرية ، وهذا هو الإيلام المعنوي. وقد ينصب الإيلام على حق الإنسان في التملك بحرمانه من جزء من أمواله لصالح الدولة ، كما هو الحال في عقوبة الغرامة والمصادرة ، وهذا هو الإيلام المادي. كما قد يمس الإيلام بحقوق أخرى كالحق في تولي الوظائف العامة أو الترشيح لعضوية المجالس النيابية.

    ولا يعنى أن الإيلام مقصود في العقوبة ، أنه يكون مقصود لذاته ، ولكنه مقصود من أجل تحقيق أغراض مفيدة كالردع والإصلاح. ويرتهن تطبيق العقوبة وتنفيذها على نحو سليم باستظهار هذه الأغراض والاجتهاد في توجيه العقوبة نحو تحقيقها. وعلى هذا النحو فإن الإيلام لا يصيب المحكوم عليه عرضاً ، وإنما يقصده الشارع والقاضي والمكلف بالتنفيذ .

    ولا يتوقف هذا الإيلام على إرادة المحكوم عليه ، بل يتحقق كرهاً عنه ، مما يعطي للعقوبة أعلى درجات الألم. وهو إيلام نسبى ويقدر بمعيار موضوعي قوامه الشخص العادي ، فقد لا يتوافر الإيلام لدى البعض ممن اعتادوا الجريمة والعقوبة . وعلى هذا الأساس لا تختلط العقوبة بغيرها من الإجراءات التي وإن أحدثت بعض الألم لدى من توقع عليه ، إلا أن هذا الألم ليس مقصود ولا يستهدف من وراءه ردع ولا إصلاح ، ومثال ذلك إجراءات التحقيق والمحاكمة ، حتى وإن اتخذت صورة القبض أو الحبس الاحتياطي.

    81- ب : العقوبة الجنائية كأثر حتمي للجريمة :
    لا يتصور إنزال الجزاء الجنائي ، في صورة العقوبة الجنائية ، إلا كأثر لاحق ومرتبط بسلوك إجرامي سبق تحديده سلفاً من قبل المشرع. بمعنى أخر ، أن إيلام العقوبة لا يجوز إنزاله إلا على من أخل بأمر أو نهي تحدده القاعدة التجريمية. وهذا أهم ما يميز العقوبة عن غيرها من الإجراءات التي قد تتخذها الدولة قبل وقوع الجريمة.

    وليس معنى الأثر الحتمي ارتباط العقوبة الجنائية بالجريمة كواقعة مادية أو بالمظهر الشكلي المتعارض مع القاعدة الجنائية ، ولكن هذا الأثر الحتمي لا يتحقق إلا بعد إعمال قواعد تقيمية لهذا السلوك وثبوت توافر رابطة نفسية معينة بين السلوك الإجرامي والنتيجة الضارة الناشئة عنه ، سواء في صورة القصد أو الاهمال (الخطأ الجنائي بالمعنى الواسع). بمعنى أخر ، ضرورة توافر عنصر الإذناب أو الإثم. وعلى ذلك فإن ما يطبق من إجراءات على بعض أنماط السلوك الضار الذي لا يتوافر بشأنه قصد ولا إهمال لا يمكن عده عقوبة ، وإن اعتبرت هذه الإجراءات من قبيل التدابير اللاحقة التي تنم عن وجود حالة إجرامية خطرة لم ترقى بعد إلى درجة الجريمة متكاملة الأركان.

    82- ج : العقوبة الجنائية كأثر متناسب مع الجريمة La proportionnalité :
    إن اشتراط التناسب بين العقوبة الجنائية والجريمة يضمن أن تكون العقوبة عادلة ومحققة لوظيفتها في المجتمع. وعبء تحقيق هذا التناسب يقع على عاتق المشرع ، الذي عليه عند وضع العقوبة أن يراعي توافقها كماً ونوعاً مع جسامة الواقعة الإجرامية كسلوك ونتيجة ضارة ، وكذلك توافقها مع درجة الإثم الجنائي - أو ما يسمى بالركن المعنوي للجريمة - حال ارتكابه للسلوك الإجرامي. ودون التنسيق بين هذين الأمرين (جسامة الواقعة ودرجة الإثم أو الخطأ) لا يمكن ضمان التطبيق السليم والعادل للعقوبة . وهذا ما يسمى بالتفريد التشريعي L’individualisation législative. وعدم قيام المشرع بهذه المهمة عند وضع النص الجنائي قد يصم هذا النص فيما بعد بعدم الدستورية. وهذا ما أكدته محكمتنا الدستورية العليا في حكمها الصادر في 3 فبراير 2001 بقولها "إن المتهمين لا تجوز معاملتهم بوصفهم نمطاً ثابتاً أو النظر إليهم باعتبار أن صورة واحة تجمعهم لتصبهم في قالبها ، بما مؤداه أن الأصل في العقوبة هو تفريدها لا تعميمها. وتقرير استثناء تشريعي من هذا الأصل – أياً كانت الأغراض التي يتوخاها – مؤداه أن المذنبين جميعهم تتوافق ظروفهم ن وأن عقوبتهم يجب أن تكون واحدة لا تغاير فيها ، وهو ما يعني إيقاع جزاء في غير ضرورة بما يفقد العقوبة تناسبها مع وزن الجريمة وملابساتها والظروف الشخصية لمرتكبها" .

    وقد يترك المشرع أمر مراعاة هذا التناسب للقاضي نفسه ، بعد وضع الضوابط الخاصة به. ومثال ذلك أن يضع المشرع أمام القاضي عقوبة تدور بين حد أقصى وحد أدنى تاركاً له الخيرة بحسب جسامة الواقعة ودرجة الخطأ الجنائي أو يجيز له الحكم بالعقوبة مع إيقاف تنفيذها. وهذا ما يسمى بالتفريد القضائي L’individualisation judiciaire.

    بل لا نشك في أن كل قيد يوضع من قبل المشرع علي سلطة القاضي في التفريد يكون مشوباً بعدم الدستورية. وعلى هذا تؤكد المحكمة الدستورية في حكمها سابق الذكر بقولها "لا يجوز للدولة – في مجال مباشرتها لسلطة فرض العقوبة صوناً لنظامها الاجتماعي – أن تنال من الحد الأدنى لتلك الحقوق التي لا يطمئن المتهم في غيابها إلى محاكمة تتم إنصافاً...وكان من المقرر أن شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها مرتبطتان بمن يكون قانوناً مسئولاً عن ارتكابها على ضوء دوره فيها ، ونواياه التي قارنتها ، وما نجم عنها من ضرر ، ليكون الجزاء موافقاً لخياراته بشأنها. متى كان ذلك ، وكان تقدير هذه العناصر جميعها داخلاً في إطار الخصائص الجوهرية للوظيفة القضائية ، فإن حرمان من يباشرون تلك الوظيفة من سلطتهم في مجال تفريد العقوبة...مؤداه بالضرورة أن تفقد النصوص العقابية اتصالها بواقعها، فلا تنبض بالحياة ، ولا يكون إنفاذها إلا عملاً مجرداً يعزلها عن بيئتها دالاً على قسوتها أو مجاوزتها حد الاعتدال ، جامداً فجاً منافياً لقيم الحق والعدل" .

    83- ثانيا : التمايز بين العقوبة والجزاءات الأخرى المترتبة على الجريمة :
    84- تمهيد :
    لقد أشرنا في أكثر من موضع سابق - وسنشير إليه تفصيلاً بعد قليل - أن العقوبة تتمايز عن التدابير الاحترازية ، التي يكون مبنى توقيعها الخطورة الإجرامية وليس الفعل الإجرامي ولا الخطأ الجنائي كما هو الحال في العقوبة.

    وعلى هذا فسوف نكتفي في هذا الموضع ببيان الأوجه التي تميز العقوبة الجنائية عن غيرها من الجزاءات المعروفة في فروع قانونية أخرى ، كالتعويض المدني والجزاء التأديبي ، والتي قد تترتب أحياناً على وقوع الجريمة.

    85- أ : العقوبة الجنائية والتعويض المدني :
    تشترك العقوبة الجنائية مع التعويض المدني في أن كل من الصورتين يعد جزاء. وقد يتماثلا من حيث الشكل إذا اتخذت العقوبة الجنائية صورة الغرامة أو المصادرة ، فيكون كلاهما انتقاص من الذمة المالية للمحكوم عليه. وفيما عدا ذلك فإن كلا الجزاءين يتباعدان على النحو التالي :
    *- العقوبة الجنائية جزاء شرع من أجل الجريمة ، أما التعويض المدني فجزاء شرع من أجل تعويض الضرر الناشئ عن الجريمة ، باعتبار أن هناك التزام مدني يقع على عاتق مرتكب الفعل الخاطئ بتعويض المضرور من هذا الفعل عما أصابه من ضرر. فتقضي قواعد المسئولية التقصيرية أن "كل خطأ سبب ضرر للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض" (م 163 مدني مصري و م1382 مدني فرنسي). ويترتب على ذلك أن العقوبة الجنائية لا توقع إلا على فعل تكامل له وصف الجريمة بأركانها المادية والمعنوية ولو لم ينشأ عنها ضرر (إلا إذا كان الضرر ركن فيها وفق ما يحدده المشرع). أما التعويض المدني فلا يحكم به إلا إذا سبب الفعل ضرر في جميع الأحوال ، حتى ولو لم يكون هذا الفعل مكون لجريمة من الناحية الجنائية .
    *- لا يتماثل الغرض من العقوبة الجنائية مع الغرض من التعويض المدني. ففي العقوبة الجنائية – حتى لو اتخذت صورة الغرامة – يكون الغرض هو تحقيق وظيفة اجتماعية ، هى مكافحة الجريمة عن طريق إيلام المجرم ، وتحقيق غرض نفعي هو الردع العام والخاص. بينما يقتصر الغرض في التعويض المدني على إعادة التوازن بين الذمم المالية بعد أن أخل به الفعل الخاطئ والضرر الناجم عنه . ويترتب على ذلك أن العقوبة الجنائية لا يجوز توقيعها إلا على مرتكب الجريمة شخصياً - عملاً بمبدأ شخصية العقوبة – في حين أن التعويض المدني يمكن أن يقضى به في مواجهة المسئول عن الحقوق المدنية ، ولو لم يكن هو مرتكب الفعل الخاطئ الضار. ومن هنا كانت العقوبة تتناسب مع شخص الجاني بخلاف التعويض المدني فإنه يتناسب مع عنصر الضرر الناشئ عن الفعل غير المشروع ولا يرتبط بالخطأ وجسامته ولا بشخص مرتكبه .
    *- العقوبة الجنائية دائما ذات طبيعة قضائية ، لا تتقرر إلا بحكم قضائي أو ما يقوم مقامه ، كما في حالة الأمر الجنائي. أي أن العقوبة تستوجب دائما تدخل سلطة عليا بعيداً عن أطراف الجريمة (الجاني – والمجني عليه). أما التعويض المدني كما يمكن أن يتقرر بحكم قضائي - صادر عادة من المحكمة المدنية - يمكن أيضاً أن يتقرر باتفاق الأطراف (المخطئ والمضرور) دون الالتجاء إلى المحاكم ، أي عن طريق ما يمكن أن نسميه الأداء الاختياري للحق المدني. فإذا ما نشأ الفعل الضار عن جريمة أمكن للمضرور أن يلتجأ إلى القضاء الجنائي بدعواه المدنية - بالتبعية للدعوى الجنائية - التي تتكفل النيابة العامة (سلطة الاتهام) بمباشرتها.
    *- تتعدد العقوبة الجنائية - ومنها الغرامة - بتعدد الجناة في الجريمة. في حين أن التعويض المدني عن الضرر لا يقضى به إلا مرة واحدة حتى ولو تعدد المشتركون في الفعل الضار أو المسئولون عنه. وقد يتضامن هؤلاء في أداء التعويض المقضي به ، بحيث إذا أداة أحدهم برأت ذمة الباقين منه. ومن الممكن أن يلزم الحكم كل مسئول بنصيب من التعويض يتناسب مع مدى ما صدر عنه من خطأ أو ما سببه من ضرر .
    *- لما كانت العقوبة الجنائية تهدف إلى تحقيق وظيفة اجتماعية ، لذا فإن المطالبة بتوقيعها أصبحت حكراً على النيابة العامة (سلطة الاتهام) بوصفها ممثلة للمجتمع وتنوب عنه ولا يشاركها في ذلك أحد ، حتى المضرور الذي يباشر دعواه المدنية أمام القضاء الجنائي ، الذي لا يحق له إلا المطالبة بالتعويض المدني دون العقوبة الجنائية. لذا فإن هذا الأخير – المضرور أو المدعى المدني - حينما يخسر دعواه المدنية أمام القضاء الجنائي لبراءة المتهم فإنه لا يحق له الطعن إلا على الشق المتعلق برفض التعويض المدني. أما الطعن على حكم البراءة فيظل حقا للنيابة العامة كممثل وحيد للمجتمع. فالإنابة لا تتصور في المطالبة بتوقيع العقوبة الجنائية ، في حين أن الإنابة جائزة في المطالبة بالحقوق المدنية (التعويض). فضلا عن أن التنازل عن المطالبة بتوقيع العقوبة أمر - بحسب الأصل - غير جائز لتعلقه بحقوق المجتمع على عكس التعويض المدني.
    *- وأخيراً فإن العقوبة الجنائية تنفذ جبراً على المحكوم عليه ، ويجوز تعليق تنفيذها على شرط (أو ما يسمى عملاً إيقاف التنفيذ) ، وقد تسقط بأسباب متعددة منها التقادم والعفو ، وقد يرد الاعتبار قانونيا أو قضائيا عن الأحكام الصادرة بعقوبة جنائية. أما التعويض المدني فيخضع في تنفيذه للأحكام خاصة يضمها قانون المرافعات المدنية والتجارية والقوانين المتفرعة عنه. وقد يجرى هذا التنفيذ اختياراً باتفاق أطرافه دون جبر ، وقد يلجأ في تنفيذه إلى وسائل جنائية كالإكراه البدني. كذلك فإن التعويض المدني يسقط الحق فيه بآجال وأسباب يحددها القانون المدني تبعد عن أسباب سقوط العقوبة الجنائية.

