أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.


قائمة الاعضاء المشار اليهم


رواية الامل الاخير بعنوان المصير

السلام عليكم .. تحية طيبة لكمْ .. لم تكن لديَّ نية لطرح رواية فقد اعتزلتُ منذ وقتِّ طويلْ .. إلا أنَّ هاجسَّا غريبًا بدأ يتوالى عليَّ على نحو عجيبْ ،



رواية الامل الاخير بعنوان المصير


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 15
  1. #1

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    مميز رواية الامل الاخير بعنوان المصير

     
    رواية الامل الاخير بعنوان المصير 1115.gif

    السلام عليكم ..
    تحية طيبة لكمْ ..
    لم تكن لديَّ نية لطرح رواية فقد اعتزلتُ منذ وقتِّ طويلْ ..
    إلا أنَّ هاجسَّا غريبًا بدأ يتوالى عليَّ على نحو عجيبْ ، الكثير من الأفكار المبعثرة هنا وهناك ..
    تلك الأفكار لمْ ترحمنيْ وكانت تزورنيْ بشكل يوميْ إلى أن قررت جمعها أخيرا فيْ رواية ..
    بدأت في كتابتها قبل سنة تقريبا إلا أننيْ لم أقطع شوطا فيها فمجمل ما كتبته ليس بالكثير ..
    أعترفُ بأننيْ أتردد كثيرا في الكتابة وذلك جعل من تقدميْ في كتابة فصولها أمرا مُرهقا وطويلا ..
    قد تكون الفصول الأولى رتيبة قليلا إلا أنها تمهيد للقادم لم أحب البدء من المنتصف فذلك قد يسلب منها الكثير ..



    اسم الرواية :المصير ، القدر
    التصنيف :غموض ، تشويق ، بوليسي ربما قليلا
    عدد الفصول : 11 - قيد الكتابة


    v,hdm hghlg hghodv fuk,hk hglwdv


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    946
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    مستقبلي صحفية باذن الله 3>...
    هواياتي
    القراة والغناء
    شعاري
    لا اله الله محمد رسول الله

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير

    انا متشوقة جدا لقراءة هده القصة
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: koukouana

  3. #3

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير

    البارت الاول
    فيْ أحد أيام شهر أغسطس الحارة حيثُ لم يكن لدى الجميع القدرة على الخروج من منازلهمْ لمزاولة أعمالهم كنتُ فيْ طريقيْ برفقة والديْ إلى مزرعة العمِّ " ويلبرت " تلك التيْ تقبع على بُعد تسعون كيلو مترا عن العاصمة ، حقيقةَّ لم تكن لديَّ نيَّة فيْ هذه الزيارَّة خاصَّة بَعد تخرجيْ من الثانوية فقد كنتُ أنوي قضاءَ هذه الفترة برفقة والدتيْ في " نيويورك " قبلَ أن أنشغلَّ بأمور الجامعة ! ..
    تمتدَّ ذراع والديْ الطويلة ناحية المذياع لتدير أصابعه أحد الأزرار ويرتفع صوتُ الموسيقى المزعجْ ، زفرت بضجر للمرة الثالثة وحاولت التركيز فيْ سطور المجلة بين أصابعي تلك التيْ كانت تدور صفحاتها عنْ أحدثِ صيحات الموسم أمورٌ كهذه تستهويني ، بعيدا عن صوتِ والديْ المزعجْ تذكرت شيئا آخر جعل من انزعاجيَّ البسيط يتضاعْف تذكرتُ بأنني لم أبعث برسالة إلى " ويندي " أخبرها بأنيْ مغادرة إلى المزرعة لاشكَ وبأنها ستزعج سكان العِمَارة بضربها المتواصل على الباب ، ذلك سيءْ !..
    تركت المجلة جانبا وجذبت حقيبة كفيْ الصغيرة والتي كانت تتدلى بشريط من أعلى كتفي بحثت بين الأغراض التيْ حشرتها بداخلها عن هاتفيْ لكنني لم أجده مع أنني متأكدة بأنني وضعته من ضمنِ الأِشياء الأخيرة لأتأكد من وجوده تساءلت بشيءٍ من الاستغراب و أصابعي تتحسس مقتنياتيْ في الحقيبة : أبي ، ألم ترى هاتفيْ ؟!
    بالطبع ، لن يكون قادرا على سماع صوتي وصوتُ الموسيقى الصاخبة يملأ المكان أثار هذا انزعاجيْ قليلا فبالرغمِّ من أنه هوَّ من أجبرنيْ على المجيءِ برفقته وتغيير خططيْ بدأ يتصرفُ كشابِّ في العشرين ، مددت كفيْ لأخفضَّ من صوتِ المذياع ، نجحتُ في جذب انتباهه إذ أنه تساءل بتعجبْ وعينيه معلَّقتين على الطريق : مالأمر حبيبتي ؟!
    عدتُ أطرح عليه سؤاليْ بتململْ : لست أجد هاتفيْ أبي !
    لا أدريْ لمَ انتابنيْ شعورٌ سيءْ حيال إجابته إذ أننيْ كنتُ أعلمُ بأنَّ اختفاء الهاتفْ يعنيْ بأن لوالديْ يدٌ في هذا الموضوع ، تباعدت عقدة حاجبيه قليلا فور تذكره للأمر فأجابَ بلا مبالاة : آوه ، الهاتفْ أجل لم أعتقد بأنه سيكون ذا نفع لنا هناك لذلك تركت هواتفنا في الشقة !
    كنتُ أعلمْ ، خلف هذا الوجه البريء الكثير من الأشياء التي تجعلني أود أن أنفجر ، آه منك والدي كيف سأستطيع العيش في تلك المنطقة بدونه ، حاولت ضبط أعصابي قليلا وسرعان ما أسندت ظهري للمقعد بعد أن رفعت صوت المذياع ، عقدت ساعديَّ بتضجر فيمّ نظرتُ للخارج وأمنية بسيطة تجول في داخلي ، أتمنى أن ينقضيَّ هذين الأٍسبوعين سريعا ! ..
    لقد استغرق منا الطريقْ للوصول إلى المزرعة أكثر من ساعة خلالها شعرت بإرهاق شديد من كثرة الجلوسْ لذلك وفور نزوليْ من السيارة رفعت ذراعيَّ عاليا علَّنيْ أشعر ببعضِ الارتياح قليلا ، بدأت ألقي نظرة متفحصة لما حولي قد يبدو المكان غريبا بالنسبة ليْ فأنا لم آتيْ إلى هنا منذ سنتين على الأكثر إلا أن علاقتي بعمِّي جيدة جدًا ، إنه حنون ولطيف كثيرا ، على ما أذكر بأن هذا لمنزل متوسط الحجم يحتوي على الكثير من الغرف رغم أن شكله لا يوحي بذلك ، استجبت لحركة بسيطة من الجانب اليساري لمكان وقوفي لذا التفت سريعا ، لم يكن سوى عمي " ويلبرت " صاحب القبعة المصنوعة من القش والملابس الملطخة بالتراب ، صاح بانفعال وبترحيب : مرحبا بك شقيقي !
    عمي " ويلبرت " يكبر والدي بسنتين على الأقل ، لذا لا يبدو الفارق بينها في المظهر كبيرا ، كلاهما هزيلان ومصفران وبلا قوة أبدا ، حسنا هذا هو حال من يعمل لوحده بعد أن انفصل لتوه ، تعانق الشقيقان لمدة من الزمن وكم بدى اشتياقهما لبعضهما واضحا فهما لم يريا بعضهما منذ خمس سنوات تقريبا ، إنها مدة طويلة .. فعلا طويلة ! ..
    انتظرت في مكانيْ بهدوءْ لولا شعوريَّ الذيْ يجبرنيْ على ترك المكان ودخولِ المنزلْ بسرعة ، فلست قادرة على تحمل أشعة الشمسِ أكثر من هذا ، وأخيرا استدار عمي صوبي بعد أن صافح والدي بحرارة ، مدَّ ذراعيه نحويْ قاصد احتضانيْ لولا أنني تراجعتُ في آخر لحظة ، لستُ نزقة ولكن حتى لإلقاء التحيَّة آدابْ ، حاولتُ عدمَ إظهار تزمتيْ عندما قلتُ خلفَ بسمة مترددة :بالطبع سأقوم بتحيتكْ عندما تغتسلْ عمِّيْ ! ..
    ملأت ضحكته العالية المكان ليعقب ذلك بقوله : لم أعتقد بأنكِ ستوافقين على الحضور إلى هنا " لوسيانا " اعتقدت بأنكِ تفضلين قضاء هذا الوقتِ برفقة والدتك !
    ليتك تعلم ما حصل لي ، هززتُ كتفيَّ بلا مبالاة قبلَ أنْ أهتف : كنتُ لأفعل لولا إلحاح شقيقك عليْ !
    استطعتُ سماعَ صوتِ والديْ الذيْ بدأَ يُنزلُ الحقائب من السيارة ، ليستْ كثيرة فلسنا ننويْ البقاء هنا طويلا ، كما أتمنى ، لوهلة فقط بدأت أشعر بالضوء يختفي من أمام ناظري ، ليس الضوء فقط بل وكل شيء ، هل أصبحت عمياء فجأة يا ترى ؟! بدأت أتتحسس تلك الأصابع الباردة على جفنيَّ ووجنتيْ وسرعان ما عرفتُ هوية من يقف خلفي ْ بسبب ضحكاته المتقطعة المشاغبة ، أبعدت كفيها عن وجهيْ والتفتُ سريعا نحوها إلا أنها باغتتني بعناق مفاجئ ، هذه الفتاة إنها تحبُ المفاجآت كثيرا ، ابتعدتْ عنيْ سريعا سامحةَّ لخصلاتِ شعرها القصيرة بالتراقصِ على جبينها وحول وجهها بحرية ، ظهرت ملامحها أكثر إشراقا من قبلْ عندما سألتنيْ بسعادة : هل ستمكثين هنا لأكثر من أسبوع ! ..
    رفعتُ أحد حاجبيَّ بتصنع قبلَ أن أجيبْ : لا خيار آخر لديْ عزيزتيْ ! ..
    صاحت بشيءٍ من السعادة لتعاود احتضاني بقوة أكبر من سابقتها وما جعلها تبتعد عنيْ هذه المرة هوَّ صوتُ والديْ الذيْ طالبها بتحيته هوَّ الآخر ، لم يمضِ من الوقت الكثير حتى طلبَ عمَّيْ " ويلبرت " من " إيرما " أخذي إلى غرفتيْ استلمت الأخيرة حقيبة ملابسي وطلبت مني أن أتبعها ، أتساءلُ فعلا إن كان هذا هو ذات المنزلُ الذي رأيته من قبل ! ، يقع المطبخ على يساريْ وبجانبه تقبع زهرية طويلة وبمسافة ليست بعيدة عنه تقع طاولة الطعام التيْ تسع لثلاثة عشر كرسيا فقط ويفصل ما بين الطاولة ومجموعة تلك الأرائك الأرجوانية المنتشرة فيْ المساحة المتبقية من الجزء السفليْ سُلَّمٌ يؤديْ إلى الطابقِ العلويْ ! ..




