القانون الجنائي الدولي
________________________________________

بقلم دكتور / حنا عيسى أستاذ القانون الدولي

ترتبط مسألة إنشاء القانون الجنائي الدولي وتطويره ارتباطاً وثيقاً بحل القضايا الجوهرية للعلاقات الدولية العصرية ألا وهي حفظ السلام وأمن البشرية ودرء أعمال العدوان ومنع الانتهاكات الواسعة للحقوق والحريات الأساسية وغيرها من القضايا التي تعكر الأجواء الدولية اليوم.
إن رفع مستوى التعاون بين الدول في المقاضاة الجنائية للأشخاص المذنبين بمخالفة القانون الدولي ومعاقبتهم من شأنه أن يساعد على تفعيل الكفاح في سبيل درء أخطر أصناف الجرائم الدولية ووضع حد لها.
استأثرت مسألة جوهر وآفاق القانون الجنائي الدولي ولا تزال تستأثر اهتماماً خاصاً في مجال العلم، وثمة عدد لا بأس به من المذاهب في هذا الصدد، المتناقضة، كالعادة، وغير الموضوعة بشكل كاف. وانطلاقاً من هذه النقطة ينبغي في رأينا القيام بتحليل القانون الجنائي الدولي من زاوية مصادره ونظريته من أجل فهم جوهر الموضوع.
إن مصادر القانون الجنائي الدولي شأنها شأن مصادر القانون الدولي يجب فهمها بمعنى مزدوج، أولا، بمعنى ذلك الأساس الذي يؤثر تأثيراً حاسماً على القانون الجنائي الدولي، ثانياً، بمعنى أسلوب أول شكل يظهر هذا الأساس من خلاله. وفي الحالة الأولى يجب أن نفهم بمصدر القانون الجنائي الدولي أسباباً مادية بما في ذلك نضال الدول وتعاونها ومصلحتها المشتركة وتعلقها المتبادل في الكفاح ضد الجرائم الدولية. وفي الحالة الثانية ينبغي أن نفهم مصدر القانون الجنائي الدولي بالمعنى القانوني أي بمعنى ذلك الشكل الذي يتجلى من خلاله هذا الغرض أو ذاك وبمعنى ذلك الشكل الذي تتخذه قاعدة من قواعد القانون الجنائي الدولي.
ولدى الحديث عن مصادر القانون الجنائي الدولي بالمعنى القانوني يجب ألا يغيب عن بالنا أن المادة 38 من نظام المحكمة الدولية الأساسي الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة تحدد المصادر التي يتوجب على المحكمة أن تسوي انطلاقاً منها خلافات محالة عليها على قاعدة القانون الدولي على الشكل التالي:
1- الاتفاقيات الدولية سواء أكانت عامة أو خاصة.
2- العرف الدولي بصفته إثباتاً للممارسة العامة المعترف بها بصفة القاعدة القانونية.
3- المبادئ العامة للقانون.
4- أحكام المحاكم ومقرراتها ووثائقها.
وكان الحق مع الحقوقيين الدوليين أ. بولتوراك ول. سافينسكي حين كتبا أنه لدى تقييم تطور قواعد القانون الدولي في المجال قيد البحث يستخلصون استنتاجاً صائباً أن ما يسمى بـ "قانون نورنبرغ" أي مجموعة من القواعد الخاصة بالمسؤولية الجنائية عن الجرائم ضد السلام والإنسانية وجرائم الحرب قد تشكل ويمارس فعله وذلك على أساس مبادئ نورنبرغ التي تم تطويرها واستكمالها في اتفاقيات جنيف بشأن حماية ضحايا الحرب وفي اتفاقية لاهاي لعام 1954 حول حماية القيم الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح وكذلك (الإضافة من المؤلف) البروتوكولين الاضافيين 1 و2 الملحقين باتفاقيات جنيف لعام 1977 والاتفاقية حول عدم تطبيق مبدأ مضى المدة على جرائم حرب والجرائم ضد الإنسانية لعام 1968 والاتفاقية بشأن الابادة بالجملة والتمييز العنصري.