    86- ب : العقوبة الجنائية والجزاء التأديبي :
    تتفق العقوبة الجنائية مع الجزاء التأديبي (كاللوم – والتنبيه – والخصم من المرتب – والفصل عن الخدمة … الخ) في أن كلاهما يرتبط بمبدأ شخصية الجزاء ، فلا يوقعان إلا على المسئول عن الجريمة الجنائية أو الجريمة التأديبية. كما يتفقان في أن كلاهما يرمي إلى تحقيق الردع عن نوع معين من المخالفات (الخروج على أوامر ونواهي القانون الجنائي والقانون الإداري). كما قد يوقع الجزاء التأديبي كأثر ملازم للعقوبة الجنائية ، كما هو الحال في عزل الموظف المحكوم عليه بعقوبة جناية وجوباً (م25 عقوبات).

    وفى غير ذلك يختلف كلا الجزاءين بعضهما عن الأخر على النحو التالي :
    *- تخضع العقوبة الجنائية لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يوجب الحصر المسبق للأفعال الغير مشروعه أو المجرمة والتي يستحق عنها العقاب. هذا الحصر لابد وأن يكون محدداً بوضوح لا لبس فيه وبألفاظ لا تعوزها الدقة. أما الجزاء التأديبي فهو وإن كان محدد في اللوائح والقوانين إلا أن الأفعال التي يطبق بشأنها هذا الجزاء تبقى غير محددة. إذ يغلب على المخالفات التأديبية أن تتحدد وفق معيار عام مرن وفضفاض مثل الإخلال بواجبات الوظيفة أو الخروج على مقتضيات المهنة …الخ .
    *- لا ينال الإيلام الناشئ عن الجزاء التأديبي إلا من المركز الوظيفي للشخص شاغل هذا المركز (كتوقيع التنبيه أو الإنذار أو الخصم من المرتب أو تأخير أو الحرمان من العلاوة أو تأخير الترقية أو الحرمان منها أو الوقف عن العمل أو الفصل من الخدمة…الخ). بينما تنال العقوبة الجنائية من حقوق متنوعة كما سبق وأن أسلفنا ، كالحق في الحياة ، أو في الحرية ، أو الحق في التملك ، أو الحق في الشرف والاعتبار…الخ.
    *- إذا كانت العقوبة الجنائية تتقيد بمبدأ القضائية ، أي عدم جواز توقيعها إلا بحكم قضائي ، فإن الجزاء التأديبي لا يتقيد بهذا الأمر. فقد يصدر هذا الجزاء عن محكمة وقد يصدر بقرار من سلطة تأديبية رئاسية.
    *- وأخيراً فإن العقوبة الجنائية - بحسب الأصل - ذات تطبيق عام على كافة المواطنين المتواجدين على إقليم الدولة ، متى قام أحدهم بانتهاك قاعدة من قواعد قانون العقوبات. بينما لا يتعلق الجزاء التأديبي ولا يثبت إلا بشأن فئة معينة من الأفراد يخضعون لنظام تأديبي معين ، كما هو الحال بشأن الموظفين العموميين. فالجزاء التأديبي محدود من حيث نطاق تطبيقه الشخصي.

    87- ثالثا : أغراض العقوبة الجنائية :
    88- تمهيد :
    كشف لنا استعراض الفلسفات التي كانت وراء الحق في العقاب وبيان سلطة الدولة في توقيعه ، أن هناك تطوراً قد لحق أغراض العقوبة الجنائية Les finalités de la peine تبعا للتطور الفكري والاجتماعي الذي شهدته المجتمعات.

    ولقد استبان لنا أن أغراض العقوبة تنوعت بين ثلاثة اتجاهات : اتجاه موغل في القدم ، يرى في العقوبة غرضاً انتقامياً (سواء أكان انتقام فردى أو جماعي) ، ثم اتجاه لاحق دعمت ظهوره الأفكار المسيحية الكنسية ، يرى في العقوبة غرضاً تكفيرياً. ثم ظهر الغرض النفعي كمرحلة ثالثة في القرن الثامن عشر على يد مفكري هذا العصر أمثال مونتيسكيو وروسو وبيكاريا وبنتام. واقتصر هذا الغرض عند مفكري المدرسة التقليدية الأولى على تحقيق الردع العام ، ثم أصبح تحقيق العدالة هدف يضاف إلى الردع العام عند أنصار المدرسة التقليدية الثانية أو الجديدة. وفى مرحلة رابعة أعيد للردع العام أهميته مرة أخرى وغلب كغرض للعقوبة الجنائية لدى مدارس الوسط التوفيقية. إلى أن استقر الأمر بإعلاء الهدف التأهيلي والإصلاحي للمجرم ، كأسمى أهداف العقوبة مجتمعه عند أنصار حركة الدفاع الاجتماعي الجديد وعند أنصار النيوكلاسيكية المعاصرة ، الذين يرون أن هذا الهدف الإصلاحي يمكن تحقيقه إلى جانب الردع والزجر بشقيه العام والخاص. فالردع يتحقق من مجرد النطق بالعقوبة من قبل القاضي ، أما الهدف أو الغرض الإصلاحي أو التأهيلي فيمكن تحقيقه في مرحلة التنفيذ وداخل المؤسسة العقابية.

    على أنه لا يجب أن نفهم أن هذه المراحل تظل منفصلة بعضها عن الأخر. فلا يعنى الاهتمام بالانتقام كغرض للعقوبة في المراحل الأولى للإنسانية أن التكفير أو الردع لم يكن هدفاً. كما أن ظهور الدولة وتسيدها لتوقيع العقاب لم يلغ أبداً فكرة الانتقام والتكفير. والدليل على ذلك أنه إلى وقت قيام الثورة الفرنسية كانت العقوبات تتسم بالوحشية انتقاماً من الجاني وتشفياً فيه. وحتى مع ظهور المسيحية وظهور المحاكم الكنسية ، ظل المجتمع المدني (المحاكم غير الدينية) يطبق العقوبات الوحشية التي كانت تتعدى كثيراً الجاني وتمتد إلى أهله وأحيانا إلى الحيوانات وجثث الموتى. كما لا يمكن القول أن ظهور الغرض النفعي ، خاصة مع ظهور أفكار بيكاريا ، كان جديداً تماما في الفقه. فلقد عرفته المجتمعات القديمة ذات الطابع الانتقامي في العقاب عندما أرادت التخفيف عن غلواء هذا الطابع عن طريق اعتماد نظام الدية الاختيارية ثم الإجبارية فيما بعد. فهذا الإقرار بمبدأ الدية أريد به تغليب المنفعة على شهوة الانتقام.

    وبالجملة فإن تقسيم أغراض العقوبة - بحسب المراحل التاريخية - هو تقسيم تحكمي. فتلك الأغراض متداخلة في كل العصور ، ولم يكن الهدف من التقسيم التاريخي إلا التبسيط وإبراز لعلو هدف على أخر خلال مرحلة معينة من تطور المجتمع البشري.

    ومن المؤكد أن الهدف أو الغرض الانتقامي أو التكفيري للعقوبة لم يعد له دور يذكر في العصور الحديثة والمعاصرة. ومن ثم يمكن حصر أغراض العقوبة فقط في نوعين من الأغراض ، أحداهما الغرض الأخلاقي ، وهو تحقيق العدالة ، وغرض نفعي هو تحقيق الردع بنوعية العام والخاص.

    89- أ : الغرض الأخلاقي للعقوبة :
    كما سبق وأن أوضحنا ، فإنه يرجع الفضل للفلاسفة الألمان – خاصة "إيمانويل كانت" ومن بعده هيجل – في توجيه الأنظار نحو الغرض الأخلاقي للعقوبة Le but rétributif de la peine ، متمثلا هذا الغرض في العدالة. فعندهم أن الجريمة هى نفي للعدالة في المجتمع وأن العقوبة هى نفي لهذا النفي ومن ثم تصبح العقوبة تأكيد للعدالة أو إثبات لها من جديد. فالجريمة عدوان على العدالة كقيمة اجتماعية مثلى يجب أن تسود داخل المجتمع ، لما تمثله الجريمة من ظلم تجاه المجني عليه بحرمانه من حق من حقوقه (كالحياة في حاله القتل – والسلامة الجسدية في حالة الضرب والجرح – والحق في الملكية في حالة السرقة والنصب …الخ) ، وما تمثله من تعدي على الشعور العام في العدالة المستقر في ضمير الأفراد.

    وفى ضوء ذلك فإن العقوبة تعمل على تحقيق العدالة لما تقوم به من إعادة التوازن بين المراكز القانونية التي أخل بها الفعل الإجرامي. وتنزل بالمجرم شر مماثل للشر الذي نجم عن الجريمة ولحق بالمجني عليه ، فكأنها تعيد للقانون هيبته في أذهان العامة. ويحقق اعتبار العدالة غرض من أغراض العقوبة ميزة كبيرة ، إذ أن الوصول إلى هذا الهدف يرضي شعور المجني عليه ويهدأ من ثورة المشاعر العامة اللاحقة على ارتكاب الجريمة ، بما يخمد نار الانتقام في صدر المجني عليه وعند أقرانه ، فيحقق بالتالي السلام الاجتماعي الذي ينقص من معدلات الجريمة في المجتمع. كما أن تحقيق هذا الهدف - خاصة عند الإسراع في توقيع العقاب - ينمى روح الندم والشعور بالمسئولية لدى الجاني ، مما يدفعه إلى محاولة تهذيب سلوكه كي يعود من جديد عضواً منتجاً ومندمجاً في مجتمعه .