    صعدت برفقة " إيرما " إلى الطابق العلويْ بينما لازلتُ أشعر بصدمة غريبة ، هل من المعقولِ بأن هذا المنزلْ هو ذاته الذي ترك انطباعا مقززا في مخيلتي ! ، أين تلك السجادات المهترئة التيْ كانت تملأ المكان ؟ ماذا عن طلاء الجدران المتصدِّعة ؟ النوافذ أذكر أنها كانت مكسورة ! ذلك فعلا مثيرٌ للدهشة والفرحة فيْ آن واحد ، فلست بحاجة إلى أخذ الحذر في تحركاتيْ دائما ! ..
    الطابق العلوي يتضمن غرف النومْ فقد تجاوزت إلى الآن أربع غرف اثنتين عن يميني وأخريين عن يساري إلى أن توقفت " إيرما " أخيرا أمام إحدى الأبواب لتهتف قائلة بعد أنْ استدارت نحويْ : هذه ستكون غرفتك .. ومن ثمَّ أشارت على الباب بجانب غرفتي لتردف : وتلك غرفة عميْ " هارولد" !
    فتحت الباب وسبقتني للدخول لأدلف خلفها ، إنها تبدو كغرفة عادية تحتويْ على سرير بجانب النافذة مربعة الشكل مفتوحة الستائر حيث تنبعث أشعة الشمس من خلال زجاجها ذو السماكة البسيطة لتقع على بعض الأثاث والذي يتضمن طاولة للزينة ومنضدة بالإضافة إلى مكتبِ صغير بدى وكأنه للقراءة ، تبسمت برضا ليست سيئة ، إنها أفضل من تلك التيْ اضطررت إلى تكوين علاقة طيبة مع العناكبِ على جدرانها ، خلعت حقيبتي لأرميها على السرير وكذا سترتيْ ذاتَ الأكمام الطويلة لأشعر بنسيمِ لطيف يداعبنيْ ولمْ أكد أستنشق نفسا عميقا حتى تهافت صوتُ " إيرما " بسعادة صادقة وعلى نحو غريب : هل تعرفين ما هو تاريخ اليومْ !
    نظرت إليها باستغرابْ ومن ثمَّ أردفت بسخرية وأنا أرفع أحد حاجبي : الثالث من أغسطس !
    بدى حماسها مثيرا للريبة إذ أن عينيها ما زالت تبرق بسعادة غريبة والبسمة التي على شفتيها لم تعجبني البتة ، أنا أعلم بأنها تخفي شيئا عني الآن ، يجب علي أن أكون صبورة أكثر ،عدت أتمنى بصوت يهمس : ليتنيْ كنتُ معكِ الآن أميْ ! ..
    حاولت تناسي الأمر ولم أسألها أكثر من ذلك ، رميت جسديْ على السرير خلفي لأجلسَّ على طرفه بلامبالاة بدأت بخلع جوربيَّ منتظرة تفسيرا بسيطا منها ، على كلَّ هي لن تصمت طويلا فهي تحب الثرثرة قبل كل شيء ، صدق إحساسي عندما وضعت كفها على وسطها واستطردت بقليل من الانزعاج الواضح في نبرة صوتها الناعمة : ألست تعلمين ؟ والدي يقيم دائما حفلة للتنكر في مثل هذا اليومْ كلَّ سنَّة " لوسيانا " ! ..
    تسمرت فيْ مكاني عدة لحظات وبقيَّ جوربي الأبيض عالقا بين أصابعيْ ، عمِّي " ويلبرت " و حفلة للتنكر ! ، هل يقيم هذا النوع من الحفلات ؟! ، هذا النوع المثير للسخرية ! ، النوع الذي كنت أهرب منه دائما في الإعداديَّة ، أتُراهُ والديْ أصرَّ على المجيء إلى هنا هذا اليوم فقط من أجل هذا السبب ؟! لقد تغافلني كيف له ألا يخبرني وهو الذي يعلم تمام العلم بأنني أكرهُ هذا النوع من الحفلات إن لم تكن المناسبات جميعها ، ذلك مضجرٌ حقا ! ..
    لم تدم تساؤلاتي طويلا إذ أن " إيرما " جذبتني من ذراعي بسرعة وسحبتني معها إلى الخارج ، نزلت برفقتها درجات السلم التيْ تعثرت بأكثرها بسبب نزولها السريع ممَ جعلني أسارع فيْ إفلات ذراعي من بين قبضتها ، رأيتها تخرج عبر باب المنزل بسرعة لذا لم أجد بدا سوى اللحاق بها وفهم كل شيء يمكنني استيعابه ، خرجت من المنزلْ لأرى مجموعة من الأشخاصْ يُنزلون طاولات مستديرة للتقديم من شاحنة كبيرة كانت قد وصلت للتو وعميْ يقومْ بإرشادهم لوضعها فيْ أماكن متفرقة أمام واجهة المنزلْ ، العمل على قدم وساق كما يبدو فلا مكان لشخصٍ متخاذل هنا .. غيري ..
    من جهة أخرى رأيت والديْ الذيْ نفض عنه مشقة الطريق و تسلق أعلى سلِّم حديدي يقومُ بتعليق ذلك العقد من اللآلئ على مجموعة من الأشجار القريبة التي أحاطت بالمنزل من كل الجهات لهذا هو يبدو مميزا و مخيفا بعض الشيء ، لم أستطع أن أمنع انزعاجي من الظهور ، كيف له ألا يخبرني بهذا الأمر ، وقفت أسفل السلمُ الذي اعتلاه فرفعت بصري نحوه ورأيته منهمكا في عمله يحاول فك تلك التعقيدات البسيطة في ذلك العقد ويبدو وبأنه لم يلحظ وجودي أفزعته بسؤالي و صحت به : كنت تعلمُ بذلك صحيح ؟! لماذا لم تخبرني ..
    لاحظني أخيرا ولكن لم تبدو على وجهه أية ملامح معتذرة أو مرتبكة على الأقل تلك التي تمنيت رؤيتها ولكنه عوضا عن ذلك رفع كفه ليمسح قطرات العرق من على جبينه بكم قميصه القماشي و تمتم بلا مبالاة : لأنني لو فعلتْ لما وافقت على المجيءْ برفقتي ، صحيح ؟!
    ضربت بقدمي الأرض معارضَّة ولمْ أقم بتغيير موقفيْ رغم نظراته البريئة نحويْ ، تمتمت معاتبة خشية أن يسمعني أحد : لقد قمتَ باستغفالي والدي ، أنت تعلمُ بأننيْ أكره الحفلات !..
    - هيا كفاكِ تذمرا !
    سمعت صوت " إيرما " الذيْ بدأ يقتربُ نحويْ أدرت رأسي يسارا و لم أكن قادرة على رؤية شيء لأنها أفرغت كومة الأقمشة التيْ كانت تحملها لتضعها بين ذراعيْ ، لم أستطع الحفاظ على توازني لوهلة لشدة مفاجأتي ممَ جعلني أستند على طرف الطاولة المركونة خلفي ، هذبت تلك الأقمشة المتكومة في حجري بضيق ونظرت إليها بانزعاج ، أردفت بينما توليني ظهرها مستكملة بقية الأعمال : لا تكوني لحوحة ، ساعدينا بتوزيع هذه الأقمشة على الطاولات .. أتبعت قصد إثارة غيظي : من فضلك ..
    سوف تموت على يدي اليوم ، لقد أقسمت على ذلك ولا أحد يستطيع أن ينقذها من بين يدي ، تنفست بعمق وحاولت تقبل الأمر رغم غيظي بدأ يزداد ، ضغطت على شفتي وباشرت بالعمل في تجهيز الطاولات كما أمرتني الأميرة الصغيرة لتوها ! ..
    الجميع بلا استثناء منهمكٌ فيْ العمل .. منهم من باشر بجزِّ الأعشابِ ومنهمْ من ساعد فيْ تنظيف المكان بالإضافة إلى مساعدتيْ في فرشِّ هذه الأقمشة على الطاولات الثمانية عشرة المنتشرة في ساحة هذا المنزل ، حالما انخرطت في العمل معهم حتى بدأ ضجري يتلاشى شيئا فشيئا إلى حدِ أنني استطعتُ الضحك من كل قلبي على ملاحظات عمي " ويلبرت " ،لقد كان وقتا جيدًا ، فالعمل مع الجميع شيءٌ ممتع ويبعث على السرور فعلا !!..
    نظرت إلى ساعة معصمي ووجدتها تشير إلى الخامسة وعشرون دقيقة بقي ساعتين على بدء الاحتفال ، منَّيْتُ نفسيْ بأني خلالها لربما أستطيع أن أنعم بحمام منعش وفي الدقائق المتبقية قد أغط بنوم عميق فلا أظن بأن الألم الذي يحطم عظام ظهري قد شعرت به سابقا ، التقطت منديلا من جيبِي وبدأت بتجفيف عنقي ، أحاول جذب كميات كبيرة من الهواء علها تبعد الإرهاق الذيْ سكن جسدي ، توجهت ناحية المنزل لولا رؤيتي لوالدي الجالس بالقرب من المدخل يرتشف القليل من الماء دعاني للجلوس بجانبه عندما ربت على الأرضية المتربة بباطن كفه المتسخ ..
    امتثلتُ لأمره فجلست بالقرب منه ، باشر بإغلاق قنينة الماء التي احتفظت بالقليل منه ممَ جعلني ألتقطها من بين أصابعه وأبدأ بشرب ما تبقى منها دفعة واحدة في محاولة فاشلة مني لأُبعد الجفاف الذي استكن حلقيْ إلا أنه لم يكن باردا فعليا ، لاحظت ابتسامته التي ظهرت على شفتيه ونظراته التي بدأت تحومُ فيْ وجهي كعادته دائما حينما يحاول البحث عن طريقة ليبرر بها سوء تصرفاته ، تجنَّبت النظر إليه لدقائقْ فهو سيتحدثُ معتذرا وبطريقة روتينية قائلا وباعتذار :أعتذر حبيبتي ، أعلمُ بأنك كنتِ تملكين مخططاتِ كثيرة لقضاء هذه الإجازة مع والدتك في العاصمة وليس برفقتي هنا في المزرعة ..
    لم أعقب على ما قال فهو صحيح ولست أملك القوة الكافية لأعترض عليه حتى ولو كان على سبيل المجاملة ، سمعته حينما أطلق زفيرا هادئا ثمَّ أسند ظهره على جدار المنزل خلفه متأملا السُّحب عاليا ، بقينا صامتين لدقائقْ بسيطة إلى أن قرر هو بدءَ حوار جديد لأسمعه يهتفُ بهدوءْ : ظننتُ بأنكِ بذلت الكثير من الجهد مؤخرا في الدراسة ففكرتُ بالترويح عنكِ قليلا .. أضاف مبتسما :أذكر حينما كنتُ في سنِّك كنت أجهد نفسيْ بالدراسة وأصبت بالملل ثم اضطررت لتركها !
    كلامه السابق أثار استغرابيْ لوهلة ، أدرت له عنقيْ سريعا وسألتُ بقليل من التفاجؤ : ألم تكمل تعليمك أبي !
    نظر إليَّ حينها بعد أن زفر نفسا خافتا ، ازدادت ابتسامته اتساعا بينما أجابَ استغرابيْ بقوله : والدكِ موظف بشهادة ثانوية !..
    تبسمت من طريقة نطقه لجملته السابقة فأذكر إلحاحه الشديد على مديره في العمل و من ثمَّ كدَّه فيه حتى أنني وقتها سألتُ أميْ إن كان على ما يرام فلم يسبق لي رؤيتي له متشبثا في شيءٍ إلى هذه الدرجة ، أحسستُ بأصابعه التي تخللت خصلات شعري الكثيفة ليبعثرها بفوضوية قبل أن يردف باسما وهو ينظر إلي مباشرة : لستُ أخبركِ بذلك لتسلكيْ طريقي ، لن أسمح لكِ أبدا بترك دراستكِ خاصة بعد أن وصلتِ إلى هذه المرحلة ، اجعلينيْ أفخر بكِ " لوسيانا " ! ..
    أمأتُ بنعم مجيبة على جملته ، فأنا طبعا لا أفكر بترك دراستيْ رغمَ الصعوبة التيْ تواجهنيْ فيها دائما ، صحيحٌ بأننيْ لم أقل ذلك بصوتِّ عالْ إلا أنَّ أمنيتيْ هوَّ أن أًصبحَ محاميَّة كالعملِ الذي تمارسه والدتيْ الآن ، منذ صغريْ وأنا أطمح لأكونَ مثلها ، امرأةٌ مستقلة تراقبُ كلماتها وتفكرٌ قبلَ أن تقدمِ على أيِّة خطوة ، لستُ أدريْ إن كنتُ فعلا سأكونُ مثلها فأنا لست صبورة على الإطلاقْ ، على كلِّ أنا سعيدة لأن والديْ فكر بتلك الطريقة ! ..



    لقد مضت الساعتين السابقتين بسرعة البرقْ فبالكاد استطعتُ أخذ حمام منعشْ واختيار الزيِّ المناسبْ للظهور به في هذه الحفلة المزعومة ، لقد اقترحت عليَّ " إيرما " أكثر من زيِّ واحد كالجنيَّاتِ والأميرات وعندما شعرتْ باليأسِ منيْ اقترحتْ عليَّ زيَّ مصاصيْ الدماءْ ولكنني قمتُ بتوفير الباقيْ من الوقت عندما اكتفيتُ بقناع بسيطْ لم يكن ليغطيْ وجهيْ بالكامل فقط الأجزاء المحيطة بعيني مصحوبا ببعضِ الريشِ من الجانبْ إضافةً إلى رداءْ أسودٌ اللون على فستان أسودِ قصير وبسيط ..
    في الحقيقة لم ألقى الرضا الذيْ كنت أتوقعه من " إيرما " فقد أرادتني أن أبدو أكثر بهرجة كما هو زي الجنية خاصتها ، تجاهلتها فعلا فكيفَ ليْ أن أرتديْ ألوانا فاقعة مثيرة للاشمئزاز ، أكره ذلكْ وقد بدأت أكره هذه الأجواءَ قليلا ، لا أحبُ المناسباتِ التيْ يحضر إليها الكثير من الأشخاصْ ، أتساءل فعلا لو كانَ هذا حاليْ فيْ حفلة لشرب الشايْ !
    حالما دقت الساعة الثامنة وعشر دقائق بدأ الحضور بالتوافد إلى منزلِ عميْ وقد فوجئت من كثرتهم فلم أكن أعتقد بأن أحدهمْ قد يهتم لمثل هذه الحفلات ، بعضهمْ اكتفى ببعض الرسومات على وجهه أما عن البعضِ الآخر فقد غُطِّيَّت وجوههم بتلك الأقنعة الشهيرة والمتعارف عليها على سبيل المثال الأمواتُ الأحيَّاء ، جماجم وغيرها أما عن الفتيات فتجد بأن أغلبهنَّ اتخذنَّ جانب الأميراتِ وأشك بأنهنَّ يتمنينَّ لو كنَّ كذلك ، رسمت ابتسامة هادئة على شفتيْ حالما رأيت تلك الأنيابَ الواضحة التيْ قام والدي بارتدائها وكذا استعراضه أمام الجميع بأنه دراكولا ، لن أكونَ متعجرفة لو قلتُ بأنه نجمُ الحفلة لهذا اليومْ !
    التقطت كأسًا من عصير الليمون من على تلك الصينية التيْ يحملها نادلٌ متجول كان قد مرَّ إلى جنبي على حين غرَّة ارتشفت القليل منه واستمتعت بتأمل الجوِّ هنا ، عقدُ اللؤلؤ المضيءْ يضفيْ شيئا من الروعة خاصة حينما أشرق القمر بدرا في تلك الليلة إضافة إلى كثرة النجومِ المنتشرة في السماء وما زاد الجوُّ بهجة وسرورا هو أصوات ضحكات الجميع التي ملأت المكانْ وأحاديثهم المملة المزعجة
    صوتٌ أنثويٌ قطع علي اندماجيَّ فجأة لأستدير للخلفِ بسرعة صوب من تلوح بعصاها بسعادة واضحة ، عادت لتسألنيْ بسرور :إذا ، هل أنتِ سعيدة ؟!
    الإجابة واضحة فعلا " إيرما " ، هززت كتفيَّ وأمأتُ بنعمْ ، لن أكذب أنا أستمتع فعلا رغم كونيْ وحيدة وانشغال والديْ عني ، وافقتنيْ الرأيَّ بقولها : أنا أيضا ، رغمَّ أنهم ذاتُ الأشخاصِ الذين يأتونَ كل عامْ .. أضافت كما لو أنها تذكرت شيئا : اتبعيني أرغبُ بتعريفكِ على بعضِ الأشخاصْ ! ..
    استجبت لطلبها و تبعتها بخطواتيْ المتباعدة متجولين بين أولئك الأشخاصِ المثيرين للشغبِ هذه الليلة إلى أن توقفت قدميها عن التقدم أكثر ، تقف أمام ثلاثة من الأشخاص استطعتُ التمييز بأنهم فتاة وشابين رغم تنكرهم الغريب ، هيَّ تنكرت بزيِّ يطغى عليه اللون الأخضر أقرب إلى ما يكون للضفدع إلا أن ملامح وجهها واضحة قليلا أما عن الشابين الأخريين فقد اختار أحدهما التنكر على طريقة العجوز سانتا ولكم بدى شكله مضحكا خاصة وبأن سترته الحمراء بدت فضفاضة قليلا إضافة إلى أنه يقومُ بتعديل لحيته البيضاء الطويلة خشية أن تقع ، الآخر اختار وجها دمويا بعضَ الشيءْ يحتوي على بعضِ النتوءات في الجبينْ ورثِّ الملابسْ ..
    التقطت " إيرما " القليل من الأنفاس قبل أن تشير إليهم معرَّفة : أعرفكِ عزيزتي هذه " رايتشل " و سانتا هو " جوليان " والأخير هوَّ " إيرل " ..
    الانطباع الأوليْ إنهمْ أكثر من لطفاءْ ، لم أشعر بالحماسِ كثيرا فقد يخيبُ ظنيْ بهم لاحقا ، أقولُ ذلك لأن الكثير من الأشخاصْ جعلونيْ أِشعر بالخيبة ، وعندما أقول الكثير .. أعني الكثير ، على أية حال منحتهم ابتسامة مجاملة حالما بدأ أولئك الاثنين بالانهيال عليَّ بتلك الأسئلة التي لا طائل لها فعلى ما يبدو بأنهم يرغبون بإرضاء فضولهما لا أكثر بينما اكتفيتُ بالرد ببعضِ الإجابات المقتضبة التيْ ستجعلهم يمتنعون عن طرح مثل هذه الأسئلة فيما بعد ، بصدق لقد تعلمت هذه الطريقة من والدتي فهي أخبرتني دائما بضرورة الرد بكلمتين فقط إذا لم ترغب في الخوض في الحديث أكثر ، أنا شاكرةٌ لكِ أميْ ..
    يبدو وبأن سانتا المزعجْ لن يكفَّ عن طرح الأسئلة المضجرة أبدا إذ أنه عاد يسأل بفضول : إذا في أيِّ مرحلة دراسية أنتِ ؟!
    أجبتْ مجاملة : لقد تخرجتٌ من الثانوية لتوِّيْ !
    لستُ أدريْ أيُّ من الملامح قد ارتسمتْ على وجهه إلا أنَّ صوته كان متحمسا فعلا ، إذ أنه علَّق على ذلك سريعا : آوه ، هذا رائع قد تكونين أكبر منا بعام إذا !
    اكتفيت بالصمت بعد أن ضغطت على شفتيَّ مبتسمة ، إلا أنَّه فاجأنيْ بسؤال آخر سريع : كم هو عمركِ إذا !
    لم يكد يكمل سؤاله حتى تلقى ضربة موجعة من " إيرما " التي أبعدت عصاها السحرية عن رأسه ومن ثمَّ نهرته في انزعاج ظريف : كيف لك أن تسأل فتاة عن عمرها .. أضافت بهمس : متى ستتعلم أصول اللباقة !
    ما فعلته كان كفيلا لجعلنا نضحك نحن الثلاثة نرقبُهما وهما يرشقان بعضهما بكلمات بسيطة إلا أنها طريفة ولا تندرج تحت مسمى شجار بالاسم الفعلي ، اتضح فيم بعد بأنهما يدرسان في ذات المدرسة وبذات الصفِّ أيضَّا ! ..