وينبغي اعتبار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية قبل غيرها مصدراً للقانون الجنائي الدولي بالدرجة الأولى. وتعد الاتفاقية حول تأسس المحكمة العسكرية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان والأخرى لمحاكمة مجرمي الحرب اليابانيين الرئيسين وكذلك نظاما هاتين المحكمتين والأحكام الصادرة عنهما مواثيق أساسية منها في أيامنا هذه. إن الوثائق المذكورة آنفا التي تم إعدادها وإقرارها وفقاً لإعلان حكومات الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا الصادر في 2 نوفمبر عام 1943 حول مسؤولية الهتلريين عن الجرائم الوحشية المقترفة ولقرارات مؤتمري القرم وبودسنام، تعتبر في حقيقة الأمر أول قوانين جنائية دولية إجرائية لأنها بصفتها وثائق دولية تتضمن لأول مرة عناصر للجرائم الدولية وكذلك ترتيبها مفصلاً لاجراءات مقاضاة المجرمين والنظر في الدعاوى الخاصة بالجرائم التي تشملها دائرة اختصاص المحكمة الدولية. على وجه الخصوص. نص نظام محكمة نورنبرغ العسكرية الدولية على عناصر لثلاثة أصناف من الجرائم التي تجر المسؤولية الجنائية إلى الأشخاص الطبيعيين ألا وهي الجرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.(1)
والحق مع العضو االمراسل لأكاديمية العلوم الروسية غ. تونكين حين كتب يقول إنه "يجري إحداث قواعد من خلال التوفيق بين إرادة الدول المختلفة أو غيرها من ذوات (أو أهال) القانون الدولي. وتعتبر المعاهدة الدولية والعرف الدولي مشكلين أساسيين من التوفيق. وتجري عملية التوفيق عبر مرحلتين، أولاً، التوفيق بين إرادات الدول بصدد قواعد السلوك بحد ذاته، ثانياً، التوفيق بين إرادات الدول بصدد الاعتراف المتبادل بهذه القاعدة كقاعدة ملزمة من الناحية القانونية. وتجدر الإشارة إلى أن عملية التوفيق بين إرادات الدول لا سيما عند إحداث القواعد العادية من القانون الدولي قد تكون طويلة بما فيه الكفاية وتدريجية لذا وفي كل حالة من الحالات يمكن أن نتعاطى مع بداية هذه العملية أو أطوارها المرحلية أو نهاياتها. وتكمن ميزة هامة لعملية إحداث القواعد في القانون الدولي أيضاً في توسيع مجال هذه العملية بواسطة إما المعاهدة الدولية إما العرف الدولي(2).
وبين الأدلة التي تثبت وجود قواعد القانون الجنائي الدولي يجب بالدرجة الأولى ذكر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 95 (د/ 1) الذي تم اقراره بالإجماع في 11 ديسمبر عام 1946. وأكد هذا القرار أن مبادئ نورنبرغ تعتبر مبادئ للقانون الدولي. وصاغت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة مبادئ القانون الدولي المعترف بها في نظام محكمة نورنبرغ والحكم الصادر عنها وناقشت في عام 1950 مشروعاً للمادة بهذا الخصوص. ووفقاً للمادة 6 من ذلك المشروع تشكل الجرائم ضد السلام وجرائم حرب جرائم في نظر القانون الدولي. أما المادة 1 من نفس المشروع فنصت على أن أي شخص يرتكب عملاً إجرامياً من حيث القانون الدولي عليه أن يتحمل المسؤولية عنه ويخضع للعقاب.

كما نص مشروع لائحة الجرائم ضد السلام وأمن الإنسانية الذي أعدته لجنة القانون الدولي وقدمته للجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1954 على أن الجريمة ضد السلام وأمن البشرية تعتبر جريمة أيضاً من حيث القانون الدولي يعاقب من يقترفها من الأشخاص. ورغم أن الجمعية العامة لم تصدر قراراً نهائياً بصدد كل من الوثيقتين وتم إرجاء بحثها إلى ما بعد، إلا أنها لم تقدم اعتراضات على مبدأ المسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين عن الجرائم الدولية وبذلك أصبحت هذه الوثائق مصدراً للقانون الجنائي الدولي. وينبغي هنا القول أن الجمعية العامة في قرارها المتعلق بلائحة الجرائم ضد السلام وأمن البشرية (علماً بأن مشروع القرار قد طرح من قبل 14 دولة بما فيها الاتحاد السوفيتي) كلفت الأمين العام للأمم المتحدة بالتوجه إلى الدول أعضاء المنظمة بطلب تقديم تعليقاتها وملاحظاتها حول مشروع لجنة القانون الدولي حتى 31 ديسمبر عام 1979 على أن تعد السكرتاريا تقريراً مناسباً ليقدم إلى الدورة الجديدة للجمعية العامة.
وتعتبر الاتفاقية الخاصة بعدم تطبيق مبدأ مضي المدة على مجرمي الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 نوفمبر عام 1968 (في قرارها رقم 2391) وثيقة أخرى تدخل في دائرة مصادر القانون الجنائي الدولي.
ويجب ألا يغيب عن البال أن ثمة اتفاقيات أخرى مثل الاتفاقية بشأن درء جرائم الإبادة بالجملة والمعاقبة عليها والاتفاقية الدولية حول القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري والاتفاقية بشأن درء جرائم التمييز العنصري والمعاقبة عليها علماً بأن المادة 4 منها تحدد بوضوح مسؤولية الأشخاص الطبيعيين عن ارتكاب جرائم الإبادة بالجملة أمام المجتمع الدولي. وجاء فيها أن "الأشخاص الذين اقترفوا جرائم الإبادة بالجملة وأية من الجرائم المسرودة في المادة 3 تخضع للعقاب بغض النظر عن كونهم حكاماً مسؤولين بموجب الدستور أو موظفين أو أشخاصاً غير رسميين"(4)
يمكن مواصلة قائمة القوانين والوثائق والاتفاقيات التي تضبط بصورة مباشرة القانون الجنائي الدولي وتعتبر مصادر له.(5) مع ذلك يمكن استخلاص استنتاج من الآن مؤداه أنه رغم كون هذه الاتفاقيات تثبت المبادئ الأساسية للقانون الدولي بصورة عامة. إلا أنها تضبط المسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين في الزمن والمجال وبهذا تصبح هذه المبادئ مصادر للقانون الجنائي الدولي.
وتنص الاتفاقيات والمعاهدات العديدة على التزام الدول المشاركة فيها بتمرير عبر هيئاتها التشريعية وفي حالة نقص القوانين الجنائية الوطنية إجراءات ضرورية لمقاضاة الجرائم المنصوص عليها في هذه القوانين. وجاء في بعض الاتفاقيات أن الحكومة تتعهد بمعاقبة من يخالف تنفيذ الالتزامات وذلك بحرمان المسؤولين من الحرية وغيرها من أصناف العقاب.
وإلى جانب المعاهدة يمكن اعتبار العرف الدولي أيضاً مصدراً للقانون الدولي الجنائي. وفي رأي العديد من الحقوقيين المشهورين، لا يجوز اعتبار القانون العرفي مصدراً ثانياً، خاصة وأن دور الأعراف يتزايد باستمرار. وبهذا الخصوص كان الحق مع الباحث غ. دانيلينكو حين قال أثناء انعقاد الاجتماع السنوي الثاني والعشرين للجمعية السوفيتية للقانون الدولي في عام 1984 إن "المعاهدة والعرف لهما قوة قانونية متساوية ومماثلة".
وبموجب المادة 38 من نظام المحكمة الدولية الأساس يعتبر العرف الدولي بصفته برهاناً على الممارسة العامة المعترف بها كقاعدة قانونية واحداً من مصادر القانون الدولي. في بادئ الأمر تظهر ظاهرة جديدة من خلال الممارسة التي لا تنكرها أكثرية الدول ومحاكم القانون الدولي بل وتعترف بها في صمت. ثم تصبح هذه الممارسة عرفاً يتخذ صفة القاعدة العرفية القانونية. وفي كافة الحالات يظهر عنصران مترابطان هما الحاجة العملية الموضوعية التي لا تتوقف، كالعادة، على إرادة الناس ووعيهم. أولاً، وقرار الذوات العملي الواعي بشأن الاعتراف بهذه الممارسة، ثانياً، "توافق أو، بالأحرى، تطبق إرادة ذوات القانون الدولي كما يجب أن يقال في هذا الصدد".
ويشير غ. تونكين بحق إلى أن "مشكلة القواعد العرفية للقانون الدولي تعتبر إحدى أكثر القضايا النظرية في القانون الدولي أهمية وتعقيداً في الوقت ذاته.(6) وبالفعل، ثمة كثير من النظريات في روسيا وفي الأدبيات الأجنبية التي لا يضع صاحب هذه السطور تحليلها نصب عينيه لأن مثل هذا التحليل يخرج عن نطاق الأطروحة. مع ذلك ينبغي التنويه بأن أغلبية الحقوقيين يعترفون بضرورة الاعتراف بين العوامل الأخرى بما يسمى بقاعدة عرفية في القانون الدولي pinion junis من قبل الدول أي توفيق إرادتها حسب قول غ. تونكين.(7)
وفي القرن التاسع عشر أدى تطور العلاقات بين الدول على قاعدة الرأسمالية الصناعية إلى وجوب خوض النضال المشترك ضد "الجرائم الدولية" مثل القرصنة وتجارة العبيد.
في رأينا، كان القانون الجنائي الدولي الذي نشأ في نهاية القرن التاسع عشر، ما زال في "حالة الجنين" في مطلع القرن العشرين.
ويمكن اعتبار مقررات المنظمات والهيئات الدولية مصدراً مساعداً للقانون الجنائي الدولي أيضاً. ويمكن أن تنسب إليها قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتسليم مجرمي الحرب وقرارات مجلس الرقابة على ألمانيا وبالأخص القانون رقم 10 الصادر عن مجلس الرقابة حول جرائم الحرب والقانون رقم 11 حول إبطال مفعول بعض القوانين الجنائية التي جرى تطبيقها في ألمانيا بضمنها قانون عدم جواز تسليم الرعايا الألمان وغيرها من القوانين. وتتضمن كل هذه المقررات، بالتأكيد، الأحكام الكفيلة بإحداث قواعد للقانون الجنائي الدولي.
وتعد التشريعات الوطنية أيضاً مصدراً مساعداً للقانون الجنائي الدولي إذا لقيت هذه التشريعات اعترافاً بها على النطاق الدولي أي خارج حدود هذه الدولة أو تلك. على سبيل المثال، يمكن أن يقر قانون هذه الدولة أو تلك الخاص بتسليم الجناة قواعد مبنية على أسس المعاملة بالمثل مع دول أخرى. ثم يمكن للقانون ذاته أن يكتب أهمية اتفاقية دولية ليصبح هكذا مصدراً للقانون الجنائي الدولي. وتتضمن قوانين بعض الدول قواعد تنص على إلقاء المسؤولية الجنائية عن الجرائم المخلة بأمن دول أخرى. على سبيل المثال، تضن القانون الجنائي الألماني لعام 1971 فصلاً خاصاً عنوانه "الأعمال المعادية للدول الصديقة" كما تضمن القانون الجنائي السويسري لعام 1937 فصلاً خاصاً معنوناً الجرائم أو الجنح التي تعرض للخطر العلاقات مع الدول الأجنبية"...إلخ، ما عدا ذلك يمكن سياقة مثال دستور الاتحاد السوفيتي لعام 1977 الذي نص على إنزال عقوبة لقاء الدعاية للحرب والتحريض عليها.
بالتالي، يمكن أن ينص التشريع الجنائي الوطني على نشوء حالات حين تصبح أسس المعاشرة الدولية هدفاً للاعتداء مما يجعل هذا التشريع مصدراً للقانون الجنائي الدولي.
على صعيد النظرية والقانون الجنائي الدولي يتبين لدى تحليل المؤلفات الروسية والأجنبية أنه ليس ثمة تعريف دقيق لمفهوم هذا الفرع القانوني في نظام القانون العام. ومن أجل تبيان مواقف كبار المؤلفين المتخصصين في هذا المجال ينبغي، في اعتقادنا، تناول عدد من الآراء التي أدلى بها ممثلو الأجيال السابقة. لقد اعتقدوا بالأخص أن مسائل مفعول القانون الجنائي في المجال المعين وحق الحصانة وتسليم الجناة وحق اللجوء كانت أساسية في القانون الجنائي الدولي في القرن التاسع عشر، مما وجد انعكاساً في بعض التعريفات النظرية.
ورأى الأستاذ ترافرس، مثلاً، أن "القانون الجنائي الدولي يتكون من مجموعة القواعد التي ترمي إلى إحدى الغايات التالية:
1- الإشارة إلى قانون قابل للتطبيق في الحالة المعينة أو مجموعة من القوانين.
2- تحديد العواقب التي يجب أن يعترف بها سواء في أحد القوانين الجنائية المقرة في بلد آخر أو المعينة في أحد الأحكام الصادرة في مجال مفعول هذه القوانين وتقرير هل يمكن أو يجب أن تكون هناك منافسة في مسائل إنزال الجزاء بين السلطة المحلية والقائمة في بلد آخر وإثبات عناصر الاتفاق بشأن التوحيد المحتمل إذا سنحت الفرصة.(8)
ولكن رغم الموقف غير الصحيح، عموماً، الذي تبناه، في رأينا، الحقوقيون في ذلك الوقت أسهم العلماء الروس بقسط كبير في قضية إنشاء القانون الجنائي الدولي الحديث بمؤلفاتهم. وكان ن. كوركونوف من بين الأوائل الذين دعموا بالحجج والبراهين في الأدبيات الصادرة قبل "تجربة إنشاء القانون الجنائي الدولي"
(9) ثم ألف ف. مارتنس كتاباً شاملاً عالج فيه هذه المسألة أيضاً(10) في اعتقاده، اعترفت نظرية القانون الدولي في ذلك الوقت بأصناف معينة من مخالفات القانون ذات الطابع الدولي بصفة الجرائم وألقت الالتزام الدولي على عاتق كافة الدول بمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم. وكان الحقوقي الألماني أ. جفتر يشاطر هذا الرأي أيضاً إذ كتب أن أي إنكار فعلي وغير شروط لحقوق الأفراد والشعوب وأي اعتداء على هذه الحقوق ذا طابع عام أو خاص مقرونين بعدم اتخاذ تدابير مناسبة يشكلان خرقاً للقانون الدولي وإهانة لجميع الدول ويخلقان ظروفاً عامة لإهدار هذه الحقوق".(11)
أما الحقوقي السويسري المعروف بلونشلي فقد نسب إلى عداد الجرائم المقترفة من قبل الأشخاص القرصنة ونهب ممتلكات الأجانب واضطهاد الأجانب بشكل مكشوف وقاس والاستعباد وأشار في هذا الصدد إلى أنه "ليست الدولة المتضررة وحدها بل وكل الدول الأخرى التي تملك طاقات كفيلة بالدفاع عن القانون الدولي يجب أن تتصدى لأي انتهاك للقانون الدولي وبذل جهود فعالة من أجل استعادة النظام القانوني وتأمينه إذا كان ذلك الانتهاك يحمل في طياته خطراً شاملاً". (12) ويجب القول مع ذلك أن نظرية القانون الجنائي الدولي لم تميز في الماضي تمييزاً واضحاً بين المسؤولية الدولية للدول، من جهة، والمسؤولية الجنائية الدولية للأشخاص الطبيعيين وصاغت مبدأ المسؤولية الجنائية الدولية بشكل مبهم. وكان مثل هذا الموقف مفهوماً لأن هذه المبادئ كانت تجتاز مرحلة التكوين في ذلك الوقت. بيد أن التأثير السلبي لمثل هذا الموقف وجد انعكاساً له في أيامنا هذه أيضاً، الأمر الذي سنتناوله لاحقاً.
وكانت لمسألة مكانة القانون الدولي الجنائي في النظام العام للقانون أهمية كبيرة من حيث حل المسائل المحددة النظرية والعملية. وكانت المحاولات الرامية إلى صياغة مفهوم القانون الجنائي الدولي تستند ولا تزال تستند إلى الأفكار التالية:
1- يعتبر القانون الجنائي الدولي فرعاً مستقلاً في القانون الدولي.
2- يعتبر القانون الجنائي الدولي جزءاً من القانون الدولي.
3- يعتبر القانون الجنائي الدولي جزءاً من القانون الجنائي.
4- يعتبر القانون الجنائي الدولي فرعاً مستقلاً مركباً وشاملاً في القانون.


يتبــــــــــــــــــــــ ـــــــع ...........................

ولكي نفهم ونميز المواقف يجب أن ننظر في بعض الأفكار التي طرحها ويطرحها من يقفها. على وجه الخصوص، كتب الأستاذ الروسي ي. كاربيتس الذي يؤيد الفكرة الأولى يقول إنه "من المنطقي استخلاص استنتاج مؤداه أن القانون الجنائي الدولي يساعد على التنمية الطبيعية للعلاقات الدولية. مع ذلك لا يشكل القانون الجنائي الدولي جزءاً من القانون الدولي الذي يعالج مهمات أوسع بكثير من مسائل مسؤولية المجرمين القانونية الدولية. ولا يجوز اعتبار القانون الجنائي الدولي جزءاً من القانون الدولي العام"(13) في رأينا، أن مثل هذا التحديد لمفهوم القانون الجنائي الدولي وجوهره غير صحيح تماماً بمعنى أن القانون الجنائي الدولي، في أساسه، يعتبر تعاوناً بين الدول والمنظمات الدولية أي ذوات القانون الدولي. ولا يمكن انطلاقاً من ذلك وضع القانون الجنائي الدولي بشكل مصطنع خارج القانون الدولي، الأمر الذي يؤكده كاربيتس نفسه في تعريفه لماهية القانون الجنائي الدولي.
وكان العلماء البارزون الآخرون مثل ب. روماشيكن و د. ليفين و أ. تراينين قد طرحوا في مؤلفاتهم أفكاراً عن استقلالية القانون الجنائي الدولي كفرع من فروع القانون الدولي.
أما فكرة كون القانون الجنائي الدولي فرعاً مركباً شاملاً في القانون الدولي فكان الأستاذ مايلي والباحثة ل. جالينسكايا(14) من أنصارها إذ أشارا في مؤلفاتهما إلى أن القانون الجنائي الدولي كفرع مستقل في القانون الدولي ليس له وجود، بل وما هو الموجود هو القانون الجنائي الدولي كفرع مركب في علم القانون الدولي. ويتمسك الأستاذ مايلي بنفس الخط، إذ وصف القانون الجنائي الدولي في كتابه المعنون "القانون الجنائي الدولي والمرافعات الجنائية"، إذ يعترف بوجود القانون الجنائي الدولي كفرع متكامل مستقل من القانون، وصفه بـ "مجموعة متكاملة من القواعد والشروط والأحكام القانونية التي تنبثق من واقع خضوع الأعمال الإجرامية حقيقة أو افتراضاً تحت مفعول القوانين الجنائية لعدد من الدول المستقلة بعضها عن البعض من الناحية السياسية". لكن لدى مثل هذا التعريف لا تعود إلى القانون الجنائي الدولي إلا تلك القواعد أو الأحكام التي تعالج "تصادم" القانونيين الوطنيين أو أكثر وتقتصر على مسائل القانون الجنائي الدولي على معالجة مسألة مفعول القانون الجنائي في مجال ما. ويكمن في ذلك أيضاً رأي كل من الحقوقيين المشهورين بيلا وبوزيا.(15)
أما أحد أشهر الحقوقيين الدوليين في أمريكا اللاتينية بوستامنتي فيقسم القانون الجنائي الدولي إلى: القانون العام والقانون الخاص كما هو الحال بالنسبة للقانون الدولي. ويعتقد الباحث أن القانون الجنائي الدولي العام يجب أن يتولى مسائل تعيين مسؤولية الأشخاص المعنويين عن الجرائم المقترفة من جانبهم.(16) غير أن مثل هذا التحديد لمادة القانون الجنائي الدولي، من وجهة نظرنا، لا يمكن اعتباره مرضٍ. كما نعترض على أساس نظرية بوستامنتي حول تقسيم القانون الجنائي الدولي إلى قسمين دون التمييز بينها وبين الصنفين من القانون الدولي.
أما علم القانون الروسي فلدى تحليله لنظام القانون ينطلق من أن تقسيم الفرع يجب أن يكون حسب مادة ضبط العلاقات وأسلوبه.
ويقدم غ. شفارتسينبرغر مفهوما فريداً للقانون الجنائي الدولي ألا وهو:
1- القانون الجنائي الدولي من حيث الوجه الإقليمي لتطبيق القانون الجنائي الوطني.
2- القانون الجنائي الدولي بمعنى أحكام القانون الجنائي الوطني التي يعنيها القانون الدولي.
3- القانون الجنائي الدولي بمعنى أحكام القانون الجنائي الوطني التي يسمح القانون الدولي بها.
4- القانون الجنائي الدولي بمعنى القانون الجنائي الوطني الذي يخص الأمم المتحضرة كلها.
5- القانون الجنائي الدولي بمعنى التعاون الدولي عند تحقيق العدل الجنائي على المستوى الوطني.
6- القانون الجنائي الدولي في مغزى الكلمة المادي.
إننا نوافق على تعليق الاستاذ ي. ريشيتوف على مثل التصنيف(17) بحيث قال إن المعنى الأول والمعنى الخاص من هذا المفهوم متطابقان، إذ يدور الحديث فيهما عن تعاون الدول في حل الخلافات والنزاعات القانونية عن طريق إما استخدام القواعد الخاصة بحالة النزاع إما عقد اتفاقيات حول المساعدة القانونية. هذا أولاً. أما ثانياً، فليست للمعنى الثاني والمعنى الثالث علاقة مباشرة بالقانون الجنائي الدولي لأن مادتها تتمثل في أحكام القانون الجنائي الداخلي وإن تنجم هذه الأحكام عن القانون الدولي، في نظر غ. شفارتسينبرغر. ثالثاً، يعتبر شفارتسينبرغر من مناصري المذهب الباطل لمسؤولية الدول الجنائية. من هنا ينبع تشاؤمه حيال القانون الجنائي الدولي بمعنى أهميته بحد ذاته".
هذا وينسب بعض العلماء القانون الجنائي الدولي إلى القانون الجنائي الوطني. ويجب أن نتوقف عند هذا الموضوع. ومن أجل تبيان بطلان هذا الموقف وخطأه نتناول نظام المحكمة العسكرية الدولية. تنص المادة 6 من النظام على ثلاثة أصناف أساسية من الجرائم الدولية هي:
أ- جرائم ضد السلام.
ب- جرائم الحرب.
ج- جرائم ضد الإنسانية.
إن هذه الجرائم الدولية تتميز بميزة مبدئية جوهرية عن مفهوم عناصر الجريمة المحددة في القانون الجنائي الوطني من هنا ينجم الاختلاف في تركيبة عناصر الجريمة.
مثلاً، يفترض العدوان تنفيذ مجموعة من الإجراءات المتعلقة باستخدام مختلف مؤسسات الدولة ومنظماتها وهيئاتها ويشتمل على أعمال القتل الواسعة النطاق ضد السكان المدنيين. والعكس بالعكس، تفترض الجريمة وفقاً للتشريع الوطني، مثل القتل أو السرقة أو السلب وغيرها من الجرائم عملاً فردياً مثل الطعن بالسكين أو إطلاق طلقة نارية منفردة أو السطو على الشقة...إلخ، غير أن العلاقة بين القانون الجنائي الدولي والقانون الجنائي الوطني تتمثل من خلال صيرورة بعض الأحكام المنفردة من القانون الدولي جزءاً من التشريع الوطني. ويتم إنشاء المؤسسات والنظم الخاصة في القانون الجنائي الدولي، بدورها، على قاعدة المبادئ العامة من القانون الجنائي الوطني. هكذا يجب إجراء التمييز بينهما انطلاقاً من طابع الجريمة الدولي أو الوطني. وإذا اعتبر التشريع الوطني جريمة ما تطاولاً على العلاقات الاجتماعية السائدة في هذه الدولة بالذات علماً بأن الأفعال الإجرامية هي تلك التي تشكل خطراً على الطبقة الحاكمة فيها، فإن الجريمة الدولية من وجهة نظر القانون الدولي تعتبر تعدٍّ على أسس المعاشرة الدولية. وينجم عما قيل أن القانون الجنائي الدولي لا يعتبر جزءاً من القانون الجنائي الوطني.
وأبدى بعض الحقوقيين البرجوازيين انطلاقاً من كون القانون الدولي قد اعترف بمبادئ المسؤولية الفردية للأشخاص الطبيعيين في نظام محكمة نورنبرغ العسكرية والقرار الخاص الصادر عن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في 11 ديسمبر عام 1946 حول تأكيد مبادئ القانون الدولي المعترف بها في نظام محكمة نورنبرغ العسكرية، أبدو رأيهم حول ظهور نوع جديد من مسؤولية الدولة ألا وهي المسؤولية الجنائية. وكان الأستاذ بيلا من أنشط العاملين على معالجة هذه المسألة، إذ وضع مشروعاً للقانون الجنائي الدولي على شكل ملحق بمؤلفة المعنون "الحرب الإجرامية ومجرمو الحرب". وفي هذا العمل سمي الباحث تلك العقوبات التي يجب أن تنزل بحق الدولة الجانية وهي:
1- العقوبات الدبلوماسية (مثل الانذارات وقطع العلاقات الدبلوماسية...إلخ).
2- العقوبات القانونية (مثل مصادرة ممتلكات المواطنين...إلخ) والعقوبات الاقتصادية (مثل الحصار الاقتصادي وفرض الحظر...إلخ).
3- غيرها من العقوبات الغرامة والحرمان من التمثيل في منظمة دولية لفترة معينة من الوقت...إلخ، وحتى نزع الاستقلال.
وتثير هذه الفكرة جدالاً بمعنى أنها تنسف ميثاق الأمم المتحدة ونشاط مجلس الأمن الذي عهد إليه بإصدار قرارات بشأن فرض عقوبات على دول وكذلك سيادة الدول.
وينبغي في الختام ذكر نظرية برجوازية أخرى يبرهن على أساسها استشهاداً بمسؤولية الأشخاص الجنائية الدولية من الجرائم ضد السلام وأمن البشرية أي عن التخطيط للحرب العدوانية وإعدادها وشنها وخوضها. على أن الأشخاص، حسب زعم أصحاب النظرية يعتبرون ذوات (أو أهال) للقانون الدولي. وينطلق أنصار هذه النظرية، في رأينا، من تصورات خاطئة عن تحول القانون الدولي المزعوم إلى قانون الدولة العالمي الذي يجب أن تصبح الدول والأشخاص في آن معا ذوات له (أو أهال له).
لا ينحصر موضوع هذا البحث في تناول مسألة الأهلية القانونية، إذ ثمة الكثير من أعمال المؤلفين الأجانب والروس المكرسة لها. في اعتقادنا، يعتبر مبدأ مسؤولية الشخص الطبيعي الجنائية الدولية من الجرائم ضد السلام وأمن البشرية، المعترف به حالياً في القانون الدولي مؤسسة هامة من مؤسسات القانون الجنائي الدولي.



في رأينا، يعتبر القانون الجنائي الدولي فرعاً من فروع القانون الدولي وأنظمة قائمة تعتمد قواعده وعلائمه على المصادر التقليدية من القانون الدولي وتضبط التعاون بين الدول في مجال البحث عن الأشخاص الطبيعيين والقبض عليهم ومعاقبتهم وكذلك مسؤولية الدولة والأشخاص بغض النظر عن مكانتهم والتي تعتبر ذوات أو أهال المسؤولية عن الجرائم الدولية وجرائم ذات الطابع الدولي.

* ملاحظة: "لقد ذكرنا في دراستنا المذكورة أعلاه اسم (الاتحاد السوفييتي).. والمقصود الفترة الزمنية التي كان الاتحاد السوفييتي موجوداً فيها على شكل دولة، أي قبل الانهيار".

العرف الدولي
العرف من أهم مصادر القانون الدولي العام، لأنه أوجد معظم قواعد هذا القانون، ولأنه يشمل جميع الدول التي تعارفت عليه.
ونشأ العرف الدولي بعد أن طبقت الدول لمدة طويلة مجموعة من التصرفات وبصورة متكررة، ثم أصبح إلزامياً في القبول والتعامل، وإن كان غير جامد يراعي التطور والتبدل.
ويفسر الفقهاء أسباب إلزام العرف، في أنه يستمد قوته من رضى الدول به، أو لأنه خارج عن ارادات الدول، التي تلتزم به حتى تدخل في نطاق المجتمع الدولي.
وحتى يقوم العرف الدولي لابد من التكرار والعادة في التعامل معه، وله صفة عالمية لأنه يعالج أمور عامة تخص جميع الدول.
وينحدر العرف الدولي من مصدرين:
ـ الهيئات الحكومية: ونعني بها سلطات الدولة: التنفيذية التي تشرف على العلاقات الخارجية، والتشريعية التي تضع القوانين الداخلية وبعضها يتعلق بأمور دولية، والقضائية التي تصدر الأحكام القانونية.
ـ الهيئات الدولية: مثل المؤتمرات الدولية (في مؤتمر فيينا 1815 اتفقت الدول المجتمعة على اتباع نظام معين في ترتيب السفراء، وفي معاهدات لاهاي 1907 اتفق على قوانين الحرب..). وتساعد المعاهدات الخاصة: معاهدات التحكيم، ومعاهدات تسليم المجرمين، والمعاهدات الخاصة بالقوانين الدولية .. على ظهور الأحكام العرفية عندما تبرم بين عدد كبير من الدول وتتضمن أحكاماً مماثلة.
كما ويمكن للمحاكم الدولية أن تشكل مصدراً أساسياً لنشوء العرف، من خلال ما تصدره من أحكام، وقد ظهر أثرها بعد الحرب العالمية الأولى بصورة جلية.
* المصدر : مجلة الموقف/العدد30/1985م

العرف الدولي والعرف الإسلامي
هناك نظريتان في ماهية العرف الدولي فبعض فقهاء القانون الدولي يعرف العرف الدولي بأنه : عبارة عن معاهدة ضمنية بين الدول . ويرى آخرون أنه : عبارة عن نتاج متطلبات الحياة الدولية [1] . وذهب بعض شراح القانون الدولي إلى أن الحكم بالعرف يستمد قوته من رضا الدول بالخضوع له في تصرفاتها، شأنه في ذلك شأن المعاهدات .وإن كان ثمة فارق بين الأساس الإلزامي لهذين المصدرين ، فهو أن رضا الدول صريح في حالة المعاهدات ، في حين أنه ضمني في حالة العرف . ويذهب فريق آخر إلى نفي الرضا الضمني للعرف بدليل أن الحكم المستمد من العرف يعد حكماً ملزماً حتى بالنسبة للدول التي نشأت بعد نشوئه وإستقراره ، تلك الدول التي لا يمكن أن ينسب لها الرضا بالخضوع للحكم وقت قيامه . ويصور أصحاب هذا الرأي العرف بأنه أحكام رتبتها حكمة الأجيال ، وشاع الإعتقاد لدى أعضاء الجماعة الدولية بوجوب الإذعان لها والتصرف وفقاً لأحكامها ، وذلك لأن تنظيم حياة الأسرة الدولية والمحافظة على بقائها يتطلبان الإذعان والخضوع [2] .
ويضطلع العرف في المجتمع الدولي بوظائف متعددة . فقد يتكيف العرف مع حاجيات كل الدول ، أو بعضها أو لدولتين فقط . ومعنى ذلك أن للعرف نطاقاً جغرافياً مختلفاً . إلى جانب ذلك يلعب العرف من الناحية التقليدية دوراً في استتباب القاعدة القانونية . وقد أقرت محكمة العدل الدولية بوجود عرف إقليمي في قضية اللجوء السياسي المعروفة بقضية (هيادي لاتوري) [3] .
إن الفقه الإسلامي يعترف بالعرف ، وينصح بالرجوع اليه في العديد من الحالات ، مثلاً; تحديد مهر الزوجة إذا لم يكن مشروطاً من قبل ، ومعاملات التجارة والسوق والعمل والخدمات وغيرها مما تعارف الناس عليه. ويمكن توسيع مفهوم العرف من الدائرة المحلية إلى الدائرة الدولية ليشمل تأثر الدولة وسلوكها وعلاقاتها يالعرف الدولي ، مما لا يخالف الشريعة الإسلامية .
يقول تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(الأعراف : 199) ، حيث يؤكد القرآن على أهمية الأعراف السليمة والتقاليد الحسنة ، فيدعو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمر الناس به والتقيد بالأعراف والعادات الحميدة ، بإعتبارها من السنن الحسنة في كل مجتمع ، ولتشجيع الناس على الخير والصلاح . يعرف العلامة الطباطبائي العرف بأنه : ما يعرفه عقلاء المجتمع من السنن والسير الجميلة الجارية بينهم بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل الإجتماعي من الأعمال النادرة الشاذة [4] . ويقول الشيخ الطبرسي : أن العرف ضد النكر ، ومثله المعروف والعارفة وهو كل خصلة حميدة تعرف صوابها العقول ، وتطمئن إليها النفوس [5] . ورغم أن مسألة العرف قضية نسبية ، إذ أنها تختلف من مجتمع إلى مجتمع ، ومن زمن إلى زمن آخر ، فإن المقصود هو العرف الخاص بمجتمع معين في زمن معين . أما في المجتمعات الإسلامية فيشترط في اعتبار العرف مقبولاً أو معولاً عليه هو أن لا يخالف أحكام الشريعة ولا مفاهيم العقيدة الإسلامية .
والدول الإسلامية تأخذ اليوم بالأعراف الدولية وتلتزم بها في القانون الدولي وإجراءات المعاهدات والمفاوضات وغيرها . ويمكن أن نشير إلى احترام الدول الإسلامية للعرف الدبلوماسي الذي يجري الإلتزام به في الزيارات الرسمية واستقبال الوفود الرسمية والمشاركة في المؤتمرات الدولية وغيرها [6] .
ويؤيد الفقهاء المسلمون إحترام الأعراف الدولية كجزء من الواجب الإسلامي ، فقد جاء في وثيقة مكة الصادرة في عام 1991 أن علماء الإسلام يدعون «كافة الدول العربية والإسلامية ودول العالم إلى الإلتزام بالعهود والمواثيق والأعراف الدولية ...» [7].
واعتبرت محكمة العدل الإسلامية الدولية العرف الدولي واحداً من مصادرها القانونية . فقد نصت المادة 27 ـ ب على ما يلي :
«تسترشد المحكمة بالقانون الدولي والإتفاقات الدولية الثنائية أو متعددة الأطراف ، أو العرف الدولي المعمول به ، أو المبادئ العامة للقانون ، أو الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية ، أو مذاهب كبار فقهاء القانون الدولي في مختلف الدول».
وإذا كان العرف الدولي يسمح بوجود أعراف إقليمية ، فلا يبدو هناك عائق لنشوء (عرف إسلامي) يجري الإلتزام به في المعاهدات والإتصالات والنشاطات التي تمارسها الدول الإسلامية . ويمكن أن يبدأ الإلتزام به من قبل الدول الإسلامية فيما بينها ، حتى يغدو متعارفاً عليه بفعل الإستمرار بالعمل به ، وتقادم الزمان عليه ، كي يصبح بعد ذلك عرفاً دولياً ، خاصة وأن الدول الإسلامية تشكل حوالي ثلث الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة . والكثير منها لها ثقلها الإقتصادي والسكاني والسياسي والستراتيجي . ويمكن التخلص من كثير من الأعراف الدبلوماسية التي تخالف الشريعة الإسلامية والأخلاق ، وتسبب إحراجاً للشخصيات الملتزمة بتعاليم الإسلام.




hgrhk,k hg[khzd hg],gd