    ويمكننا القول أن الغرض الأخلاقي للعقوبة ، أي تحقيق العدالة ، ينحصر في رسالة القضاء. فهذا الهدف هو المهمة الأساسية للقاضي ولمرفق القضاء بكافة مستوياته الجنائية. وقد يساهم القاضي - وهو في سبيل سعيه نحو تحقيق العدالة - في تحقيق أهداف أخرى للعقوبة ، كالردع العام والخاص مثلا. فالقاضي من خلال العقوبة يؤكد على انتهاك القاعدة الجنائية ، مما يعلي من فكرة القانون في نفوس الأفراد ، ويساهم في كبت عوامل الجريمة أو ما يسمى بالإجرام الكامن ، سواء في نفوس الكافة (الردع العام) أو على المستوى الفردي ، أي في نفس المجرم (الردع الخاص). إلا أن تحقيق هذا الهدف الأخير ( الردع العام والخاص) يتحقق كأثر للهدف الأول المتمثل تحقيق العدالة.
    فما يكون نصب عين القاضي هو الغرض الأخلاقي للعقوبة ، المتمثل في تحقيق العدالة. والدليل على ذلك ، أن القاضي (وذلك من خلال ما يثبته الواقع العملي في المحاكم) يسعى في تطبيقه للعقوبة إلى أن تكون متناسبة مع جسامه الفعل وماديات الجريمة (سلوك ونتيجة) ، دون مراعاة لتناسبها مع شخص المجرم. فهو يقدر للجريمة ، وليس للمجرم ، قدراً من العقوبة ، وهو ما يسمى في الفقه "بتسعير العقاب "La tarification de la punition". فلو كان الردع هدف للقاضي ، لأدخل في تقديره العناصر الشخصية للمجرم حتى يتأكد من كون العقاب سيحقق هذا الهدف .

    90- ب : الغرض النفعي للعقوبة
    قلنا أن جوهر العقوبة ، هو الأذى أو الإيلام الذي يلحق بمن توقع عليه نتيجة الماس بأحد حقوقه الأساسية أو اللصيقة بشخصية. ويستهدف إقرار هذا الإيلام والأذى كبح عوامل الجريمة داخل النفس البشرية ، وهو ما يسمى بالردع ، أي التخويف والزجر ، والذي يمثل غرضاً نفعياً للعقوبة Le but utilitaire de la peine. وقد ينصرف هذا الأخير إلى تحقيق الردع العام La prévention générale الموجه للكافة ، بحيث تمنع العقوبة بقية أفراد المجتمع من تقليد ومحاكاة المجرم ، استهجاناً لما أنزل عليه من عقاب. وقد يستهدف الردع الخاص La prévention spéciale ، أي محاولة وأد ميكروبات الجريمة أو الميكروبات الاجتماعية - على حد قول البعض - في نفس المجرم للحيلولة بينه وبين الجريمة مرة أخرى.

    91- الردع العام:
    ينظر للعقوبة على أنها إنذار موجه للكافة من الناس ، تنذرهم بسوء العاقبة في حالة تقليد المجرم في سلوكه. فالعقوبة هى المضاد الحيوي الذي يكبت نوازع الشر الطبيعية في كل نفس بشرية. فالعقوبة تمارس أثراً نفسياً تهديدياً ، يقوى بواعث الخير تجاه بواعث الشر أو بواعث الجريمة ، بما يحقق الموائمة بين السلوك الجماعي وبين قواعد قانون العقوبات. فالعقوبة هى التي تمنع من تحول الإجرام الكامن إلى إجرام فعلي.

    وتحقيق هذا الهدف - أي الردع العام - يتوقف على عوامل كثيرة منها : عدالة العقوبة وتناسبها مع جسامه الواقعة الإجرامية والخطأ الجنائي. فزيادة العقوبة أكثر مما تقضيه جسامه الواقعة قد يحمل القضاء على عدم تطبيقها ، وسعيه الحثيث على تبرئه المتهم مخافة توقيع عقاب غير عادل ، مما يرسخ في أذهان العامة قلة أهمية دور العقوبة فلا يتحقق الردع العام. الأمر الذي يحدث بالمثل في حالة ضعف العقوبة بالمقارنة بجسامة ما وقع من جرم. كما يتوقف الردع العام في النفوس على ميكانيزم القضاء الجنائي ، أي الكيفية التي يسير بها هذا المرفق من حيث البطء أو السرعة في مواجهة الجريمة.

    ومهمة تحقيق الردع العام تقع بحسب الأصل على المشرع ، وإليه يسعى دون الأهداف الأخرى للعقوبة ، وذلك من خلال خلق القواعد التجريمية وتقرير الأجزية المناسبة لكل جرم. فهو بهذا الخلق يوجه التحذير للكافة بتوقيع العقاب في حالة انتهاك القاعدة التجريمية.
    ولكي يطمئن المشرع إلى تحقيق هذا الهدف ، فإنه يجب أن يستند إلى قواعد العدالة في التشريع. ولما كان أمر تحقيق العدالة موكول إلى القاضي ، لذا فقد جرت التشريعات على تقرير العقوبات بين حد أدنى وحد أقصى ، أو تقرير عقوبات تخيرية ذات جسامه متفاوتة، تاركة للقاضي حرية تقرير العقوبة المناسبة كماً وكيفاً حسب ظروف كل حالة. فهذا الأسلوب يضع أمام الكافة الصورة الفعلية للعقوبة وكيفية تطبيقها ، فتتفاعل النفوس مع هذا التطبيق. فإن رأته عادلاً فإنها تبدأ في مراجعة النفس (التخويف والترهيب) وتبدأ أولى مراحل الردع العام ، وإن رأته ظالماً ، استخفت النفوس بالقانون وبالعقوبة وقلت لديهم عوامل الردع العام.

    وعلى ذلك ، فإذا كان المشرع هو المنشئ للردع العام من خلال القاعدة الجنائية ، فإن القاضي هو الموكول إليه التثبت من تحقيق تلك القاعدة للردع العام الفعلي. فيمكننا القول أن هناك نوعا من الإنابة بين السلطة التشريعية وبين القضاء الجنائي في تحقيق الردع العام في المجتمع.

    92- الردع الخاص:
    الردع الخاص هو الأثر المباشر للعقوبة الذي تحدثه على ذات المجرم المحكوم عليه ، أو هو الأثر الناشئ عن الانتقاص من حقوق المحكوم عليه في بدنه أو حريته أو ماله أو شرفه واعتباره.

    من هنا يظهر أن للردع الخاص طابع فردي Intimidation de nature individuelle ، حيث ينصب على شخص بعينه هو المحكوم عليه ، فيدفعه إلى تغيير عناصر شخصيته في المستقبل بما يحول بينه وبين الرجوع إلى اقتراف الجريمة لاحقاً. فكأن الردع الخاص هو محاولة استئصال الخطورة الإجرامية المستقبلية أو الاحتمالية التي كشفت عنها الجريمة التي ارتكبها الشخص بالفعل. فبالعقوبة يتعاظم مقدار الألم في نفس الجاني وإحساسه بالمهانة والاحتقار بين أفراد مجتمعه ، فتنمو داخله العوامل التي تحول بينه وبين السلوك الإجرامي في المستقبل.

    وللردع الخاص - كوسيلة لمنع المجرم من معاودة ارتكاب الجريمة في المستقبل - درجات أشدها هو الردع الخاص الاقصائي ، والذي يتم من خلال استبعاد الجاني كلياً من المجتمع ، كما هو الحال في عقوبة الإعدام وفى العقوبات السالبة للحرية طويلة المدة أو المؤبدة ، وذلك بهدف تجميد النشاط الإجرامي للجاني في المستقبل. ولا يتحقق ذلك النوع الاقصائي إلا بشأن الجرائم شديدة الخطورة على مصالح المجتمع وفى حالات المجرمين الذين لا تجدي معهم برامج التأهيل والإصلاح من واقع سجلهم الإجرامي أو جسامه ما ارتكب من أفعال.

    وللردع الخاص صورة أخف تتمثل في الردع الخاص الإنذاري. ويتحقق ذلك في حالات الإجرام غير الجسيم أو الذي يتمثل في تفاهة ما نشأ من ضرر ، والذي يثبت فيه أن الحدث الإجرامي لم يكن إلا شئ عارض في حياة المتهم. في تلك الأحوال ، يمكن تطبيق بعض العقوبات ذات الطابع الإنذاري ، كما هو الحال في الحبس قصير المدة مع إيقاف التنفيذ أو الوضع تحت الاختبار أو الحكم بالإدانة مع تأجيل النطق بالعقوبة أو الحكم بعقوبة مالية بسيطة.

    وبين الصورتين توجد صورة وسط تتمثل في الردع الخاص الإصلاحي أو التأهيلي ، ويكون ذلك في حالات الإجرام المتوسط (كالسرقة وخيانة الأمانة والقتل الخطأ …الخ) ، حيث يوجب تحقيق هذا النوع من الردع الدخول الفعلي في إحدى المؤسسات العقابية من أجل إخضاع المحكوم عليه للبرامج الإصلاحية والتأهيلية الموضوعة من قبل الخبراء والمتخصصين في الشئون العقابية ، التي تعمل على تنمية روح التوافق مع المجتمع مرة أخرى.

    ويظهر من ذلك أن الردع الخاص في شق كبير منه يلقى على عاتق السلطات القائمة على التنفيذ العقابي ، وإليه تهدف هذه السلطات أكثر من الأهداف الأخرى للعقوبة الجنائية .



  9. #9

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي ضمانات العقوبة الجنائية

    المبحث الثاني
    ضمانات العقوبة الجنائية

    93- تمهيد وتقسيم :
    يحدد الفقه الجنائي عادةً عدداً من الضمانات الأساسية التي تحكم العقوبة الجنائية عامةً ، أياً ما كان نوعها أو درجتها ، وبصرف النظر عن التقسيم الذي يتبعه المشرع أو الفقه في تحديد أنواع ودرجات العقوبة الجنائية. وللعقوبة ضمانات ستة تحكمها ، سواء في مرحلة وضع النص الجنائي (مرحلة التشريع) أو في مرحلة التطبيق الفعلي للنص من قبل القضاء ، أو في مرحلة التنفيذ العقابي.

    94- أولاً : شرعية العقوبة الجنائية :
    مبدأ الشرعية هو حجز الزاوية في القانون الجنائي عامة ، وهو بهذه الصفة يمثل الركن الركين والضمان العام للعقوبة. فمن هذا المبدأ تتولد بقية المبادئ التي تحكم العقوبة في أي مرحلة من مراحلها .

    ويقصد بشرعية العقوبة الجنائية Légalité de la peine أن يوكل إلى المشرع وحدة أمر تقرير العقوبات التي تطبق حال مخالفة الشق التجريمي من القاعدة الجنائية. وإذا كان تحديد العقوبة بالتالي هو عمل السلطة التشريعية ، فإنها قد تفوض في ذلك السلطة التنفيذية في تحديد العقوبات لما يكون المشرع نفسه قد جرمه من أفعال ، وهو ما يسمى بالتفويض التشريعي المنصب على ركن الجزاء .

    وعلى ذلك لم يعد صائبا القول أن "لا عقوبة إلا بقانون" ، إنما الأصوب القول أن "لا عقوبة إلا بناء على قانون ، أو لا عقوبة إلا بنص". ومن ثم يكون تطبيق عقوبات لم تصدر من السلطة التشريعية أو من السلطة التي فوضتها في ذلك عمل يمس بشرعية العقوبة مما يبطلها.
    ولهذا المبدأ قيمة دستورية في النظام القانوني المصري. حيث نص دستور 1971 في المادة 66/2 على أنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على القانون… ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون" Nullum crimena, nulla poena sine lege. كما أكدته المادة الخامسة من قانون العقوبات الحالي لسنة 1937 إذ قررت أن "يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها".