  4. #4

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير

    ما فعلته كان كفيلا لجعلنا نضحك نحن الثلاثة نرقبُهما وهما يرشقان بعضهما بكلمات بسيطة إلا أنها طريفة ولا تندرج تحت مسمى شجار بالاسم الفعلي ، اتضح فيم بعد بأنهما يدرسان في ذات المدرسة وبذات الصفِّ أيضَّا ! ..
    لا أستطيعُ القولُ بأننيْ سأكونُ بمثل هذه السعادة لو قضيت هذا اليومْ برفقة والدتيْ فالشعور الذي أحِسُ به الآن مختلفْ ولا أحد يقدر على قول خلاف ذلك ، كما أننيْ لا أعتقد بأنيْ انخرطت بسرعة في الحديثٍ مع أشخاص كنت تعرفت عليهم لتويْ مثل الآن ، حسنا إن ذلك مشجِّعٌ قليلا ، قضينا القليل من الوقتِ في الحديثْ والتعرفِ على بعضنا إلى أنْ سمعتُ صوتا ألفته أذنايَّ بسرعة ، ذلك الصوت كان كفيلا ليقطع كل تلك الضوضاء ويصل إلى مسامعنا ، لمْ يكن سوى عمي " ويلبرت " الذي صفق بيديه وهتفَ بأعلى صوته قائلا : أعيروني انتباهكم من فضلكم !
    لم تكن سوى جملة صاحبِ العين لواحدة والرأسّ المعصوبْ كلماتُ عمي " ويلبرت " التي جعلت الجميع يسكتُ فجأة وكأنه ألقى عليهم تلك التعويذة السحرية التي جعلت الحضور بلا استثناء يُصابون بالخرس ، استغربت كونّ الجميع التزم الصمت فور حديثه ، وكأنهمْ ينتظرون فقط سماع صوته لتكف أفواههم المزعجة عن الحديثْ ، لم أستطع أن أخفيَّ اندهاشي من هذا ، إن ذلك لغريبٌ تماما ، انتفضت من مكانيْ عندما تسلل صوتُ " إيرل " البسيط إلى أذنيْ هامسا ومبررا في الوقت ذاته : إنَّ العمِّ " ويلبرت " رغمَّ أنه مجردُ مزارع بسيط إلا أن اسمه كافٍ فقط لجعل الجميع يظهرون الاحترام ..
    طرفت بعيني قبل أن أنقلها نحوه أدار رأسه ناحيتي لأرقبَّ عينيه الداكنتين المزرقتين اللتين تظهران من خلف قناع بشع المظهر لا أتحمل النظر إليه ، رفعت أحد حاجبيَّ في استغرابْ لأرتد ببصري ناحية وقوف عميْ الذيْ تنحنح بمبادرة منه لتعديل صوته ومن ثمَّ عاد يهتف بأعلى صوته مرة أخرى : الجميع شاكر لحضوركم ، كنتم ولا زلتم الأوفى والأكرمْ في حضوركم لمثلِ هذا الحفل الخيري الذي أقيمه كل عامْ ، الكثير من الناس يشعرون بحال أفضل بسبب ما تتبرعون وتقدمونه إليهم من مساعدة على الدوام ، لا أستطيع أن أصف لكم شعورهم وامتنانهم الكبير إليكم .. أضاف بعد أن أدار ظهره صوب من يقف بجانبه : اسمحوا لي بانتهاز هذه الفرصة لتعريفكم بشقيقي الأصغر " هارولد " لقد جاء هذا ليوم ليكون واحدا منا وهو من الداعمين لنا أيضا ، رحبوا به يا سادَّة ! ..
    و فور نطقه آخر كلمة حتى تعالى صوتُ التصفيق يملأ المكان ، أشعر بالفخر ، عمِّيْ " ويلبرت " يحتل مكانة عظيمة في قلوب هؤلاء الناسْ رغم بساطته وحياته الغير مكلفة ، لم أعتقد بأنه سيكون بمثل هذه السمعة وهو قد اختار الانعزال بعيدا عن الناسْ في عيشه بمثل هذه المزرعة ، أستطيع أن أرى الاختلاف الواضح بين والدي وعميْ ، على الرغم من أن والدي ذو سمعة جيدة أيضا إلا أنه يفضل عدم الاحتكاك في الآخرين كثيرا ، أتساءل لو كنت ورثت هذه الصفة منه أيضا ، تنبهت على شيءِّ لتويْ إذ أننيْ عدتْ نظر صوبَ " إيرل " مرة أخرى وسألته بقليل من الاستغراب : هذا حفلٌ خيري ! ، ما معنى هذا ؟ ..
    أجاب بتلقائية : كل من يأتي إلى هذا الحفل يجوز له بالتبرع بأيِّ شيءِ يملكه حتى وإن كان غرضا شريطة أن يكون نظيفا ولم يستخدم بكثرة وبدوره العم " ويلبرت " يقوم بنقله إلى بعض الملاجئ أو الدير ..
    عقدت ساعديْ بعد أنْ أظهرت الموافقة على ملامحيْ ، لقد وجد طريقة مثلى لمساعدة أولئك المساكين ، عاد " إيرل " يخبرني ْ بضرورة التقدم إلى الأمام كما فعل الآخرون أيضا ، هل هو وقت تناول طعامِ العشاء يا ترى ؟ ، كنتُ على وشكِ اللحاق به لولا سماعيْ لصوتِ آلفته أّذنيْ سريعا ممَ جعلني أقبضُ على أصابعي بقوة ، رفعت بصري نحوه بتردد ومن ثمَّ هتفت بانفعال هادئْ :سألاقيكم فيما بعد ، يمكنكَ أنْ تسبقني !..




    لم تخفى علي نظرة الاستغراب التي قفزت في عينيه إلا أنه أماء بأجل ومن ثمَّ استدار ذاهبا ليتبع بـ " إيرما " والبقية ، أطلقت زفرة منزعجة لأنزل بصري إلى الأسفل أرى المصيبة التيْ حلَّت على رأسي ، لقد كُسر كعب حذائيْ وأكاد أجزم بأنه ليس الوقتَ المناسبْ على الإطلاقْ ، لماذا الآن يا ترى ؟ لو قمت بخلع الفردة المكسورة فمظهريْ سيبدو مضحكا لو مشيت بواحدة لذا سأضطر لخلع الأخرى أيضا ، خلعتهما بضجر بينما أوشك على الصراخ بصوتِ عال ، اتسخ أسفل جوربيْ الأبيضين بالترابْ في حين حملت الحذائين ثم استدرت للخلف متوجهة إلى أبعد بقعة لا تكون فيها أجواء الاحتفالات الصاخبة هذه ، استندت على جذع الشجرة خلفيْ بعدها رفعت بصري عاليا متأملة دُكنة السماء التيْ كوَّنت لوحة رائعة باحتوائها على ذاك البدر خلَّاب المنظر ، فكرتُ بأنَّ الحذاء قد اختار الوقت السيءْ ليمرضْ ولكن لا ضير في بعضِّ من الراحة على ما أعتقد ، لقد بذلت مجهودا كبيرا اليومْ ورأسيْ بدأ يؤلمنيْ قليلا ! ..
    فكرتُ بأنَّ والدتيْ قد تكونُ تعمل في المكتبِ الآن فهيَّ لا تعود إلا في منتصف الليل وأكاد أجزمُ بأن هذا هو السبب الرئيسي في انفصالها عن والديْ الذيْ يقبضُ أجرا أقلَّ بقليل من الأجر الذي تقبضه هيَّ ، كنتُ دائما أستمع إلى مشاحنتهما في الليل إلا أننيْ لمْ أكن أخرج من غرفتيْ وأظل ملتصقة بسريري بينما أتمنى أن يصمتا لأنامْ ، لقد كانا يمثلانِ بإتقان في صباح اليومِ التاليْ خشية أن ألاحظَ شيئا ، على كلِّ ملامحهما وتصرفاتهما المنقبضة كانت تفضحُ كلَّ شيءْ ! ..
    لم أستطع تذكر كلَّ شيءْ بسبب لسعات البرد القاسية تلك التي بدأت تقرصً قدمَّي فركتُ ساقيَّ ببعضهما طالبة بعض الدفءْ في حين زفرت بانزعاج ، لو أننيْ لم أقم بارتداءِّ هذا الكعبْ العاليْ ، إننيْ لا أحبذه ولكن لست أدريْ لمَ أًصرَرتُ على انتعاله ، يا إلهيْ !
    شعرتُ برغبة ملحَّة أجبرتني على السعال بقوَّة لدرجة أنني شعرت بأن الهواء الذي استنشقته كان ملوثًا وللغاية رفعت بصري أبحث عن مصدر هذه الرائحة لأنظر ناحية من يجلسُ أسفلَ شجرة بلامبالاة ويستمتع في مداعبة تلك السيجارة البسيطة بين أصابعه ، لم أكن أقدر على تمييز ملامحه فهو يجلسُ بمسافة تبعد ثلاث شجراتِ عن مكان وقوفيْ يرخي قدمه اليسرى على الأرض بينما ينصبُ الأخرى ويسند عليها ذراعه وقد بدى لي منسجما في دندنة لحنِ غريبْ ، أستغربُ كيف لم يختر زيًا للظهور به إلا إن كان يعتقد بأن ارتداء ملابس رسمية ستجعله يبدو كما لو أنه من ذوي الشخصيات المرموقة ، لاحظت حركة بسيطة صدرت من رأسه ولم تكن سوى التفاتته المباغتة لي ! ..
    أشحت ببصري سريعا حالما قرأت ملامح وجهه التي بدت وكأنها تخبرني بأني مجرد مزعجة أحمد الله بأني أرتدي القناع وإلا فإنه سيلاحظ الفزع على وجهيْ ، ضغطت على فردتيْ الحذاء أكثر حينما شعرت بلسعاتِ البرد تعودُ لتقرصني بطريقة أشعرتني بأننا في فصل الشتاء إلا أنه على النقيضِ تماما ، الليالي هنا باردة كما يبدو ، عدت لابتلاع ريقي وعزمت هذه المرة على العودة إلا أن رنين هاتفٍ استوقفني وجعلني أُدير رأسيْ بتطفل إلى الجهة أخرى ، حيث أطفا ذلك الشابُ سيجارته ليرميها بعيدا بعدها اعتدل واقفا بعد أن دسَّ كفه ليلتقط هاتفه من جيب معطفه ، انسل من طرف جيبِ معطفه الرماديْ شيءٌ بدى مستدقِ الحافة أسودًا ممَ جعلني أعقد حاجبيَّ في ريبة فلم يسبق لي أن رأيتُ جسما كهذا ، أخرج هاتفه الذكي من جيبه وأجابَ بنبرة باردة بعد أن مرر اصبعه على الشاشة : لم أره بعد !
    لأول مرة أشعر بأني فضولية إلى درجة تجعلني لم أتحرك من مكاني وأبقى أُنصت إلى كلماته المريبة وأحدق إلى ذلك الشيءِّ المختبئ في جيبِه والذي بدى وعلى ما يبدو في انتظار حركة واحدة ليقع على الأرضِ ، عاد ذلك الشابِ للحديثِ مرة أخرى إلا أن نبرته بدت أكثر انزعاجا هذه المرة إذ أنه حاول كتم انزعاجه من المتصل حين قال : قلتِ بأنه سيكون متفرغا ولكنني أرى حفلا هنا ، لو كنتُ أعلم لما قطعت كل هذه المسافة هل تعلمين كم سأستغرقُ من الوقت لأعود إلى العاصمة بينما ينتظرني عملٌ مهم في الغد ، من فضلك كوني أشد حرصا فيمَ بعد !
    كنتُ قد التفتُ إلى الجهة الأخر أنظر إلى " إيرما " والبقيَّة حيث يقفون بمسافة قريبة قرب مجموعة من الأشخاصْ يتحدثون باستمتاع ولكم غبطت تلكما الفتاتين لأنهما لم تقعا في مثل هذا الموقف مثلي ،ضغطت على شفتيْ بضجر ثمَّ عدت ببصريْ للجهة المقابلة حيثُ يقفُ ذلك الشابْ إلا أن ما استرعى انتباهيْ ذلك الشيءُ الذي بدى يلمعُ عاودت النظر نحو جيبه وقد بدى فارغا ، يبدو وبأن ذلك الشيءْ سقط من جيبه أخيرا ليركن بجانبِ قدميه ، عقدت حاجبيَّ بريبة فيمَ أحاول النظر بدقَّة إليه ، يا إلهيْ ، ظنِّيْ كان في محله عندما اعتقدت بأنه تلك الآلة المرعبة ، مسدسْ ! ..
    تيقنت أخيرًا بأنه هوَّ حالما انحنى ذلك الشابْ ليلتقطه بأصابعه ويعود لوضعه داخل جيبه بتلقائيَّة إلا أنَّ زبرجديتاه بقيت تحملق فيَّ بشكل مثيرٍ للأعصابِ .. مخيف ومقلق .. جعلتني عيناه اللتين أخضعتني في لحظة لا أجرؤ على الإتيان بأيَّة حركة .. أنظر إلى كفه التي لا تزال تمسك بذلك الشيءِ المخيفِ والذي خبأه أسفل قطعة من القماشِ لا أكثر ، كيفَ لشخصٍ بعقل سليم أن يأتيْ الحفل بمسدس إلا إن كان ينوي فعل شيءٍ به ، وهو لا يستخدمْ إلا لغرضٍ واحدْ فقط !
    إنَّ قلبيْ ينبضُ بقوَّة الآن ، على ماذا ينويْ هذا الشابُ المخيفُ الآن ، لوهلة فقط راحتْ عبارته السابقة تدور في مخيلتيْ ذلك الوقت عندما قال [ لم أره بعد ، قلتِ بأنه سيكون متفرغا ولكننيْ أرى حفلا هنا ] ، خمَّنت بأنَّ المقصود بالعبارة السابقة هوَّ عمِّيْ " ويلبرت " وقد تمنيت أنْ يكونَ تخمينيْ في غير محلِّه ، مالذيْ قد يجمع عمِّيْ بمثل هذا الشابِ المخيفْ ، ولماذا قد يحملُ هذا الشابُ مسدسا ، إنه ليس من المدعوين كما اتضح ليْ فأنا لم أره في الحفلة عوضا من أنه يجلسُ في مسافة بعيدة عن أجواءِ الضوضاء هناك ، رفعتُ بصريْ بتوجسِّ نحوهْ في حين ابتلعتُ ريقي بصعوبة عندما رأيته قد استدار نحويْ بالكاملْ و زبرجديتيه الخانقتين تمنعنيْ عن الحركة ، ولا أيَّة حركة ! ..

  5. #5

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير

    شكرا لتفاعلك مع روايتي ساحاول ادخال البارتات كلها اليوم ليكفيك الوقت لقرائتها

  6. #6

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير



    صباحٌ غريبْ ، لمْ أشعر بمثل هذا الهدوءِ من قبلْ ولا أظنُ بأني استغرقتُ في النومِ كذلك أيضا ، هذه الميزة الوحيدة في مزرعة عميْ " ويلبرت " حيثُ يكونُ المنبّه للاستيقاظِ هو صوتُ العصافير بدلا من صخبِ العاصمة ، في الحقيقة كنتُ قد استيقظتُ بعد بزوغ الشمسِ بساعاتِّ قليلة خلالها تنعَّمت بماءِ الصنبور المنعشْ . الحرارة هنا عاليَّة لذا لمْ أرتديْ الكثير من الملابسْ وطبعا لمْ أنسى قبعة كنتُ قد جلبتها معيْ ، على الأقل ستكونُ مفيدة فيْ مجابهة شمسِّ ساطعة !

    نزلتُ إلى الطابقِ السفليْ حيثُ لمْ أكن أتوقعْ بأنْ يستيقظُ أحدٌّ قبلَ العاشرةْ إلا أننيْ أصبتُ بالدهشة عند رؤيتيْ ل " إيرما " تجلسُ على الطاولة قريبا من المطبخ تستمتع بتناول طعام الإفطار ، رفعتُ أحدَّ حاجبيْ ثمَّ تقدمتْ نحوها بخطواتٍ واسعة ، رفعتْ بصرها نحويْ فابتلعتْ لقمتها سريعا وألقت تحيَّة الصباحْ بسعادة لمْ تغادرها منذ البارحة ، تبسمت فيْ وجهها قبلَ أنْ أقف قريبا منها ، لم يكن إفطارها مبتذلا بل مثاليا لمثل حالتي ، مددت ذراعي بقصد تناول قطعة الخبز المحمَّصْ من طبقها لولا أنها ضربت ظاهر كفيْ بشوكتها ، نظرتُ إليها باستغرابْ قبلَ أنْ أهتفَ بتضجر : ماذا عنيْ !أنا أشعر بالجوعِ أيضا .. تمتمتْ بتحسُّر : لم آكلْ شيئا منذ البارحة ! ..
    قامت بالتقاط ملعقة مليئة بالمربى لتدهنَّ بها الخبزْ قبلَ أنْ تجيبَ على تساؤليْ بطريقة مستفزَّة : لا تكونيْ مدللة ، كلُ شخصِّ هنا مسؤول عن طعامه ، تريدين الطعام البراد والمطبخُ موجودانْ دائما ! ..

    أقسم بأنها لم تكن هكذا قبل سنوات ، أذكر بأنها كانت تقاسمني لعُبها وطعامهاْ ، زفرت بعمق وحاولت التغاضي عن تصرفاتها المثيرة للغضب ، استدرت متوجهة إلى المطبخ ، لا أذكر آخر مرة أمسكت بها خلاطا أو قدرا فكيف لها أن تطلب مني إعداد الفطور ! ، فتحت البراد الذي كان خاليا نسبيا إلا من فاكهة والقليل من بقايا لطعام ، التقطت تفاحة ثم خرجت عائدة إلى حيث تجلس هي حيث هتفت سريعا وبانفعال :لقد كان حفل البارحة جميلا ، أخبريني بصدقْ ألمْ تشعريْ بالسعادة ؟! ..
    لوحت بكفيْ بلا مبالاة أيَّا يكنْ لقد كانَ حفلا صاخبَّا ،صحيح بأنه كان ناجحا وقد استمتعت بوقتي كثيرا إلا أنني شعرت بأني مثقلة نوعا ما ، ظهر الانزعاجُ جليَّا على ملامحها قبلَ أن تعودَ لتأكل ، قضمتْ القليل من التفاحة فيم بقيت أتذكر يوم الأمسِ الحافلْ ، المساعدة فيْ تجهيز الحفل كانَ ممتعا حقا وكذا الأشخاص الذين قابلتهم ، لم أستطع أن أخفي استغرابي حينما تذكرت أمر ذلك الشاب الذي قابلته في النهاية ، كان يقف منزويا عن الجميع ويخفي شيئا غريبا بين ثنايا ملابسه ، الغريب في الأمر بأنني لست أتذكر تفاصيل ما حدث بالكامل ، فقط أطياف أشياء غريبة كانت تنهال على مخيلتي ، رفعت بصري صوب " إيرما " لأسألها بفضول : " إيرما " كيفَ هوَّ عمي " ويلبرت " !
    صمتت لثوان قبل أن تجيب باستغراب :ماذا ! .. أعقبت : لقد رأيتِه البارحة فقط ، أنتِ مجنونة !
    عدتُ أسألها بسرعة : ماذا عنيْ ، أعنيْ هل لاحظتِ شيئا غريبا فيْ تصرفاتيْ ليلة البارحة ؟! ..

    نسيت أمر إفطارها لوهلة لتدير رأسها نحوي بحيرة بدت على وجهها ، يجبُ أن أعرفَ ماذا حدث حينها ! ، لماذا أشعر وكأن جزءَّا من ذاكرتيْ قد مُحيْ ، لماذا لا أستطيعُ تذكر ما حصل ليْ عند مقابلة ذلك الشابْ ! ، أشعر بالغرابة والقلق فيْ آن واحدْ ، ماذا حدثْ ! ، رفعتْ أحد حاجبيها باستغرابْ قبلَ أنْ تتحدثْ مندهشة : مالأمر معكِ " لوسيانا " ! ، أنتِ غريبة هذا الصباح .. نهضت من مكانها ثم حملتْ طبقها متوجهة إلى المطبخ خلفها ، القليل من الثواني فقط حتى سمعت إجابتها المُحيِّرَّة : لا أدريْ لقد قضيتِ معظمَ وقتكِ مع " إيرل " البارحة ، حتى أنكما قد غبتما لفترة من الوقت ! ..
    " إيرل " ، هل يعرف شيئا ياترى ! ، يكاد رأسيْ ينفجرْ يا إلهيْ ،أعني إن كنت برفقته فلابد أن يكونَ قد رأى ذلكَ الشابً أيضا ! ، زفرتُ بتضجر بينما قمتْ بالضغطِ على التفاحة بين أًصابعي ، لا أحبُ هذا الوضع على الإطلاق ، أنا متوترة ، انتفضت من مكانيْ سريعا فور سماعي جلبة قريبا من الباب الرئيسي للمنزلْ ، أدرت رأسيْ للخلفْ أنظر إلى عميْ " ويلبرت " الذي بدأ يجفف جبينه بمنشفة تدلت من على كتفه ، تنبه على وجوديْ حينها ثم هتف باسما : صباح الخير عزيزتيْ .. أضاف بمزاح : أهل العاصمة يحبون النومَ كثيرا ، هل تستيقظانِ في وقتِ متأخر بالعادة ؟ ..
    أمأتُ بأجل قبل أن أسأله باستغرابْ : ألم يستيقظ أبي ؟ ..
    أجابَ بأجل فيمَ تحركَ سريعا نحو الطابقِ العلويْ في ذات الوقتِ الذي خرجت فيه " إيرما " من المطبخ متسائلة : هل عاد أبيْ ؟
    أمأت برأسيْ بتململ بعد أن عدتُ آكل القليل من التفاحة بين أًصابعيْ ، كادتْ تلك اللقمة أن تتوقفُ في حلقيْ بعدَ أنْ جذبتنيْ " إيرما " من معصميْ إلى الخارج بسرعة بينما تهتفُ بنشاط زائد : لا وقتَ لدينا إذا ، هيا أسرعيْ ! ..


    لا وقتْ لأيِّ شيءْ ! ، لستُ أدريْ ، هذه الفتاة تفاجئنيْ دوما بتصرفاتها ، لقد تغيرت عن الماضيْ كثيرا ، أكاد أجزمُ بذلك ، هل هو بسب وفاة والدتها ياترى ؟، التظاهر بالنشاطِ والسعادة هل تحاولُ الظهور بعكسِ ما تشعر به ، رغمَّ أن السيدة " فيوليت " توفيتْ منذ وقتّ ِطويلْ ، تنهدتُ بقليل من الانزعاجْ فيمَ رحت أنظر خلفَ زجاج الشاحنة ، أجبرتنيْ " إيرما " على ركوبِ شاحنة عمي " ويلبرت " ذاك الذي خرجَ بعد أنْ أخذ حماما سريعا ، صممت أذنيْ عن مزحاتِهما خاوية المعنى رغمَ أنهما يحاولانْ مشاركتيْ بالحديثْ ، من الواضح أنهما يفعلان ذلك لتمضية الوقتْ ، أخبرانيْ بأننا ذاهبانِ إلى أحد الملاجئ الآنْ لإعطائهمْ ما يحتاجونه من تبرعات ، أود الصراخَ بأننيْ لا أريد ذلكْ ، أظهرت الانزعاج على وجهي بقدر ما أستطيع حتى تعرف تلك المشاكسة فداحة تطفلها ! ..

    توقفت عجلات الشاحنة أمام الملجأ ، لم يكن يبعد الكثير عن منزل عميْ " ويلبرت " إنه قريب نسبيا ، هالة غريبة من الظلام والبؤسِ تحومُ حوله عدا عن القليل من الأشجار والأعشابِ الشائكة ، وقريبا من المكان تقبعُ بركة متوسطة على أحد ضفافها سياجْ ، عقدتُ ساعديَّ بتململ فيمَ رحتُ أنظر إليهما وهما ينزلان من الشاحنة ثمَّ ينظران إلى الأغراضِ المحشورة في داخلها ، يتساءلان عن ما قد يضعانه هنا و ماقد يحتاجه أصحابُ الملاجئِ الآخرينْ !..
    شعرت بشخص ما يقف خلفي وبحركته تلكْ قام بمنع النسيم من مداعبتي ، أزعجني ذلك إذ أنني ظننته أحد الأطفال المشاكسين ، أدرت عنقي للخلف لأفاجأ بشخص طويل هزيل يتوشح بالسواد حتى أن شعره مخبَّأ أسفلَ قطعة من القماشْ كالقبعة ممَ جعل رؤية ملامحه أمرا صعبا ، شعرت به ينظر نحويْ ثمَّ يمد كفه محاولا الإمساك بكتفيْ ، مالذي يفعله ! ، صرختُ بانفعال ثمَّ تراجعتْ للخلفِ سريعا ، صوتيْ جذب انتباه عميْ و " إيرما " أولئك الذَيْنِ أخذا يرمقاننيْ باستغرابْ ، بدأت ملامح " إيرما " تلينُ قليلا وحاولتْ كبت ضحكتها وبصعوبة ، أما عنْ عمي "ويلبرت " فقد أخذ ينظر إليَّ بتأنيبْ قبلَ أن يتقدمَ نحو ذلك الشخصْ ويهتف : آوه سيدة " ليونيل " صباح الخير !
    استدرت سريعا أرقبُ من تُسمى ب " ليونيل " ، كيف يمكن لسيدة أن تكونَ هزيلة إلى هذه الدرجة ثمَّ لماذا تضع قماشا كالقبعة أعلى رأسها ، هل تعانيْ من شيءِّ ما ! ، أخيرا أزاحت تلك القطعة لتظهر خصلات شعرها المشيبة البيضاء ، ملامحها كانتْ شاحبة جدا و كأن الراحة غادرتها منذ وقتِ طويل ، حاولت تقوية بصرها الضعيف عن طريق ارتداءِ نظارة كرويَّة الشكلْ ، تبسمت بضعف قبلَ أن يظهر صوتها مهزوزا كحالتها : صباحُ الخير " ويلبرت " ، أنت تقومُ بالكثير لأجلنا ثانيَّة ! ..

    بدأتْ تتحدثُ مع عميْ قليلا من الوقتْ فيمَ حاولتُ إبعاد الإحراجَ عني عندما جذبت نفسا عميقا أحاول بذلك تهدئة نفسي ، نظرت صوب " إيرما " التي وقفت بالقربِ منيْ إلا أنها لم تكف عن الضحكْ بل إنه بدأ يزداد ، احتدتْ ملامحيْ بلؤمْ وحاولتُ تجاهلها فتبعتُ عميْ و السيدة إلى الداخلْ رغمَ سماعيْ إلى صوتَ ضحكها الذي بدأ يتعالى قصد إغاظتيْ !






    الملجأ ليس في حالة جيدة وليس سيئا أيضا ، فالأرضية والسلالم من الخشبْ ، كان خاليا بطريقة غريبة ، لا لوحات ولا زهريات ولا حتى سجاداتٍ تمنع برودة الأرضْ ، قادتنا تلك السيدة إلى باب منفرد كانَ على اليمين ، فتحتهْ ولمْ يكنْ سوى المكتبْ الخاصِ بها ، إنه بسيطْ جدا ، مجردُ طاولة أمام النافذة خلفه كرسيْ حيث تجلسً هيَّ وأمام مكان جلوسها كرسيين آخرين ، وقريبا من مكتبها تقبع منضدة على الجدار ، هتفت بنبرة صوتِ غريبة : لكنك تتأخر دائما بخطوة سيد " ويلبرت " ! ..
    كانت تقصدُ ذلك الشخص الذي يقفُ قريبا من النافذة ينظر إلى الخارج إلا أنه قد استدار نحونا عند دخولنا ، أيُّ كلمة قد تصفه ! ، أيٌ انطباع قد تكونَ عنديْ لدى رؤيته ! ، ملابسه فاخرة وذلك واضحْ فهيَّ تبدو وكأنها من علامة معروفة عدا عنْ ملامح وجهه المائلة للحدة قليلا ، خصلاتُ شعره ماثلت لون العسلْ وذلكَ غريبْ ، من يكونُ هذا الشابْ يا ترى ؟! ، رغمَ أنه يبدو ارستقراطيَّا إلا أنه يتحدث مع عمي بكل بساطة حتى أنه صافحه ببشاشة ، ألقى التحية على " إيرما " ثم عاد ينخرط في الحديثِ مع عميْ والسيَّدة ، هل أنا خفيَّة ، لماذا لم يلقيْ التحيَّة عليْ ، عديم تهذيب ، أخبرت نفسيْ بأن فكرة المجيء إلى هنا خاطئة ، أتمنى أن ينتهيَّ هذا بسرعة ! ..

    ما قطعَ هذه اللحظاتِ المليئة بالحفاوة والعبارات المنمَّقة أصواتُ خطواتِ غريبة كنتُ قد شعرت بها لقليل من الوقتْ إلا أن صوتها بدأ يتعالى بل يقتربْ نحوَ الغرفة ، التفتُ أرقبُ تلكَ الأجساد الصغيرة التي اقتحمت الغرفة بلا استئذان ، أحاط أولئك الصغار بعمي " ويلبرت " و " إيرما " ، بل إنهم تشبثوا بثياب الأول وطلبوا منه حملهم ، أما عن " إيرما " فقد بدأت تتبادل معهم أطراف حديث وتسألهم عن أحوالهم ،تبين لي بأنهم على علاقة مع هذا الملجأ ومع الصغار منذ زمن ، أعمار الأطفال متوسطة ما بين الخامسة والثانية عشرة ، ولكم شعرتُ بالسوء لرؤيتي لحال ثيابهم ، صحيح بأنها تبدو عادية إلا أنها مستعملة كثيرا ، ذلك واضح ! ..

    أرغمت السيدة " ليونيل " عمي " ويلبرت " على الجلوسْ واحتساء الشايْ لبعضٍ من الوقت رغم تذرعه بمشاغل أخرى ، تبرعت " إيرما" لتحضيره ثم أشارت إلي لأتبعها بهدوء ، نظرت إلى عمي الذي جلس أمام ذلك الشاب يتشارك الحديث مع السيدة التي جلست لتوها على كرسيها ،فكرت بأنه لا معنى لوجودي هنا ، ضغطت على شفتي وقصدت الخروج من الغرفة ، ربما سأشعر بالقليل من المتعة لو قضيت هذا الوقت برفقة والدي ، توجهت حيث ينبعث النور من غرفة قريبة من المكتب دلفت إليها بتعجل فرأيتُ " إيرما " تقف أمام طاولة توسطت المطبخ تقوم بترتيب الفناجين على صينية عادية ، حولت بصري إلى الفرن حيث يوجد عليه إبريق الماء يغلي ، لم يكن المطبخ واسعا وهو يحتوي على القليل من الأرفف بالإضافة إلى براد صغير ، لا أعتقد بأن هذا المكان يمكنه تحمل ذلك العدد من الأطفال ، تساءلت باستغراب واضح : ألا يزال هذا الملجأ يستقبل أطفالا ؟ ..
    أخرجت " إيرما " أوراق الشاي من علبة ما لتحشرها داخل إبريق التقديم ، أجابت قائلة : لا ، فكما ترين هذا الملجأ لا يستطيع تحمل أكثر من عشرة أطفال .. صمتت لثوان معدودة لتضيف بعدها : السيدة " ليونيل " رقيقة القلب وحنونة كثيرا ،وهي تبذل جهدها في مساعدة الآخرين ، إلا أنها تقابل بالصَّد فلا أحد يتبرع للملجأ بل إنهم يطالبونَ بهدمه لإقامة أحد المنتجعاتِ بدلا منه ! ..

    يالهمْ من قساة ! ، لماذا يقومون بطلبِّ شيءِ كهذا ! ، أعني لو أغلق هذا الملجأ إلى أين ستذهب السيدة مع الأطفالْ ؟ ، لقد اعتاد أولئك المساكين على العيشِ في هذا المكانِ حتى ، أخيرا أَصبح الشايُّ معدَّا حملت " إيرما " الإبريق والفناجين متوجهة رأسا إلى المكتبْ ، تبعتها بينما أفكر بأن السيدة قويَّة فعلا فبالرغم من أن ذلك الرجلَ يستطيع وبفرقعة إصبع واحدة أنْ يخفي هذا الملجأ إلا أنها لا تزال صامدة في وجهه دون مساعدة من أحد ! ..


    عدت أدخل الغرفة أستمع إلى الحديث ِ الدائر بينهم هم الثلاثة حيثَ زاد الشحوبُ على وجه السيدة التيْ أردفت ببؤس واضح : بعد ذلك أخبرته بأننيْ لا أستطيع مقابلته بسبب انشغاليْ ببعض الأمور الطارئة ! ..
    عقَّب عميْ على قولها سريعا وباهتمام : ولكنك لا تستطيعين الاستمرار في الهربِ منه ، لابد أن يكونَ هنالك حلُ لهذه المشكلة سيدة " ليونيل " !
    نقلت بصرها نحوه ثمَّ استطردت بقليل من الحسرة : لا أستطيع الوقوف في وجهه أكثر من ذلك ، إنه يستخدم الكثير من الحيَّل حتى أنه حاولَ رشوتيْ بالمالْ لأعدل عن رأيي ، ذلك الرجلُ سيء الطباع ولا يفكر سوى في مصلحته .. أضافت : هنالك الكثير ممن يحتاجون يد المساعدة وأنا لا أستطيع التخلي عنهم ! ..

    زفرتْ بعمق قبلَ أنْ تتناول فنجانَ الشايْ الساخنْ لتبلل ريقها ببعض قطرات يسيرة منه ، شعرت بأن الوضع بدأ يزداد توترا للحظة رغم أنني لست طرفا مشاركا في الحديث ، جعل الصمت الجميع في حالة من الذهولِ المريب ، بدأت أشعر وكأن تلك السيدة ستنهار في أية لحظة ! ، يجبُ أن يكون هذا حالها وهي تشعر بأنها ستفقد الشيءَ الوحيد الذيْ يُمكنها من العيشْ ، قطع ذلك الصمت المزعج صوت عمي الذي بدى وكأنه قد سئم التفكير بذلك الموضوع أكثر ، إذ أنه هتف معارضا : يجب أن يكون هناك شخص واحد على الأقل يخبره بضرورة العدول عن رأيه .. نقل بصره إلى الشابِ الجالس أمامه وتساءل : ألا تعرفُ ذلك الرجلْ ؟! ..

    رفعت بصريْ إليْه أرمقُه يجلسُ في هدوءْ بينما يرتشفُ القليل من الشايِّ ، لستُ أدريْ لم بدأت أشعر بالقليل من الانزعاجِ منه ، فهو يتصرف أكبر من عمره حتى أنه لا يوليْ للأشخاص الجالسين حوله اهتماما ولكن الغريبَ في الأمر بأن عمي والسيدة يعاملانه بكل طيبة متجاهلينَ تصرفاته المتعجرفة ، مالمشكلة مع هذا الثريْ المغرور يا ترى ! ، ترك فنجانه جانبا على سطح الطاولة قبلَ أن يجيبَ بلا مبالاة فيمَ ينظر مباشرة صوبَ عمي : لست أحضر المناسباتِ مؤخرا ، لكننيْ أعرفُ بأن " كلارك ما كبريد " استطاع الحصولَ على منصبه الرفيع هذا بطرائق ملتوية غير شرعيَّة .. أردفَ بشيءِّ من الضجر : لمْ أقم بالتعاملِ معه قبل ذلكْ أعني تعلمُ بأن السيدة ترفضُ أنْ أتصرفُ بدونِ إذنها ! ..
    لا أدريْ إن صدَّق عمِّيْ قوله السابق أمْ لا ولكنه ظلَّ يحدق فيه لفترة جعلتني أنظر إليه بشيءٍ من الغرابة ، أظن بأن الشابَ سينزعج فهو يبدو وكأنَّه يُكذبه إنما بطريقة غير مباشرة ، إن كلامه مثير للريبة فعلا ، حتى أنه ختمَّ إجابته بطريقة سريعة وكأنه لا يرغبُ منهما الإكثار في طرح الأسئلة ، أعني من سيصدق شابا مثله ! ، لم أفكر بالأمر أكثر من ذلك إذ أن هنالك أمر آخر يشغل تفكيريِ ، أشعر بالجوعِ ، أنقذنيْ يا والديْ ، ظللتْ أرمقُ الجميع حيثُ عاد الصمت يفرضُ سيطرته عليهم مرة أخرى ، هذا غير مجديْ ، سيطولُ الأمر بلا فائدة ، زفرتُ بتضجر قبلَ أن ينتبه جميعنا إلى تلك الخطواتِ الراكضة القادمة نحوَ الغرفة ، استقامتْ تلك الصغيرة حال دخولها للغرفة لتهتفَ بصوتِ عال من بين نفسها المتقطِّع : ماما "ليونيل " ، " كلينت " سقط في البركة ! ..

    هبَّت تلك السيدة واقفة من مكانها وقد غادرت الراحة ملامح وجهها ، تركت مكانها سريعا ثمَّ سارعت باللحاق بتلك الطفلة ليتبعها عمي و "إيرما " ، الرحمَّة .. كنتُ أعلمُ بأن اليومَ سيكونُ سيئا ، حدسيْ لا يخيبُ على الإطلاقْ ، ارتددت على عقبي أقصد اللحاق بهم لولا رؤيتي لذلك الشاب الذي ظل جالسا في مكانه والغريب في الأمر بأنه يحتسي الشاي في هدوء ظاهر ، أظن بأن مرض جنون العظمة لديه قد فاق تصوراتي ، ابتلعت ريقي بصعوبة عندما أدار عنقه صوبي مستفسرًا عن سبب تحديقي الطويل ، تركت المكان بسرعة وفضلت الهروب من أمامه ، لستُ أرغبُ في خوضِ جدال عقيمِ مع أمثاله ! ..
    بمسافة تبعد حواليْ مترين عن الملجأ قطعناها جريًا إلى حيثُ يتجمع أولئك الأطفال الذين بدأوا يستنجدونَ بأصواتهم المرتفعة علَّ أحدًا يسمعهم ، في منتصف البركة يُصارع ذلك الصغير الماءْ بذراعيه ، ينثرهُ هنا وهناك فيغيبُ صوته عن الحضور فور أن يغمر الماء رأسه ، بقيَّ الجميع مذهولا لوهلة حتى أن السيدة بقيت واقفة في مكانها تناديْ باسمه وتخبره بأن ينتظر لا أكثر ، الأطفال حولَ البركة معظمهم كان مشغول بالنظر إلى زميلهم المسكين بينما ترسم ملامحهم ذعرا لا حدَّ له ، لم يدمْ ذلكَ الوضعُ طويلا فسرعانَ ما تناثرت المياه بقوَّة إثر عمي " ويلبرت " حيث قفز بسرعة إلى هناكْ لينقذ ذلك الطفلَ المدعوَّ ب " كلينت " ، ليست سوى دقائق قليلة حتى ظهر من تحتَ الماءْ محيطا ذلك الطفلْ بذراعيهْ جاذبا إيَّاه إلى الضفَّة ، ظهرت الراحة جليَّا على ملامح السيدة حيثُ التقطت ذلك الصغير بين ذراعيها وقد بدأ يسعل بطريقة خشنة ، بعد ذلك استقامَ عميْ واقفا بعد أن خرجْ لتسارع إليه " إيرما " ممسكة بذراعه وتسأله إن كان بخيْر ! .

    انشغلت السيدة " ليونيل " في تجفيف وجه الصغير والتربيت على ظهره برفق ، إنَّ الأطفالَ مثيرون للجلبة كثيرا ، فكرت بأن السيدة لنْ تكونَ قادرة على تحملِ إزعاجاتهم المستمرة بينما تواجه مشكلة كبيرة ، استدرتُ نحوَّ عميْ المبتلُّ بالماء فتوجهتُ إليه بخطواتِّ واسعة قدَّمتُ إليه القليل من المناديلِ التيْ كنت قد وضعتها سابقا في جيبيْ لأراه يرفعُ حاجبيه في استغرابْ بينما يرمقنيْ بابتسامة ، تقلصتْ ملامحيْ لوهلة ، لا أدريْ لم يظن الجميع بأنيْ لا أملكَ مشاعر ! ، كلُ مافي الأمر بأننيْ لا أحبُ إعطاءَ الأمور أكثر ممَ تستحقْ ، تناولها من بين أًصابعيْ برفقْ فشكرنيْ قبلَ أن يربت على كتفيْ ، التفتُ نحوَّ السيدة التيْ استطردت بتساؤل نحو ذلك الصغير المبتل :
    هل كنتَ تعبث ثانية " كلينت " ! ..
    لمْ يكن ليقدر على الإجابة تحتَ وطأة رجفة سريعة استولت على جسده ، لن يقدر أحد على لومه ، أجابتْ فتاة شقراءَ عوضا عنه :لقد تشاجر مع " ديكان " ثانيَّة ! ..
    زفرت تلك السيدة بعمقْ فظهرت عقدة حاجبيها معبرة عن استيائها الذي بدأ بالتفاقم ، استدارت نحوَّ صبيْ بدى ليْ وكأنه يبلغ الثانيَّة عشرة ، ملامحهُ الطفوليَّة توحيْ على العناد كثيرا وبرؤية ثيابه المتسخة بالطين والترابْ بدى وَ كأنه قد دخلَ في عراكْ مع أحدهمْ ، انتفضَ ذلك الصغير المدعوُ ب " ديكان " من مكانه لينظر نحوَ السيدة هاتفا بعناد : لم أكن لأفعل ذلك لو لم يتهمنيْ بسرقة النقود التيْ مُنح إيَّاها ليلة البارحة ! ..
    احتدت ملامح السيدة أكثر وهتفت بتساؤل : أحقا لم تفعل ذلك ! ..
    تقلصَّت ملامح وجهه بقوة وبدى غير قادر على الرد ، موقفه يبدو ضعيفا أمام نظراتِ الأطفال وعدم تصديق السيدة له ، ارتدَّ على عقبيه وركضَ مهرولا عائدًا إلى الملجأ رغمَ أنه كاد يتعثر لمرتين ، نهضت السيدة " ليونيل " من مكانها وهتفت بالأطفال بصرامة بألا يعبثوا معه و يتركوه إلى حينِ تحادثه هيَّ ، استدارت نحوَ عميْ ليظهر الأسف جليَّا على ملامحها ونبرة صوتها المعتذرة : أنا سفه " ويلبرت " ، لقد فعلت الكثير ! ..


    وأخيرًا ، قرر عميْ العودة بنا إلى المنزلْ قائلا بأن عليه تبديل ملابسه ومن ثمَّ يعود هو لاستكمال توزيع بقيَّة التبرعاتْ ولكم شعرتُ بالراحة حينها ، أظن بأننيْ لن أفكر بالخروجَ من ثانيَّة ، حال دخولْيْ للمنزلْ رأيتُ والديْ جالسًا على أحد الأرائكِ بهدوءْ ، من الغريبِ أن يبقى هادئا بلا حراك فطباعه لا تتغير بسهولة ، تقدمت أكثر نحوه مستفسرة لولا أننيْ فوجئت بوجود سيدة أخرى تجلسُ مقابلة له ، ترتسم الجديَّة على ملامح وجهها وكم أعطتها خصلات شعرها المشدودة للخلفِ مظهرا مرتبا مع معطفها الذيْ يحتويْ على الكثير من الفرو ، تسمرت في مكانيْ عندما رأيتُ حدقتيها تستقرانِ عليْ ، ما بال هذه النظرات ! ، هذا سيءْ لم أحبَّها البتَّة ، أدار والديْ عنقه نحويْ ثمَّ هتفَ قائلا : عزيزتيْ ، تعاليْ وألقِ التحية على السيدة " لورينز " ! ..
    امتثلتُ لأمره أخيرا بعد أن تحررت من عينيها الحادتين حيثُ شعرت بأن نظراتها تلك قد تحدثُ ثقبا في جمجمتيْ ، تقدمت نحوهما أكثر لأقف قريبا من الأريكة التيْ يجلسُ عليها أبي ، جذبت نفسا عميقا بعدها هتفت بينما أحاول ُ جاهدة إظهار بسمة على ملامحيْ : صباح الخير ، سعيدة بلقائك ! ..
    لاحظتُ ملامح وجهها التيْ لا نتْ فجأة وكم شعرت بالسعادة لأنها لمْ تعد تنظر إليْ كما السابقْ ، تبسمت في وجهيْ يتملقْ قبلَ أن تدير بصرها صوب والديْ وتتحدثَ بطريقة اعتبرتها مجاملة نوعا ما ، هتفت قائلة : ربما تكونُ محظوظا لأنك تملك ابنة مثلَ " لوسيانا " سيد " هارولد " ! ..



    تقلصت ملامحيْ رويدا وبقيتُ أحملق فيها بشكل مريبْ إنها بالفعلِ غريبة ، هذه السيدة أعجز عن تفسير تصرفاتها ، فملامح وجهها تظهر عكسَ ما تقوله ، بخلافِ والديْ الذي صدَّق ما قالته نوعا ما إذ أنه تبسم مجاملا وشكرها بطريقة لائقة ، طلبَ منيْ الجلوسْ لأفعل في ذات الوقتِ الذي دخل فيه عميْ " ويلبرت " بعد أن ركن الشاحنة قريبا من مدخلِ المنزل فهو سيخرج ثانيَّة على أيَّة حال ، بدت ملامحه متفاجئة حال رؤيته لتلك السيدة إذ أنه وسريعا نفض كفيه من الترابْ العالق بهما ثم تقدم نحوها بخطواتِ واسعة ، أمسك كفها برفقْ ليحنيْ ظهره قليلا مُرحبا بها بتلك الطريقة الغريبة ، حينها فقط علمت بأنها مختلفة عنا ،هي ليست كأيِّ سيدة عادية ما دام عميْ يعاملها بتلك الطريقة وهو الذي لا يفرق بين أيِّ من كان ، بعدها عاد يجلسُ على أريكة قريبة من مكان جلوسها ، استطردت بقليل من الهدوء : وصلنيْ بأن حفل البارحة كان مثاليَّا .. أردفت : كنتَ خير عون لهم بالفعل ! ..
    ظهرت ملامح الامتنان جليَّة على وجه عميْ الذي هتف بطريقة تختلف كليَّا عن طريقة حديثه العاديَّة : ممتنٌ لكِ سيدة " لورينز " .. عاد يضيف باستغراب واضح : كنتُ أظن بأننيْ سأجدكِ من الحضور في الحفل البارحة ! ..

    لماذا لا أزال مدهوشة بها ! ، أظنُ بأني لأول مرة أرى شخصا يتصرف كالنبلاء فعلا ، هل هم هكذا دائما ! ، متحفظون ، وتتسم تصرفاتهم بكثير من الكبرياء ، هذه السيدة تبدو أكثر من ذلك ، أتساءل كيف تعيشُ براحة إن كانت تتصرف بمثل هذه الطريقة دائما ، شعرتُ بأنها أحسَّت بنظراتي المطوَّلة نحوها لذلك فكرت بالنهوضِ سريعا ، أخبرت والديْ بأني ذاهبَة لاستنشاق الهواءْ وقال ليْ بأن أعود سريعا ، لا أدريْ لمَ ولكننيْ شعرتُ بأن ملامحه كانت تنقبض فجأة عندما ينظر نحويْ هل لذلك الأمر علاقة بذهابيْ للملجأ يا ترى ! ، لست أدريْ ! ..

    على كلِّ خرجتُ من المنزلِ سريعا وفور أن فعلت ذلك حتى ملأتُ رئتايَّ بالهواء ، لقد انقطع نفسيْ لوهلة تلك السيدة مزعجة فعلا ، لمْ أعتقد بأننيْ سأضطر إلى تجربة الكثير من الأشياء المختلفة هنا ، بالفعل الحياة في المزرعة تختلفُ كثيرا عن حياة العاصمة ، حيثُ الثانيَّة مليئة بالمشاغلْ عديمة أوقات الفراغْ ، مع أننيْ لست أدريْ كيف يحتملُ عمي و " إيرما " العيشَ في مكانِ منعزلْ كهذا ، لا أتخيل نفسيْ أعيشُ هنا بلا تلفازْ ، بلا هاتف محمول بدون حتى سماع أصواتِ السيارات المزعجة ، لا أظن بأني سأحتمل مكانا بهذا الهدوءْ ! ..

    دسست كفي بجيبي سترتي وفكرت بالعودة وقضاء بقية اليوم برفقة " إيرما " لولا سماعي لصوت حركة قريبة من الأشجار على يميني ، ظللت أحدق في ذلك المكان لفترة من الوقت إلا أن شيئا لم يحدث فكرت بأنني كنت أتوهم ، شجاعة غريبة استولتْ على كياني وجعلتنيْ أتقدم بخطواتِ بطيئة إلى هناك ، وقفت بمسافة متوسطة تقريبا عن جذع شجرة قريب ، اكتشفت حينها وبوقت متأخر بأن تلك الحركة كانت لشخصِّ ما ، إذ أننيْ استطعتُ رؤيةَ ظلِّه ممتدا على الأرضية لقد فضحه وانتهى الأمر ، شيءٌ غريبْ ، بلْ هاجسٌ مخيفْ جعلنيْ أعتقد بأن ذلك الشابْ قد يكون ذاته شابُ البارحة ، الشابُ الغريبْ ، لماذا لا يزال هنا ؟ يحومُ حول منزلِ عمي ! ، ليتني فقط أذكر ما حصل معي ليلة البارحة ، قبضت على أصابعيْ بقوة واستلهمتنيْ قوَّة غريبة جعلتنيْ أطيل النظر في ذلك الظل الغريبْ ، ابتلعت ريقي بصعوبة في محاولة صعبة لترتيبِ الكلماتِ في ذهنيْ ، هتفت قائلة بصعوبة : من هناك ؟ .. أعلم بذلك ثمَّة شخص هناك ..

    الثوانيْ الصامتة التي مرت عليَّ بعدها جعلتنيْ أشعر بقليل من الخوف والرهبة ، لأول مرة أشعر بمثل هذا التوتر فيْ حياتيْ ، كيف استطعتُ سؤاله ! كيف تمكنت تلك الكلمات من الخروج ! ، لا أدريْ أِشعر بأننيْ أتصرف بغرابة أحيانا حينما أكونُ مضطربة ، ارتددت على عقبيَّ بسرعة في ذات الوقت الذيْ خرجَ فيه من وراء الجذع ينظر إليَّ بملامح هادئة إلا أنها بثت الرعبَ في داخليْ وجعلتنيْ غير قادرة على الحركة ، عدمُ القدرة على الحركة ! ، أشعر وكأنَّني أحسست بهذا الشعور من قبل ، الخوف والرهبة مع الانتظار ، الحفل التنكري ليلة البارحة مع ذكرى مسدس مريب ، تذكرت ! ، لقد تذكرته إنه الشاب الذي رأيته مختبئا البارحة ، هذا مخيف ليتني لم أتجرأ على القدوم إلى هنا ! ، لم أعتقد بأنه سيستجيبُ لندائيْ وَ يخرج فعلا !..

    تراجعتُ خطوتين إلى الخلفْ بينما لم يفارق جسده ناظري ، خشيتُ بأن يفعل شيئا مخيفا ، لا تزال زبرجديتيه المخيفتين تجبرانني على الوقوف أمامه بدون أن أتراجع ، لماذا يمتلك هذه النظرات المرعبة المخضِعَّة ؟ ، ذلك سيء ، شعرتُ برأسي ينبض بقوة فور أن التقطت مسامعي صوتا غريبا ينادي باسمي ، اعتقدت لوهلة بأن ذلك الشاب قد نادى علي إلا أنه بدى متفاجئا بذلك الصوت مثلي فهو قد هرب سريعا ، استدرت للخلف أبحث عمن نادى باسمي ، ويا للمفاجأة ، الثري من الملجأ ! ، كيف تبعنا إلى هنا ؟ ، الأهم من ذلك كيف له أن يعرف بأمر اسمي ، ظلَّ يحدقُ بي بهدوء منتظرا إجابة مني ولكن لا أظن بأني قادرة على فعل أي شيءِّ الآن ، عدت أستدير للخلف أرمق ذلك الشاب المختبئ ولكن لا أثر لأي أحد هناكْ ، لا بد وبأنه هرب فعلا ! ، عدت أنظر صوب ذلك الثري الذي اقترب من مكان وقوفي هاتفا بملامح باسمة : صباح الخير ! ..

    هل فقد عقله يا ترى ! ، أقسم بأن من أراه أماميْ الآن يختلف تماما عن ذلك الشخصٍ الذي رأيته في الملجأ ، هل هو ذلك المتعجرف عديم التهذيب حقا ! ، لست متأكدة ، جذبت الكثير من الأنفاس وباضطراب رددت التحية عليه ، مالذي يمكنني فعله ! ، لا أستطيع التصرف بشكل صحيح الآن ، عدت أنظر إليه مرة أخرى بعد أن نادى باسمي ثانية ، حينها فقط شعرت بشيء غريب ، أحسست بأن هذا الصوت ليس غريبا عني ، أجزم بأنني سمعته قبل الآن ، عقدت حاجبي لفترة من الوقت قبل أن أرفع بصري نحوه بتردد لأتساءل باستغراب واضح : أنت .. " إيرل " ؟! ..



  7. #7

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير

    بقي البارت الاخير غدا رح دخله انشاء الله

  8. #8

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير

    مشكووووووووووور
    الأعضاء المٌعجبين بهذه المشاركة: koukouana

  9. #9

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير



    2-2



    " إيرل " ! ، إنه هو فعلا ، نبرة صوته مماثلة حتى أن عينيه تحملان ذات اللون الغريبْ ، فكرت بالمفارقة العجيبة في شخصيته ! ، بالأمسِ كانَ شابا طيبا إلا أنه في صباح هذا اليومْ تحوَّل إلى ثريِّ متعجرفْ ثمّ عاد مرة أخرى كما التقيته البارحة ! ،لقد أًصبتُ بالارتباك للحظة ! ، كنت أعلم بأني أمتلك انطباعات أولية خاطئة عن الأشخاص ، ولكن ما أستغرب منه فعلا هو أن " إيرما " لم تقم بمحادثته أو حتى بمناداته باسمه رغم أنه كان من ضمن رفاقها ، ذلك مريب ، أوَليس واحدًا من أصدقائها ؟ .. صدقا ! .. ما هذا اليومْ الحافل .. بداية بالمشكلة في الملجأ مرورا بتلك السيدة المتسلطة نهاية ب " إيرل " المريض النفسي ، هل هنالك ما يدعو للراحة في مزرعة عمي " ويلبرت " ! ، لا أعتقد ذلك ، شعرت برجفة غريبة تسري في جسدي حينما التقطت مسامعي صوته المتسائل : آنسة " راسل " هل أنت بخير ؟ ..


    رفعت بصري أخيرا لأرمق ملامحه التيْ بدى عليها الانزعاج ، إلا أنه سرعان ما رسمَ ملامحا غريبة على وجهه ثم قال بفلسفة أزعجتني : الشرود تصرف غير مقبول خاصة حينما تحادثين أحدا سوف يفسر ذلك بأنك لا تهتمين لأمره ! ..
    انزعاج طفيف تصيد مشاعري لوهلة لأنظر إليه بشك ، بتُ موقنةً بأنه مجرد مريض نفسي و ما مشكلته مع آنسة " راسل " ! تلكْ ، هل يجبُ عليه مناداتي بلقبيْ أيضا ، عاد يضيفُ بتململ وقد أزعجه صمتيْ المفاجئْ : توقعت بأن لا تتعرفِ علي ولكن أن لا تكترثِ لأمري أيضا ، ذلك محبط تماما ! ..
    اعتذرت أخيرا وبررت ذلك بكونيْ أملك مشكلة تشغل تفكيري ، كذبتُ ببساطة لكنه يضعنيْ في موقف محرج ، هذا المزعج ، يبدو فطنا بشكل لا يصدق خاصة بأننيْ واجهت مشكلة فيْ الحديثِ أمامَ نظراته الحادة المضجرة بالنسبة ليْ ، رسم بسمة مجاملة ليستدير قاصدا الدخولَ إلى المنزلْ وقبلَ أن يخطوَ خطوةْ قمت بالنداءِ عليه ، التفت لي مستفسرا لأشعر بارتباك غريبْ ، كنت أريد سؤاله عن ما حدث ليلة البارحة بمَ أنه كان برفقتي ولا أظن بأن هذا اللسان الثقيل سيساعدنيْ على ذلك ، حاولت التبسم قليلا إلا أننيْ كنت أحاول ترتيب الكلمات فيْ عقليْ لا أكثر ، رفعت بصريْ أخيرا نحوه لأسأله بتردد : البارحة ! ، أعنيْ في الحفل الخيريْ ، هل يمكنك أن ..


    ضغطت على أصابعيْ بقوة عندما لم أجد جملة مناسبة أستطيع بها سؤاله ، مالذي يمكنني قوله ؟ ، مالذيْ حدث ليلة البارحة ؟ هل كنت برفقتيْ عندما قابلت ذلك الشابْ ؟ هل تعرف مالذيْ حصل ليْ بعدها ! ، مالذي يمكننيْ قوله بالضبطِ ! ، شعرت به يستدير نحويْ ليهتف قائلا في هدوءْ : أخبرتنيْ بأنك ستلحقين بنا فيم بعد ولكنكِ لمْ تأتِ .. رفعتُ بصريْ إليه أخيرا منتظرة منه أن يكملْ ، أنا بحاجة فعلا إلى سماع هذه الإجابة ، أضاف على كلامه قائلا : لمْ تأتِ لذا طلبَ منيْ العم " ويلبرت " الذهابَ لأتحقق منكِ وعندما ذهبتْ وجدتكِ فاقدة للوعيْ ! ..
    فاقدة للوعيْ ! ، بدأتُ أحدقُ فيه لقليل من الوقتْ أحاول استيعاب ما قال ، ألهذا لم أستطع تذكر شيءْ فورا ! أ لأننيْ كنت فاقدة للوعيْ ! ، هل كنتُ خائفة إلى تلك الدرجة ، لا أفهمْ ، لماذا أشعر بأنه يكذبُ بطريقة ما ! ، ثمَّ لماذا قد يأتِ هوَ ليطمئن عليْ ؟ وَ لماذا يطلبُ عمي " ويلبرت " منه ذلك رغم أنه لمْ يلتقِ بي سوى البارحة ! ، أليس من المفترضِ أن يطلبَ من " إيرما " ؟ آوه ، يا إلهيْ إننيْ أفكر كثيرا هذه الأيام ، اهدئيْ " لوسيانا " ستصابين بالشيخوخة مبكرًا ، جذبت نفسا عميقا علنيْ أستعيد تركيزيْ وقصدت منزلَ عميْ أخيرا ، لم أحاول النظر خلفيْ لأني قد أرى ذلك الشاب المخيف مجددا ، وأنا لا أريد ذلك ، أتمنى أن يبقى مختفيا لمدة من الوقت حتى أعود إلى العاصمة على الأٌقل !





    عندما دخلت إلى المنزلْ وجدت " إيرل " قد انضم إليهمْ مشاركا الحديث مع تلك السيدة ووالدي ، وقد بدى لي بأنه على معرفة بالسيدة إذ أنه اتخذ المكان القريب منها مقعدا ، لم يكن عميْ موجودا برفقتهمْ فخمنت بأنه إما في الطابق العلويْ يتفقد " إيرما " أو أنه في المطبخ ، تخميني الصائب كان الثانيْ وذلك عندما سمعت صوت جلبة صادرة منه ، استدرت نحوه وقد عزمت أخيرا على إخباره بكل ما يقلقني حول ذلك الشاب المخيف إن استطعت ذلك ولم أتردد كعادتي ، عمي يقفُ أمام إبريقُ الماء ينتظر منه أن يغليْ وقد جهز مسبقا على الطاولة الخشبية خلفه الفناجين وبعضٍ من كعك التوت المغريْ بالنسبة إليْ بالإضافة إلى إبريقِ التقديم بالطبع ، يبدو و بأنه قد عدل عن فكرة خروجه بسبب وجود بعض الضيوف هنا حتى أنه قد غير ملابسه المبتلة لأخرى جديدة ، قصدت الطاولة لألتقط واحدة من الكعكْ لأسمع صوته يخبرنيْ بعدم أكل المزيد لأنها ليست من شأني ، عبست في وجهه أخيرا لأتمتم بانزعاج : بخيلٌ كابنتك ! ..


    ضحكَ قليلا ثم استدار ليملأ إبريق التقديم بالماءِ الساخنْ سألنيْ مستفسرا : ما رأيكِ بالسيدة " لورينز " ؟! أراهن بأنها لم تعجبكْ فتصرفاتكِ تشبه تصرفاتِ والدتك كثيرا .. أضاف مازحا قصد إغاظتي : إننيْ أشفق على أخيْ الذي اُبتليْ بفتاة مثلكْ ! ..
    أنهيت قطعة الكعك أخيرا لأنظر إليه بلؤم ، رددت عليه أخيرا بقليل من الانزعاج : هنالك إهانة واضحة في كلامك ، لكن اعلمْ بأننيْ أًصبحت راشدة لذا لن أرد عليكَ عمي الكبير المحترم ! ..
    حملَ الإبريقَ والفناجين ليخرج من المطبخ هاتفا : حسنا أيتها الراشدة من فضلكِ اجلبيْ طبق الكعكِ معكِ ولكن حذاريْ من أن تنهيه وأنتِ في طريقكِ ! ..
    إنه يحاول إثارة سخطيْ ، هل اتفق مع ابنته على ذلك ! ، إنني أشك فعلا ، جذبت الكثير من الأنفاس إلى داخلي وضربت خدي برفق ، أحاول التركيز قليلا ، أعلم بأنني سأعيش اضطرابا لا يوصف عندما أقابل تلك السيدة مرة أخرى ، كوني هادئة " لوسيانا " ، لم يتسنى ليْ سؤال عميْ إن كان قد لمح أحدا يتجول في الجوار ؟ هل من الممكن أن يكون قد تعامل مسبقا مع هذا الشخصْ لذا هو هنا ليطالبه بالمال وإن لم يكن المال قد يكونُ هنا للاستيلاء على المزرعة ! ، تبسمت بسخف بت أشاهد الكثير من الأفلام مؤخرا ! ..


    وضعتُ طبق الكعكِ على الطاولة قريبا من الإبريق و الفناجين لأجلسَ بالقربِ من والديْ ، لاحظت أصابعه المتشابكة وظهره الذيْ كان منحنيا للأمام قليلا غير مستند على الأريكة ، هو لا يجلسُ بهذه الطريقة إلا إذا كان متوترا أو منزعجا ، رفعت بصري نحو ملامحه ليصدق إحساسي فعلا إنه مضطربُ فعلا أو لربما منزعج قليلا بسبب تلك العقدة بين حاجبيه ، لا أدريْ ما هو الموضوع الذي كان يناقشه معهما لكننيْ أعلمُ بأن لتلك السيدة المتسلطة يدٌ فيه ، حوَّلتُ بصري إليها حيث كانت تجلسُ بأريحية تحتضن طبق فنجانها بين أصابعها وتمتع نفسها برائحة الشاي المحملة بالنعناع ، أخيرا تحدثت هيَّ متسائلة وبسمة غريبة تجولُ على وجهها ذو الملامح الحادة : إذا أنت تقولُ بأنك لن تتزوج مرة أخرى ؟! ..
    أعلمُ بأن ذلك السؤال يندرج تحتَ عنوان أسئلة شخصية ولا يحق لتلك السيدة أن تتدخل فيه ، إنها مزعجة كثيرا ، أدرت عنقي أخيرا صوب عمي " ويلبرت " ذاك الذي تحدث في هدوء بعد أن تنعم برشفة يسيرة من الفنجان : يمكنك أن تتحدث معها براحة " هارولد " في الواقع هي تعرف كل شيء عن عائلتنا ! ..



    ظهرت بسمة مجاملة على شفتيها لتعقب سريعا بعد حديث عمي : آوه ، أنا أعتذر فعلا إن كنت قد شعرت بالانزعاج ! ..
    سرعان ما تحدث والدي ليطرد أي توتر أو حرج قد يتسلل إلى المكان ، إذ أنه تبسم بتوتر ليتحدث قائلا : الأمر ليس كذلك فعلا وأنا لم أشعر بالانزعاج حقا .. نظرت إليه أنتظر منه أن يكمل فحتى أنا أنتظر سماع هذه الإجابة منه ، تمتم هاتفا : لست أدري ، في الحقيقة انفصالنا ليس رسميا كل ما في الأمر بأننا لا نرغب في العيش في ذات المكان ، نحتاج إلى القليل من الوقت فقط ! ..
    القليل من الوقت تعنيْ تقنيا الكثير من السنواتْ ، أعلم بأنهما يصرفان النظر بشأن الموضوع ، رغم أنني أتساءل مادام الأمر قد طال بهذه الطريقة لماذا لم ينفصلا رسميا وينتهي الأمر ، أدار وجهه نحويْ ليرفع كفه مبعثرا خصلات شعريْ فجأة ، ظللت أنظر إليه بتعجبْ لألمح ذات النظرة الكسيرة في عينيه ، إنه لا يزال يعتقد تحسسي بشأن هذا الموضوع ! ، ليته يعلمُ بأنني تغلبت على ذلك منذ زمن ، منذ أن توقفت عن البكاء وحدي ليلا في سنتيْ الأخيرة في الإعدادية ، تبسمت مجاملة له بعد أن أبعدت كفه عنيْ وقد تحاشيت النظر إلى الآخرين ، أصبح الوضع دراميَّا فجأة ، أشعر بالحرج ! ..




  10. #10

    ♥•- مشرفة قسم الامومة والطفولة + العناية بالشعر + اناقة حواء-•♥


    تاريخ التسجيل
    Sep 2015
    العمر
    17
    المشاركات
    8,562
    الجنس
    أنثى
    وظيفتي
    طالبة ثانوي
    هواياتي
    الرسم و المطالعة و كتابة الروايات
    شعاري
    مسلمة و افتخر

    افتراضي رد: رواية الامل الاخير بعنوان المصير



    ماهيَّ إلا ثوانِّ قليلة حتى قامَ " إيرل " بسؤال عمي حول التبرعاتْ و ما إن كانت تسير بشكل جيد ، أماء عميْ بأجل إلا أن وجهه تلون بالحيرة والغضبْ الطفيف معا حيثُ أردف مستفسرا : هنالك شيء ما يحيرني ، أنا متأكد بأنني قد أحصيت تماما كمية المال الذي تبرع إلي به المتبرعون إلا إنني عندما عدت لأتحقق منه ثانية قبل موعد نومي رأيت بأن هنالك مبلغا كبيرا من المال قد اختفى ، وأذكر بأن هذه ليست المرة الأولى ، لطالما اختفت مبالغ من أموال التبرع سابقا .. أردف موضحا : المال الوحيد الذي يختفي أما الأغراض والأشياء الأخرى لم تمس ! ..
    بعد إنصات حذر هتفت السيدة " لورينز " وعقدة صغيرة تربط مابين حاجبيها : إن هذا منطقي " ويلبرت " من الذي قد يرغب بسرقة أغراض ما دام الوقت سانحا له لسرقة الأموال .. أكملت بغموض : لطالما أخبرتك بأن تحذر من الأشخاص حولك ، فقد يغدر بكَ القريبْ أولا ! ..
    تلك السيدة تلمح إلى شيءِّ ما ، وذلك واضح تماما ، من الذي قد يستطيع سرقة أموال تخص الملاجئ والأطفال المساكين ! ، إنه بالفعل خالِّ من الرحمة ، لمْ يدم من الوقت الكثير حتى رأيت " إيرل " يتحدث مع السيدة براحة كبيرة حتى أنه يضيف القليل من المزحاتِ أيضا ، علمت فيمَ بعد بأنه قريبٌ منها إلى درجة كبيرة ، وقد يكون هذا هو السبب الذيْ جعله يفكر في زيارة عميْ بمثل هذا الوقت المبكر ، أما عن السبب الرئيسي الذيْ جعلها تحضر هيَّ لأنها ترغبُ في دعوة عميْ " ويلبرت " إلى أمسية حفل ستقيمها بعد أيام قليلة في العاصمة وبدافع اللباقة قامت بدعوة والدي أيضا ، هل سنعود إلى العاصمة قبلَ أسبوعين يا ترى ؟ ، بهذه السرعة ! ..





    ما بعدَّ الظهيرة يصبحُ الطقسُ حارًا جدًا هنُا لدرجة أنك لا تستطيع الخروجَ من المنزلْ أبدًا ، كنتُ قد فكرتُ بأخذ قيلولة صغيرة أستطيع بها أن أريح رأسيْ من أفكار قد تزاحمت به إلا أننيْ لمْ أستطع بسبب عميْ الذي طلبَ منيْ إحضار صندوقِ تفاح في الخارج كان قد ملأه صباح اليوم ، أتساءل لماذا لم يدخله معه حينها ! ، هل يجبُ أن أفعل ذلك أيضا ! ، كنتُ قد حسدتُ " إيرما " تلك التيْ حظيت بقيلولة طويلة منذ عدنا من الملجأ إلى هذا الوقت ،ضغطتُ على أصابعيْ بتضجر قبلَ أن أستدير قاصدة الخروج ، لن يكونَ بإمكانيْ الرفضْ ليسَ ووالديْ ينظر إلي على الأقَلْ ! ..


    أدرتُ رأسيْ يمنة ويسرة أبحث عن ذلك الصندوقِ المزعج إلا أننيْ لمْ ألمحه ، ربما يمكننيْ الدخولُ الآن وإخباره بأنيْ لم أجده ، سعادتيْ تلك لم تدم طويلا لأننيْ استطعتُ رؤية القليل منه خلفَ جذع أحد الأشجار القريبة ، كلُ شيء ضديْ هذا اليومْ ، تقدمت بخطواتِّ متثاقلة إلى هناكْ ، لقد كان ثقيلا إلا أننيْ استطعتُ حمله أخيرا ، منذ أن رأيتها لأول مرة عشقتُ لونها الأحمر الذيْ سلب عقليْ للحظات وجعلني أفكر بأهمية تناول قضمة منها فور عودتيْ للمنزلْ ..
    ارتددت على عقبيْ قاصدَّة العودة لولا سماعيْ لصوتِ غريبْ ، بل صوتين حقيقة ، أحدٌ يلهثْ وصوتِ شيءٍ آخر يبدو وكأنه يحتكُ بالتربة هنا ، ومن علوِّ الصوت استنتجتُ بأنَّه قريبٌ جدًا من مكان وقوفيْ ، لم يستطع عقليْ فرضَ أمره وإجباري على العودة إلى المنزل فيكفيني القلق الذي اعتراني من ذاك الشخص المتجولِ في الأنحاء هنا ، لحظة .. هل من الممكن أن يكون ذلك الشخصُ قد عاد إلى هنا مرة أخرى ؟ وهل يبحثُ عن شيءِّ ما أيضا ! ..


    آوه ، لقد طفح الكيل منه بالفعل كيف يجرؤ على الظهور أمامي مرة أخرى بعد أن نظر إليَّ بتلك الطريقة المخيفة هذا الصباح حتى أنه لم يتراجع خطوة واحدة رغم معرفته بأنني اكتشفت مكانه واستطعتُ إيجادَه ، هل من الممكن أن يكونَ مريضا نفسيا آخرًا ؟ ليس مستغربا فمزرعة عميْ تعجُ بالأشياء الغريبة ، عموما لم أستطع كبح فضولي الذي جعلني أتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إلا أن تلك الخطواتِ الصغيرة تحولت إلى هرولة بعد مدة قصيرة حتى أنني استطعتُ سماع الصوت بشكل أفضل هذه المرة حتى أنه باشر بالازدياد ، تباطأت خطواتي عندما اقتربت من جذع شجرة قريب من مصدر الصوت فأملت رأسيْ يمينا علني أستطيع الرؤية بشكل أفضل وبالفعلْ رأيت ذلك الجسد المنحنيَّ ، يتحرك للأعلى وللأسفل استجابة لأمر ذلك المحراث الخشبيِّ في يده فقد بدى ذلك الجسد الممتلئْ وكأنه يحفرُ في التربة أمامه ، عرفت فورا بأنه يختلف عن ذلك الشاب فذاك يبدو مختلف الهيئة ، هذا الرجل عريضٌ فعلا ! ..


    ترك المحراث جانبا بعدها جثى على ركبتيه ليدخل كفيه لجوف تلك الحفرة ذات الحجم البسيط وأخرج منها حقيبة سوداء متوسطة الحجم نفض التراب عنها ومن ثم تلفت يمينا ويسارا قبل أن يقوم بفتحها ،هل هو لصٌ يا ترى ؟ أمره غريبْ ! ، عقدت حاجبيْ في محاولة منيْ لمعرفة مالذي قد يوجد بداخل هذه الحقيبة الذي حرص على إخفائها عن الأنظار بهذا الشكل ، لمْ أستطع أن أخفيَّ دهشتيْ حال رؤيتيْ له يخرج ثلاث حزم من الأوراق النقدية فيمَّ لا زالت الحقيبة تحتفظ بالكثير ، وَ بسبب إصداريْ لذلك الصوت استطعتُ جذب انتباهه نحوي إذ أنني استطعت تمييز تلك الانتفاضة التيْ احتلت جسده بسرعة والتفاتته المباغتتة نحويْ ، حاولت التقاط أكبر كمية من الهواء حينما لاحظت نظراته القاتلة ذات الشرر المتطاير مصوبة نحويْ ، لم يكتفِ بذلك فقط بل نهض من مكانه بحذر واستدار لجهتيْ لم أستطع مقاومة غريزة الحياة التي طالبتني باللوذ بالفرار والابتعاد عن هذا المكان سريعا فملامحه الأخيرة تلك لا تبشر بخير على الإطلاق ، أفلتُ الصندوق من بين أصابعي ليقع على الأرض ويتناثر التفاحُ الأحمر سريعا ، أجزم بأن مزرعة عميْ تضم مجانين وغريبي أطوار ، كنتُ قد نظرت إلى المنزلِ أخيرا لأسرع من ركضيْ إلى هناك لولا خروج عميْ من الباب الرئيسي وملامح وجهه المستغربة تفيض بأسئلة لا حصر لها ، رفع أحد حاجبيه متسائلا : " لوسيانا " هل يستغرق منك جلب التفاح كل هذا الوقت ؟ .. نظر إلى يدي الفارغتين ليرفع بصره نحوي مجددا ويسأل : ألم تجديه ! ..





    رحتُ ألتقط أنفاسيْ بصعوبة ولم أعرفْ بأيِّ شيءِ أستطيع إجابته ، هل أخبره بأن هنالك أشخاصا غرباء حولَ هذا المنزل ! ، واحد منهم يريد الإضرار بك أما الثانيْ فهو لصٌ غريبْ الطباع مخيفْ ، رفعتُ كفيْ أتحسس مكان قلبيْ الذي بدأ يخفقُ بقوة ، أنا خائفة كثيرا ، لم يستطع عمي " ويلبرت " أن يخفيَّ اندهاشهُ من مظهريْ ليتقدم نحويْ أكثر ، لاحظت نظراته المتفحصة التيْ بدأت تنظر إلى وجهي بتعجبْ ، رفع كفه ليمسك بكتفيْ قائلا : مالذي حدثْ ؟ لماذا ترتجفين ؟! ..
    ابتلعت ريقيْ بصعوبة وكدت على وشكِ إخباره بكل شيءْ لولا سماعيْ لذلك الصوت الخشن من خلفيْ : لقد أخفتها ، أنا أعتذر ! ..


    كاد قلبيْ يتوقف عن النبضَ حينها ، هل من الممكن أن يكون هو ؟ لقد لحق بيْ إلى هنا ؟ كيف تجرأ ؟ ألا يخشى بأننيْ قد أشيْ به على الأقلْ ! ، التفت للخلفِ بصعوبة متجاهلة عميْ الذيْ تحركَ من مكانه متقدما نحوَ ذلك الرجل الذي وضع صندوقَ التفاح أرضا ، مالذي أراه ؟ هل قام عميْ بمعانقته الآن ؟ إنه يقوم بالترحيب به أيضا ! ، شعرتُ بقلبي يرقصُ بين أضلعي ليجعل شعور الاضطراب يرفرف بشكلٍ أكبر في داخليْ عندما رأيت نظراتُ ذلك الرجلْ المصوبة نحويْ وابتسامة غريبة ظهرت على ملامحه المقيتة ، ما علاقة ذلك الرجل بعميْ ؟ لماذا أشعر بموقفيْ يضعفُ تدريجيا ! لا أستطيعُ فعل شيءِّ أبدا ، ارتعاشة غريبة استولتْ على جسديْ عندما أحسست بكف أحدهمُ توضع على رأسيْ ، أدرت عنقيْ يمينًا أرقبَ والديْ ينظر إليَّ ببسمة بشوشة إلا أن ملامحه تلك تقلصت لقلق شديد عند رؤيته لملامحيْ الشاحبة ، عاد ينظر صوبَ عميْ " ويلبرت " الذي تقدم نحونا جاذبا معه ذلك الرجل المخيفْ ، أشرق وجهه المليح سعادة عندما وضع كفه على كتف ذلك الرجلْ هاتفا : " هارولد " هل تذكره ؟ إنه " جريجُر " صديقٌ قديم ! ..


    لا أستطيعُ أن أصف ملامح والديْ ، هو قطعا ليس بسعيد وليس متفاجئا أيضًا ! ، مالذي يفترض أن يفعله عند مقابلته لصديق قديم ! ، أن ينظر إليه بملامح خالية ؟ ، أستغربُ ذلك فعلا ، تبسم أخيرا بعد أن رفع زاوية فمه فقط ، صافحه لمدة قصيرة هاتفا بنبرة غريبة : أهلا بك " جريجُر " ، لقد مرَّ وقتٌ طويلْ ! ..
    لم تظهر أي ملامح محددة على وجه ذلك الرجل الذي تحدث هو أيضا : أجل ، وقت طويل ..صمت لعدة ثوان بعد أن نظر نحوي هاتفا : لدرجة أنه أصبح لديك ابنة بهذا الطول ! ..
    تحاشيت النظر إليه إلا أنني أحسست بأصابع والدي التي راحت تعتصر كتفي برفق ، هل يعلم بمقدار اضطرابي يا ترى ؟ لا تبدو علاقته بتلك الرجل قوية فعلا حتى أن ترحيبه به كان باردا ، لم يمض من الوقت الكثير حتى طلب عمي " ويلبرت " من ذلك الرجل أن يدخل قائلا بأن هناك الكثير من الأحاديث بينهما ، سمعت بأن ذلك الرجل قد جاء من العاصمة حوالي ثلاثة أيام وذلك حينما أجاب على سؤال عمي المتعجب ، بدأ صوتهما يضمحل تقريبا عندما دخلا إلى المنزل ، زفرت بقوة بينما بدأت أشعر بدوار طفيف ، أخشى بأن أصاب بالجنون تقريبا ، شعرت بأبيْ الذيْ أدار جسدي نحوه سريعا لينظر إليَّ بجدية غريبة لم أعهدها على ملامحه أبدا ، لم يسبق ليْ وأن رأيت هذه الملامح المخيفة على وجهه ، إنه يبدو قلقا ومتوجسا ! ، هل سبَّبَ له ذلك الرجل كل هذا الاضطراب يا ترى ؟ ، لأول مرة أشعر بالقلق والخوفِ منه في آن واحد وذلك عندما سألنيْ قائلا : مالذيْ حدث ؟ هل قابلتِ ذلك الرجل ؟ .. لم يحتملْ أكثر لذا حثنيْ على الحديثِ قائلا وبقوة : " لوسيانا " تكلميْ ! ..






 

 
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الرفقة السيئة و المصير المظلم
    بواسطة ريمي في المنتدى علوم و ثقافة عامة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 21-10-2014, 14:52
  2. الفرض الاخير للفصل الاخير في العلوم الطبيعية للسنة 4 متوسط
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى فروض و اختبارات السنة الرابعة متوسط
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-05-2013, 19:36
  3. الفرض الاخير للفصل الاخير في الرياضيات للسنة الاولى ثانوي علوم و تكنولوجيا
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى فروض و اختبارات السنة الاولى ثانوي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-04-2013, 15:45
  4. الفرض الاخير للفصل الاخير في الرياضيات للسنة الاولى ثانوي علوم و تكنولوجيا
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى فروض و اختبارات السنة الاولى ثانوي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-04-2013, 15:40
  5. حق تقرير المصير
    بواسطة الفكر الراقي في المنتدى العلوم القانونية و الادارية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-12-2012, 18:16

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •