الحمدُ لله الأكرم، المعلِّم بالقلمِ، و الصّلاة و السلام على من أُوتِيَ جوامع الكلمِ.



لا يخفى على كثير من العُقلاء المخلصين لدينِهم ما للعلمِ الشرعي من دَورٍ بالغٍ في العجلةِ الإصلاحيةِ، إِذْ مُبتداها منه ومدارُها عليه ومُنتَهاها إليه. و كل دعوةٍ اتّخذت العلم الشرعيَ وراءها ظِهْرِيًا إلا كان اندِثارها أقرب إليها مِن نفسها، لكنَّ هذا لا يكون إلا بعد أن تُشَوِّهَ المِلّة و تُجرِّعَ الأمّة من وَيْلاَت فسادِ فكرها و سوادِ فِعلها. و في المقابلِ الدعوةُ الحقةُ، قائمةٌ على العلم و البصيرة، وَقَّافةٌ عند مُراد الله و مُراد رسوله، مكتوبٌ لها البقاء ما حفظت العهد و وفّت الوعدَ، و تأشيرةُ ضمان استمراريتها حِرصها على بقاء العلم جارياً في أوْصالها باستنباتِ جيل من العلماء يحملونه خلفا عن سلفٍ.

بَيْدَ أنّه اليوم يعيشُ مِحناً و كروباً، و واقعا مراً أليماً في ظلِ الإنهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، و النظر إليه نظرة دونية[1]، ما جرَّ بكثير من النوابغ إلى الإنصراف عنه و الذوبان في العلوم الدنيوية، و لم يَبْقَ له إلا أحد أربعة: منخنقة، موقوذة، متردية أو نطيحة، فلا المحصّلُ على نُتَفٍ من العلم يكفي، و لا نصف الفقيه يفي، لأنّ الأمانة عظيمة ولن تثبت إلا بالأوتاد العظيمة، مما يدعونا من الآن إلى التفكير لتكوين الخلف الذين يحملون الأمانة بعد رحيل العلماء ـ و ما أكثر ما فُجعنا بهم في السنوات الأخيرة ـ، هذا لأنّ السماء لا تُمطرهم و لا الأرض تُنبتهم...فمن للعلم ؟

قال تعالى :" وَ مَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِينفِرُوا كافَّةً، فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ مِّنهُمْ طَائفةٌ لِيتفقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" التوبة:122.
يقول السعدي عند تفسير هذه الآية كفائدة مهمة :" أنّ المسلمين ينبغي لهم أن يَعدُّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامّة من يقوم بها، و يوفر وقته عليها و يجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها لتقوم مصالحهم و تتم منافعهم..." اهـ، قلت: والعلم هو أشرف المصالح و أتم المنافع، و شرفه حاصل له من جهة معلومه المتعلق به و هو دين الله، و لا يصلح للأتم الأمثل إلا الأمثل، فالزارع الحادق الذي يأمل أن يحمد جَنِيَ غرسه و بذْره ينتقي لمحصوله أجود البذور، و البئيس من اختار رديئها، فكذلك مثل العلم.
و قد أبان القِرافي في فروقه عن بعض أوصاف البذور بقوله:" العلم و ظبط الشريعة، و إن كان فرض كفاية غير أنه يتعيّن له طائفة من النّاس و هي من جاد حفظهم، و رقَّ فهمهم، و حسُنَت سيرتهم، و طابت سريرتهم، فهؤلاء يتعيّن عليهم الإشتغال بالعلم..."[2] تأمل هذا الكلام ثم انظر وقل: هل توجهات الطلاب الدراسية إلى الجامعات الشرعية تخضع لمثل هذه المعايير؟ و أين حال طلاب اليوم في معرض هذا الكلام ؟... و إلا فمن وجد من تلكم الطائفة فينصرف عن العلم إما بهواه أو تحت ظغط الوالدين و المجتمع، يخوفونه الفقر و سوء المئال...

و الناظر في الآثار و السِيَرِ يعلم هذا المغزى، و إليك بعض الأمثلة:

ـ النبيّ عليه الصلاة و السلام تزوج من عائشة و هي صغيرة السّن، و لحقت ببيته مع بداية العهد المدني، و في هذا سرٌ بديعٌ لمن تأمّله، و هو أن العهد المدني كان حافلا بتواتر نزول الأحكامِ، و بتفصيل ما أُجمِل مسبقا، فكان لِزاما أن يوجد من النوابغ حوله عليه الصلاة و السلام من يحفظون لهذه الأمة دينها من بعده، فكانت عائشة بحداثة سنّها و رجاحة عقلها و لسانها السؤول أقدر الناس على حِفظ العلم الموروث، خاصة ما كان منه في بيت الزوجية، فلا اِطِلاع للصحابة بما يُتلى من الحكمة داخل الحُجُرات، حتى قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه:" ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم حديثٌ قط فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما".

* عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، اهتّم به النبي عليه الصلاة و السلام و خصّه بأمور، فعلَّمه التوحيد:" يا غلام إنّي أعلّمك كلمات..." الحديث، ودعا له بالفقه و تعلم التأويل... ولم تَفُت فراسة عمر المعهودة على هذا الغلام دون أن ترقُب فيه النبوغ قبل البلوغ ، حتى لأنه رضي الله عنه يمتحن كبار الصحابة بتفسير سورة النصر فعجزوا عما أجاد فيه الفتى و أفاد... كبر الفتى حتى سمي البحر من كثرة علمه... ثم مات حتى قيل مات رباني هذه الأمة.

* و لم يخرج العلماء عن هذا النَّهج السوِيِ، فهذا ابن جماعة يقول:" و لذلك كان علماء السلف الناصحون لله و دينه يلقون شبك الإجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم و من بعدهم..."[3].

أما اليوم، جامعاتنا و معاهدنا الشرعية تشتكي رداءة معادن طلابها و قصر هِمَمِهِم... نُجباؤنا توجهوا للعلوم التقنية و الطبية سواءا طوعا أو كرها، و مع هذا لا زِلنا نستورد الأطباء و المهندسين، ذَكَّرنا هذا بعصور بداية المحنة و الإنحطاط باهتمام أمثال هؤلاء بالمنطق و الفلسفة على حساب علوم الشريعة. فإلى متى نبقى مضيِّعين لركن التمكين ؟ فوالله الذي لا إلاه غيره لن نبني لأنفسنا عِزًا في غير ديننا، بل الذُل و الصَغَارُ مكتوبٌ مِن الله على من خالف أمره و أغفل دينه.

و معلومٌ كذلك أن الإجتهاد فرضٌ من فروض الكفاياتِ في كل عصر، و واجبٌ على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر، و معلوم أيضا أن منزلة الإجتهاد رتبة عظيمة، لا تتهيأ لكل من حمل قِرطاسا و ورقة، بل رجاله قليلون و بأوصاف مخصوصة، و بهذا يعرف الفرق بين الجهاد و العلم من جهة الفرضية، بيَّنه القرافي عقيب كلامه آنف الذكر بقوله:" فالجهاد يصلح له عموم الناس، فأمره سهل، و ليس الرمي بالحجر و الضرب بالسيف كظبط العلوم، فكل بليد أو ذكي يصلح للأول و لا يصلح للثاني إلا من تقدم ذكرهم، فافهم ذلك" اهـ.

ممَّا تقدم يظهر لنا جلِيا أن استخلاف العلماء مطلبٌ شرعيٌ ينبغي العناية به و طرحُه و مناقشته و السعيُ لتحصيله[4]، و لا ينبغي ترك الأخذِ بالأسباب، فبركة الأمة بكثرة علمائها، و لأنَّهم لن يكونوا عطِيَّة من السّماء في أظرفة بريدية، و لا الإمامة في الدين تُنال بصناديق الإقتراع، لكنه البَذْر و العناية و حسنُ التدبير قبل أن يُولي زمانه، فالبذر البذر، البِدار البِدار...
منقول

hgugl ,Higi