    وينتشر هذا المبدأ في كافة القوانين المعاصرة ، ومنها قانون العقوبات الفرنسي الجديد الصادر في 22 يوليو 1992 ، والذي نص في مادته 111-2 على أن "يحدد القانون الجنايات والجنح، ويحدد العقوبات المطبقة على مرتكبيها ، وتحدد اللائحة المخالفات وتقرر في الحدود وبحسب التفرقة التي يحددها القانون العقوبات المطبقة على المخالفين". وتعود المادة 111-3 لتؤكد على المبدأ قائلةً "لا يعاقب أحد عن جناية أو جنحة إذا لم تتحدد أركانها وفقا للقانون ، أو عن مخالفة إذا لم تتحدد أركانها وفقا للائحة. ولا يعاقب أحد بعقوبة لم ينص عليها قانونا إذا كانت الجريمة جناية أو جنحة ، أو لم ينص عليها في اللائحة إذا كانت الجريمة مخالفة".

    ويفرض مبدأ شرعية العقوبة (وكذلك شرعية الجريمة) ، في ضوء مضمونه هذا ، عدداً من الالتزامات في جانب المشرع وفى جانب القضاء :

    95- أ : الالتزامات المترتبة على مبدأ الشرعية في جانب المشرع :
    تلزم السلطة القائمة على تحديد العقوبات أن تبدأ بتحديد موضوع العقوبة .L’objet de la peine ويقصد بهذا الموضوع قيام المشرع بتحديد قصده من العقوبة ، وما إذا كان الهدف منها مجرد الإنذار أم أنه يقصد التقويم والإصلاح ، أم يقصد أخيراً أن يكون لها طابع إقصائي. وهى كلها تندرج ضمن أهداف الردع الخاص لثلاثة سالفة الذكر.

    كما أن على المشرع أن يقوم بتحديد طبيعة العقوبة La nature de la peine ، أي تحديد الحق الذي تنال منه من بين حقوق المحكوم عليه. فمن العقوبات ما يسلب المحكوم حقه في الحياة (كالإعدام) ، ومنها ما يسلب حقه في الحرية بصفة نهائية أو مؤقتة (كالعقوبات السالبة للحرية) ، ومنها ما يقيد تلك الحرية (كالوضع تحت مراقبة الشرطة وخطر الإقامة)، ومنها ما ينال من الذمة المالية لهذا المحكوم عليه (كالغرامة والمصادرة) ، ومنها ما يمس بالحقوق السياسية أو الوظيفية له (كالمنع من الترشيح لعضوية المجالس النيابية والعزل) ، ومن العقوبات ما ينال أخيراً من الشرف والاعتبار (كالنشر في الصحف لبعض الأحكام كأحكام الإفلاس والغش التجاري مثلا). كما قد يؤدى تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية في ظهور أنواع أخرى من العقوبات ، كسحب الرخص وغلق المنشأة التجارية أو الاقتصادية وحظر مزاولة مهنة أو نشاط تجاري أو اقتصادي لفترة مؤقتة أو دائمة.

    وعلى المشرع ألا يقصد عند تحديده لطبيعة العقوبة أن تمتد إلى غير المحكوم عليه إعمالاً لمبدأ شخصية العقوبة ، كما سنوضح بعد قليل.

    وأخيراً فإن على المشرع أن يراعي عند تحديد العقوبة مقدار جسامتها ، والتناسب بينها وبين الجسامة الموضوعية للجريمة ، ومدى نصيب إرادة الجاني من الخطأ. وعلى هذا الأساس يقيم المشرع تفرقة مثلاً في العقوبة من حيث كونها عقوبة جناية أم جنحة أم مخالفة ، وإقامته تفرقة عقابية داخل كل طائفة من هذه الجرائم (المواد 9 ، 10 ، 11 عقوبات مصري) .

    96- ب : الالتزامات المترتبة على مبدأ الشرعية في جانب القاضي :
    يفرض مبدأ الشرعية في جانب القاضي عدد من الالتزامات منها : الالتزام بالعقوبات المقررة للجرائم وفق ما تحدده نصوص التشريع ، طبقا لدرجة وطبيعة العقوبة. فيمتنع عليه أن يضيف إلى النص عقوبات لم ترد به ، ولا أن يطبق عقوبة من نوع أو مقدار مختلف. ولا يخل بذلك أن يكون المشرع بنفسه قد أعطى للقاضي سلطة للإعمال التفريد القضائي ، إذا ما وضع له عقوبة بين حد أدنى وحد أقصى ، أو يكون قد خيره بين أكثر من عقوبة ذات طبيعة ومقدار مختلف. فليس في ذلك عدوان على مبدأ الشرعية ، لأن المشرع هو الذي أناب القاضي في أمر التحديد.

    كما على القاضي أن يمتنع عن إعمال القياس في تقرير العقوبات. فالقانون الجنائي لا يعرف التفسير بطريق القياس L’interprétation par l’analogie لا في مقام التجريم ولا مقام العقاب ، فما سكت المشرع عن تجريمه فلا يجرم ، وما سكت عن تحديد عقوبته فلا يتقرر له عقاب ، حتى وإن بدا للقاضي أن هناك تجريم قريب يتحد في العلة مع السلوك الذي لم يوضح له المشرع عقاب. فما ترك على إباحته يظل مباح ، وإلا فتحنا باب التحكم والهوى من قبل القضاء ، ولا يخفى ما لذلك من أثر على حريات وحقوق المواطنين.

    97- ثانياً : عمومية العقوبة الجنائية La généralité de la peine :
    يقصد بعمومية العقوبة المساواة فيها ، أي سريانها في حق جميع الأفراد دون الأخذ في الاعتبار لتفاوتهم من حيث المكانة الاجتماعية. وهذا ما يسمى في الفقه الجنائي الحديث بمبدأ المساواة في العقاب L’égalité de la punition ، وهو مبدأ لم تكن تعرفه الشرائع القديمة حيث كانت تختلف العقوبات التي توقع على الأشراف عن تلك التي توقع على العبيد. وهذا المبدأ يستمد عموماً من القواعد الكلية للقانون ، التي توجب أن تتصف قاعدة القانون بالعمومية والتجريد.

    ولقد حثت الشريعة الإسلامية الغراء على تلك المساواة والعمومية لقول سيدنا رسول الله "إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" .

    غير أنه لا يوجد تعارض بين هذا المبدأ وبين ما يخوله المشرع للقاضي من امكانية إعمال قواعد التفريد العقابي ، أو ما يسمى بالتفريد القضائي. فالمساواة والعمومية في العقوبة لا تعني وجوب تطبيق ذات العقوبة على كل من يرتكب جريمة من نوع معين. فالقاضي له أن يعمل سلطته التقديرية في وزن العقوبة حسب ظروف الجريمة الموضوعية (المتعلقة بمادياتها) والشخصية (المتعلقة بشخص الجاني). فالمساواة في العقاب تعني أن القاعدة العقابية إذا كانت تقدر عقاباً مشدداً أو مخففاً ، أو تقدر عقاباً بين حد أدنى وحد أقصى ، فإن تلك الأمور تنطبق على الكافة وللكل أن يستفيد من ذات القاعدة.

    98- ثالثاً : قضائية العقوبة الجنائية :
    إذا كانت شرعية العقاب تعني أن يترك للمشرع وحده أمر تحديد العقوبة كماً ونوعاً ، فإن قضائية هذه الأخيرة تنصرف إلى أن يترك للقاضي وحده أمر تطبيقها. وهذه الضمانة تعد تطبيقاً لمبدأ الفصل بين السلطات في مجال القانون الجنائي La séparation des pouvoirs. فالعقوبة بحسبانها نوعاً من الألم وانتقاص للأحد الحقوق اللصيقة بالشخصية الجوهرية ، كان لابد من أن يوكل أمر تطبيقها إلى جهة محددة يتوافر بشأنها ضمانات الحيدة والنزاهة والاستقلال. وهو ما يوجب بداءة أن تكون جهة التطبيق محددة سلفاً في التشريع ، لا أن تخلق خلقاً لمواجهة جرم ما بعينه.

    ولهذه الضمانة قيمتها الدستورية في النظام القانوني المصري ، حيث نصت المادة 66/2 من دستور 1971 على أنه "… لا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي". وفى ضوء ذلك اعتمد قانون الإجراءات الجنائية في مادته 459 ذات المبدأ حين نص على أنه "لا يجوز توقيع العقوبات المقررة بالقانون لأية جريمة إلا بمقتضى حكم صادر من محكمة مختصة بذلك". وهو ما يستتبع ألا يترك لجهة الإدارة أو بعض الفنيين سلطة تطبيق العقوبات. وغني عن البيان أن القاضي عند تطبيقه للعقوبة يلتزم بذات الالتزامات التي تتفرع عن مبدأ الشرعية والتي أوضحناها سالفا.

    99- رابعاً : شخصية العقوبة الجنائية :
    يقصد بشخصية العقوبة الجنائية La personnalité de la peine عدم جواز توقيعها إلا على الجاني نفسه مرتكب الواقعة الإجرامية ، فاعلاً كان أم شريكاً. فالمسئولية الجنائية شخصية ، لا تضامن فيها ، والعقوبة التي تترتب على قيامها لها ذات السمة الشخصية. فلا يجب أن تمتد العقوبة أو أثرها - بحسب الأصل وكأمر مقصود - إلى أشخاص آخرين خلاف الجاني ، كأفراد أسرته أو ورثته أو من يربطهم به صله ما.

    وهذا المبدأ يعد من ركائز التشريع الجنائي المعاصر حيث لم يكرس تشريعياً إلا من عهد قريب. ففي الشرائع القديمة كانت للعقوبة أثراً ممتداً ، يصيب الجاني نفسه وأفراد أسرته. ففي ظل القانون الفرنسي القديم ، كانت عقوبة التآمر ضد الملك أو الحكومة هى الإعدام والمصادرة لأموال المتآمر وأفراد أسرته ونفيهم خارج البلاد . وكان هذا هو الحال القائم في التشريع المصري في فترة سريان قانون المنتخبات وقبل الإصلاح القضائي في عام 1883 ، فكان العقاب يمتد ، بالإضافة إلى فاعل الجريمة ، إلى شيخه أو على القائممقام حسب الأحوال (م21 من قانون المنتخبات) . ولقد مضت تلك العهود إلى غير رجعة وأصبح مستقراً أن المسئولية الجنائية شخصية ولا تمتد إلى فعل الغير ، وأن العقوبة التي تتولد عنها شخصية ولا تمتد إلى غير الجاني ، حتى ولو كانت العقوبة الجنائية تافهة (كالغرامة البسيطة مثلا). وهذا الأمر هو ما حرص الدستور المصري في المادة 66/1 على التأكيد عليه عندما قال "العقوبة شخصية". كما رددته محكمة النقض المصرية في عبارات بليغة عندما قالت : "من المبادئ الأساسية في العلم الجنائي أن لا تزر وازرة وزر أخرى ، فالجرائم لا يؤخذ بجريرتها غير جناتها ، والعقوبات شخصية محضة ، لا تنفذ إلا في نفس من أوقعها القضاء عليه. وحكمة هذا المبدأ أن الإجرام لا يحتمل الاستنابة في المحاكمة وأن العقاب لا يحتمل الاستنابة في التنفيذ" .

    ولقد سبقت الشريعة الإسلامية الغراء المشرع الوضعي بكل طبقاته في التأكيد على هذا المبدأ. فقد قال رب العزة "ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً ، ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً" . ويقول المولى عز وجل "كل نفس بما كسبت رهينة" . ويقول الحكم العدل " ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" .

    ولما كانت العقوبة شخصية فإن من الطبيعي أنه إذا توفى المتهم من قبل الحكم عليه وأثناء نظر الدعوى فإن تلك الأخيرة تنقضي بوفاة المتهم ، وإذا ما توفى بعد الحكم وقبل التنفيذ ، سقط الحكم وامتنع التنفيذ. كذلك فإن المشرع المصري يمنع تنفيذ حكم الإعدام على المرأة الحامل حتى إلى ما بعد شهرين من الوضع (م 476 إجراءات جنائية) ، حتى لا يؤخذ الوليد بذنب أمه.

    ولا يخل بمبدأ شخصية العقوبة كون تلك الأخيرة قد تُحدث في بعض الحالات الفردية أثاراً غير مباشرة تمتد إلى غير الجاني أو المحكوم عليه. فمثلاً كون حكم الإعدام الذي نفذ على شخص قد حرم أسره من عائلها الوحيد الذي كان ينفق عليها لا يعني أن مبدأ الشخصية قد تم المساس به ، فهذه آلام غير مقصودة من المشرع أو من القاضي .


    100- خامساً : تفريد العقوبة الجنائية:
    يتصل بضمانة العمومية السابق بيانها أن الفقه الجنائي الحديث لم يعد يعرف العقوبة الثابتة أو المحددة تحديداً جامداً. بمعنى أنه إذا كانت العقوبة معروفة مقدماً إلا أنها أصبحت متدرجة من حيث النوع والمقدار حتى تتلاءم مع جسامه الجريمة وخطورة الجاني. هذا الأمر الذي يعرف بتفريد العقوبة الجنائية L’individualisation de la peine. ولهذا التفريد مستويات ثلاثة :

    101- أ : التفريد التشريعي:
    يكون التفريد تشريعياً L’individualisation législative حين يراعي المشرع في إنشاءه للعقوبة تدريجها بحسب ظروف كل مجرم ، فيفرض على القاضي تطبيق نص معين عقوبته أشد أو أخف من العقوبة العادية المقررة لنفس الفعل إذا وقع في ظروف معينة أو من جناه محددين. ومثال ذلك وجوب تشديد العقوبة إذا اتصل السلوك الإجرامي بواقعة إكراه مادي أو معنوي ( م. 268 عقوبات مصري) ، أو إذا وقع هذا السلوك من طائفة معينة (كالإجهاض الواقع من طيب أو صيدلي أو جراح أو قابلة م. 263 عقوبات مصري). ومثال ذلك تقرير الإعفاء من العقاب في حاله إخبار أحد الجناة عن بقية شركاءه متى أوصل هذا الإخبار السلطات إلى القبض على بقية الجناة (الأمر المقرر في جرائم العدوان على المال العام وجرائم الإرهاب م88 مكرر هـ و م. 101 و م. 118 مكرر ب عقوبات مصري ).

    102- ب : التفريد القضائي:
    يكون التفريد قضائياً L’individualisation judiciaire إذا تم عن طريق الإنابة من قبل المشرع. فالأخير يضع العقوبة بين حد أدنى وأخر أقصى ثم يترك للقاضي إعمال سلطته التقديرية بين هذين الحدين حسب ظروف الجريمة والمجرم. ومن صور التفريد القضائي أيضاً أن يترك المشرع للقاضي الخيرة بين عقوبتين من نوعين أو درجتين مختلفتين ، كالخيرة بين الإعدام والسجن المؤبد في الجنايات ، أو بين الحبس والغرامة في الجنح ؛ أو إمكانية النزول بالعقاب درجة أو درجتين وفقا لما تقتضيه ظروف الجريمة (م 17 عقوبات مصري). وصورة ذلك أيضاً الحكم بالعقوبة مع إيقاف تنفيذها أو بنفاذها حسب الأحوال.

    103- ج : التفريد التنفيذي:
    يكون التفريد تنفيذياً L’individualisation exécutoire حين يتاح للإدارة العقابية نفسها ، حال تنفيذها للحكم الصادر بالعقوبة ، أن تعدل من طبيعة العقوبة أو من مدتها أو من طريقة تنفيذها حسب ما يطرأ على شخصية المجرم ومدى استجابته للتأهيل والإصلاح.

    فمثلا إذا كان نوع العقوبة يقتضي تطبيقها في الليمانات فيمكن لجهة التنفيذ بعد فترة أن تنقل المحكوم عليه إلى أحد السجون العمومية إذا رأت أن التطور الايجابي الذي طرأ على شخصيته لم يعد يناسب ظروف الليمانات. ومثال هذا النوع من التفريد أيضاً إمكانية إسقاط الجزء المتبقي من العقوبة بعد فترة من البدء في تنفيذها وفقا لنظام الإفراج الشرطي أو العفو عن العقوبة كلها أو بعضها أو إبدالها بأخف منها ، متى كان سلوك المحكوم عليه ينبئ عن عدم العودة إلى طريق الجريمة مرة أخرى .

    104- سادساً : إنسانية العقوبة الجنائية:
    يقصد بإنسانية العقوبة الجنائية Peine humanitaire ، ألا يكون للعقوبة أثر سالب لكرامة الإنسان. فليس لكون الفرد قد هوى في طريق الجريمة أن يعاقب ويعامل بما يهدر كرامته وأدميته. وعلى هذا أكدت المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حينما نصت على أنه "لا يجوز إخضاع شخص للتعذيب أو لعقوبات قاسية أو غير إنسانية أو حاطه بالكرامة". وإلى هذا أشار المشرع الدستوري المصري في عام 1971 في المادة 42 بقوله "كل مواطن….يحبس… تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً. كما لا يجوز… حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون". وهذا أيضا ما رددته المادة 40 من قانون الإجراءات الجنائية حين نصت على أنه "لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر… كما تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً". وإلى هذا استجاب المشرع المصري مؤخراً بإلغائه للمادة 43/7 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 التي كانت تنص على الجلد كعقوبة تأديبية توقع على السجون .


  10. #10

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,774
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي أقسام العقوبة الجنائية

    المبحث الثالث
    أقسام العقوبة الجنائية

    105- تمهيد وتقسيم :
    للعقوبة الجنائية أقسام خمسة متنوعة ، فيمكن تقسيم العقوبات حسب جسامتها إلى عقوبات جنايات وعقوبات للجنح وعقوبات للمخالفات ، وهو ما يعرف بالتقسيم الثلاثي للجرائم والعقوبات ، ويمكن تقسيمها حسب الحقوق التي تمس بها - أي من حيث محلها - إلى عقوبات بدنية وأخرى ماسة بالحرية وأخرى سالبة للحقوق أو ماسة بالشرف والاعتبار ، ويمكن تقسيمها حسب مدتها إلى عقوبات مؤبدة وأخرى مؤقتة ، ويمكن تقسيمها - وفق ما أخذ به التشريع المصري - حسب أصالتها أو تبعيتها ، إلى عقوبات أصلية وأخرى تبعية وتكميلية ، وأخيراً يمكن تقسيمها حسب مصدرها إلى عقوبات وضعية وأخرى شرعية. وهذه الأقسام سوف نتناولها بالتفصيل في المطالب التالية.
    المطلب الأول
    العقوبات الجنائية من حيث جسامتها

    أشار المشرع المصري في المواد 10 ، 11 ، 12 من مدونة العقوبات إلى أنواع العقوبات من حيث جسامتها La sévérité des peines ، فقسمها إلى عقوبات للجنايات وأخرى للجنح وأخرى للمخالفات. وقرر بأن عقوبات الجنايات هى الإعدام والسجن المؤبد والسجن المشدد والسجن (م10) . أما عقوبات الجنح فهى الحبس والغرامة التي يزيد أقصى مقدارها على مائة جنيه (م11). بينما تتوحد عقوبة المخالفات في عقوبة واحدة هي الغرامة التي لا يزيد حدها الأقصى على مائة جنيه (م12).

    ويظهر من ذلك أن المشرع يجعل من تقسيم العقوبة معيار لبيان نوع الجريمة ، فلاستكشاف كون الجريمة جناية أم جنحة أم مخالفة يتعين الرجوع إلى مقدار عقوبتها. كما يظهر التقسيم أيضا أن ضابط التفرقة بين الجنح والمخالفات ، إذا كانت العقوبة المقررة هى الغرامة ، هو مقدار هذه الأخيرة. فإن كانت تزيد على مائة جنيه فهى جنحة ، وإن كانت تقل عن ذلك فهى مخالفة.

    ويرتب المشرع المصري على هذا التقسيم العديد من الأثار ، يتعلق بعضها بأحكام القانون الجنائي الموضوعي (قانون العقوبات) ، وبعضها الأخر يتعلق بأحكام القانون الجنائي الإجرائي (قانون الإجراءات الجنائية). ومثال ما يتعلق بقانون العقوبات ، أحكام الشروع ، والعود ، ووقف التنفيذ ، وسريان القانون الجنائي من حيث المكان ، والمصادرة، والظروف القضائية المخففة. ومثال أثر هذا التقسيم على الجانب الإجرائي ، تعلق أحكام وضمانات التحقيق الابتدائي ، والادعاء المباشر ، والاختصاص ، ونظام الأوامر الجنائية ، وحق الاستعانة بمحام ، والطعن في الأحكام ، وتقادم الدعوى ، ورد الاعتبار به...الخ.

    وقد يثير هذا التقسيم أحد المشكلات الفقهية المتعلقة بتحديد طبيعة الجريمة حينما يقرر لها المشرع عقوبة ثم يسمح للقاضي بإمكانية الحكم بعقوبة أشد أو اخف. فهذه الإجازة التشريعية قد تجعل القاضي يحكم بعقوبة جنحة في جناية ، كحالة اقتران الجناية بعذر قانوني أو بظرف قضائي مخفف (م.17 ، م.251 عقوبات) ، وقد تجعله يحكم بعقوبة الجناية في جنحة ، كما لو كان المتهم عائداً مثلاً (م. 51 عقوبات).

    في مثل هذه الأحوال يثور التساؤل حول طبيعة الجريمة ، هل تظل جناية أو جنحة حسب العقوبة المقررة في النص ، أم تتغير طبيعتها حسب ما قد قضى به القاضي من عقوبة. : حول تلك المشكلة تنوعت الآراء على ثلاثة مذاهب : أولها يرى أن الجريمة تظل جناية أو جنحة على حالها وفق ما هو مقرر في النص التشريعي ، على أساس أن العبرة في تحديد طبيعة الجريمة هى بجسامتها الموضوعية لا بما يطرأ من ظروف وأعذار. فهذه الأخيرة أمور استثنائية طارئة لا تغير من جسامة الفعل .
    ويذهب الرأي الثاني إلى القول إلى أن طبيعة الجريمة تتحول إلى جناية أو جنحة حسب الأحوال ، على أساس أن المشرع هو مصدر التشديد أو التخفيف ، وهو وحدة الذي قدر أن جسامه الفعل في ظل ظروف وأعذار معينة تبدل تشديداً أو تخفيفاً .

    أما الرأي الثالث فيتجه إلى التفرقة إلى ما إذا كان التشديد أو التخفيف يرجع إلى عذر قانوني أم إلى ظرف قضائي. ففي حالة التشديد أو التخفيف لعذر قانوني يتغير نوع الجريمة من جناية إلى جنحة أو العكس ، أما في حالة التشديد أو التخفيف لظرف قضائي فتظل الجريمة على حالها. وعلة هذا أن العذر القانوني يكون وجوبي التطبيق ولا حيله للقاضي فيه ، أي أن المشرع قدر بنفسه أن الفعل مع توافر هذا العذر يجعل الجريمة من طبيعة مختلفة ، وبالتالي فهو لا يقدر للجريمة إلا عقوبة واحدة وهى التي يجب أن تؤخذ في الحسبان. أما في حالة الظروف القضائية المشددة أو المخففة ، فللقاضي السلطة التقديرية في تطبيقها ، فإن أنزل بنفسه الجناية إلى جنحة أو رفع الجنحة إلى جناية كان هذا هو عمله لا عمل المشرع وبالتالي يجب أن تظل الجريمة على حالها .

    ونحن نميل إلى تأييد الرأي الأول للاتفاقه مع مبدأ الشرعية ، والذي يمنع أن يتوقف التكيف النهائي للواقعة الإجرامية على عمل ختامي للقاضي ، ألا وهو النطق بالعقوبة. فتحديد الجريمة وأقسامها عمل تشريعي محض لا شأن للقضاء به.

    المطلب الثاني
    العقوبات الجنائية من حيث محلها

    106- تقسيم :
    تنقسم العقوبات الجنائية من حيث محلها L’objet de la peine ، أي من حيث الحق الشخصي الذي تمس به، إلى عقوبات بدنية ، وسالبة أو مقيدة للحرية ، وسالبة أو مقيدة للحقوق ، ومالية ، وأخيراً ماسة بالاعتبار.

    107- أولاً : العقوبات البدنية :
    العقوبات البدنية Peines corporelles نوع من الجزاءات ينصب على جسد المحكوم عليه ، كالإعدام والجلد وقطع اليد أو الأطراف والتعذيب. ولم يعد يبقى في التشريعات الجنائية المعاصرة إلا الصورة الأولى وهى الإعدام ، والتي سنوليها الشرح في صفحات تالية عند بيان الخلاف حول الإبقاء عليها أو إلغائها.

    108- ثانياً : العقوبات الماسة بالحرية:
    العقوبات الماسة بالحرية Peines touchant la liberté نمط من العقوبات تصيب المحكوم عليه في حريته فتلزمه بأن يقيم في مكان معين أو تفرض عليه قيوداً تحول دون تجواله بحرية. وهذه العقوبات قد تكون سالبة للحرية Peines privatives de liberté ، وقد تكون العقوبات الماسة بالحرية مجرد مقيدة لها Peines restrictives de liberté وليست سالبة.

    109- أ : العقوبات السالبة للحرية في التشريع المصري :
    العقوبات السالبة للحرية هى تلك التي يقتضي تنفيذها إيداع المحكوم عليه في مكان معين فترة ما من الزمن يحرم خلالها من حريته في التنقل كيف يشاء. وكان المشرع المصري إلى ما قبل صدور القانون رقم 95 لسنة 2003 بشأن إلغاء محاكم أمن الدولة المنشئة بالقانون 105 لسنة 1980 وتعديل بعض أحكام قانون العقوبات والإجراءات الجنائية ، يدرج بين العقوبات السالبة للحرية عقوبتي الأشغال الشاقة المؤبدة والأشغال الشاقة المؤقتة ، إلى جانب عقوبتي السجن والحبس (المواد من 10 إلى 19). وبصدور هذا القانون حلت عقوبة السجن المؤبد محل عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة ، بينما استبدلت عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة بعقوبة السجن المشدد ، دون أن يترتب على هذا الاستبدال تغير في مضمون العقوبة أو في مدتها أو في طريقة تنفيذها ، فلا يعدو الأمر إلا إحلال للفظ محل آخر بغية تيسير نفاذ طلبات تسليم المجرمين التي تجريها السلطات المصرية. ومن ثم أصبحت للعقوبات السالبة للحرية في التشريع المصري نماذج أربعة على التفصيل التالي :

    110- عقوبة السجن المؤبد :
    السجن المؤبد Réclusion à perpétuité ، الذي حل محل عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة ، أول العقوبات السالبة للحرية المقررة للجنايات. وقد عرفته المادة 14 عقوبات المعدلة بالقانون 95 لسنة 2003 بقولها "عقوبة السجن المؤبد هى وضع المحكوم عليه في أحد السجون المخصصة لذلك قانوناً ، وتشغيله داخلها في الأعمال التي تعينها الحكومة ، وذلك مدة حياته إذا كانت العقوبة مؤبدة".

    والأصل أن يستغرق السجن المؤبد كل حياة المحكوم عليه بها ، ولكنها تصبح عملياً مؤقتة بتطبيق نظام الإفراج الشرطي ، إذ يجوز وفق شروط معينة الإفراج عن المحكوم عليه بالسجن المؤبد إذا قضى من العقوبة عشرين سنة (م 52/2 من قانون تنظيم السجون).

    كما أن الأصل أن تنفذ هذه العقوبة في الليمانات. إلا أن المشرع أعفى فئات معينة من تنفيذها في هذه الأماكن. فنصت المادة 15 عقوبات على أن "يقضي من يحكم عليه بعقوبة السجن المؤبد من الرجال الذين جاوزا الستين من عمرهم ومن النساء مطلقا مدة عقوبته في أحد السجون العمومية". كما أوضحت المادة الثالثة من قانون تنظيم السجون أن "ينفذ المحكوم عليهم بالسجن المؤبد...عقوبتهم في السجون العمومية في الحالات الآتية :

    *- الرجال الذين يثبت عجزهم للأسباب صحية عن الخضوع لنظام الليمان؛
    *- من أمضى في الليمان نصف المدة المحكوم عليه بها أو ثلاث سنوات أي المدتين أقل وكان سلوكه حسنا خلالها.


    111- عقوبة السجن المشدد :
    السجن المشدد Réclusion criminelle إحدى العقوبات المقررة للجرائم المعدودة من الجنايات وتقتضي وضع المحكوم عليه في أحد السجون المخصصة لذلك قانوناً وتشغيله داخلها في الأعمال التي تعينها الحكومة المدة المحكوم بها ، والتي لا يجوز أن تنقص عن ثلاث سنين ، ولا أن تزيد على خمس عشرة سنة إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانوناً (م. 14 عقوبات معدلة).

    وتلك العقوبة ، شأن سابقتها تنفذ بحسب الأصل في الليمانات ، إلا إذا كان المحكوم عليه امرأة ، أو رجلا جاوز الستين من العمر (م. 15 عقوبات) ، أو ثبت ما يفيد صعوبة خضوع المحكوم عليه من الرجال لنظام الليمان لأسباب صحية ، أو ثبت أن سلوكه كان حسنًا وأمضى نصف المدة المحكوم بها أو ثلاث سنوات أي المدتين أقل (م. 3 من قانون تنظيم السجون).

    112- عقوبة السجن :
    عرفت المادة 16 عقوبات عقوبة السجن La prison ، كعقوبة مقررة للجنايات ، بقولها أنها وضع المحكوم عليه في أحد السجون العمومية ، وتشغيله داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعنيها الحكومة المدة المحكوم بها عليه. ولا يجوز أن تنقص تلك المدة عن ثلاث سنين ولا أن تزيد على خمس عشرة سنة إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانوناً".
    والسجون العمومية توجد في دائرة كل محكمة ابتدائية وتنفذ فيها عقوبة السجن أو عقوبة السجن المؤبد أو المشدد إذا توافر أحد الظروف التي تقتضى ذلك.

    113- عقوبة الحبس :
    عقوبة الحبس L’emprisonnement - هى أولى عقوبات الجنح - عرفتها المادة 18 عقوبات بقولها "عقوبة الحبس هى وضع المحكوم عليه في أحد السجون المركزية أو العمومية المدة المحكوم بها عليه. ولا يجوز أن تنقص هذه المدة عن أربع وعشرين ساعة ولا أن تزيد على ثلاثة سنين إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانوناً".

    والحبس نوعان بنيتهما المادة 19 عقوبات : هما الحبس البسيط والحبس مع الشغل. والأول لا يتضمن إلزام المحكوم عليه بعمل داخل أو خارج المؤسسة العقابية. أما الثاني فقد أوضحت الفقرة الثانية من المادة المذكورة أن المحكوم عليهم بالحبس مع الشغل يشتغلون داخل السجون أو خارجها في الأعمال التي تعينها الحكومة. وفى رأينا أنه على المستوى العملي لا فارق بين النوعين إذ غالبا ما يتضمن الحبس البسيط تشغيل المحكوم عليهم في بعض الأعمال. وبالتالي نؤيد الرأي القائل أن نوعا الحبس ليسا إلا أسلوبين للتنفيذ وليسا عقوبتين منفصلتين. فالحبس عقوبة واحدة لها طريقتين في التنفيذ .

    والحبس مع الشغل قد يكون عقوبة وجوبية وذلك كلما كانت العقوبة المقضي بها أكثر من سنة وكذلك في كل حالة ينص عليها القانون حتى ولو كانت العقوبة أقل من سنة. ومن ذلك حالات السرقة والشروع فيها (م 317 و318 عقوبات) جريمة تقليد المفاتيح (م/324)…الخ.

    والأصل أن تنفذ عقوبة الحبس في السجون المركزية ، إلا أنه يمكن تنفيذها في السجون العمومية وذلك في حالتين :
    *- إذا زادت المدة المتبقية للتنفيذ وقت صدور الحكم عن ثلاث شهور (أى بعد خصم هذه الحبس الاحتياطي من مدة العقوبة المحكوم بها) (م/3 – د من قانون تنظيم السجون).
    *- إذا لم يكن المحكوم عليه قد أودع من قبل في السجون العمومية أياً كانت مدة الحبس (أي حتى لو كانت أقل من ثلاثة شهور) (م/3 – د من قانون تنظيم السجون).

    وقد أوضحت المادة 18 عقوبات في فقرتها الثانية أنه يجوز لكل محكوم عليه بالحبس البسيط لمدة لا تجاوز ثلاثة شهور أن يطلب بدلاً من تنفيذ عقوبة الحبس عليه تشغيله خارج السجن ، إلا إذا نص الحكم على حرمانه من هذا الخيار. وهو ذات الأمر الذي رددته المادة 479 من قانون الإجراءات الجنائية. وعلة هذا النص واضحة وهى الرغبة في تفادى عيوب عقوبة الحبس قصير المدة كما سنوضح بعد ذلك.

    114- ب : العقوبات المقيدة للحرية في التشريع المصري (نموذج الوضع تحت مراقبة البوليس):
    العقوبات المقيدة للحرية نوع من العقوبات يؤدى إلى وضع قيود على حرية المحكوم عليه في التنقل أو في مزاولة مهنة معينة…الخ. فهى لا تسلب المحكوم عليه حريته تماماً ولكنها تقيد تلك الحرية. ومن أمثلتها تحديد إقامة المهتم في مكان معين أو منعة من ارتياد أمكنة معينة أو الإقامة فيها (م 533 إجراءات جنائية).

    ومن أشهر صور العقوبات المقيدة للحرية على الإطلاق في التشريع المصري الوضع تحت مراقبة البوليس والتي بينت المادة 29 عقوبات الأثر المترتب على الحكم بها بقولها "يترتب على مراقبة البوليس إلزام المحكوم عليه بجميع الأحكام المقررة في القوانين المختصة بتلك المراقبة". ثم بينت ذات المادة الأثر المترتب على مخالفة أحكام المراقبة مقررة أنها تستوجب الحكم على مرتكبها بالحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة.

    والقانون المنظم لهذه المراقبة هو القانون رقم 99 لسنة 1945 وكذلك القانون رقم 24 لسنة 1923 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم. ويظهر من هذين القانونين أن الوضع تحت مراقبة البوليس يفرض عدد من الالتزامات على المحكوم عليه بتلك العقوبة منها : إلزامه باتخاذ محل إقامة محدد توافق عليه الجهات الأمنية ، وأن يتقدم لتلك الجهات في مواعيد معينة ، وعدم مبارحة مسكنة من غروب الشمس إلى شروقها ، إلا إذا أعفى من ذلك بسبب عمله أو لأي سبب أخر تقدره جهة الإدارة. وقد استثنى المشرع من الخضوع لعقوبة مراقبة البوليس الأحداث المشردين الذين لم يبلغوا ثمان عشرة سنة ميلادية (م 14 من القانون 124 لسنة 1949 الخاص بالأحداث المشردين وكذلك المادة الأولى من القانون 31 لسنة 1974 بشأن الأحداث).

    وعن طبيعة عقوبة الوضع تحت مراقبة الشرطة يمكن القول بأن لها طبيعة مختلطة. فقد تكون عقوبة أصلية أو تبعية أو تكميلية حسب الأحوال.

    فقد يكون الوضع تحت المراقبة عقوبة أصلية - أي يحكم بها وحدها- في جرائم التشرد (م 2/1 ، 3 فترة 2 من مرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945) وجرائم الاشتباه (م6 فقرة أولى وم7 فقرة 2 من ذات المرسوم بقانون سالف الذكر). وحال الحكم بهذه العقوبة وحدها فإنها تصبح مماثلة لعقوبة الحبس في كافة أحكامه (م1 من المرسوم بقانون سالف الذكر) ، بمعنى ضرورة خصم مدة الحبس الاحتياطي من مدة الوضع تحت المراقبة ، وكذلك ضرورة احتساب عقوبة المراقبة سابقة في العود (م49/2 ، 3 عقوبات).

    وقد تكون عقوبة المراقبة عقوبة تبعية - أي يجب تنفيذها تابعاً للعقوبة الأصلية ولو لم ينطق بها القاضي - وذلك في حالتين :
    *- حالة الحكم بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد أو السجن في جرائم معينة ، كالجنايات المخلة بأمن الحكومة وتزيف النقود أو سرقة أو قتل في الأحوال المبينة في الفقرة الثانية من المادة 234 عقوبات ، أو لجناية من المنصوص عليها في المواد 356 و368 عقوبات (وهى جرائم قتل أو سم الحيوانات والدواب بدون مقتضى وجناية إتلاف المزروعات). وفى تلك الأحوال يوضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة الأصلية المحكوم بها بما لا يزيد على خمس سنوات (م28 عقوبات).
    *- حالة المحكوم عليهم بالسجن المؤبد عند العفو عنهم أو إبدال عقوبتهم. وهذا ما أكدت عليه المادة 75 عقوبات حين نصت على أنه "إذا عفي عن محكوم عليه بالسجن المؤبد أو بدلت عقوبته وجب وضعه حتما تحت مراقبة الشرطة مدة خمس سنوات ما لم يكن نص في قرار العفو على غير ذلك". ونرى أن هذا الحكم يمتد إلى حالة المحكوم عليهم بعقوبة الإعدام حال العفو عنهم أو إبدال هذه العقوبة بعقوبة أخف.

    وأخيراً قد يكون الوضع تحت مراقبة الشرطة عقوبة تكميلية ، أي كعقوبة تكمل عقوبة أصلية ولا تنفذ إلا عند الحكم بها ، سواء كان هذا الحكم جوازياً أو وجوبياً. وعلى هذا فقد تكون عقوبة مراقبة الشرطة عقوبة تكميلية وجوبية ، أي يلزم القاضي حتماً الحكم بها عند الحكم بعقوبة أصلية ، وذلك في حالات العود إلى التشرد والاشتباه (وفى تلك الحالة لا تقل العقوبة عن سنة ولا تزيد عن خمس سنوات) ( م2/2 و 6/2 من الرسوم سالف الذكر). وقد تكون عقوبة مراقبة الشرطة عقوبة تكميلية جوازية ، أي يكون للقاضي الخيرة في الحكم بها أم لا عند الحكم بعقوبة أصلية ، ومثال ذلك ما جاء بالمادة 320 عقوبات التي تنص على أن المحكوم عليهم بالحبس لسرقة يجوز في حالة العود أن يجعلوا تحت مراقبة البوليس مدة سنة على الأقل أو سنتين على الأكثر. ومثال ذلك أيضا عقاب العود في النصب (م336 عقوبات)، وقتل أو سم الحيوانات دون مقتضى (م 350 عقوبات) ، أو إتلاف المزروعات (م367 عقوبات).

    ويؤثر تقسيم مراقبة الشرطة إلى هذه الأنواع الثلاث على تحديد ميعاد بدأ تنفيذها. ففي حالة كونها عقوبة أصلية ، فإنه يبدأ تنفيذها من يوم صدور الحكم بها نهائياً. أما حين تكون عقوبة تبعية أو تكميلية فإنه يبدأ سريانها من تاريخ انتهاء العقوبة الأصلية.

    ويذهب الفقه إلى القول بأن عقوبة مراقبة الشرطة لا توقف ولا يقطع تنفيذها حتى ولو بهروب المحكوم عليه أو لوجوده في الحبس خلال فترة منها. ذلك أن علة هذه العقوبة هو منع المحكوم عليه من ارتكاب جريمة خلال مدة المراقبة. وعلى ذلك لو هرب المحكوم عليه بعقوبة المراقبة مثلا أو حبس خلالها ولكنه لم يرتكب خلال فترة الهروب أي جريمة فما المانع من القول بتمام تنفيذها رغم الهروب أو الحبس وانقضاء أجلها .

    115- ثالثاً : العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق
    العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق Peines privatives au restrictives de droits نوع من الجزاءات يصيب المحكوم عليه في حقوقه المدنية والسياسية. ومثالها الحرمان من التعيين في وظائف الحكومة ، أو التحلي برتبة أو ينشان ، أو الحرمان من حق الانتخاب أو الترشيح له ، أو الحرمان من ممارس مهنة أو عمل معين. ومثالها في القانون المصري ما جاء في المادة 25 عقوبات عندما قررت أن "كل حكم بعقوبة جناية يستلزم حتماً حرمان المحكوم عليه من الحقوق والمزايا الآتية" :
    *- القبول في أي خدمة في الحكومة مباشرة ، أو بصفة متعهد أو ملتزم أياً كانت أهمية الخدمة ؛
    *- الحرمان من التحلي برتبة أو نيشان. وهذا الحرمان مؤبد ينصرف إلى الحاضر والمستقبل ، أي إلى ما قد يتحلى به بعد صدور الحكم من رتب ونياشين.
    *- الحرمان من الشهادة أمام المحاكم إلا على سبيل الاستدلال. أي تسمع شهادة المحكوم عليه بعقوبة جناية بدون حلف يمين ، ولا يكون لها قوة الدليل في الإدانة أو البراءة . وهذا الحرمان مؤقت بمدة عقوبة الجناية.
    *- الحرمان من إدارة أشغاله الخاصة بأمواله وأملاكه. وهو أيضاً حرمان مؤقت بمدة تنفيذ العقوبة الأصلية. وهو حرمان له طبيعة مختلطة إذ ينظر إليه على أنه جزاء إذ يعامل المحكوم عليه معاملة ناقص الأهلية ، وينظر إليه على أنه ضمانة للمحكوم عليه أيضاً حتى يكون هناك مسئول يرعى مصالحة التي صار بحكم سلب حريته عاجزاً عن رعايتها.

    116- رابعاً : العقوبات الماسة بالاعتبار :
    العقوبات الماسة بالاعتبار نوع من العقوبات التشهيرية Peines humiliants ou infamants يستهدف خدش كرامة المحكوم عليه واعتباره ؛ أي النيل من منزلته ومكانته بين أفراد المجتمع ، وذلك من خلال التشهير به وبجريمته وإعلان عقوبته. ومن أمثلة ذلك نشر الحكم في الصحف أو غيرها من وسائل النشر وإلصاقه على الجدان وفى الأماكن العامة (م198 عقوبات) ، وحرمان المحكوم عليه من تولي الوظائف العامة (م 25/1) ، وحرمانه من الشهادة أمام المحاكم إلا على سبيل الاستدلال (م25/3) ، وحرمانه من التحلي بالرتب والنياشين (م25/2) ، وحرمانه من إدارة أمواله وأملاكه (م25/4).

    117- خامساً : العقوبات الجنائية المالية :
    118- تقسيم :
    العقوبات الماليةPeines pécuniaires نوع من الجزاءات يصيب المحكوم عليه في ذمته المالية فيحرمه من جزء من أمواله ، ويظهر ذلك عن نحو جلي في حالة الحكم بالغرامة أوالمصادرة. وللأهمية هاتين العقوبتين في التطبيق العملي فإننا نوليهما بعض الأهمية على التفصيل التالي :

    119- أ : عقوبة الغرامة الجنائية :
    120- تعريف الغرامة الجنائية
    عرفت المادة 22 عقوبات الغرامة Amende بأنها إلزام المحكوم عليه بأن يدفع إلى خزينة الحكومة المبلغ المقدر في الحكم. ولا يجوز أن تقل الغرامة عن مائة قترش ولا أن يزيد حدها الأقصى في الجنح على خمسمائة جنيه ، وذلك مع عدم الإخلال بالحدود التي يبنيها القانون لكل الجريمة. فهى عقوبة تهدف إلى إيلام المحكوم عليه في ذمته المالية ويلزم هو فقط بأدائها للدولة. وبالتالي تختلف الغرامة عن التعويض المدني على التفصيل الذي سبق وأن أوضحناه.

    والأصل في الغرامة أن تكون عقوبة أصلية ، وذلك في الجنح والمخالفات. إلا أنها قد تكون عقوبة تكميلية ، كما هو الحال في الجنايات الخاصة بجرائم الأموال العامة ، كالرشوة والاختلاس والاستيلاء.

    والغرامة هى العقوبة الوحيدة للمخالفات ، ولا يزيد أقصى مقدارها على مائة جنيه (م.12). أما الغرامة في الجنح فإنها تزيد على مائة جنيه ، وقد تكون هى العقوبة الوحيدة للجنحة ، وذلك في حالة الجنح التافهة أو قليلة الجسامة. وقد تكون الغرامة إلى جوار الحبس على سبيل الوجوب أو الجواز وقد ينص المشرع عليها على سبيل التخير مع الحبس .

    121- أقسام الغرامة الجنائية :
    تنقسم الغرامة عادة إلى نوعين : أحدهما الغرامة المحددة أو البسيطة Amende déterminée ou simple والأخرى الغرامة النسبية Amende proportionnelle. والغرامة المحددة أو البسيطة هى التي يتولى أمر تحديد مقدارها المشرع أو يحدد لها حدا أدنى وحدا أقصى تاركاً للقاضي حرية تقديرها.

    وقد سبق القول بأن الحد الأدنى العام للغرامة هو مائة قرش ، ويجوز أن يجعل المشرع حدا أدنى أخر أعلى من هذا المبلغ ، وهو الأمر الذي أخذ به المشرع المصري في الجرائم المنصوص عليها في المادة 98 (و) عقوبات التي أضيفت بالقانون رقم 29 لسنة 1982 ، والتي جعلت الحد الأدنى للغرامة ألف جنيه. كما سبق كذلك القول أن الحد الأقصى العام للغرامة في المخالفات هو مائة قرش وفى الجنح هو خمسمائة جنيه.غير أن المشرع قد يخرج عن ذلك ، كما هو الحال في جرائم التعامل غير المشروع في المخدرات حيث قد لا تقل الغرامة عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه (م33 و34 و34 مكرر ، 35 و37 من القانون 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989).

    أما الغرامة النسبية فهى التي لا يتحدد مقدارها في النص بمبلغ ثابت أو ما بين حدين ثابتين ولكن يجرى ربطها بمقدار الضرر الفعلي أو المحتمل للجريمة ، أو ربطها بالفائدة أو ما كان يطمع الجاني في تحقيقه من كسب مادي أو فائدة.

    وقد تكون الغرامة النسبية مطلقة الحدود بأن يترك تحديد مقدارها ابتداًء وانتهاءً ليتحدد وفقاً لحجم الضرر أو الكسب غير المشروع. مثال ذلك ما كانت تنص عليه م 108 عقوبات قبل تعديلها بالمرسوم بقانون رقم 69 لسنة 1953 والتي كانت تقرر للراشي والمرتشي والوسيط عقوبة السجن والغرامة التي تساوى قيمة ما أعطى أو وعد به. ومثال ذلك أيضاً ما تنص عليه حاليا م 118 مكررا (أ) فيما يتعلق بجرائم العدوان على المال العام.

    ويمكن للمشرع أن يجعل الغرامة النسبية مقيدة في أحد حدودها ونسبيه في حدها الأخر. مثال ذلك م103 بعد تعديلها بالمرسوم بقانون رقم 69 لسنة 1953 إذ تقرر للرشوة عقوبة السجن المؤبد والغرامة التي لا يقل حدها الأدنى عن ألف جنيه ولا تزيد على ما أعطى أو وعد به.

    122- أحكام تنفيذ الغرامة الجنائية :
    تخضع الغرامة في تنفيذها لمبدأ الشخصية ، بمعنى ألا يحكم بها إلا على مرتكب الجريمة. فلا يجوز الحكم بها على المسئول عن الحق المدني ولا على ورثة الجاني إذا توفى قبل صدور حكم نهائي في الدعوى الجنائية المقامة ضده. على أنه إذا توفى المتهم بعد صدور الحكم النهائي عليه بعقوبة الغرامة وقبل التنفيذ ، فإنه يجوز التنفيذ في تركته إذا كان قد ترك مالاً يورث وذلك عملاً بالقاعدة الشرعية القائلة "لا تركه إلا بعد سداد الديون". وعلى هذا نصت المادة 535 إجراءات جنائية حين قررت إذا توفى المحكوم عليه بعد الحكم عليه نهائياً تنفذ العقوبات المالية… في تركته.

    والأصل ألا تنفذ الأحكام الجنائية إلا إذا صارت نهائية (م 460 إجراءات جنائية). غير أن المشرع قد خرج في أحكام الغرامة عن هذا الأصل العام فنص في المادة 463 على أن الأحكام الصادرة بالغرامة والمصاريف تكون واجبة التنفيذ فوراً ولو مع حصول استئنافها. والحكمة في هذا الخروج أن أحكام الغرامة في حالة إلغائها في الاستئناف فإنه يمكن تداركها برد قيمة الغرامة المدفوعة إلى المحكوم عليه. وهذا الاستثناء - أي التنفيذ الفوري للأحكام الغرامة ولو كان الحكم ابتدائياً - لا ينصرف إلا إلى الأحكام الصادرة حضورياً ، أما الأحكام الغيابية بالغرامة فإنها تعود للأصل العام في تنفيذ الأحكام. وعله ذلك أن الأحكام الغيابية تكون أضعف في الدلالة على صحة ما قضت به من الأحكام الحضورية .
    أما عن طرق تنفيذ الغرامة ، فإن هذا التنفيذ قد يجري اختياراً ، أو جبرياً ، أو بطريق الإكراه البدني ، وذلك على النحو التالي :

    123- التنفيذ الاختياري :
    قد يقوم المحكوم عليه طواعيًا ودون جبر بدفع المبالغ المقضي بها للحكومة. ورغبة من المشرع في التيسير على المحكوم عليه فإنه نص في المادة 510 إجراءات جنائية على أنه "لقاضى المحكمة الجزئية في الجهة التي يجرى التنفيذ فيها أن يمنح المتهم في الأحوال الاستثنائية بناء على طلبه وبعد أخذ رأى النيابة العامة أجلا لدفع المبالغ المستحقة للحكومة ، وأن يأذن له بدفعها على أقساط ، بشرط ألا تزيد المدة على تسعة أشهر ، ولا يجوز الطعن في الأمر الذي يصدر بتبدل الطلب أو رفضه". وعند التأخر في رفع أحد الأقساط فإنها تحل جميعها ، بل ويجوز للقاضي الرجوع فيما أصدره من أن إذا رأى مقتضى لذلك".

    124- التنفيذ الجبري :
    أجازت المادة 506 إجراءات جنائية من أجل تنفيذ أحكام الغرامة أن يجرى تحصيلها بالطرق المقررة في قانون المرافعات في المواد المدينة والتجارية أو بالطرق الإدارية المقررة لتحصيل الأموال الأميرية المستحقة للحكومة.

    125- التنفيذ بطريق الإكراه البدني :
    قررت المادة 507 إجراءات جنائية هذا الطريق إذا لم يدفع المتهم المبالغ المستحقة للحكومة. فللنيابة عند عدم الدفع أن تصدر أمراً بالإكراه البدني ، ويكون هذا الإكراه بالحبس البسيط وتقدر مدته باعتبار يوم واحد عن كل خمسة جنيهات (م.511 إجراءات جنائية ).

    وقررت المادة 511 أنه لا تزيد مدة الإكراه البدني في مواد المخالفات عن سبعة أيام للغرامة وفى مواد الجنح والجنايات فإن المدة لا تزيد على ثلاثة أشهر للغرامة. وعلى ذلك إذا تبقى في ذمه المحكوم عليه مبالغ أخرى على سبيل الغرامة بعد استنفاذ هذه المدد فإنه يجري التنفيذ باستخدام الطريق المدني (التنفيذ الجبري) المنصوص عليه في قانون المرافعات.

    وقد حظر المشرع اللجوء للإكراه البدني كطريق لتنفيذ الغرامات والمبالغ المحكوم بها للحكومة تجاه المحكوم عليهم الذين لم يبلغوا من العمر خمس عشرة سنة كاملة وقت ارتكاب الجريمة ، ولا على المحكوم عليهم بالحبس مع إيقاف التنفيذ (م 512 إجراءات جنائية). وعلة ذلك أنه متى كانت الدولة قد قدرت أن حالة هؤلاء لا توجب أن يزج بهم في السجن كعقوبة ، فمن باب أولى ألا يلجأ للحبس تحت مسمى الإكراه البدني ، خاصة أن هذا الأخير وسيلة لتنفيذ العقوبة وليس في حد ذاته عقوبة.


    126- ب : عقوبة المصادرة:
    127- تعريف المصادرة :
    المصادرة Confiscation عقوبة مالية تتضمن نقل ملكية المال محل المصادرة جبراً وإضافته إلى ملك الدولة بدون مقابل. وهى بهذا المعنى تشترك مع الغرامة في كونها عقوبة مالية. غير أن المصادرة تختلف عن الغرامة في كون المصادرة عقوبة عينية تنصب على مال بعينه كانت له صله بالجريمة المرتكبة من المحكوم عليه ، أما الغرامة فهو عقوبة نقدية لا ترد على مال بعينه ، فهى لا تنشئ إلا حق دائنية للدولة قبل المحكوم عليه. يضاف إلى ذلك أن المصادرة عقوبة تكميلية بحسب الأصل ، في حين أن الغرامة يمكن أن تكون عقوبة أصلية كما سلف وأوضحنا. كما أن الغرامة قد تعلق بالمخالفات والجنح والجنايات ، أما المصادرة فيقتصر مجالها على الجنح والجنايات فقط.

    128- أقسام المصادرة :
    المصادرة نوعان ، فقد تكون مصادرة عامة Confiscation générale ، وتعني نزع كل أموال المحكوم عليه لصالح الدولة وبدون مقابل ، وقد تكون المصادرة خاصة Confiscation spéciale حينما تنصب على مال أو أكثر معين من أموال المحكوم عليه سواء آكان منقولاً أو عقاراً.

    والنوع الأول تحظره أغلب التشريعات المعاصرة ، ومنها الدستور المصري في مادته رقم 36 عندما قررت أن "المصادرة العامة للأموال محظورة ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي". والغلة من ذلك أن لهذا النوع من المصادرة أثار خطره ومتجاوزه سواء على المحكوم عليه نفسه أو على من يعولهم أثناء حياته وحرمان ورثته من حقوقهم المتعلقة بأموال المحكوم عليه.

    129- طبيعة المصادرة :
    يمكن أن ينظر للمصادرة من نواح ثلاث تبرز الطابع المختلط للمصادرة في التشريع المصري : فهى قد تكون عقوبة جنائية ، وقد تكون تدبيراً احترازياً وقائياً ، وقد تكون تعويضا.

    130- المصادرة كعقوبة جنائية :
    تكون المصادرة عقوبة إذا كان محلها أشياء مما يباح حيازته وتداوله بحسب الأصل. وتكون المصادرة في هذه الحالة عقوبة تكميلية ، والتي قد تكون جوازية ، كما هو الحال في المادة 30/1 عقوبات حين نصت على أنه "يجوز للقاضي إذا حكم بعقوبة لجناية أو جنحة أن يحكم بمصادرة الأشياء المضبوطة التي تحصلت من الجريمة وكذلك الأسلحة والآلات المضبوطة التي استعملت أو التي من شأنها أن تستعمل فيها". كما قد تكون المصادرة عقوبة تكميلية وجوبية كما هو الحال في المادة 110 عقوبات التي توجب الحكم في جميع الأحوال بمصادرة ما يدفعه الراشي أو الوسيط على سبيل الرشوة. وكذلك الشأن أيضا بالنسبة لما نصت عليه المادتان 352-353 عقوبات الواردتان في باب ألعاب القمار واليانصيب والبيع والشراء بالنمرة المعروفة باللوتري.

    وقد قيد المشرع المصادرة حال الحكم بها كعقوبة بألا تمس بحقوق الغير حسني النية (م 30/1). ويقصد بالغير هنا من كان أجنبياً عن الجريمة ، أي لم يكن فاعلاً فيها ولا شريكاً. فإذا كان المحكوم في مواجهته بالمصادرة قد باع هذا المال المصادر إلى شخص من الغير ، فإن هذا المال يؤول للدولة محملة بحق الملكية المقرر للغير حسن النية.

    131- المصادرة كتدبير احترازي وقائي :
    تكون المصادرة تدبيراً وقائيا إذا انصبت على مال مما يعد صنعه أو استعماله أو حيازته أو بيعه أو عرضه للبيع جريمة في ذاته. وهذا ما أشارت إليه الفقرة الثانية من المادة 30 عقوبات عندما أوجبت المصادرة عند ثبوت أن الشيء المصادر يثبت بشأنه أحد الأشكال السالفة ، وذلك حتى ولو لم يكن الشيء مملوكا للمتهم. وهذا الامتداد الأخير يكشف عن طبيعة المصادرة كتدبير ، إذ لو كانت عقوبة هنا لما امتدت إلى أموال غير المتهم.

    والمصادرة في تلك الحالة وجوبية دائماً ، نظرا لطبيعتها الخاصة. كما أنه يحكم بها حتى مع الحكم بالبراءة أو بسقوط الدعوى العمومية لوفاة المتهم أو صدور عفو عن جريمته. لأن الهدف منها هو منع تداول أشياء ذات طبيعة خطره.

    132- المصادرة كتعويض :
    قد يقصد بالمصادرة تيسير سداد التعويضات المحكوم بها للمدعي. وهذا ما جاء على سبيل المثال في المادة 36 من القانون 57 لسنة 1939 الخاص بالبيانات والعلامات التجارية والتي يجرى نصها على النحو التالي "يجوز للمحكمة في أية دعوى مدنية أو جنائية أن تحكم بمصادرة الأشياء المحجوزة أو التي تحجز فيما بعد للاستنزال ثمنها من التعويضات أو الغرامات أو التصرف فيها بأية طريقة أخرى تراها المحكمة مناسبة".

    والواضح من هذا النص أن حكم المصادرة قد يصدر من المحكمة المدنية أو الجنائية ، دون تقيده في الحالة الأخيرة بصدور حكم بالإدانة قبل المحكوم تجاهه بالمصادرة.


 

 
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. بحث حول العقاب
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى المناهج التربوية و طرق التدريس الحديثة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-03-2015, 19:52
  2. مقارنة بين الحق الشخصي و الحق العيني
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 28-12-2014, 20:30
  3. زوال الحق أو إنقضاء الحق
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 22-09-2012, 17:56
  4. بحث حول الحق في الاعلام و الحق في الاتصال
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى قسم الاعلام والصحافة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-09-2012, 16:20
  5. الحق في الاعلام و الحق في الاتصال
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى قسم الاعلام والصحافة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19-01-2012, 23:31

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •