أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



التحول الديمقراطي العربي

التحول الديمقراطي العربي في طور تسلطية تنافسية ( ملف - تجميع من إسلام أون لاين ) د. معتز بالله عبد الفتاح تعنى هذه الدراسة بقضية التفاعل بين الضغوط الخارجية والمحددات



التحول الديمقراطي العربي


النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي التحول الديمقراطي العربي

     
    التحول الديمقراطي العربي

    في طور تسلطية تنافسية
    ( ملف - تجميع من إسلام أون لاين )
    د. معتز بالله عبد الفتاح
    تعنى هذه الدراسة بقضية التفاعل بين الضغوط الخارجية والمحددات الداخلية لعملية التحول الديمقراطي في الوطن العربي. وبتعبير أكثر دقة فإن الورقة تحاول أن تجيب على السؤال التالي: هل من الممكن أن تؤدي الضغوط الدولية إلى تحول ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية؟ أم أن بنية الاستبداد العربي أرسخ من أن تتأثر بهذه الضغوط إن كانت جادة؟.
    إن إجابة هذا السؤال تتوقف على ثلاث مجموعات من العوامل هي:
    1 - مدى التزام القوى الدولية بتغير ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية فضلا عن طبيعة الديمقراطية التي تضغط القوى الدولية من أجل تحقيقها. وستوضح الورقة أن الضغوط الأجنبية، بالتطبيق على الولايات المتحدة، تظل متذبذبة وغير محددة، رغما عن أنها، أي الضغوط، الأعلى بين عدد من الإدارات إلا أنها آخذة في الانحسار.
    2 - مدى رسوخ أسباب الإرث الاستبدادي التقليدية في الدول العربية؟ وستناقش الورقة ما يمكن تسميته بشروخ صغيرة، لكنها متزايدة، في بنية الاستبداد العربي بفعل عوامل خمسة.
    3 - مدى استعداد الثقافة السياسية العربية للتحول الديمقراطي. وستناقش الورقة التفاوت بين المجتمعات العربية في قبولها لقيم ومؤسسات الديمقراطية فضلا عن التواضع الشديد في مرونة الطلب على الديمقراطية في المجتمعات العربية بصفة عامة.
    هذه العوامل مجتمعة تجعل الورقة ترجح أن مستقبل المنطقة على المدى الزمني القصير سيظل في إطار المراوحة بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية التي ستكون فيها مساحة من التوترات نتيجة تبني مؤسسات ديمقراطية شكلا مع ممارسات استبدادية مضمونا. بيد أن هذه التسلطية التنافسية توفر فرصا لقوى المعارضة والمجتمع المدني، متى اتحدت، تمكنها من أن تحقق نجاحات على طريق الإصلاح الديمقراطي.
    وتبدو ضرورة البحث في قضية التحول الديمقراطي على المستوى العربي ضرورة جوهرية بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور عالميا. ففي عام 1975 كانت الدول العربية تشكل نسبة 11% من الدول غير الديمقراطية في العالم (Potter et al. 1997)، أما في عام 2005، وباستخدام نفس المؤشرات، فإنها تمثل حوالي 35% بما يعني أن موجة التحول الديمقراطي الثالثة لم تنل من الدول العربية بالقدر الذي يجعل أي دولة عربية تلبي خصائص النظم الديمقراطية الناشئة emerging democracies ناهيك عن الديمقراطيات الراسخة consolidated democracies.
    وهذا ما جعل البعض يتحدث عن عجز في الديمقراطية العربية لا الإسلامية التي وجد أنها أنجزت الكثير في آخر 20 سنة. من ناحية أخرى فإنه من بين 121 نظاما تم تصنيفها من قبل بيت الحرية في الولايات المتحدة باعتبارها نظم حكم ديمقراطية، لم توجد دولة عربية واحدة. بل إنه وفقا لهذا التصنيف فإن النظم العربية أقل ديمقراطية في المتوسط عما كانت عليه من 25 سنة. وفي خلال آخر 25 سنة لا يوجد رأس دولة عربية واحد ترك منصبه عبر صناديق الاقتراع.
    ومن هنا يثور التساؤل عن مدى رسوخ هذه الخصوصية ومدى قدرتها على مواجهة التيار العالمي الجارف نحو مزيد من الديمقراطية


    كيف وصلت الدول إلى الديمقراطية؟
    لكل دولة نسختها من الديمقراطية أو غيابها. ولكل مجتمع عناصر الدفع التي أدت إليها أو أعاقتها وهذا التفاعل بين العناصر المختلفة هو الذي شكل لكل نظام ديمقراطي صيغته النهائية. بيد أن أنماطا خمسة، مع هامش من الخطأ في التعميم، يمكن رصدها في أدبيات التحول الديمقراطي. وفي كل نمط من هذه الأنماط كان هناك عامل أساسي، وليس وحيدا، يدفع نحو التحول الديمقراطي إما من قاع المجتمع السياسي أو من قمته، وإما من داخل النظام السياسي أو من خارجه.
    فهناك أولا التحول الديمقراطي في أعقاب ثورات اجتماعية: ولهذه الثورات صيغتان إحداهما تاريخية والأخرى معاصرة. ففي الصيغة التاريخية، حدثت ثورات لأسباب اقتصادية بالأساس حدث فيها تحالف طبقي بين الطبقتين الوسطى (البرجوازية المتعلمة التي لم تقبل الجباية الملكية) والدنيا (التي كانت تعاني أوضاعا اقتصادية غير إنسانية) ضد النخب الحاكمة من ملوك وأمراء إقطاع فانتهت إلى وضع قيود قانونية وسياسية على ممارسات هذه النخب. وأفضل النماذج الكلاسيكية لهذا النمط من التحول الديمقراطي نجده في إنجلترا (القرن الـ 17) والولايات المتحدة وفرنسا (القرن الـ 18). في الصيغة المعاصرة كان العامل السياسي غالبا مع رغبة أكيدة ليس فقط في التخلص من الحكام ولكن في تغيير قواعد اللعبة السياسية والدستورية. فقد وصلت القوى السياسية المختلفة إلى درجة من القمع لم يعد ممكنا معها إلا أن تغامر بكل ما تملك من أجل إصلاحات ديمقراطية حقيقية. ويعد نموذج القضاء على تشاوشيسكو في رومانيا أحد أهم هذه الأمثلة لكنها كانت لحد بعيد تكرارا لنماذج أخرى مثل ثورة كوستاريكا في عام 1948 وثورة بوليفيا عام 1952. ويأتي نموذجا جورجيا وأوكرانيا الأخيران كمثالين حديثين لهذا المسار.
    وهناك ثانيا التحول الديمقراطي تحت سلطة الاحتلال أو بالتعاون معه: وأوضح الأمثلة التاريخية لهذا النمط هو دور الاحتلال البريطاني في الهند والأمريكي في اليابان وألمانيا الغربية، وهو كذلك النموذج الذي تزعم الإدارة الأمريكية الحالية أنها تسعى لتطبيقه في العراق. ونجاح هذا النمط لا يتوقف على إرادة الدول المستعمرة وحدها ولكن بتبني نخب ما بعد الاستقلال قيم الديمقراطية وإجراءاتها. فقد شهدت العديد من المستعمرات البريطانية السابقة تجارب انتخابات برلمانية وتعددية حزبية كنوع من استنساخ التجربة البريطانية فالتزمتها نخب ما بعد الاستقلال في الهند وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وموريشيوس وآثرت غيرها النخب الجديدة في باكستان ومصر والعراق ونيجيريا. وكان تقديم الإنجليز لنموذجهم البرلماني للمستعمرات دافعا لأن يعتبر بعض علماء السياسة أن الخبرة الاستعمارية البريطانية من المتغيرات التي يمكن التعويل عليها للتنبؤ بالتحول الديمقراطي في دول الجنوب.(1) وهو ما أثبتت الدراسات الكمية خطؤه.(2) بيد أن المتغير الخارجي قد يلعب دورا مساعدا عن طريق الضغوط الاقتصادية الدولية أو ما يعرف باسم المشروطية السياسية political conditionality أو عن طريق أثر المحاكاة demonstration effect.
    التحول الديمقراطي تحت إدارة نخبة ديمقراطية مستنيرة يعد نمطا ثالثا شهدته عدد من الدول. وهو نموذج للتحول الديمقراطي يأتي بعد انهيار النظم الاستبدادية إما لموت الحاكم المستبد أو لهزيمة عسكرية تفقده شرعيته بما يؤدي إلى وصول نخب ديمقراطية تدير عملية التحول وتختار بنفسها أن تضع قيودا دستورية على ممارساتها. وهكذا كان حال النخب الجديدة في البرازيل بدءا من عام 1973، وأسبانيا بدءا من عام 1976، وتايوان من عام 1986، والمجر بداء من عام 1989. وهذا ما أمله كثيرون في حالات النخب الجديدة في قطر والبحرين والأردن وسورية والمغرب. وتعد الحالة الأسبانية مثالا شديد الثراء في هذا المقام. فموت الجنرال فرانكو سمح بعودة الملكية إلى أسبانيا وقاد الملك خوان كارلوس عملية التحول باقتدار من ملكية استبدادية إلى ملكية دستورية على النمط البريطاني. واكتملت عملية التحول في عام 1982 بعد أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية(3).
    الانفتاح السياسي التكتيكي الذي يفضي إلى مطالب ديمقراطية غير متوقعة هو النمط الرابع للتحول الديمقراطي. وهذا النمط من التحول يبدأ بمحاولة من النخب الحاكمة تمديد فترة بقائها في السلطة من خلال قليل من الانفتاح السياسي التكتيكي (كالسماح بوجود أحزاب معارضة ثم التضييق على حقها في بناء قواعد شعبية مستقلة). لكن ما لم تتحسبه هذه النخب أن المعارضة تستغل هذا القدر من الانفتاح لخلق شرعية بديلة بما ينتهي بفقدان النخبة المستبدة القدرة على وقف عملية الانفتاح مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي في ظل جورباتشوف وكوريا الجنوبية في عام 1987 وجنوب أفريقيا في عام 1990. ولنا في مصر السادات مثال عكسي. فبعد الانفتاح السياسي في منتصف السبعينيات شعر الرجل أنه سيكون من ضحاياه فتراجع عن الكثير من الإصلاحات السياسية في أواخر السبعينيات وكان من ضحاياه أيضا. والمتغير الأهم هنا أن للانفتاح السياسي المحدود Limited Political Liberalization آثارا جانبية إيجابية بحيث يجرب الناس من الحرية ما يجعلهم يريدون مزيدا منها. بيد أن الشرط الجوهري لنجاح هذا النمط هو أولا وجود معارضة قوية وتتمتع بمصداقية كافية لدى تيارات واسعة من المواطنين مع اتفاق القوى المعارضة على أن إبدال النظام السابق ليحل محله غيره على أنه أولوية مطلقة تختفي أمامها كافة التناقضات البينية. ولعل هذا ما يفسر أن الانفتاح السياسي المصري لم يفض إلى تحول ديمقراطي حقيقي حيث إن المعارضة المصرية كانت أقرب إلى معارضة "بعض الوقت" فهي في الواقع تعارض بعضها بعضا أكثر من معارضتها للنظام الحاكم.
    هناك خامسا تعاقد النخبة المستبدة على انسحابها من الحياة السياسية بعد ارتفاع تكلفة القمع. وهذا النموذج يعد نقيض النموذج السابق. فلا النخب قادرة على القمع ولا تملك القدرة على إدارة عملية التحول الديمقراطي ومن هنا يكون أفضل بديل ممكن لها أن تنسحب من الحياة السياسية بعد أن توقع عقدا يضمن لها عفوا سياسيا وبعض الامتيازات على ألا تقف حجر عثرة في مواجهة السلطة الحاكمة الجديدة مثلما حدث في اليونان في عام 1973، وفي البرتغال في عام 1974، وفي بيرو في عام 1977، وفي الأرجنتين عام 1982. والمثال الأكثر صراحة هو مثال انسحاب الرئيس بينوشيه من الحياة السياسية في شيلي في عام 1990.
    هناك ملاحظتان أساسيتان على الأنماط الخمسة المشار إليها:
    أولا: دائرية العلاقة بينها. بما يعني أن الضغوط الخارجية يمكن أن تفضي إلى انفتاح سياسي محدود بما يفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي. أو أن يكون وصول نخبة مستنيرة إلى الحكم ناتجا من تعاقد النخبة المستبدة السابقة على انسحابها من الحياة السياسية. بعبارة أخرى لا توجد أنماط نقية أو مثالية من أي من هذه النماذج في الواقع.
    ثانيا: مهما لعب المتغير الخارجي من أدوار فإن شروط نجاح التحول الديمقراطي تظل داخلية بالأساس. وهو ما يجعلنا نتساءل عن مدى جدية القوى الدولية في الضغط من أجل إصلاح ديمقراطي حقيقي في الشرق الأوسط، وذلك بالتطبيق على دور الولايات المتحدة.
    __________________________________________

    شروخ في بنية الاستبداد العربي
    للاستبداد في المنطقة العربية آباء كثيرون. بيد أن تطورات خمسة في السنوات العشرين الأخيرة ترجح أن يكون مستقبل الأوضاع السياسية في الوطن العربي مختلفا عن الماضي والحاضر. فأولا هناك عملية إحلال وتجديد في قمة هرم السلطة السياسية لأسباب طبيعية بيولوجية. فالقادة التاريخيون يتركون الساحة لمن هم دونهم سواء من الأبناء أو الشركاء. وثانيا، فإن الاعتماد على النفط وحده لم يعد كافيا لشراء الشرعية السياسية. وثالثا، فإن البون بين الحركات الإسلامية المتطرفة والحركات الإسلامية المعتدلة يزداد وضوحا بفضل جهود هذه الأخيرة من أجل مصالحة تاريخية مع مؤسسات النظام الديمقراطي وبعض قيمه. ورابعا، فإن الفضاء العام غير الحكومي يزداد اتساعا بسبب ما وفرته تكنولوجيا الاتصالات من سهولة ويسر في نقل المعلومات والأفكار بل وحتى الشائعات بسرعة فائقة. وهناك خامسا، تراجع الأيديولوجية القومية العربية في صيغتها الناصرية والبعثية التقليدية التي كانت تعلي من قضية الوحدة على حساب قضية الديمقراطية.



    إنها تطورات خمسة على أصعدة خمسة تتفاعل لتحدث شروخا قد تزداد اتساعا بما ينال من بنية هذا الاستبداد. وعلى سبيل الفانتازيا التبسيطية فإني أطلق على هذه الشروخ: تأثير البيولوجيا، والجيولوجيا، والثيولوجيا، والتكنولوجيا، والأيديولوجيا. وفي ما يلي تفصيل ما أجملت.
    بيولوجيا الموت السياسي (مصادر شرعية جديدة)
    لأسباب بيولوجية طبيعية يموت القادة التاريخيون ويحل محلهم قيادات أكثر شبابا نسبيا. وقد يكون لهذا الإحلال والتجديد البيولوجي بعض العواقب الإيجابية على مستقبل النظم السياسية العربية. فأولا إن بقاء الحكام العرب لفترة طويلة في السلطة (متوسط 23 سنة) يؤدي إلى مركزية السلطة وتراجع دور المؤسسات في مواجهة دور القيادة السياسية التي عادة ما تصف نفسها بأنها "أبوية". وفي المقابل فإن المؤسسات القوية تضع قيودا على صناع القرار السياسي وتخضهم للمساءلة وهو ما أبته وتأباه معظم القيادات التاريخية التي تعتبر نفسها فوق القانون والمساءلة. وهو ما حدا بكثير من المراقبين للشأن العربي إلى اعتبار أن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة العربية أنها تدار بمنطق القبيلة. فالبيروقراطية العسكرية والمدنية ترى نفسها امتدادا لسلطة الحاكم وليس امتدادا لسلطة الدولة.(1) والحاكم العربي لا يأتي برضاء الأغلبية ولكنه مطالب بصنع هذا الرضا حتى لو كان رضا شكليا وهو ما حدا بإحدى الباحثات أن تطلق عليه اسم "acting-as-if legitimacy" أي تحكم النظم العربية كما لو كانت شرعية.(2)
    هل موت القيادات التاريخية وفتح الآفاق أمام قيادات أصغر ضمان لتحولات ديمقراطية؟ الإجابة يمكن أن يكون فيها خليط من التفاؤل والحذر. فعمليات الانفتاح السياسي المحدود الذي شهدته البحرين وقطر والمغرب والأردن، وبدرجة أقل سوريا، تشير إلى أن القيادات الجديدة تريد أن تؤسس شرعيتها على أساس الإصلاحات السياسية التي تقدمها. بيد أن الإفراط في التفاؤل ليس له ما يبرره. فهذه القيادات لم تنتقل بمجتمعاتها إلى ديمقراطيات ليبرالية وإنما إلى مجتمعات أقل تسلطية مع احتفاظ بحقها في التدخل والنكوص عن هذه الإصلاحات عند الحاجة.
    وقد عول الكاتب "جرامشي" كثيرا على أثر تغير القيادات السياسية في طرح رؤى جديدة وأفكار مبتكرة للتعامل مع المشكلات التقليدية. إن الانتقال من نظام حكم إلى آخر قد يوفر فرصا لتحولات سياسية قد تساعد على تحول ديمقراطي حقيقي على المدى الأطول.(3) فخلال السنوات الـ 10 السابقة حدث تغير بيولوجي في القيادات في البحرين، والمغرب، والأردن، والعراق، وفلسطين، والسعودية، والإمارات، وأخيرا الكويت نحو قيادات لا تستدعي مصادر شرعية تاريخية من كفاح ضد محتل أو ضد الشيوعية. كما أن الكثيرين منهم قد تلقوا تعليمهم في مجتمعات ديمقراطية بما يجعلهم يدركون على الأقل أن الاستقرار يمكن أن يتحقق مع درجة أعلى من الحقوق والحريات السياسية.
    وإذا حدثت تغيرات بوتيرة أعلى خلال السنوات العشر القادمة فإن شرخ القيادات التاريخية سيزداد في بنية الاستبداد العربية.
    جيولوجيا شرعية النفط
    كثيرة هي الكتابات التي تناولت دور النفط الإيجابي اقتصاديا والسلبي سياسيا. وقد وجدت الدراسات الكمية التي أجريت في هذا الصدد أن كافة السلع الأولية مثل الفوسفات والمنجنيز والمطاط وغيرها لها نفس التأثير السلبي على احتمالات التحول الديمقراطي.(4) يضاف إلى ذلك أنها غير قاصرة على البلدان النفطية العربية بل على كل البلدان كما أن التأثير السلبي يمتد للدول الكبيرة كما الصغيرة ما دام أن أغلب مواردها الاقتصادية تعتمد على سلعة أساسية تحتكرها الحكومات. وهذا التأثير السلبي للسلع الأولية له ثلاثة ميكانزمات تأثير على الأقل. فهناك تأثير الدولة الريعية والناتج عن شراء النخب الحاكمة لشرعيتها عن طريق خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الاجتماعي ودعم الخدمات الأساسية من صحة وتعليم من أجل تقليص مطالب المعارضة بإجراء إصلاحات ديمقراطية، وهو النمط الذي أطلق عليه بهجت قرني "دولة البقشيش".(5)
    وهناك ثانيا تأثير القمع الناتج عن توافر مداخيل اقتصادية ضخمة تسمح لحكومات الدول المعتمدة على السلع الأولية بأن تبني آلة أمنية قوية لا تقوى قوى المعارضة على تجنبها أو الوقوف في وجهها. وهناك ثالثا تأثير ضعف التحديث الصناعي غير الحكومي الذي عولت عليه نظرية التحديث في الستينيات لنشأة طبقة وسطى قوية.
    بعبارة أخرى فإن النفط يوفر للحكومات إمكانية "الذهب" لشراء الشرعية و"العصا" لقهر قوى المعارضة. وفي الحالتين يكون هناك ما يشبه العقد الاجتماعي غير المكتوب يتحول بموجبه الأفراد إلى رعايا اقتصادية فوق العادة بلا حقوق سياسية تقريبا. فتضمن لهم الدولة السلع الرخيصة والوظيفة المناسبة والتعليم والعلاج المجانيين مقابل أن تتراجع كافة المطالب السياسية بالديمقراطية والحكم الرشيد. ويستمر العقد ما تراضى الطرفان عليه. بيد أن فترة الثمانينيات والتسعينيات شهدت تطورين هامين أثبتا صعوبة استمرار هذا العقد بشروطه السابقة.
    فأولا هناك زيادة كبيرة في الطلب على الخدمات المجانية الحكومية سواء في الدول النفطية أو غير النفطية، فقد بلغ إجمالي سكان الدول العربية في عام 2002 حوالي 295 مليون نسمة، وهم يتزايدون بمعدل 2,3% سنويا. وهو من أعلى معدلات الزيادة في العالم. وقد بلغ تعداد القوى العاملة في الدول العربية حوالي 108 ملايين فرد في عام 2004. وأكثر من 50% من العرب تحت سن العشرين وأكثر من 60% منهم دون الثلاثين مقابل 25% تحت العشرين في الدول الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي بما يعني أن الطلب على العمل والخدمات الحكومية ليس كبيرا فقط ولكنه يتزايد بمعدل متسارع. ويقدر متوسط البطالة في الدول العربية مجتمعة بحوالي 21.3%.(6)

    hgjp,g hg]dlrvh'd hguvfd


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    هناك ثانيا التراجع الواضح في أسعار النفط في الثمانينيات والتسعينيات ثم ارتفاعها في آخر ثلاث سنوات بما يجعل هذه النظم تحت رحمة متغيرات ليست تحت سيطرتها. فقد كان الاستهلاك العالمي للنفط في حدود 51 مليون برميل يوميا في عام 2001، وهو الآن في حدود 80 مليون برميل يوميا وسيكون 85 مليون برميل يوميا في عام 2025. وقد كان سعر برميل النفط في عام 2000 في حدود 18 دولارا لكنه وصل إلى 50 دولارا في عام 2005، بعد أن كان 60 دولارا في أواخر 2004. وهذا يعني زيادة في مداخيل الدول النفطية في السنوات الثلاث الأخيرة في حدود 60 مليار دولار. وهو ما يطلق عليه دارسو اقتصاديات النفط "ثورة نفطية جديدة". فبدءا من عام 2003 بدأت تتحول معظم الدول الخليجية إلى دول فائض لأول مرة منذ عام 1990 حيث كانت دائما ما تعاني من عجز في ميزانياتها. فقد بلغ فائض موازناتها 16.1 مليار دولار، مقابل عجز معلن بحوالي 24.6 مليار دولار في مطلع السنة. وحسب تقرير أصدره "مصرف الإمارات الصناعي"، فان إيرادات الموازنة السعودية في عام 2003 بلغت 78.5 مليار دولار، مقابل نفقات فعلية بحوالي 66.5 مليار دولار. وفي الإمارات بلغت إيرادات الموازنة الاتحادية 6.5 مليار دولار مقابل نفقات مماثلة. فيما بلغت إيرادات الموازنة الكويتية 19 مليار دولار، مقابل 14 مليار دولار كنفقات فعلية. في حين سجلت الموازنة العُمانية إيرادات بحوالي 6.8 مليارات دولار، مقابل نفقات بحوالي 7.8 مليارات دولار. وحققت الموازنة القطرية فائضا بلغ 1.1 مليار دولار، إذ بلغت إيراداتها 7.3 مليارات دولار. أما الموازنة البحرينية فبلغت إيراداتها 2.1 مليار دولار، مقابل نفقات بنحو 3.1 مليارات دولار. وستستخدم معظم دول الخليج عوائدها النفطية لخفض الدين العام. فالمملكة العربية السعودية تعتزم استخدام قسم من فائضها لخفض الدين العام من 660 مليار ريال (176 مليار دولار) إلى 614 مليار ريال (73.163 مليار دولار).(7)
    ورغما عن أن القدرة على التنبؤ في سوق النفط محدودة للغاية، فإن الزيادة الكبيرة في طلب الصين والهند على النفط من ناحية مع زيادة المخاوف الدولية من الإرهاب والتخريب والحروب من ناحية ثانية ترجح أن أسعار النفط قد لا تنخفض كثيرا في السنوات الخمس القادمة. بيد أن دوام الحال من المحال في سوق النفط مع الاتجاه نحو البحث عن بدائل للنفط من ناحية ومع اندماج روسيا في الاقتصاد العالمي للنفط والسعي للبحث عن مصادر غير خليجية له من قبل دول العالم المختلفة.
    وعلى هذا فإن التذبذب في الأسعار يمكن أن يقلب الفوائض عجزا من خلال صدمات العرض والطلب غير المتوقعة بما يجعل الصيغة القديمة غير قادرة على الاستمرار وبما يحدث شرخا آخر في بنية الاستبداد العربي المعاصر.
    ثيولوجيا الإسلام الديمقراطي
    "فزاعة الجماعات الإسلامية" هو التوصيف الإعلامي لاستخدام النخب الحاكمة لخوف الغرب من وصول جماعات إسلامية إلى سدة الحكم في الدول الإسلامية. بيد أن تغيرا حادثا في تعاطي الجماعات الإسلامية المعتدلة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين مع النظم السياسية ومع النخبة الإسلامية المثقفة جعلت منهم طرفا قابلا بمؤسسات الديمقراطية وإجراءاتها وإن كانوا يتحفظون على واحدة من أهم ملامحها في الغرب وهو العلمانية. فرغما عن أن كليهما غربي فإنهم قبلوا بآليات الديمقراطية ورفضوا العلمانية باعتبارها إطارا معرفيا وأخلاقيا يتناقض مع المرجعية الإسلامية.
    ورغما عن أن قبول الإخوان تحديدا لممارسات المنافسة السياسية من ترشيح وتصويت وانتخاب وتمثيل للأمة يرجع إلى عصر مؤسسهم لكنهم جددوا الالتزام تجاه هذه الجوانب المؤسسية والميكانيكية للإجراءات الديمقراطية. بيد أن تطورا آخر يحدث نتيجة تفاعلهم مع مفكرين إسلاميين، وإن لم يكونوا رسميا أعضاء في الجماعة، مثل الشيخ القرضاوي، ود. محمد سليم العوا، ود. محمد عمارة، والمستشار طارق البشري وأ. فهمي هويدي، وراشد الغنوشي، وحسن الترابي. فقد كانت إسهامات هؤلاء الفكرية موضع اعتبار من قادة الجماعة. فكتاب القرضاوي "في فقه الدولة الإسلامية" أعطى للجماعة صك الغفران للتعامل مع الديمقراطية على أنها إسلامية بقدر ما هي أداة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أعطى مبررات عملية ونصية لقبول فكرة التصويت على اعتبار أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فعلها وأن المشاركة في الانتخابات شهادة "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" وأن التنافس الحزبي نوع من مأسسة الخلافات السياسية والتعاون على البر والتقوى، وأن "المسلمين عند شروطهم" من باب "وأوفوا بالعقود" كما نص القرآن فإن خسر الإسلاميون انتخابات حرة نزيهة فواجب عليهم شرعا أن يتركوا مناصبهم لأنهم أقسموا احترام الدستور وتعاهدوا على ذلك.
    كما كانت جهود المستشار البشري بارزة في تبني صيغة مدنية للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع المسلم وتجاوز الصيغة التقليدية لأهل الذمة، كما أن ولاية غير المسلم على المسلم لم تعد قضية ذات محل على اعتبار أن المجتمعات الحديثة هي مجتمعات بيروقراطية تقوم على المؤسسات التي تكون هي صاحبة الولاية على الفرد.
    كما قبل الإخوان بالعديد من المقولات التي تدعو إلى أن السلطة للشعب بشرط ألا يقرر الشعب ما يتعارض صراحة مع نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة من القرآن والسنة. وكان محمد سليم العوا وراشد الغنوشي وحسن الترابي من رواد الفكر الإسلامي المعاصر الذين قدموا هذا الطرح. وفي هذا مغادرة واضحة لمفهوم الحاكمية الذي روج له سيد قطب.
    ورغم أن الإخوان لم يقدموا بعد رؤية متكاملة بشأن العديد من القضايا فإنهم مدفوعون لأن يقدموا رؤى متكاملة بحكم المواقع السياسية التي يحتلونها. فهم الآن الأكثر حضورا بين قوى المعارضة في كافة البلدان العربية التي فيها برلمانات والتي تسمح لهم بالوجود.
    على مستوى آخر فإن الإخوان المسلمين يجتهدون في أن يتمايزوا عن الجماعات المتشددة التي تتبنى العنف ضد حكوماتها ومجتمعاتها. فالإخوان، حتى الآن على الأقل، لم تضعهم الدول الغربية على لائحة الجماعات الإرهابية رغما عن أنهم الأكبر عددا والأقدم تاريخا والأكثر تأثيرا وخرج من عباءتهم الكثير من الجماعات المتشددة الأخرى. وأكبر دليل على ذلك الانتقادات التي يوجهها أعلام الجماعات المتشددة إلى الإخوان. ومن ذلك انتقادات أيمن الظواهري الشديدة للإخوان المسلمين.
    وقد ذهب أحد الباحثين إلى القول إن: "الانعطاف الديمقراطي لدى فريق من الإسلاميين، ونحو الأساليب السلمية في الكفاح السياسي هو دليل على اتجاه الحركة الإسلامية نحو الاعتدال، الأمر الذي يعني تضييق مساحة الاختلاف بين قسم مهم من الحركة الإسلامية والفرق والاتجاهات السياسية الأخرى."(8) وإن صحت هذه الملاحظة، وأعتقد أنها صحيحة، فإن شرخا آخر في بنية الاستبداد العربي يأخذ في الاتساع بسبب اتجاه الفصيل الإسلامي الرئيسي نحو تبني الإجراءات الديمقراطية، بحكم اضطرار الحركات الإسلامية للتعايش في بيئة تعددية لا تستطيع أن تفرض إرادتها المنفردة عليها.

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    تكنولوجيا الفضاء العام
    إن مفهوم الفضاء العام الذي طرحه "هيبرماس" يشير إلى تلك المساحة الذهنية الرحبة التي لا تسيطر عليها المؤسسات الحكومية فيتمكن فيها المرء من التأمل والتدبر والمداولة مع أقرانه. هي مساحة للتفكير في اللامفكر فيه سياسيا ودينيا. وبدون الدخول في التفصيلات النظرية للمفهوم فإن المجتمعات العربية، مع تفاوت واضح في الدرجة، بدأت تشهد اتساعا لهذه المساحة من الفضاء العام. والعامل الدافع لهذا الفضاء الآخذ في الاتساع هو تكنولوجيا الاتصالات التي وفرت للمواطن العربي القنوات الفضائية والمواقع التفاعلية على الإنترنت. فقد بلغ عدد القنوات الفضائية العربية 120 قناة يتم بثها بواسطة القمر الصناعي العربي "عربسات" والقمر الصناعي المصري "نايلسات". وحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 الذي يصدر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فإن 70% من هذه القنوات تابعة رسميا لحكومات عربية.(9)
    أما نسبة القنوات الفضائية العربية المملوكة لقطاع خاص عربي والتي تبث إرسالها باللغة العربية من خارج الوطن العربي، فتصل إلى 15% من إجمالي القنوات الفضائية العربية. بينما وصلت نسبة القنوات الفضائية الخاصة التي تبث إرسالها من داخل الوطن العربي إلى 10%، ما يعني أن الفضائيات العربية الرسمية ما زالت هي المهيمنة على البث الفضائي العربي. ومع ذلك فإن العودة إلى نسب المشاهدة تشير إلى أن القنوات الفضائية المملوكة للحكومات العربية هي الأقل مشاهدة فيما يتعلق بالقضايا السياسية وتأتي قناة الجزيرة باعتبارها الأكثر مشاهدة بين كافة الفضائيات الإخبارية العربية. ويرجعها بعض الباحثين إلى أنها الأكثر راديكالية في رفضها للأوضاع القائمة.(10)
    كما وفرت شبكة الإنترنت فرصة ممتازة لخلق فضاء عام أرحب للتفاعل بين المواطنين العرب لا سيما الشباب منهم. وبالعودة إلى مواقع الحوار التي يوفرها موقع هيئة الإذاعة البريطانية على النت في آخر شهرين، كانت هناك جرأة شديدة في نقد الأوضاع العربية. ففي المساحة الخاصة بالانتخابات التشريعية المصرية كان هناك حوالي 184 مشاركة منشورة. كان معظمها (حوالي 64%) شديد النقد للحزب الحاكم في مصر ومحاولات الحزب للسيطرة على كافة جوانب الحياة السياسية من أجل الإعداد للتوريث. وكان الكثير منها (42%) متعاطفا مع الإخوان المسلمين وحقهم في أن يصلوا إلى الحكم. المثير في هذه المساحة أن الأقباط، هكذا برزوا من أسمائهم، كانوا شديدي النقد للإخوان وللحكومة معا وكأنها مؤامرة إسلامية ضد أقباط مصر وهو تحد لا يمكن تجاهله لوحدة الأمة المصرية يبرزه هذا الفضاء العام. وكان هناك قبول عام (89% من المداخلات) للديمقراطية من حيث المبدأ مع انتقاد الأوضاع الراهنة باعتبارها غير ديمقراطية. إن مثل هذه المساحة من الفضاء العام تكشف عن نزعة نحو نقد الأوضاع الحالية والرغبة في مجتمعات أكثر ديمقراطية.
    إن الفضاء العام ولد واتسع وهو آخذ في الاتساع ورغم أن فقط 6% من المواطنين العرب (فوق سنة 18) يملكون القدرة على الوصول إلى الفضائيات وأن نصف هذه النسبة فقط لديها القدرة على الوصول إلى شبكة الإنترنت(11) فإن المستقبل سيشهد زيادة كمية وكيفية ستشكل حتما شرخا جديدا في بنية الاستبداد العربي.
    نهاية الأيديولوجيا الشعبوية
    إن تراجع الأيديولوجيات الشعبوية – القومية تحديدا في نسختها البعثية والناصرية المصرية واليمنية والليبية- القائمة على التعبئة السياسية والتماهي في مشروع قومي يقوده حزب على قمته قائد ترك فراغا ضخما يسمح بإعادة التفكير في بنية النظم السياسية العربية. فالحركة القومية العربية لم تصل إلى الحكم في أي دولة عربية عن طريق انتخابات حرة نزيهة بل كان دائما عن طريق الانقلاب العسكري (مصر، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان) أو عن طريق الثورات الشعبية ضد الاستعمار (الجزائر، واليمن الجنوبي) ولكنها مع الأسف ضحت بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مقابل الوحدة العربية والانتصار على الاستعمار والصهيونية.
    إن مأزق الأيديولوجية القومية العربية أنها كانت أقرب إلى النموذج العضوي الذي جسدته التجربتان الألمانية (بيسمارك) والإيطالية (غاريبالي) حول أولوية العنصر الإثني واللغة والتاريخ والثقافة في تحديد الهوية القومية والتعويل على دور القائد والزعيم الملهم.(12)
    وكان الطرح السائد في ظل هذه الصيغة الأيديولوجية هو "إما / أو" فإما الحقوق المدنية والسياسية أو الوحدة والاستقلال والتنمية الاقتصادية. وكان يغلف هذا، مع الأسف الشديد، الممارسات القمعية والفساد وتهميش المعارضين وإقصائهم عن الحياة العامة.
    إن مراجعات فكرية تحدث على الأيديولوجية القومية التقليدية لتبني المكونات الديمقراطية وحقوق الإنسان بحيث ألا يشعر أبناء الأقليات غير العربية أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وهذه المراجعات تقترب بالقومية العربية من النمطين الفرنسي والإنجليزي والذي يعلي من مكانة الدولة الأمة بمفهومها القانوني والدستوري ويسمح بحرية تكوين المؤسسات المدنية على قدم المساواة بين كافة الجماعات الفرعية الإثنية والدينية على أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعا.(13) وأهم ما تنتجه هذه المراجعات هو ما يمكن تسميته عامل "الواو" والمقصود به انتفاء نموذج الاختيار بين الوحدة ومقاومة المستعمر والعدالة الاجتماعية من ناحية "أو" الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات. إننا أمام محاولة لاستيعاب عامل "الإضافة والتكامل" بين الأهداف دون الحاجة للتضحية بالديمقراطية من أجل غيرها.
    فالناصريون في مصر واليمن من أكثر القوى السياسية مطالبة بالديمقراطية والمواطنة الكاملة بيد أن هذه المراجعات ظلت فكرية دون أن تجد مصادقات لها على أرض الواقع حتى الآن.
    إن تراجع الأيديولوجيات الشعبوية عن سدة الحكم في عدد من البلدان العربية وحدوث مراجعات فكرية تتصالح مع قيم الديمقراطية ومؤسساتها وآلياتها شرخ آخر في بنية الاستبداد العربي.

  4. #4

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    مرونة الطلب على الديمقراطية عربيا
    الثقافة السياسية متغير شديد الأهمية في تفسير واستشراف مستقبل الديمقراطية العربية على أكثر من مستوى. فواحدة من أنماط التحول الديمقراطي هي الثورة الشعبية أو الضغوط من أسفل الهرم السياسي. وهذه الثورة لن تفضي إلى تحول ديمقراطي إلا إذا كان هناك يقين لدى قطاع واسع من المواطنين أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم متاح، مهما اعتراه من عيوب أو مشكلات وهو ما يفتح الطريق نحو التساؤل عن مرونة الطلب على الديمقراطية في الوطن العربي.
    كما أن استدامة الديمقراطية ورسوخها Democratic Consolidation تتطلب أن تكون التفضيلات السياسية تجاه الديمقراطية على حساب ما عداها من نظم مهما كانت التحديات.
    والحالة الأسبانية قدمت مثالا هاما في هذا المقام. ففي ظل فرانكو كانت نسبة البطالة في أسبانيا الأقل بين كافة دول أوروبا الغربية. ووصلت إلى حوالي 20% خلال منتصف الثمانينيات لتصبح الأعلى بين كافة دول أوروبا الغربية إلا أن تمسك الأسبان نخبا وشعبا بالديمقراطية لم يتراجع وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجريت آنذاك.(1) وعلى هذا الأساس يكون من المفيد دراسة مدى استعداد وتمسك الدول العربية بالديمقراطية قيما ومؤسسات.
    وهو ما يتطلب في الحالتين العودة إلى المتاح من البيانات الميدانية عن الثقافة السياسية العربية.
    أولا: قبول الثقافة السياسية العربية للديمقراطية:
    خرجت عدة دراسات ميدانية في آخر 10 سنوات عن المنطقة العربية(2) لتناقش توجهات المواطنين العرب تجاه قيم الديمقراطية. وقد استفاد الباحث من البيانات التي وفرتها بعض هذه الدراسات فضلا عن استطلاع للرأي أجراه الباحث مع فريق بحثي معاون في عدد من البلدان العربية عند إعداده لرسالة الدكتوراه.
    وقد رصدت العديد من هذه الدراسات تفاوتا ملحوظا بين الثقافات العربية على نحو جعل التعميم عن الوطن العربي بأكمله مسألة لا تخلو من مخاطر. وبعد مقارنة مصادر البيانات المختلفة واستطلاع نتائجها أمكن الوصول إلى خريطة تعبر عن التوجهات السياسية للقطاع الذي يجيد القراءة والكتابة من العرب والمسلمين في 32 دولة تجاه قيم الديمقراطية ومؤسساتها.
    ويتبين لنا التفاوت الشديد في قبول المواطنين المتعلمين لقيم الديمقراطية ومؤسساتها حيث وجه الفريق البحثي للمواطنين أسئلة بشأن التسامح السياسي وقبول الآخر الشريك معهم في المجتمع (مثل توجهاتهم بشأن حقوق المرأة أو الأقليات الدينية).
    كما استطلعت آراؤهم بشأن رؤيتهم حول أهمية المشاركة السياسية (التصويت في الانتخابات) ومؤسسات التنافس والتمثيل السياسي مثل الأحزاب والانتخابات والبرلمان. ووجد أن هناك مجتمعات، مثل المملكة العربية السعودية واليمن وليبيا وعمان والإمارات، تواجه ثقافة سياسية تقف موقف المتشكك من القيم الديمقراطية ومؤسساتها على نحو يجعلنا نتقبل أن عامل الثقافة السياسية يمكن أن يلعب دورا هاما في تفسير عدم وجود أو استقرار الديمقراطية في هذه المجتمعات.
    وهناك مجتمعات أخرى تبدو أن ثقافتها لا تشكل عائقا ضد التحول الديمقراطي على الأقل في حدود توجهات المواطنين تجاه قيمة التسامح السياسي واحترامهم لمؤسسات التنافس والتمثيل السياسي مثل المغرب ومصر وتونس والأردن. وهو ما أكدته استطلاعات رأي أخرى.(3) وبالتالي تكون الأولوية عند محاولة تفسير غياب الديمقراطية في هذه المجتمعات للعوامل غير الثقافية.
    وليس الهدف من هذا العرض هو الدخول في معالجة تفصيلية بشأن الثقافة السياسية للمجتمعات العربية ولكن لتوضيح أن المجتمعات العربية تتباين فيما تحمله من قيم ثقافية على نحو يجعلنا نعطي أولية لعامل على آخر في حالة دون أخرى وعلى نحو يجعل بعض المجتمعات أكثر استعدادا للقبول بالديمقراطية الليبرالية أكثر من غيرها.
    ثانيا: مرونة الطلب على الديمقراطية:
    إن استمرار النظم التسلطية التقليدية والتنافسية يتوقف ضمنا على نجاحها في تدجين مواطنيها وتربيتهم على قبول الوضع الراهن. كما أن نجاح قوى المعارضة الديمقراطية في الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية ليبرالية يتوقف على خلق ثقافة سياسية تحترم قيم الديمقراطية ومؤسساتها بل وتستعد لتحمل تكلفتها وتبعتها.
    إن مشاهد الطلبة المتظاهرين والعمال المضربين في كوريا الجنوبية وملايين الجورجيين والأوكرانيين في الشوارع تحت الأمطار متظاهرين من أجل تحول ديمقراطي حقيقي يؤكد أن لكل شيء ثمنا وأن الطلب الحقيقي على الديمقراطية يقتضي التضحية.
    وكان هذا هو الهدف من سؤالين وجهتهما للمبحوثين في الدول التي شملها استطلاع الرأي المشار إليه. وكان السؤالان هما:
    1 - هناك أشخاص يقتلون أو يعتقلون بسبب مطالبتهم العلنية بحقوقهم السياسية. هل توافق أو تعترض على أنهم يسلكون مسلكا سليما؟.
    2 - كي يحقق الناس في مجتمعك حقوقهم السياسية فإنهم عليهم أن: يتحدوا الحكومة علانية حتى لو أدى ذلك إلى استخدام العنف، أو أن يتحدوا الحكومة علانية بلا عنف، أن يعبروا عن مشاعرهم السلبية تجاه حكامهم ولكن بصورة غير علنية أو أن يصبروا وأن يلجئوا إلى الله بالدعاء كي يبدلهم حكاما أفضل.
    وباستخدام أسلوب الـ factor analysis تم الجمع بين السؤالين في متغير واحد أمكن تسميته مرونة الطلب على الحقوق السياسية. والمعنى الاقتصادي لكلمة مرونة له قيمة تحليلية عالية في هذا المقام لأن الناس لا يقدمون على شراء سلعة يرتفع ثمنها إلا إذا كان بحاجة شديدة لها مثل الطلب غير المرن للمدخن الشره على السجائر وكذا المريض الذي بحاجة لدواء ملح. فمهما ارتفع ثمنها فهو مستعد لبذل الثمن المناسب. أما طلب الناس على الكثير من الكماليات (مثل نوع معين من الروائح) فإنه يوصف بأنه طلب مرن لأن أي ارتفاع في السعر يقابله انخفاض واضح في الثمن بالذات مع تعدد البدائل المقبولة.
    السؤال هو: هل يرى المواطن العربي ن أن الطأن حقوقه السياسية كالدواء الذي يستحق التضحية من أجله أم أنه من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها والعيش بدونها؟
    استخلاصا لنتائج استطلاع الرأي السابق، وبعد وضع ترتيب للدول على مقياس حسابي، لوحظ أن الدول العربية تحتل القمة بامتياز، بما يعني أنها تملك مرونة الطلب الأعلى على الديمقراطية، أي أنها التي ترى المطالب الديمقراطية أقل إلحاحا مقارنة بغيرها. وهو ما يساعد كثيرا النخب العربية على ألا تراوح عملية الانفتاح السياسي المحدود والتكتيكي إلى التحول الديمقراطي الليبرالي.
    فالاستعداد للتضحية من أجل الحقوق السياسية في الدول العربية ضعيف إذا ما قورن بالاستعداد للتضحية بين المجتمعات المسلمة غير العربية. وأعلى مجموعتين من المواطنين العرب المستعدين للتضحية من أجل حقوقهم السياسية هما لبنان والجزائر. وهما دولتان تتصفان بتشرذم واضح في الثقافة ونزعة تاريخية لتحدي السلطة الحاكمة ويقل هذا الاستعداد للتضحية نسبيا في الدول الخليجية.
    والمفارقة تبدو في أن مصر وتونس والمغرب، وهي الدول العربية التي بدا أنها الأكثر قبولا للقيم الديمقراطية ومؤسساتها، لم يسجل مواطنوها استعدادا عاليا للتضحية من أجل حقوقهم السياسية بما يعني أن مواطني هذه الدول في انتظار منحة من الحكام دون استعداد حقيقي لدفع الثمن الباهظ.
    إن صح هذا التحليل فإن المجتمعات العربية مفتوحة على احتمالات عدة أقربها إلى الواقع الميداني هو التحول عن التسلطية ولكن ليس في اتجاه الديمقراطية وإنما في اتجاه تسلطية تنافسية لها توتراتها التي يمكن أن تفضي إلى تحولات ديمقراطية حقيقية على مدى زمني أطول.
    وهذا ليس ببعيد، فالنظام التسلطي التنافسي بطبيعته غير مستقر لأنه قائم على قواعد ومؤسسات ديمقراطية شكلا وممارسات وتكتيكات تسلطية. وهو ما يفتح مساحة، محدودة في البداية، لقوى المعارضة لإبراز وجودها واستغلال الثغرات والتناقضات بين القانون والممارسة من قبل النخب الحاكمة وهو ما قد يفضي إلى أزمات شرعية للنخب الحاكمة مثلما حدثت في المكسيك عام 1988 وفي نيكارجوا عام 1990 وفي زامبيا 1991 وفي روسيا 1993 وفي أرمينيا عام 1996 وفي ألبانيا عام 1997 وفي غانا وبيرو وصربيا وأوكرانيا عام 2000 وفي زامبيا مرة أخرى عام 2001 وفي جورجيا 2003 وفي أوكرانيا عام 2005.
    في بعض الحالات تنجح النظم الحاكمة في تجاوز الأزمات (مثل روسيا وماليزيا وألبانيا وأرمينيا) وفي أحيان أخرى ينهار النظام مثل نيكاراجوا في 1990 وفي غانا والمكسيك في عام 2000 وفي جورجيا 2003 وأوكرانيا 2005 ويتحول بشكل دراماتيكي نحو الديمقراطية. بيد أن هذا التحول نحو الديمقراطية يقتضي ثلاثة شروط كانت بارزة في كل هذه النماذج:

    1 - رأي عام حانق على الوضع التسلطي وراغب في تغييره مع الاستعداد للتضحية المعقولة.
    2 - معارضة متفقة على الحد الأدنى من قواعد العمل المشترك تحت قيادة تحظى بالقبول الشعبي.
    3 - وضع دولي وإقليمي مساند لتفكيك النظام القديم ومساندة النظام الجديد.
    والمعطيات السابقة جميعا ترجح أن المنطقة العربية ستظل تراوح بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية في ظل غياب لنخب مستعدة لأن تتبنى برنامجا متكاملا للتحول الديمقراطي.

  5. #5

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    انحسار الضغوط الأمريكية
    إن مفهوم الديمقراطية مفهوم ملتبس. فما خلا المملكة العربية السعودية، لا يوجد نظام حكم في العالم لا يدعي قادته ورموزه وصلا بالديمقراطية بغض النظر عن مدى التزامه بها. فألمانيا الشرقية كانت تلحق لفظة ديمقراطية باسمها الرسمي ولا تزال الجزائر فاعلة، كما يتحدث الخليجيون عن "ديمقراطية الصحراء"، وابتدع محفوظ نحناح مفهوم الـShuracracy كالبديل الإسلامي عن الديمقراطية العلمانية، وتحدث شيوعيو الاتحاد السوفيتي عن "الديمقراطية المركزية" وروجت نظم الحزب الواحد في إفريقيا لفكرة "ديمقراطية اتفاق الرأي" (unitary democracy).
    وقليلة هي الدول التي لا تنص في دساتيرها أو وثائقها الرسمية على أنها تتبنى الديمقراطية بما في ذلك عراق صدام حسين، وبيرو فوجيموري، وأوغندا عايدي أمين وغيرها. ومن هنا حدثت فجوة بين "الشيء" الذي يسمى الديمقراطية والمصطلح الذي أصبح أسيرا للاستخدام غير الرشيد إعلاميا وسياسيا(1).
    غموض نوع الديمقراطية التي تقصدها أمريكا
    وفي مواجهة فوضى الاستخدام الدعائي للمفهوم، طفق الأكاديميون في استنباط صفات يضعونها قبل كلمة ديمقراطية لوصف النظم التي كانوا معنيين بدراستها. فهناك من تحدث عن مجتمعات هجين "hybrid regimes” وهناك من تحدث عن نظم "شبه تسلطية "semi-authoritarianism” أو استخدم وصف "التسلطية الناعمة" "soft authoritarianism," أو "الديمقراطية المزيفة" "pseudodemocracy"، أو"أشباه الديمقراطية" "semi-democracies" ، أو "ديمقراطية غير ليبرالية" ""illiberal democracy ، أو ديمقراطية تقديرية “virtual democracy" أو "استبدادية انتخابية" “electoral authoritarianism” و"ديمقراطية انتخابية" electoral democracy,"
    إن توضيح المفهوم مهمة أساسية في هذا المقام. فمحاولة تحديد ما الذي يقصده كل لاعب سياسي بكلمة ديمقراطية عند استخدامه لها ضرورة. فاللفظة واحدة والمقاصد متنوعة. والمفهوم من فرط استخدامه، أطلق على الشيء ونقيضه.
    ومن هنا فإن التساؤل يكون: أي واحدة من هذه الديمقراطيات تقصد الولايات المتحدة عند حديثها عن "شرق أوسط ديمقراطي" أو عن "عراق ديمقراطي" (خطاب بوش 12 نوفمبر 2004)؟.
    إجابة هذا السؤال تتطلب العودة إلى خطابات وتصريحات الرئيس بوش والرسميين الذين يمثلون توجهات الإدارة.. الإجابة محبطة لأقصى درجة. فالرئيس بوش وكبار مساعديه يتعاملون مع مصطلح "الديمقراطية" على أنه واضح بذاته self-evident بما يجعل المتابعين لموقف الإدارة الأمريكية شديدي التشكك مما يقصدونه عندما يتحدثون عن الديمقراطية.
    والغريب أن مساعدي الرئيس لم يقدموا تفصيلا لما أجمل رئيسهم باستثناء التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تعتزم غزو دول أخرى أو فرض نمط بذاته على دول المنطقة كما قالت وزيرة الخارجية كوندليزا رايس في أكثر من موضع وذلك بقولها: "ينبغي أن يترك لكل مجتمع أن يختار نمط الديمقراطية التي تناسبه".(2) وحتى حينما صرح ديك تشيني نائب الرئيس بأن الولايات المتحدة ستتقبل أي نظام حكم يختاره العراقيون حتى لو كانوا إسلاميين فإن بعضا من المراقبين الأمريكيين اعتبروه "مثالية لا تنطلي على أحد".(3)
    وعلى مستوى نظري فإن للديمقراطية نسقا إجرائيا ينبغي أن نكون على وعي به حتى نفرق بين الديمقراطية وأخواتها، إن جاز التعبير، ولكي نتحسب من نوع الديمقراطية التي تريدها الولايات المتحدة للمنطقة.
    ولأغراض هذه الورقة فإن "الديمقراطية وأخواتها" سبعة. الديمقراطية الليبرالية المستقرة ولها عناصر ستة، إن غاب واحد منها انحرفت لإحدى أخواتها. وهذا الانحراف يعني خطوة أو أكثر نحو التسلطية. وهذه العناصر هي:
    1 - حق التصويت مكفول للجميع بغض النظر عن النوع والعرق والدين، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت "ديمقراطية انتقائية" (شرط الشمول Comprehensiveness condition). وكان المثال على ذلك الولايات المتحدة حتى عام 1920 وسويسرا حتى عام 1971 وكانتا منعتا المرأة من المشاركة في الانتخابات.
    2 - منافسة مكفولة لكل القوى السياسية التي تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت "ديمقراطية غير تنافسية" (شرط التنافس Competition condition) وعلى هذا فإن منع الإسلاميين المعتدلين في الدول العربية من الدخول في الانتخابات بحجة أنهم جميعا إرهابيون أو منع العلمانيين من الدخول في السباق من أجل مقاعد البرلمان في إيران أو السودان ينال من شرط التنافسية.
    3 - احترام للحقوق المدنية، وإلا تتحول إلى "ديمقراطية غير ليبرالية". (شرط الليبرالية Liberalism condition) وهو مثال نظامي الحكم العنصري في جنوب إفريقيا وناميبيا حيث كانت تجري انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمي للسلطة في ظل غياب واضح للحقوق والحريات المدنية لقطاع واسع من المواطنين الأفارقة.
    4 - وجود تعدد لمراكز صنع القرار بما يتضمنه هذا من مساءلة ومسئوليات متوازنة، وإلا تحولت إلى "ديمقراطية انتخابية" (شرط المساءلة Accountability condition). والمثال على ذلك روسيا الاتحادية تحت ظل الرئيسين يلتسن وبوتين حيث تجري انتخابات فيها درجة عالية من التنافس بيد أنها لم تضع أيا منهما تحت مسئولية حقيقية أمام البرلمان أو حتى العودة إليه في كثير من القرارات.
    5 - قبول كافة القوى السياسية لقواعد اللعبة الديمقراطية بغض النظر عن نتائجها وإلا تحولت إلى ديمقراطية غير مستقرة (شرط الاستدامة Sustainability condition). فالتاريخ شهد عددا من القوى السياسية التي وصلت إلى سدة الحكم في انتخابات حرة نزيهة أو بوعود بإقامة نظم ديمقراطية لكنها لم تف بوعودها مثل هتلر في ألمانيا النازية أو جبهة الإنقاذ في الجزائر أو نظام حكم مشرف في باكستان. فمع انتفاء شرط الاستدامة تنتفي قدرة الديمقراطية على إنتاج آثارها الإيجابية.
    6 - المصدر الوحيد للشرعية هو أصوات الناخبين ولا يقبل الناخبون بغير أصواتهم الحرة مصدرا للشرعية وإلا تحولت إلى ديمقراطية نخبوية أو ديمقراطية بلا ديمقراطيين (شرط الثقافة الديمقراطية Democratic Culture condition). فالتاريخ يشهد بالعديد من حالات التراجع عن الديمقراطية بعد إقرارها لصالح نخب عسكرية تتبنى شعارات شعبوية مثل مصر والعراق في أعقاب الحقبتين الليبراليتين تحت الاحتلال والأرجنتين والبرازيل في السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات.
    إذن الديمقراطية الليبرالية المستقرة هي التي تجمع العناصر الستة. وحقيقة فإن أدبيات علم السياسية ذخرت بنقاشات مستفيضة بشأن إطلاق لفظة ديمقراطية على نظام حكم يفتقد واحدا من هذه العناصر. فهناك من يرى أن الديمقراطية إما أن توجد أو لا توجد. فما قيمة "ديمقراطية" مع غياب تنافس حقيقي بين القوى السياسية التي يتكون منها المجتمع بسبب سيطرة حزب واحد على الحكم عن طريق التزوير والترهيب، وما هو جدوى إطلاق لفظة "ديمقراطية" على نظام حكم تأبى قواه السياسية احترام إرادة الناخبين إذا أتوا بمنافسيهم إلى الحكم(4).
    ورغما عن وجاهة الطرح السابق، فإن منطق "إما ديمقراطية أو لا ديمقراطية" له قيمة معيارية مفيدة لكن قوته التحليلية ضعيفة. فلا يمكن أن توضع نظم مثل الصين وروسيا الاتحادية وإيران وتونس وليبيا في نفس الخانة لأنهم لا يملكون عنصرا واحدا أو أكثر من العناصر السابقة.
    تراجع أمريكي ملحوظ
    هنا يصبح التساؤل الأساسي هو: لأي مدى تلتزم الولايات المتحدة بالمعايير السابقة عند ضغطها من أجل إصلاحات ديمقراطية في المنطقة العربية لاسيما أن مثل هذه الديمقراطية يمكن أن تفضي إلى وصول أعداء الولايات المتحدة من الإسلاميين والقوميين إلى السلطة؟
    مدخلان متكاملان للإجابة على هذا السؤال. الأول هو الرصد العددي لمرات تكرار الرئيس بوش لتعهده بإحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط وما ارتبط به من ضغط علني أو انتقادات صريحة لما اعتاد على وصفه بدول فاشلة "Failed States" في الشرق الأوسط.
    وبالعودة لخطب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الموجودة على موقع البيت الأبيض الأمريكي (918 خطبة) خلال الفترة من أول أكتوبر 2001 إلى منتصف ديسمبر 2005، فإنه قد استخدم لفظة ديمقراطية حوالي 1012 مرة وببعض مشتقاتها مثل "المجتمعات الحرة" أو "الحرية" أو "شعوب تختار من يحكمونها..". حوالي 823 مرة. وقد قال هذه التعبيرات في سياق حديثه عن الدول الإسلامية والعربية في حوالي 1160 مرة (أي في حوالي 63% من السياقات) بمتوسط حوالي 30 مرة في كل شهر، وفي أغلبيتها الكاسحة كان هناك ذكر للعراق وأفغانستان باعتبارهما نقطة الانطلاق لشرق أوسط ديمقراطي.
    بيد أنه في آخر شهرين (نوفمبر وديسمبر 2005) لم يتحدث عن الديمقراطية في الشرق الأوسط أو أحد مشتقاتها بنفس وتيرة التكرار وإنما انخفضت إلى حوالي النصف ففي نوفمبر 2005 على سبيل المثال ذكرها فقط 11 مرة.
    ولا ينفي ذلك أن الإدارة الحالية كانت بحق الأكثر ضغطا وانتقادا للأوضاع السياسية في الدول العربية والإسلامية. ففي الفترة من عام 1973 حتى عام 1980 وجه الرؤساء الأمريكيون انتقادات مباشرة لأوضاع حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية العربية والإسلامية حوالي 127مرة فقط. وفي خلال الفترة من 1980 حتى 1988 (إدارة ريجان) بلغت الانتقادات حوالي 231 مرة على لسان الرئيس الأمريكي وهو ما يشكل نصف الانتقادات التي وجهها ريجان لأوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية في دول أمريكا اللاتينية في نفس الفترة. أما الرئيس بوش الابن فقد وجه هذه الانتقادات إلى الدول العربية والإسلامية حوالي 1160 مرة كما أسلفت.
    ورغما عن الانتقادات الأمريكية للدول اللاتينية في عهد ريجان أحدثت انفراجة ديمقراطية واضحة في الثمانينيات فإن الانتقادات الموجهة للدول العربية والإسلامية لم تكن بالحدة أو بالتكرار الذي يحدث تأثيرا ملحوظا حتى جاءت الإدارة الحالية. فقط في حالة الدول العربية والإسلامية، كانت هذه الانتقادات والضغوط تأخذ شكل الموجات التي ترتفع ثم تنحسر بدون تحولات هيكلية على أرض الواقع. وهو ما يبدو منطبقا على الإدارة الحالية أيضا.
    وقد رصد جميل مطر ببراعة المأزق الذي واجهته الولايات المتحدة بإعلان التزامها بالديمقراطية في الشرق الأوسط، فعلق قائلا: "يقول عضوان بارزان في مؤسسة أمريكان إنتربايرز، القاعدة الفكرية والأيديولوجية لليمين المحافظ الحاكم في واشنطون، بأنهما بعد تفكير عميق توصلا إلى أن الديمقراطية في الشرق الأوسط قد تأتي بحكومات مناهضة للولايات المتحدة ومعادية للصهيونية، وأنهما اكتشفا التناقض الذي وقت فيه حملة التبشير بالديمقراطية عندما ووجهت باحتمال أن تصل منظمة حماس في فلسطين وكل من السلفيين السنة والبعث والمقاومة المسلحة في العراق والإخوان المسلمون في مصر وسورية والأردن إلى الحكم في هذه الدول"(5).
    وقد أفاض جميل مطر في تحليل أسباب التراجع الأمريكي عن الضغط اللفظي على الأقل من أجل شرق أوسط ديمقراطي، فأشار إلى: المشاكل الداخلية التي تواجهها الإدارة الأمريكية الحالية، وتحديات بناء عراق ديمقراطي، وأزمة سوريا، وتأثير أحمدي نجاد الذي انتخب شعبيا ليكون أكثر راديكالية من عشرات الحكام العرب الذين يلعبون دور الصديق دون فضيلة الانتخابات التنافسية.
    وأضيف إلى ذلك أربعة عوامل أخرى: أولا أن الحكومات العربية كانت فعالة للغاية في استرضاء الولايات المتحدة من خلال دعمها في حربها على الإرهاب بل وبالمبادرة بالتعاون معها في قضايا مثل تسليم أسلحتها لها، وثانيا أن الدعم الأوروبي لم يزد عن ساحة الخطابة والبلاغة بما جعل الإدارة الأمريكية تدرك أن عليها أن تدفع الفاتورة وحدها، وثالثا تأثير الانتخابات المصرية الأخيرة التي أفضت إلى نتيجة بمثابة جرس إنذار للإدارة الأمريكية بل وإسرائيل التي لا تتمنى أن تجد نفسها بجوار مصر تحت حكم إخواني، رابعا إن الإدارة الأمريكية أدركت أن سهم السببية له رأسان. فالعراق كان العراق جزئيا بسبب صدام وصدام كان صدام جزئيا بسبب العراق. ونموذج العراق هو القاعدة بين أغلب دول المنطقة العربية. فسلطة الحاكم شديدة التلاحم والتداخل مع شرعية نظام الحكم التي إما صنعها أو أتت به إلى السلطة وكلاهما شديدا الارتباط بوحدة الدولة وسيادتها.
    فما خلا مصر وتونس، تبقى كل الدول العربية في وضع مجتمعي شديد الضعف نتيجة التوازي في أشكال الانقسامات السياسية والاجتماعية والثقافية والإثنية التي يمكن أن تؤدي إلى انفجارات طائفية وعرقية ودينية إذا ما حدثت صدمات عنيفة مثل الغزو الخارجي.
    وعلى هذا فإن الموجة الأخيرة من الضغوط الأمريكية كانت الأعلى لكنها لم تكن مختلفة عن سابقتها في حقيقة انحسارها.
    هذا بشأن الإدارة الحالية مقارنة بالسابقات عليها، أما إذا عدنا إلى تاريخ الولايات المتحدة في غزو واحتلال الدول الأخرى يتبين لنا أن الولايات المتحدة قد تدخلت عسكريا في شئون الدول الأخرى في الفترة من 1800 حتى 2005 على الأقل 178 مرة. وقد أعلنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة التزامها بالديمقراطية والدفاع عن الحرية في معظم هذه الحالات.
    إلا أن التزامها لم يكن حقيقة بالديمقراطية الليبرالية وفقا للمعايير الستة المشار إليها والتي هي أقرب إلى قواعد عامة عادلة تترك للمواطنين الحق في اختيار من يحكمهم لكن في 80% من الحالات تم رصد تدخل أمريكي في سير العملية الانتخابية ذاتها من أجل دعم قوى بذاتها دون أخرى وهو ما جعلني في سياق آخر أفرق بين التدخل من أجل "ديمقراطية النتائج" Democracy of outcomes وديمقراطية الفرص المتاحة للجميع "Democracy of opportunity" (6).
    فتدخل الولايات المتحدة الأمريكية كان في 80% من الحالات لصالح بناء نظم انتخابية electoral polities معها تفضيلات محددة ودعم مباشر لبعض القوى من أجل أن تفوز في الانتخابات وليس من أجل الديمقراطية بمعناها المجرد. وأبرز هذه الأمثلة صياغة الدستور الألماني الغربي على نحو يمنع وجود أحزاب نازية أو شيوعية. وعلى هذا فإن ما يتوفر لنا من أدلة، سواء بحكم تاريخ الولايات المتحدة أو سلوك الإدارة الحالية يؤكد على أن الإدارة الحالية ليست ملتزمة بالديمقراطية بمعناها الليبرالي المجرد ولكنها معنية بأخواتها أي بنوع من الانفتاح السياسي الذي يزيد من جرعة الديمقراطية دون أن تكون تامة البناء والتكوين، إلا إذا ضمنت أن أعداءها لن يفيدوا من هذه الديمقراطية في غير مصلحتها.
    وليس بعيدا عنا موقف الإدارة الأمريكية الحالية من رفض التعاون مع الراحل ياسر عرفات تحت ذريعة أنه لا يعبر عن الشعب الفلسطيني ولفساده واستبداده في الوقت الذي تعلم فيه الإدارة الأمريكية أنه ليس أفضل كثيرا من غيره من الحكام العرب. ثم موقفها من رفض مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية رغما عما يحمله هذا الموقف من تناقض مع مواقفها المعلنة تجاه دعم التحول الديمقراطي في كل الأحوال.
    خلاصة الأمر، أن التعويل على الضغوط الأجنبية لن يفيد كثيرا لأن الحقائق على الأرض تجعل مصلحة الولايات المتحدة في ألا تضغط من أجل تغيير الصديق بالعدو المحتمل.

  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    من تسلطية تقليدية إلى تسلطية تنافسية
    إن معطيات حالة الديمقراطية في الوطن العربي ترجح أن التسلطية التقليدية تتراجع عن مكانها التقليدي إلا أن هذا لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مصاف الدول الديمقراطية. فكما أوضحت الورقة فإن للديمقراطية عناصرها ومكوناتها الأساسية. بيد أن هناك نزعة عند الكثير من الحكام العرب لإدخال تعديلات شكلية لا تغير من حقيقة بنية الاستبداد السياسي الكثير، وهو ما جعل فهمي هويدي يصفها بأنها "ديمقراطية سياحية" بمعنى أنها تغييرات شكلية لإرضاء الوفود الأجنبية التي تزور المنطقة العربية.
    وعلى هذا الأساس فإن الضغوط الدولية المنحسرة مع تشبث النظم الحاكمة بسيطرتها على الحكم مع الضعف الشديد من قوى المعارضة ستؤدي على أفضل التقديرات إلى انفتاح سياسي محدود يمكن أن يفضي إلى نوع من "التسلطية التنافسية" على النمط الروسي. وهو ما يعبر عنه الجدول التالي والذي يوضح جوانب المفارقة بين التسلطية التقليدية والتسلطية التنافسية والديمقراطية الشكلية (الانتخابية) والديمقراطية الليبرالية. فالديمقراطية في الممارسة العملية تتضمن:
    1 - إجراءات (procedures) لتأسيس الحكم على أساس انتخابات حرة نزيهة تنافسية ودورية على كل المناصب الحكومية التنفيذية والتشريعية.
    2 - عمليات (processes) للضبط السياسي وضمان تعدد مراكز صنع القرار بما تعنيه من مساءلة برلمانية وشفافية إدارية وفعالية قضائية.
    3 - ثم الحقوق والحريات السياسية وعلى رأسها حرية التعبير الفردي والجماعي وعبر كافة أجهزة الإعلام عن التوجهات السياسية للمواطنين.
    4 - وإذا أضفنا إلى ذلك التزام النخب السياسية والبديلة (المعارضة) بمبادئ (principles) وقيم الديمقراطية واحترامها لنتائجها فإننا يمكن أن نفرق بين ثلاثة نظم على الأقل وهي التسلطية التقليدية، والتسلطية التنافسية، والديمقراطية الليبرالية. وهو ما يوضحه الجدول والشكل التاليان.

    جدول (1) البدائل المتاحة أمام المجتمعات العربية
    الديمقراطية في الممارسة العملية التسلطية التقليدية التسلطية التنافسية الديمقراطية الليبرالية
    إجراءات تأسيس الحكم (انتخابا ت حرة نزيهة دورية تنافسية( مزورة أو غير تنافسية إن وجدت تنافسية متوترة تنافسية تنتج تداولا سلميا للسلطة
    عمليات الضبط السياسي وتعدد مراكز صنع القرار (المساءلة البرلمانية، الشفافية الإدارية، الفعالية القضائية( غياب واضح لعمليات النقاش السياسي الحر والمؤثر على نحو ينال من القدرة على كشف الحقائق، مكافحة الفساد، توسيع البدائل أو تحديد المسئولية السياسية. وجود لكل العمليات المشار إليها
    الحقوق السياسية (حرية التعبير الفردي والجماعي والإعلامي( ضعيفة إن وجدت محدودة ومشروطة متوفرة
    درجة التزام النخبة بالقيم الديمقراطية ضعيف شكلي ويأتي كاستجابة لضغوط خارجية وداخلية ضعيفة (انفتاح سياسي محدود( عال و/أو استجابة لضغوط داخلية و/أو خارجية قوية.

    إن الإشارات الصادرة عن عدد من النخب العربية الحاكمة تشير إلى أن البديل المفضل لديها هو التحول عن التسلطية التقليدية إلى نوع من التسلطية التنافسية Competitive Authoritarianism (1) وهو مفهوم يحتاج درجة أعلى من الإيضاح.
    ففي هذا النظام توجد مؤسسات ديمقراطية قانونية تتراضى أطراف العملية السياسية على أنها مصدر الشرعية بيد أن النخبة الحاكمة تنتهك هذه المؤسسات عندما تجد نفسها بحاجة لهذا مثل حاجتها لتمرير قانون غير مقبول شعبيا أو من المعارضة. وأمثلة ذلك النظام متنوعة بين كرواتيا تحت حكم Tudjman وصربيا تحت حكم Milosevic وروسيا تحت حكم Putin وأوكرانيا تحت حكم Kravchuck ثم Kuchma وبيرو تحت حكم Fujimori وماليزيا تحت حكم مهاتير محمد.
    فهذه النظم تبنت إستراتيجية الانفتاح السياسي المحدود أو التكتيكي limited political liberalization (LPL)(2) كمحاولة للتكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية بإعطاء بعض التنازلات الشكلية مع زيادة إنفاقها على الأمن وإفساد القضاة وأجهزة الإعلام والصحافة واهتمامها بآليات الضبط السياسي. شكل (1) يوضح كيف تعمل هذه الإستراتيجية.
    فلو تصورنا أن هناك قيما مجتمعية ديمقراطية تعبر عن مطالب تتعلق بالحريات المدنية والسياسية والمساءلة والشفافية (يعبر عنها المحور الأفقي) في مواجهة مطالب دولانية (statist) تركز على قيم الأمن والنظام والاستقرار والحفاظ على الوضع الراهن (يعبر عنها المحور الرأسي). ولو تصورنا أن هناك قوى المعارضة التي تطالب بمزيد من القوى الاجتماعية (جانب الطلب) وهناك النخب الحاكمة والتي هي مسئولة عن جانب العرض لأنها في النهاية إما ترفع سقف قيم الدولنة على حساب القيم المجتمعية أو العكس (جانب العرض).
    كما يوضح الشكل (1) فإن التسلطية التقليدية تكون في حالة توازنية إذا لم تكن هناك مطالب حقيقية للتغيير مع استعداد لدفع الثمن (وهذا ما سندرسه عند الحديث عن الثقافة السياسية العربية) وإذا ما كانت النخب الحاكمة تسيطر على الأوضاع السياسية على نحو يجعل قيم الدولنة (نقطة Y) على درجة من الارتفاع بحيث إنها تضبط القيم المجتمعية (X). فهذه نظم استبدادية مستقرة على استبدادها طالما أنه لا توجد ضغوط حقيقية من أجل التغيير. ومن أمثلة هذه النظم في واقعنا العربي، نظم دول الخليج في الثمانينيات.
    بيد أن وضعا غير توازني (انتقاليا) ينشأ عند زيادة مطالب المعارضة بالقيم المجتمعية مع استعدادها لدفع ثمن التغيير (تغيير من أدنى) أو رغبة النخب الحاكمة في تبني صيغة ديمقراطية (على النمط الإسباني في عهد خوان كارلوس من قبيل التغيير من أعلى). فعند الاستجابة الأمينة لهذه المطالب يمكن أن تفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي بالانتقال إلى نقطة (S3) حيث ترتفع القيم المجتمعية وتنخفض الممارسات والقيم الدولانية.
    بيد أن النخب الحاكمة في كثير من البلدان العربية أبت أن تسير في هذا الاتجاه فاتجهت إلى تبني صيغة التسلطية التنافسية كاستجابة للمطالب بالتغيير. فإذا كانت هناك مطالب جادة بالتغير الديمقراطي فهناك ثلاثة احتمالات: إما استلهامها (وصولا إلى تحول ديمقراطي ليبرالي) أو قمعها (استمرار التسلطية التقليدية) أو استلهامها وقمعها في آن معا وهو ما يحدث في حالة الانفتاح السياسي المحدود الذي يؤدي إلى نوع من التسلطية التنافسية التي تعني (كما تمثله النقطة S2) زيادة طفيفة في القيم المجتمعية (كالانتقال من النقطة X إلى النقطة X1 ) بيد أنها تتبعه بزيادة في القيم والممارسات القمعية (بما يعني الانتقال من النقطةY إلى النقطة Y1).
    ومثال ذلك السماح بوجود أحزاب ثم التضييق عليها أمنيا أو السماح بإجراء انتخابات حرة غير نزيهة بمعنى أن يكون للناخب الحرية في اختيار من يشاء دون تزوير لإرادته لكن الدولة تتدخل في اختيار من لهم حق المنافسة الانتخابية، أو تعديل مواد دستورية من أجل استبعاد القوى التي يمكن أن تشكل منافسة حقيقية لصالح القوى التي لا تشكل أي ثقل انتخابي (تعديل المادة 76 في مصر نموذجا).
    إن النظم التسلطية التنافسية تختلف عن التسلطية التقليدية في أن نظم الحكم لا تستطيع، لأسباب داخلية و/أو خارجية، أن تتخلص من المعارضة تماما كما أنها لا تملك الالتزام الكافي بالقيم والمبادئ الديمقراطية بما يجعلها تقود بلدانها إلى الديمقراطية الليبرالية.
    والتسلطية التنافسية، بحكم التزامها الشكلي بالمؤسسات والإجراءات الديمقراطية، تعطي انطباعا زائفا بالديمقراطية لكنها ليست كذلك. وهي بهذا تضع نفسها في حالة توتر دائم بما قد يعجل بفنائها لاحقا إذا نجحت القوى المعارضة والمستقلة عن الحكومة أن تقدم شرعية بديلة.

    والتوتر المشار إليه يمكن رصده في أربعة مجالات:
    1 - هناك توتر انتخابي حقيقي. ففي النظم التسلطية التقليدية قد لا توجد انتخابات تنافسية على الإطلاق (كوبا والصين وكازاخستان وأوزباكستان وليبيا وسوريا) حيث تحظر الأحزاب المعارضة وينكل بالمثقفين المعارضين. كما أن الانتخابات مناسبة لإعلان إذعان الجميع للسلطة الحاكمة. وواحد من أهم مؤشرات غياب التنافسية هو فوز الرؤساء بأغلبية تفوق الـ 80% من الأصوات مثل فوزر إسلام كاريموف في أوزباكستان بـ 92% من الأصوات في عام 2000(3) والأمثلة العربية متعددة.
    أما النظم التسلطية التنافسية عادة ما تتسم بدرجة عالية من التنافس بين القوى السياسية المختلفة ومع ذلك تتسم بدرجة عالية من إساءة استغلال السلطة وعدم احترام نزاهة الانتخابات من خلال استغلال أجهزة الإعلام في اتجاه دون آخر، الاعتداء المعنوي والبدني على المعارضين، إساءة استغلال مؤسسات الدولة الرسمية مع غياب الشفافية عن عملية الاقتراع برمتها ومع ذلك الانتخابات تجرى في موعدها وتقبل عليها المعارضة كفرصتها الأساسية للضغط على الحكومات.
    ومن هنا فإن النخب الحاكمة التي تريد إعادة إنتاج نفسها وأنصارها تقبل عليها باهتمام شديد لاسيما مع وجود مراقبين دوليين وضغوط خارجية. ويكفي أن نشير إلى أن الرئيس بوريس يلتسن في 1996 والرئيس كوشما في أوكرانيا في 1999 قد واجها منافسة شرسة من الأحزاب الشيوعية. ورغما عن كل محاولات التلاعب والسيطرة على العملية الانتخابية فاز كوشما بـ35% من الأصوات في الجولة الأولى و56% من الأصوات في الجولة الثانية.
    الأهم في هذه الصيغة إصرار المعارضة على أن تكسب نقاطا من النخب الحاكمة عسى أن تكون هذه النقاط مقدمة لهزيمة الخصوم في مرحلة لاحقة. ففي بيرو نجح فوجيموري في الفوز في انتخابات 2000 لكنها جاءت في أعقاب انتخابات صورية وتصاعدت المعارضة الداخلية والضغوط الدولية عليه إلى أن اضطر إلى الفرار، والتجربة تكررت في عام 2003 مع شفرنادزه في جورجيا ومؤخرا في أوكرانيا مع الرئيس كوشما.(4)
    2 - التوتر في العلاقة بين النخبة الحاكمة والمؤسسة التشريعية: الأصل في النظم التسلطية التقليدية أنها لا تعرف مؤسسة تشريعية تقوم بمهام الرقابة الحقيقية على أعمال السلطة التنفيذية إلا أن النظم التسلطية التنافسية تعرف معارضة قوية نسبيا تنجح في أن تثير موجات من الرفض لسياسات النخبة الحاكمة في بعض الأحيان. ففي عهد كل من يلتسن وكوشما كانت المعارضة الشيوعية واليسارية بصفة عامة شديدة الوطأة لدرجة أنها أحرجت الرئيسين في أكثر من مرة رغما أنهما في النهاية مررا معظم القوانين التي طرحوها.
    ولكن في لحظة بذاتها يبدو أن البرلمان قوي وقادر على أن يقف حجرة عثرة في مواجهة سياسات الحكومة. ومثال ذلك نجاح البرلماني الأوكراني في وقف اقتراح الرئيس بعقد استفتاء لتقليص سلطات البرلمان.(5)
    وعادة ما تلجأ النخب الحاكمة للتخلص من البرلمان بالدعوة لانتخابات جديدة لكن التجربة عادة ما تأتي في غير صالح النخب الحاكمة إلا إذا ارتدت إلى التسلطية التقليدية بالتخلص الفعلي من المعارضة. ففي حالتي فوجيموري ويلتسن فإنهما عقدا انتخابات جديدة خلال ثلاثة سنوات من الانتخابات التي أدت المعارضة الشديدة في البرلمان ومع ذلك عادت معظم وجوه المعارضة واستمر التوتر قائما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
    الأهم في هذا الإطار هو إدراك أن المعارضة في هذه النظم حققت بعض النقاط في معركة السلطة ضد السلطة التنفيذية والنخبة الحاكمة من خلال استغلال البرلمان كمكان للقاء والتنظيم أو من أجل إرسال رسائل واضحة للرأي العام بمدى التزامهم بالدفاع عن الصالح العام.
    3 - التوتر بين النخب الحاكمة والسلطة القضائية هو مظهر ثالث من مظاهر التوتر في النظم التسلطية التنافسية حيث تسعى النخب الحاكمة إلى "تدجين القضاء" بحيل كثيرة مثل التخلص من القضاة المعارضين أو رشوتهم (مكافأتهم) على حسن خدمتهم "للعدالة" أو حتى الابتزاز.
    إن دولة مثل بيرو تحت حكم فوجيموري عرفت أعلى معدلات فساد القضاة في أمريكا اللاتينية ومن الأعلى في العالم بيقين.(6) وفي عام 1993 حينما أعلنت المحكمة الدستورية العليا أن قرار يلتسن بحل البرلمان غير دستوري، قطع عن المحكمة خطوط التليفون وسحب منهم حراسهم الشخصيين.
    ومع ذلك يظل الاستقلال النسبي للسلطة القضائية في وجه السلطة التنفيذية واحدا من أهم خصائص التسلطية التنافسية. وعادة ما تلجأ المعارضة إلى القضاء المستقل نسبيا لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية.
    ففي أوكرانيا دعمت المحكمة العليا موقف المعارضة التي اعتبرت أن نتائج الاستفتاء الذي يحد من صلاحيات البرلمان مزيفة ولا تعبر عن إرادة الأوكرانيين. وكان هذا دعما مهولا لمطالب المعارضة الأوكرانية. وفي صربيا دعمت المحاكم الانتصارات التي حققتها المعارضة في العديد من الدوائر في انتخابات عام 1996. كما أمرت المحكمة العليا الماليزية في 2001 بالإفراج عن عدد من المعارضين السياسيين الذين قبضت عليهم الحكومة لسنوات بلا سند كاف.
    والملاحظ أن محاولات النخب الحاكمة التنكيل بالقضاة تأتي بخسائر ضخمة لها لما يتمتع به القاضي المستقل من تعاطف شعبي وعالمي وهو ما قدمته خبرة بيرو تحت حكم فوجيموري الذي نجح برلمانه في عزل ثلاثة قضاة أعلنوا عدم دستورية قراره بالتمديد لفترة ثالثة. وكانت هذه واحدة من أخطائه التي تصاعدت بسببها الضغوط الدولية والشعبية ضده.
    4 - التوتر الإعلامي: في النظم التسلطية التقليدية تكون أجهزة الاتصال الجماهيري إما مملوكة بالكامل للدولة أو تخضع لرقابة شديدة وعقوبات رادعة وعلى هذا لا توجد صحف مستقلة على الإطلاق (مثل كوبا) أو عمليا غير موجودة. في النظم التسلطية التنافسية، على عكس مما سبق، تكون هناك مساحة لأجهزة الإعلام المستقلة بل في كثير من الأحيان تكون مؤثرة.
    بل إن كثيرا من الصحفيين يصبحون معارضين أقوياء لما يلاقونها من تنكيل وعقوبات. على سبيل المثال كشفت واحدة من المحطات المستقلة في بيرو عددا من انتهاكات حقوق الإنسان في ظل حكم فوجيموري فضلا عن تزوير بعض قيادات حزب فوجيموري لتوقيعات مواطنين لضمان ترشحه لانتخابات سنة 2000 وتحول المحررون والإعلاميون القائمون على هذه القناة المستقلة إلى أبطال شعبيين عند الرأي العام البيروفي. وفي روسيا كشفت محطات التليفزيون المستقلة العديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها يلتسن في مناطق عديدة من روسيا بما في ذلك الشيشان بما عجل من خروجه من السلطة.
    ولأن هناك هامشا لا يمكن إزالته من الاستقلال النسبي لأجهزة الإعلام في الدول التنافسية التسلطية فإن النخب الحاكمة عادة ما تسعى إلى شراء الإعلاميين (عن طريق الإعلانات والإعانات أو تخفيف الديون) أو إلى تخويفهم من خلال توجيه اتهامات لهم بإساءة استخدام مناصبهم ورفع قضايا ضد الصحف ومحطات التليفزيون والإذاعة من أجل إغلاقها أو تعطيلها عن العمل لفترات طويلة نسبيا. ففي أرمينيا، استخدمت الحكومة عشرات قضايا القذف والتشهير ضد الإعلاميين الذين كشفوا حجم التزوير في انتخابات عام 1996. ولجأ فوجيموري إلى التخلص من مالك إحدى القنوات التليفزيونية المستقلة بنزع الجنسية البيروفية عنه بسبب خطأ في إجراءات الحصول عليها.
    والأهم في هذا الصدد أن مثل هذه الإجراءات تكون لها نتائج سلبية على النخبة الحاكمة على المدى الطويل إن أحسنت المعارضة وأجهزة الإعلام استغلالها عن طريق التضامن معا ضد إجراءات السلطة الحاكمة.
    فواحدة من أسباب تراجع شعبية نظام تودجمان في كرواتيا سنة 1996 كانت محاولته إلغاء تصريح إحدى محطات الإذاعة التي كانت تسخر منه شخصيا. بيد أن هذه المحاولة من قبله أدت إلى تحالف غير مسبوق بين قادة الرأي وقوى المعارضة بل وأدت إلى انقسام حاد في حزب الرئيس سرعان ما عولج بعد تراجعه عن قرار إلغاء التصريح. وكانت هذه مناسبة هامة لتوحد المعارضة وممارسة ضغوط شعبية وخارجية على الحكومة من أجل إحداث تحول ديمقراطي حقيقي. كما أن الكشف عن محاولة الرئيس الأوكراني، كوشما، قتل أحد الصحفيين في عام 2000 أدى إلى مظاهرات هائلة وعزلة نسبية عن الغرب.(7)
    لقد أشرت سلفا إلى أن واحدة من أنماط التحول الديمقراطي تكون عبر الانفتاح السياسي المحدود الذي يأتي كاستجابة تكتيكية لضغوط خارجية أو داخلية بيد أنه يمكن أن يفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي إذا ما نجحت قوى الطلب على القيم الديمقراطية من توحيد صفوفها وممارسة ضغط شعبي قوي على نخبها. ومع وجود درجة عالية من عدم التزام النخب العربية بالقيم الديمقراطية فإن التساؤل الملح هو عن مدى قابلية الشعوب العربية للتعبئة من أجل ضغوط شعبية عربية على حكامها من أجل مزيد من الإصلاحات السياسية.

  7. #7

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    فايننشال تايمز: بوش يتراجع عن دمقرطة العرب
    محمد عبد الحليم
    كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تعيد النظر حاليا في خططها المعلنة لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط بعد الفوز الساحق لحركة حماس الإسلامية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة.
    وأوضحت الصحيفة في تقرير لها أن "المحافظين الجدد المقربين من الرئيس الأمريكي بدءوا يراجعون خططهم لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط بعد الفوز الساحق لحركة حماس في الانتخابات الفلسطينية".
    وأضافت أنه منذ ظهور نتائج تلك الانتخابات فإن "فيضا من التقارير والدراسات ينهال على إدارة بوش ينصحها بالتروي والإبطاء في مسألة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط".
    كما صدرت توصيات عديدة من المراكز البحثية والفكرية المحافظة والداعمة للإدارة الجمهورية في البيت الأبيض تدعوها إلى "عدم الضغط على الأنظمة (العربية)، والتوقف عن المضي قدما في اتجاه فرض نموذج نشر الديمقراطية في شرق أوربا على دول المنطقة الإسلامية".
    ورأت "فايننشال تايمز" الإثنين 13-2-2006 أن الوضع الذي خلقه فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أحدث انقسامات وتصدعات بدأت في الظهور بين صفوف المحافظين الجدد الذين تبوءوا منصب القيادة الأيديولوجية منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.
    وأوضحت أنه فيما يدافع بعضهم عن نتائج الانتخابات الفلسطينية باعتبارها وسيلة مفيدة لجعل حماس مسئولة عن تصرفاتها وتطويع مواقفها، انتقد البعض الآخر هذا الموقف انطلاقا من قناعاتهم الرافضة للتعامل مع الإٍسلاميين.
    غير أن الصحيفة البريطانية أشارت في الوقت نفسه إلى أن المكاسب الانتخابية التي جناها الإسلاميون عام 2005 في إيران (فوز التيار المحافظ في انتخابات الرئاسة)، وفي مصر (فوز جماعة الإخوان المسلمين بخمس مقاعد البرلمان لأول مرة) وأخيرا في فلسطين، بدأت "تهز إيمان المسئولين الأمريكيين بفرض الديمقراطية في شرق أوربا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي على دول منطقة الشرق الأوسط، وباتت قناعتهم بتكرار هذا النموذج الأوربي بين دول المنطقة ضعيفة" بعد أن كانوا يرون أن نشر الديمقراطية وسيلة ناجعة لمكافحة "الإرهاب" القادم من تلك المنطقة.
    رضا عن الأنظمة
    ودللت "فايننشال تايمز" على أن الإدارة الأمريكية بالفعل بدأت تصغي إلى التوصيات الرامية إلى عدم التعجل في فرض الديمقراطية، بقولها: إنه "رغم الانتقادات التي وجهتها الإدارة إلى النظام المصري بسبب خروقاته في إدارة الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن الموازنة الأمريكية لعام 2007 يتوقع أن تشهد زيادة في حجم المعونات العسكرية التي تمنحها واشنطن للقاهرة باعتبارها "حليفا مهما في الحرب على الإرهاب".
    وعرضت الصحيفة للنصائح والنداءات التي تدعو بوش إلى عدم التسرع والضغط من أجل فرض الديمقراطية على الشرق الأوسط، ومنها ما قاله أريل كوهين الباحث في "مؤسسة هيريتج" -مركز الدراسات المحافظ الداعم للسياسة الخارجية لبوش-: إن "الدرس المستفاد من فوز حماس هو أن عملية نشر الديمقراطية يجب أن يتم إبطاؤها وإضفاء صبغة واقعية عليها، إضافة إلى وجوب اعتبار الدمقرطة عملية طويلة المدى"، معتبرا الانتخابات ليست هدفا في حد ذاتها.
    ورأى كوهين، في ورقة بحثية عن الشرعية التي اكتسبتها حماس بفوزها في الانتخابات، أنه يجب أن يتم النظر إليها كـ"حادث كارثي يوجب إعادة تقويم السياسة (الأمريكية المتبعة) في الشرق الأوسط".
    كذلك فإن "نيكولاس جفوسديف"، رئيس التحرير التنفيذي لدورية "ناشيونال إنترست" الأمريكية التي تروج لاتباع سياسة خارجية "واقعية"، رأى بدوره أن بعض المسئولين الأمريكيين بدءوا بالفعل يشككون في الطرح الذي عبر عنه بوش في خطاب التنصيب لولايته الثانية قبل أكثر من عام حين قال: "إن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط يمثل ضرورة أخلاقية ومصلحة وطنية أمريكية".
    وأضاف جفوسديف أن "القناعة بإمكانية تطبيق نموذج ديمقراطية شرق أوربا على الشرق الأوسط بدأت تهتز بين المسئولين الأمريكيين".
    واستشهد على ذلك قائلا: إن الفتور الذي يبديه هؤلاء المسئولون إزاء الضغط والمطالبة بدقرطة الشرق الأوسط بات واضحا؛ حيث اختفت تقريبا تصريحات مسئولي الإدارة الأمريكية الداعية إلى ذلك بعد أن كانت ملء السمع والبصر خلال العام الماضي.

  8. #8

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    الإصلاح العربي والخارج.. مقايضة لا ديمقراطية
    شيرين حامد فهمي
    "مشروع الشرق الأوسط الكبير: جدال الداخل والخارج ومستقبل المنطقة العربية" كان هو عنوان المؤتمر السنوي التاسع عشر لـ"مركز "البحوث والدراسات السياسية" بجامعة القاهرة، والذي عقدت جلساته بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الفترة ما بين 26 و29 ديسمبر 2005. ارتكز المؤتمر على الخبرات العربية المختلفة في "الإصلاح" على مدى السنوات الأربع الماضية مسلطا الضوء على إشكالية العلاقة بين الداخل العربي والخارج الغربي، في ظل إستراتيجية أكبر دولة في العالم.
    وقد خرج المؤتمر بعدة نتائج، يمكن إيجازها فيما يلي:
    ـ إن معايير الإصلاح التي أخذت بها البلدان العربية، سواء كان "التطور التشريعي" أم "إنهاض المجتمع المدني"، لم تؤت ثمارها حتى الآن.
    ـ إن الفجوات والدعاوى و"التصديرات" تمثل عراقيل أساسية في مسيرة الإصلاح العربي.
    ـ إن المقايضة السلسة هي أصل العلاقة بين الداخل والخارج، وليست مسألة الديمقراطية.
    ـ إن مشروع الشرق الأوسط الكبير لم ينته بعد كما يشاع إعلاميا.
    التطور التشريعي.. إنجاز أم فشل؟
    كان "التطور التشريعي العربي" إحدى المحطات المهمة التي وقف عندها المؤتمر، باعتباره أحد معايير الإصلاح من الوجهة النظرية. وعكست ورقة الدكتورة "علا أبو زيد" أستاذة العلوم السياسية بالكلية مظاهر ذلك "التطور" عبر استعراض التعديلات القانونية الخاصة بالمرأة العربية، والتي اكتسحت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة؛ وأشارت إلى أن هذه التعديلات تنم عن رغبة واضحة من قبل المنظومة الدولية في تغيير المنظومة الشرعية المتعلقة بالمرأة العربية؛ مؤكدة بأن المنظومة الدولية لا تمثلها فقط الولايات المتحدة وإنما أيضا الأمم المتحدة التي تراقب عن قرب كل ما يصدر من الدول العربية في منظوماتها التشريعية، وذلك عبر لجان متخصصة مثل الـ unifam والـ undp. بلغة أخرى، إن القوى الدولية لا تقوم بـ"إصلاح" التشريع العربي، إنما تقوم بترويج ثقافة قانونية معينة، ستؤدي في النهاية إلى مساواة الرجل بالمرأة في المنطقة العربية.
    وتنوه أستاذة العلوم السياسية عن خطورة الاتفاقات الدولية التي أبرمت بخصوص ذلك الشأن؛ إذ إن مجرد انضمام الدول العربية إليها يعني الإذعان الأدبي والالتزام المادي بها. كما تنوه إلى خطورة الأنشطة المتعددة والمستفحلة التي تقيمها نقابة المحامين الأمريكيين في ذلك الشأن التشريعي العربي، وكيفية انتقاء النقابة للشخصيات والمؤسسات والجهات العربية التي يمكنها أن تساندها في ذلك الأمر. وتجسيدا لتلك الأنشطة الأمريكية، ضربت الدكتورة "علا أبو زيد" مثلا واضحا بورشة "المرأة والقانون" التي عقدت في فبراير 2004.
    وتنفي أستاذة العلوم السياسية الفكر التآمري، معللة ذلك بالوضوح الشديد الذي تبدو عليه الإدارة الأمريكية والأمم المتحدة في عرض مشاريعهما القانونية والتشريعية في المنطقة العربية. فالإدارة الأمريكية ترى في تلك المشاريع تحقيق مصالحها القومية وأمنها القومي؛ وهي لا تجد غضاضة أو حرجا في السعي وراء مصالحها وأمنها، وفي إظهار ذلك على الملأ. أما المشكلة الحقيقية فتكمن في الأنظمة العربية التي لا تسأل نفسها ولو لحظة واحدة عن مدى اتفاق تلك المشاريع الأمريكية مع مصالحها القومية وأمنها القومي.
    وتعقيبا على ورقة الدكتورة "علا أبو زيد"، تحدثت الدكتورة "أماني صالح" عن مهازل "التطور التشريعي العربي" التي ضيقت الخيارات المتاحة أمام المرأة العربية؛ فبعد أن كانت مخيرة بين أحكام الفقهاء المتعددين، بات لزاما عليها الخضوع للأحوال الشخصية المقننة. هذا إضافة إلى ما أفضى إليه ذلك "التطور" من تعقيد بسبب تباين مستويات التطور التشريعي في أرجاء الوطن العربي؛ فضلا عن البيئة الصراعية التي تحيط بعملية التطور؛ تلك البيئة التي تتجاذبها مختلف القوى والتيارات: علمانية ودولية، سلفية، وأصولية، وعشائرية.
    وفي سبيل تحرير قضايا المرأة من العمليات السجالية والصراعية العنيفة التي أدت إلى اغتيال العقل والفعل معا - كما أشار الدكتور "سيف الدين عبد الفتاح" أستاذ النظرية السياسية بالكلية والمعقب في جلسات المؤتمر- فإن الأمل الوحيد هو إخراج تلك القضايا من الإطار السياسي المؤدلج، وتحريرها من إصار الدولة العربية.
    المجتمع المدني.. عامل تهديد أم قوة؟
    يعتبر المجتمع المدني مؤشرا ثانيا على "الإصلاح"؛ إذ بات المجتمع المدني شريكا في عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي. والسؤال الذي طرحه المؤتمر: هل شهدت المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة نهوضا في المجتمع المدني العربي، ومن ثم خطوة تجاه الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي؟ وإجابة على هذا السؤال، أفاد الدكتور "إبراهيم البيومي غانم" الأستاذ الباحث بمركز البحوث الجنائية بالقاهرة بأن الدولة العربية المقيَدة والمقيدة أثرت بالسلب على المجتمع المدني العربي، الأمر الذي أعاق نهوضه، ومن ثم أعاق الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي تباعا.
    فقد نجحت الدولة الشمولية العربية في تدمير الثقافة المدنية العربية من خلال التأكيد المستمر على مبدأ "الدولة الراعية" التي تتكفل بكل شيء والتي تحل محل كل شيء على حساب المشاركة المدنية والشعبية؛ الأمر الذي أدى إلى انكفاء المجتمعات العربية على ذاتها، وضمور الثقافة المدنية المناضلة. هكذا كانت وما زالت البيئة الثقافية التي تعمل فيها الجماعات المدنية العربية.
    إن استقلال الدول العربية من الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي، الذي أتبعه وصول الحركات الوطنية إلى السلطة، مثل وبالا على المجتمعات المدنية العربية، كما يشير الدكتور "غانم"؛ إذ لم تقم تلك الحركات فقط بالاستيلاء على السلطة بل بالاستيلاء أيضا على المجتمعات المدنية قسرا وقانونا، بخلاف الحركات الوطنية قبيل الاستقلال، التي كانت تحمي المجتمعات المدنية العربية وتدعمها. وأكبر ضرر ألحقته الدولة العربية الحديثة بالمجتمع المدني العربي، ضربها للبنية المدنية الأساسية التي كانت تمول المشاريع الخيرية، وهي بنية الأوقاف النابعة من رحم المجتمع العربي؛ الأمر الذي أفضى في النهاية إلى مد الأيدي المدنية العربية إلى الخارج، كما نرى اليوم.
    ومن ثم، فإنه ليس غريبا أو عجيبا أن يكون الإطار القانوني على المستوى العربي محددا لفعالية المجتمعات المدنية العربية؛ فنجد في تونس، على سبيل المثال، قانونا يجرم التبرع، ونجد قانونا آخر يعاقب واهب الوقف بالسجن. إن القاعدة تقول، للأسف الشديد، إن الدولة العربية، حتى ولو كانت صغيرة وفاشلة، فهي تتبنى حتما مفهوم الحكومة الكبيرة.
    وحينما اضطرت الدولة العربية تحت الضغوط الأمريكية الأخيرة إلى التراجع عن سيطرتها (قليلا) لتفسح المجال للمجتمع المدني لكي يتنفس الصعداء بعد قرابة ستين عاما من الكبت والتحجيم، انكشف ضمور المجتمع المدني العربي، وانكشفت هشاشة مؤسساته التي عانت أشد المعاناة في ظل الاستفحال البيروقراطي الحكومي العربي. وهو الأمر الذي أعطى الفرصة الذهبية للولايات المتحدة لكي تنفذ من خلال تلك العيوب المجتمعية العربية، ولكي تدخل بمبادرة الشرق الأوسط الكبير. ولم تلاق تلك المبادرة أي تصد حقيقي من جانب الأنظمة العربية التي اكتفت بالإعلان عن مبادرتين يتيمتين (بيروت والإسكندرية). فهما بالرغم من بلاغتهما الشديدة، فإنهما خلتا من المضمون، كما يشير الدكتور "غانم"؛ هذا إضافة إلى ما احتوتاه من حديث سلبي عن الثقافة الدينية. هذا كله أدى في النهاية إلى حقيقة واحدة، استخلصها الدكتور "غانم" في نهاية حديثه، وهي أن المجتمع المدني العربي لم يصل ليكون عنصرا من عناصر التماسك الاجتماعي الأمني العربي؛ فضلا عن أن الأمن السياسي العربي ساقط بكل المعايير، سواء بالمجتمع المدني أو بدونه؛ وما نشهده في العراق وفلسطين خير دليل على ذلك. بل إن اعتماد معظم المؤسسات المدنية العربية على الدعم الخارجي لن يزيد الأمن القومي العربي إلا تهديدا.
    فجوات ودعاوى وتصديرات
    وتبعا للرؤية التحليلية للدكتور "سيف الدين عبد الفتاح"، فإن هناك ثلاث أزمات تعرقل أي إصلاح سياسي عربي: الفجوات والدعاوى والتصديرات. فأما الفجوات، فهي التي تتواجد، في ساحتنا العربية، على عدة مستويات: الفجوة بين السياسي والمدني والديني، الفجوة المعلوماتية، الفجوة الماثلة بين التصور والصورة، وأخيرا فجوة الممارسات التي بمقتضاها تحال الممارسات الخاطئة على الإسلام. ويؤكد الدكتور "عبد الفتاح" أن وجود مثل هذه الفجوات يؤدي إلى حدوث منازعات انقسامية بين التيارين الأساسيين في المنطقة العربية: التيار العلماني الذي لا يؤمن بأن الدين له دور في المجتمع المدني، والتيار الإسلامي الذي يؤمن بأن الإسلام هو الأساس المعرفي للمجتمع المدني. ومن ثم، فإن تلك المنازعات من شأنها أن تؤخر عملية الإصلاح السياسي في المنطقة العربية.
    وأما الدعاوى، فهي تتمثل في مسائل يروج لها داخليا وخارجيا، بهدف تعطيل مسيرة الإصلاح والتحول الديمقراطي. منها دعاوى تقول بأن وصول الإسلاميين إلى الحكم سيقوض جميع الحريات؛ وهي دعاوى تحكم على نوايا البشر، الأمر الذي لا يقبله أستاذ النظرية السياسية. ومنها دعاوى "الأقلية" التي تروج لمقولة إن الأقلية بطبيعتها مستضعفة، وهي من الدعاوى المفخخة التي يدسها الخارج في وسط البلدان العربية التي لم يشهد تاريخها على مفهوم "الأقليات المستضعفة".
    وأما التصديرات، فيقصد بها الدكتور "عبد الفتاح" كل ما يصدر إلينا من الخارج ليشتتنا عن مشكلاتنا الأساسية، ويلهينا بمشكلات أخرى لا تهمنا ولا تخصنا على الإطلاق، بل تضيع وقتنا وتبدد طاقتنا في مسيرة الإصلاح. ومن تلك التصديرات، الطبيعة الصراعية بين الديني والمدني والسياسي؛ وهي علاقة لم تتواجد البتة في مجتمعاتنا المسلمة الأولى. فالإسلام - كما أشار الدكتور "غانم" - جاء بالأساس لنقض السلطة الدينية وتأسيس سلطة مدنية، وجاء لتحرير العقل وإطلاقه من أسر التقليد والخرافات؛ ومن ثم لم يتميز الحيز الديني عن الحيز السياسي عن الحيز الاجتماعي المدني.
    المقايضة السلسة بين الداخل والخارج
    أجمعت جلسات المؤتمر -كما أوجزت الأستاذة "باكينام الشرقاوي" مدرسة العلوم السياسية بالكلية- على حقيقة واضحة: وهي أن الداخل صار الآن في قمة ضعفه، مما شجع الخارج على ممارسة موجة شرسة من التدخل غير المسبوق في مختلف المجالات؛ وأن الديمقراطية باتت هي الحل أو المنقذ الوحيد في الداخل سواء على لسان الحكومات العربية الضعيفة أو على لسان حكومات الخارج، وبالأخص الولايات المتحدة؛ وأن الحكومات العربية لم يعد لديها بدائل لذلك الحل الديمقراطي.
    ونتيجة لتلك المعطيات، حدث هناك نوع من المقايضة السلسة بين الحكومات العربية الضعيفة المتهاوية والخارج المستغل لذلك الضعف والهوان. بمعنى أن كل طرف حدد أولوياته، وقايض الطرف الآخر عليها. فالحكومات العربية اتفقت مع الولايات المتحدة على أن تدعم أولوياتها -وهي أمن إسرائيل وتأمين موارد النفط- في مقابل أن تقوم الولايات المتحدة هي الأخرى بدعم أولويات الحكومات العربية، وهي البقاء في الحكم؛ ومن ثم، أضحى مفهوم "الديمقراطية" مجرد أداة أو فزاعة، لا هدفا أصيلا بعينه؛ ومن ثم، اتفق الطرفان على الإصلاح المحدود لتحقيق مصالح كلٍ منهما؛ الأمر الذي يدل على عدم رغبة حقيقية في الإصلاح سواء من قبل الأنظمة العربية أو من قبل الولايات المتحدة. ويدعم من انعدام تلك الرغبة الحكومية العربية، التفكك العربي/ العربي والعربي/الإسلامي، وغياب رؤية عربية إستراتيجية شاملة.
    مشروع الشرق الأوسط الكبير لم ينته بعد
    على الرغم من أن الضغوط "الإصلاحية" الخارجية قد خفت إعلاميا، فإن مشروع الشرق الأوسط الكبير -كما تؤكد الدكتورة "نادية مصطفى" رئيسة "مركز البحوث والدراسات السياسية"- لم ينته بعد. فإن هذا المشروع، وهو مشروع الإستراتيجية الأمريكية، مستمر في تحقيق "الإنجازات" على الأصعدة والأبعاد المختلفة، خاصة الأبعاد الثقافية والاجتماعية؛ وهو فوق ذلك محاط باحتلال عسكري فج.
    فالإدارة الأمريكية تستخدم المداخل الأمنية والثغرات الاجتماعية لتفرض أجندتها التي تحقق مصالحها؛ وهي تعلم جيدا تلك الجهات العربية التي ستساعدها على تحقيق مصالحها في المنطقة؛ وهي تدرك جيدا من ستخاطب في تلك المهمة؛ وأخيرا هي ترى أن مصالحها الحالية في العالم لا تقتصر فقط على حدود المنطقة الجغرافية العربية، بل تتعداها إلى إيران وإندونيسيا وماليزيا و....و.....؛ الأمر الذي يطرح سؤالا مهما، كما ترى رئيسة المركز، وهو: هل يجب توسيع مصلحتنا الأمنية بالمثل، لتمتد إلى ما وراء الحدود العربية؟.

  9. #9

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    إعادة صياغة الشرق.. قراءة في المخطط الأمريكي
    أحمد رمضان
    تعكس الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق (آذار/ مارس 2003) تطورا حادا في مسار السياسة الأمريكية منذ أن انفردت الولايات المتحدة في إدارة دفة النظام العالمي الجديد عقب تفكك الاتحاد السوفيتي (1992)، الخصم التقليدي في الحرب الباردة، ومساعي واشنطن لإحداث تغييرات في البنى الأساسية للهيئات والمنظمات الدولية بما يتناسب مع وضعيتها الجديدة.
    وإذا كانت الإدارات الأمريكية السابقة في العشرية الأخيرة "الجمهورية"، برئاسة جورج بوش، و"الديمقراطية" برئاسة بيل كلينتون، قد حرصت على أن تجعل خطواتها في السياسة الخارجية، وخاصة ما يتصل منها بالشرق الأوسط، تتم بالتنسيق مع حلفائها التقليديين، من خلال الاتحاد الأوربي وأداته العسكرية حلف الأطلسي، وكندا واليابان، وهو ما تجلى في الحرب الأمريكية على يوغسلافيا برئاسة سلوبودان ميلوسيفيتش، فإن التغيير الذي شهدته السياسة الأمريكية مع مجيء جورج دبليو بوش إلى الحكم في واشنطن، كان مثيرا ومقلقا في آن معا.
    وعلى الرغم من أن قطاعا واسعا من المحللين كان ينظر إلى ارتقاء بوش للسلطة على أنه عودة طبيعية للجمهوريين إلى البيت الأبيض بعد ثماني سنوات من خسارتهم الحكم، فإن فئة أخرى كانت ترقب باهتمام الأجندة الخفية للمجموعة التي كانت تحيط ببوش الابن، وخاصة ما يتعلق منها بالشرق الأوسط، وتحديدا العراق الذي كان يحتل قمة الاهتمام في خطط تلك المجموعة التي تجمع بين التشدد السياسي والتطرف الأيديولوجي والمصالح المالية المتشعبة، عبر سلسلة شركات كبرى تنشط في الولايات المتحدة والعالم.
    تابع في هذا الموضوع:
    صعود يميني مع سقوط عربي مفردات الأجندة الأمريكية قبيل حرب العراق
    أخطاء واشنطن الإستراتيجية الإخفاق الأمريكي في العراق.. أسباب ودوافع
    مستقبل العراق السياسي بغداد تحتاج قوة مركزية "عراقية"
    صعود يميني مع سقوط عربي
    إن مما يثير القلق أن كثيرا من الساسة في الوطن العربي والعالم الإسلامي كانوا في غفلة عن طبيعة النوايا التي حملها حكام البيت الأبيض الجدد، وشعر كثيرون أن قدرة هؤلاء على تنفيذ ما كانوا يبوحون به ليست كبيرة، بالنظر إلى حاجة واشنطن إلى قدر من الاستقرار في تلك المنطقة يضمن لها استمرار تدفق النفط، ويخفف عنها عبء التوتر في مناطق أخرى من العالم، في جنوب شرق آسيا، والجزيرة الكورية، والبلقان، وأمريكا الوسطى.
    غير أن الدور الذي لعبته مجموعة المحافظين الجدد، خلال حقبة الرئيس بيل كلينتون، ودفعها إياه لشن عملية "ثعلب الصحراء" عام 1998 ضد العراق، والدفع باتجاه تبني سياسة إبقاء الحصار، ومن ثم مشروع "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران، كان مؤشرا على أن وصول تلك المجموعة إلى الحكم سيشهد بداية تصعيد في عموم المنطقة العربية، وخاصة العراق وفلسطين.
    لقد تزامن وصول التيار اليميني المحافظ إلى الحكم في الولايات المتحدة، مع تطورات هامة على الصعيد الدولي، تمثلت في وصول إريل شارون إلى السلطة في "إسرائيل" مدعوما بتأييد أكثر الجهات تطرفا ويمينية في الدولة العبرية، وتمكن حزب "جناتا" الهندوسي المتشدد من الانفراد بالسلطة في الهند، فيما تزايدت نعرات التطرف والعنصرية في عدد من الدول الأوربية، وباتت سياسات بعضها (مثل إيطاليا وأسبانيا وفرنسا) أكثر حدة في التعامل مع المجتمعات المسلمة فيها، وشهدت روسيا من جانبها عودة للتدخل في سياسات عدد من الدول الإسلامية في آسيا الوسطى بما يتيح تمكين الأحزاب الشيوعية السابقة أو أنصار موسكو من الإمساك بزمام السلطة في وجه الإرادة الشعبية التي كانت ترنو نحو التحرر السياسي والاستقلال الاقتصادي والتخلص من التبعية الفكرية والثقافية.
    في مقابل ذلك كانت علامات الضعف والتفكك تعتري النظام الرسمي العربي، وبدا المشهد السياسي مغريا لقوى الهيمنة لمزيد من التدخل العسكري والسياسي، فقد كان عجز القادة العرب في قممهم عن اتخاذ مواقف موحدة، وحدة الخصومات الشخصية وغير المبررة بين الزعماء وبين بلدانهم أيضا، ومن ثم النهايات المؤسفة لمجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون لدول المغرب العربي، وتحديات البقاء والاستمرار التي تواجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وانفراط عقد دول إعلان دمشق، وضعف محور "القاهرة - الرياض - دمشق"، والتراجع الاقتصادي لغالبية الدول العربية، وحدة الافتراق بين الموقفين الرسمي والشعبي إزاء التحديات الكبرى -كلها عوامل ساهمت في إغراء الولايات المتحدة والدول الحليفة لها على رفع وتيرة التدخل من مستوى سياسي وغير مباشر، إلى مستوى عسكري ومباشر، كما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين.
    ضمن هذا المشهد المتشعب، يمكن القول إن الإحاطة بما وقع في العراق، والتداعيات التي صاحبت الزلزال العراقي، لم تكن بعيدة عن التفاعلات التي وقعت في الإقليم العربي، والعالم عموما، وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك "الحرب على الإرهاب" وهي الذريعة التي اتخذتها واشنطن وغالبية الدول الغربية سببا لتفعيل التدخل العسكري في شئون البلدان الأخرى.
    مفردات الأجندة الأمريكية قبيل حرب العراق
    يشبه بعض المراقبين الطريقة التي وصل بها "المحافظون الجدد" إلى السلطة في واشنطن، بما كان عليه الحال عندما أمسك "الحزب النازي" بزمام الحكم في ألمانيا عام 1936، فلم تكن القوى السياسية في ألمانيا وأوربا على دراية كافية بالأجندة الخفية للنازيين، ومساعيهم لإثارة نزاعات إقليمية ودولية انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية، كما حكم هؤلاء بلادهم بقبضة صارمة تكللت بأكبر عملية تزييف للرأي العام من خلال أدوات محكمة الإدارة والتنفيذ.
    ولا يبدو الأمر بعيدا عما جرى في الولايات المتحدة، فالارتياح الذي صاحب اختيار دبليو بوش لدى النخبة السياسية العربية كان دلالة كافية على فقدان عناصر الرؤية التحليلية الصائبة لدى تلك النخبة، وبالتالي عدم التهيؤ لمستقبل أكثر قتامة مما كان عليه الأمر في السنوات السابقة. كما لم تشعر العديد من البلدان بحجم الخطورة التي يشكلها "المحافظون الجدد" وقاعدتهم الشعبية من اليمين المسيحي المتشدد ليس على الولايات المتحدة فحسب، ولكن على العالم كافة وتوازنه السياسي.
    لقد أظهر فريق بوش قدرة ملحوظة على مباغتة الرأي العام الدولي بأجندته السياسية، مستفيدا من حالة الارتباك التي صاحبت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ومهيئا الأجواء داخل الولايات المتحدة وخارجها لتقبل مبدأ "الحرب الوقائية"، وهو ما مكنه من استقطاب تأييد دولي واسع النطاق في الحرب على أفغانستان، وساعيا لتوظيف هذا التأييد في الحرب التالية على العراق، ومن ثم إطلاق جملة مبادرات سياسية وأمنية ترمي إلى إحداث تغيير واسع المدى في عدة أقاليم، في مقدمتها الشرق الأوسط.
    ويمكن ترتيب مفردات الرؤية الإستراتيجية الأمريكية على المستوى الخارجي قبيل الحرب على العراق على النحو الآتي:
    (1) اعتماد مبدأ "الحرب الوقائية" في التعامل مع الأخطار، بدلا من سياسة الردع النووي، والدفاع الذاتي (العراق نموذجا).
    (2) تدويل "الحرب على الإرهاب" وجعلها في صلب الدبلوماسية الأمريكية، حيث تتحكم بمستوى العلاقات مع الدول الأخرى والمساعدات ودرجة التعاون الاقتصادي، إلى جانب المزج بين الحرب الوقائية والإرهاب (أفغانستان نموذجا).
    (3) فرض الهيمنة الاقتصادية من خلال التحكم بمسار الطاقة والنفط على المستوى الدولي (محاولة الهيمنة على فنزويلا، السيطرة المطلقة على نفط الخليج، تطويق منابع النفط في بحر قزوين، والسعي للإمساك بنفط العراق).
    (4) إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن ونظام عمل الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الكبرى، بما يفضي إلى منح الولايات المتحدة سلطة "حق النقض" الخاصة بها، دون باقي الدول الأربع الكبرى التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن (يلاحظ خفايا الصراع بين واشنطن ومحور "باريس - برلين").
    (5) إعادة النظر في الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بما يتيح تفكيك بعض الدول المركزية (مثل السعودية) وتمكين دول الأطراف من لعب دور مركزي بحماية أمريكية في مواجهة الدول الرئيسة في الإقليم العربي، وتساهم تلك الصراعات التي تم نقلها من مستوى منخفض إلى مستوى عالٍ في شلّ عمل المؤسسات العربية وخاصة جامعة الدول العربية والمنظمات المتفرعة عنها لصالح البديل الأمريكي.
    (6) الهيمنة على العراق وجعله نقطة الانطلاق المركزية في التحرك الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط، في مقابل توقع حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج خلال عملية تفكيك الدولة المركزية (السعودية) وإعادة تركيب أنظمة حكم جديدة بعد تقسيم المملكة إلى ثلاث دول. (المعلومات تشير إلى أن السفارة الأمريكية في بغداد ستضم أربعة آلاف موظف، بينما أضخم سفارة أمريكية في الشرق الأوسط تضم نحو ثلاث مائة موظف).
    (7) تفكيك بعض مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية، والتي تتعارض مع الأجندة الأمريكية لصالح دعم مؤسسات وهيئات تتوافق مع الرؤية الأمريكية تحت غطاء الليبرالية (نموذج ما يحصل في مصر والأردن ودول الخليج)
    (8) إعادة النظر في تركيبة الحلف الأطلسي ومبدأ الشراكة مع أوربا، بما يضمن للولايات المتحدة دورا مميزا في الحالة الأوربية، ويتيح لها استخدام العامل الاقتصادي الأوربي في تخفيف العبء الواقع عليها في المساعدات الخارجية، وخاصة مناطق النزاع، وهو ما جعل بعض الأوربيين يعتبرون أنهم تحولوا من "حلفاء" إلى "أتباع"، ومن "شركاء" في حصد المنافع، إلى "أُجراء" لا يتلقون من المنافع الكبرى سوى الفتات (يلاحظ أن أهم دولة حليفة لواشنطن في حربها على العراق وهي بريطانيا لم تحصل إلا على عقود يسيرة لشركاتها).
    أخطاء واشنطن الإستراتيجية
    على الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر القوى العظمى الرئيسة في العالم، وتمتلك المئات من مراكز الأبحاث والدراسات والقدرة الاستخبارية الهائلة على جمع المعلومات، فإن المراقب تنتابه الدهشة من مستوى الخلل الذي يعتري السياسة الخارجية لتلك الدولة الكبرى، ويضطرها في أحيان كثيرة إلى تعديل سياساتها بصورة جوهرية.
    وواقع الحال أن هناك عوامل داخلية تلعب دورا في هذا الخلل، نابعة من طبيعة تكوين المؤسسات التي تعنى بالشئون الخارجية، والتي تتأثر بنشاطات جماعات الضغط، مما يجعل القرار السياسي مزيجا من المصالح الداخلية والرغبات الخاصة لتلك الجماعات (نموذج الحصار على كوبا المستمر منذ أربعة عقود بضغط من اللوبي الكوبي في الولايات المتحدة رغم أضراره الاقتصادية على الشركات).
    وتستعين الإدارة الأمريكية في الغالب بمراكز استشارية ضمن عقود محددة، وتتدخل عادة المصالح الخارجية لعدد من الدول في التأثير على طبيعة الاستشارات المقدمة للمسئولين الأمريكيين، مما يجعل بعض البلدان تقوم بإنفاق الملايين سنويا لصالح منظمات الضغط التي تعمل لحسابها (إسرائيل، على سبيل المثال، تنفق غالبية المساعدات المدنية التي تتلقاها من واشنطن لحساب الجهات الدعائية التي تعمل لصالحها في عموم الولايات المتحدة، كما أن الصين تنفق مبالغ طائلة للتأثير على قرارات الإدارة الأمريكية تجاه التعاون معها).
    بيد أن المصدر الأهم للخلل الحاصل في أداء السياسة الخارجية الأمريكية نابع من عدم إلمام فئات عديدة من العاملين في وزارتي الخارجية والدفاع بخصائص مناطق النزاع، أو ثقافات الشعوب التي يتم تأمين مصالح الولايات المتحدة الحيوية في بلادها، ويؤدي ذلك في الغالب إلى تأليب الشعوب على السياسة الأمريكية.
    وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة أنه في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول شهدت دول العالم تعاطفا قلّ نظيره مع الولايات المتحدة، بما في ذلك في الوطن العربي والعالم الإسلامي، غير أنه بعد نحو سنة ونصف انحسر هذا التعاطف بشكل واسع، وشهدت نحو ستمائة عاصمة ومدينة في قارات العالم الخمس تظاهر قرابة عشرة ملايين شخص ضد السياسة الأمريكية في العراق ومناطق التوتر الأخرى، ولم يكن بوسع صانع القرار في واشنطن الوقوف عند أسباب هذا التحول المثير أو قراءة دوافعه، فيما انبرى بعض الكتاب للقول إن هؤلاء ليسوا أكثر من أناس يشعرون بالتحامل على الولايات المتحدة.
    كما أن النموذج الأبرز للإخفاقات التي منيت بها السياسة الخارجية الأمريكية، يتجلى في فشل سياسة "الاحتواء المزدوج" التي طبقت بحق العراق وإيران، وانتهى معها قانون "داماتو" بعد أن رفضت الدول الأوربية الالتزام به، وبدا أن سياسة الاحتواء التي وضعها مارتن إنديك، وهو يهودي أسترالي وصل إلى مواقع مهمة في الخارجية الأمريكية في أوقات قياسية ولا يمتلك القدرة التي تؤهله على صياغة إستراتيجيات ذات مستوى رفيع، قد انتهت بصورة مثيرة.
    أما في فلسطين، فيبدو الإخفاق الأمريكي جليا أيضا، إذ إن غالبية المشاريع والاقتراحات التي تتقدم بها الولايات المتحدة لا تجد الحد الأدنى من الالتزام بها من فرقاء الصراع، وخاصة الطرف الإسرائيلي، وتُستذكر في هذا المجال مقترحات كلينتون للحل النهائي، ومشروع تينت، وتفاهمات ميتشل، وأخيرا خطة "خارطة الطريق" التي تراوح مكانها.
    ويمكن تشخيص أبرز أسباب الإخفاقات الأمريكية على المستوى الخارجي بالنقاط الآتية:
    (1) اعتماد إدارة بوش إستراتيجية للتعامل مع الصراعات لا تحظى بالإجماع سواء داخل الولايات المتحدة، أو على صعيد الدول الغربية، التي تعتبر أن مبدأ "الحرب الوقائية" لا يخدم في نهاية المطاف النظام الرأسمالي ومصالحه الحيوية في المنطقة العربية، وبدا واضحا أن عديدا من الأصوات ارتفعت في الغرب لتحذر من أن الاندفاع الأمريكي اللاواعي ستكون له آثار بالغة على مستقبل العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب من ناحية إحياء عوامل التوتر بينهما، كما أن من شأن ذلك أن يقوض الدعم الذي حظيت به الحرب الأمريكية على "الإرهاب".
    (2) تجاهل إدارة بوش لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوربا، مما ساهم في نشوء محور "باريس - برلين - موسكو" الذي استطاع الحيلولة دون حصول واشنطن ولندن على تفويض من مجلس الأمن لشنّ حرب ضد العراق، وبدا أن تلك الحرب تمت دون غطاء قانوني أو أممي. وأدى ذلك التجاهل في نهاية المطاف إلى إحداث شرخ في العلاقة بين ضفتي الأطلسي يتوقع أن يترك ندوبا لسنوات عديدة، ما لم تقم إدارة أمريكية جديدة بجهود لجسر الهوة الناشئة بين الطرفين.
    (3) اعتماد الإدارة الأمريكية على "التضليل" الإعلامي لتمرير خططها وبرامجها العسكرية والأمنية والتسلّحية، ورغم أن ذلك ساهم إلى حدّ ما في التأثير على حركة الرأي العام الأمريكي لبعض الوقت، غير أن الدلائل تشير إلى أن تأثير الدعاية التي حشدت لها إدارة بوش كل إمكاناتها، بدأ يتراجع، خاصة في ظل الإخفاق في تقديم أدلة حسيّة على الاتهامات التي تم من خلالها تبرير الحرب على العراق، وتتعلق تحديدا بأسلحة الدمار الشامل، التي تبين أنها قامت على أسس ملفقة.
    (4) إصرار المجموعة المهيمنة على القرار داخل الإدارة على خوض سلسلة من النزاعات في آن معا، وطرح مجموعة خطط تغييرية على المستوى الدولي من غير أن تتوفر لديها الكفاءة والقدرة على إدارة صراعات متعددة في وقت واحد، دون حلفاء أو شركاء فعليين. ومن ذلك تصعيد الأزمة مع العراق ثم شنّ حرب عليه، وتصعيد الأزمة مع كوريا الشمالية وإيران وسوريا والفلسطينيين، إلى جانب استمرار المواجهات في أفغانستان، والحرب مع حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، ثم السعي إلى تغيير نمط العلاقة مع الدول الأوربية، وتركيبة مجلس الأمن وأداء الأمم المتحدة، ومحاولة التأثير على المنظمات الدولية، ومن بينها محكمة جرائم الحرب في لاهاي.
    (5) طرح الإدارة الأمريكية خططا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتنافى عموما مع تشهده الولايات المتحدة من إجراءات وتدابير بحق الأقليات وخاصة المسلمين، الذين يتعرضون للاضطهاد بسبب انتمائهم الديني أو العرقي، إضافة إلى ما يحدث في معتقل جوانتانامو، مما نزع السند الأخلاقي، الذي كانت تستند إليه الإدارات الأمريكية عند تقييمها للأوضاع الداخلية في الدول الأخرى، وخاصة ما يتصل منها بأوضاع حقوق الإنسان.
    (6) الاستخدام المفرط للقوة في مواجهة قوى ضعيفة من الناحية العسكرية، كما حدث في أفغانستان ومن ثم في العراق، حيث لجأت الولايات المتحدة لاستخدام كميات هائلة من الأسلحة والصواريخ المدمرة، وكان غالبية ضحاياها من المدنيين، مما حدّ من مستوى التأييد الذي يمكن أن تحظى به حملات عسكرية من هذا القبيل، وساهمت بعض وسائل الإعلام في كشف الآثار الإنسانية القاسية للاستخدام المبالغ فيه للقوة من جانب الأمريكيين، مما دفع واشنطن في بعض الأحيان لمحاولة إسكات وسائل الإعلام التي تتباين مع سياساتها.
    (7) الربط بين الخطط العسكرية والمنافع الاقتصادية التي تعود في الغالب لصالح شركات لها صلة بكبار مسئولي البيت الأبيض ووزارة الدفاع، مما راكم الإحساس لدى قطاع واسع من الرأي العام بأن الحروب التي تشنها إدارة بوش وثيقة الصلة بمطامح بعض الشركات الكبرى لجني المال، ولا شك أن طريقة توزيع العقود في العراق تعزز تلك الشكوك.
    الإخفاق الأمريكي في العراق.. أسباب ودوافع
    تتبدى لدى المراقبين، يوما بعد يوم، عوامل الإخفاق الأمريكي في إدارة الحالة العراقية في مرحلة الاحتلال، ولا يقتصر هذا الإخفاق عند انهيار نظام الخدمات الأساسية للشعب العراقي، وفقدان الأمن الشخصي والعام، وإنما يتجاوزه إلى حدّ عدم توفر توافق سياسي بين الأطراف التي تعاونت مع واشنطن في حربها لإسقاط نظام حكم صدام حسين بشأن مستقبل العراق السياسي.
    وعلى الرغم من شكوك البعض بأن الاختلافات بين أطراف مجلس الحكم قد تكون بإيحاء خفي من مسئولين أمريكيين، فإن من الأحرى التأكيد على أن حالة عدم الاستقرار الأمنية والسياسية في العراق ستسبب حرجا بالغا للأمريكيين على المستويين الإقليمي والدولي، وستعزز الريبة بشأن قدرة واشنطن على ضبط الاستقرار في المنطقة.


  10. #10

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: التحول الديمقراطي العربي

    وبعد نحو عام من الحرب، يظهر جليا الآن أن قطار التغيير الأمريكي فقد قوة الدفع الذاتية، وبات المشهد يتحرك باتجاه الانكفاء على المستوى العسكري، فيما الأداء السياسي يبدو غير واضح حتى للنخبة في واشنطن، وبالتالي فإن الحديث يتمحور حول ما إذا كانت إدارة جورج دبليو بوش تمتلك فعلا رؤية إستراتيجية للتعامل مع العراق في المرحلة المقبلة، وما إن كانت الطروحات التي تتقدم بها بشأن الانسحاب/ أو إعادة الانتشار تأتي نتيجة الوضع المتأزم الذي تعاني منه القوات الأمريكية في مواجهة مقاومة عراقية متنامية.
    وإذا كانت الحرب على العراق قد حسمت بشكل سريع وفق المعايير العسكرية، فإن الإخفاق الأمريكي على المستوى السياسي كان أسرع مما هو متوقع، ومن الواضح أن وراء ذلك عدة أسباب جوهرية لم تكن إدارة بوش لتُعنى بعملية تحليلها أو الوقوف عندها. ومن ذلك:
    (1) غموض الشق السياسي في إستراتيجية الولايات المتحدة إزاء الأزمة العراقية، وقد بدا انعكاس ذلك جليا لدى حلفاء الولايات المتحدة، الذين انتابتهم الريبة إزاء نوايا واشنطن نحو العراق في مرحلة ما بعد إسقاط النظام السياسي فيه، وشكل هذا الغموض عاملا مقوّضا لإمكانية تشكيل تحالف مساند لواشنطن في الأزمة، إلى جانب ضعف الحجج التي تقدمت بها (قضية أسلحة التدمير) مما جعل الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي يبدو غير متماسك، ودفع قطاعات واسعة من النخب السياسية في الغرب للنأي بنفسها عن برنامج الحرب والحثّ على عدم التورط فيه.
    (2) استخدام واشنطن لفئات من المعارضة العراقية أداة مساندة لإسقاط النظام السياسي في بغداد، بينما بدا عزمها التخلي عنها بعد ذلك وإقصائها من الحكم، مما أحدث شرخا في العلاقة بين الجانبين، وساهم في عدم تشكيل بنيان سياسي متماسك يساهم في حفظ الأمن وعودة الهدوء، وصدرت عن شخصيات سبق أن ساندت الأمريكيين في حربهم على العراق انتقادات لاذعة للأداء الأمريكي ومخاوف من نواياهم إزاء تسليم العراقيين السلطة في بلادهم.
    (3) بدء إدارة بوش حملات قوية على عدد من دول الجوار العراقي، قبل أن يستتب الأمر لها، مما أثار قلق تلك الدول، وجعل من مصلحتها القوية عدم تمكين الأمريكيين من الاستقرار في العراق، فقد هددت واشنطن سوريا بحملة عسكرية مشابهة، وشنت حملة تحريض ضد إيران، ومارست ضغوطا قوية على السعودية، وتركت الأردن أسير المخاوف إزاء مستقبله، بينما لم تكن علاقاتها مع تركيا قد تعافت بعد النكسة التي ألمّت بها خلال فترة الحرب، واعتقد مخططو الحرب الأمريكيون أن التصعيد مع دول الجوار ربما يساهم في تعزيز قبضتهم في العراق، وهو الاعتقاد الذي تبين خطؤه.
    (4) المخاوف الواسعة التي انتابت دول الفضاء الإستراتيجي للعراق من نوايا إدارة بوش إزاء احتلال العراق، وأبرزها روسيا والصين واليابان، التي باتت على قناعة بأهمية عدم تمكين الأمريكيين من السيطرة على العراق خشية أن يؤدي ذلك إلى تهديد مصالحها الحيوية، مأخوذا بعين الاعتبار التغلغل العسكري والأمريكي في دول آسيا الوسطى وكومنولث الدول المستقلة.
    (5) عدم قدرة إدارة بوش على تحويل "الانتصار العسكري" الذي حققته في العراق إلى نصر سياسي إقليمي، وكان مخططا له أن يتم في ساحة فلسطين من خلال طرح "خارطة الطريق" وإلزام الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ببنودها، إلا أن قدرة الإدارة على تحقيق تقدم في هذا الجانب كانت محدودة لعدم رغبتها في ممارسة ضغوط على الجانب الإسرائيلي.
    (6) تزايد مستويات العداء للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في مجمل الوطن العربي والعالم الإسلامي نتيجة مواقف الإدارة الأمريكية في فلسطين وأفغانستان والعراق، وأدى ذلك إلى تضاؤل قدرة الاستقطاب ضمن صفوف الفئات العلمانية والليبرالية التي باتت تخشى من حدة ردود الفعل الشعبية تجاهها.
    (7) افتقار الأمريكيين للفهم الكافي لخصائص المجتمع العراقي وطبيعته المحافظة، حيث أفضت عمليات الدهم والاعتقال التعسفي والتعذيب بحق المدنيين إلى تزايد مستوى العداء للاحتلال في الشارع العراقي بشكل عام، وشعر العراقيون بأن مقولة الاحتلال عن "تحرير العراق" ليست سوى عبارات لتضليل الرأي العام.
    (8) قيام قوات الاحتلال بحل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة العراقية كافة، مما أدى إلى انهيار البنى التحتية اللازمة لاستمرار عمل الدولة في حال انسحاب الاحتلال، وعكس ذلك نوايا سلطات الائتلاف على أن الموضوع يتجاوز إسقاط النظام السياسي إلى تقويض العراق من الداخل، وقد يشكل مقدمة لتجزئة البلد إلى كانتونات عرقية وطائفية.
    مستقبل العراق السياسي..
    أدى ضعف الموقف الأمريكي في العراق، وتدخل دول الجوار في الأزمة من خلال قنوات شتى، وتحول العراق إلى ساحة للمواجهة بين الولايات المتحدة والقوى التي تناصبها العداء، إلى تدويل القضية العراقية، في ظل عدم بروز قوة رئيسة داخلية قادرة على حكم العراق وتقبل بها الأطراف الأخرى.
    ومع دخول الولايات المتحدة مرحلة سباق انتخابي محموم دخلت القضية العراقية في منعطف حاسم، إذ تعتزم إدارة بوش الإبقاء على قدر من النفوذ الحيوي لها في العراق يتمثل في قواعد عسكرية كبرى ونفوذ سياسي ودبلوماسي فاعل، في مقابل تخفيض الانتشار العسكري في المناطق المأهولة، مما يقلل من حجم الخسائر التي تمنى بها قواتها، ويحدّ من التكاليف العالية التي تضطر لإنفاقها لتأمين المدد اللوجستي للوحدات العسكرية المنتشرة في مساحة واسعة من أرض العراق.
    وفي ظل تزايد مستوى التعقيد في الأزمة، يبدو التنبؤ المستقبلي لها غاية في الصعوبة، إذ إنها من المرات النادرة التي تتداخل في صراعات تجمع جماعات عنفية مع بلدان إقليمية ودول كبرى، ولذا فإن مصالح تلك الأطراف ونزاعاتها ستنعكس على الوضع الداخلي العراقي، مما يرشح أن تشهد الفترة المقبلة على المستوى المنظور حالة من عدم الاستقرار تتمثل في التدهور الأمني، وعمليات الاغتيال الغامضة، ونشوء نزاعات ذات بعد طائفي وعرقي ضمن السباق المحموم للسيطرة على مكامن النفوذ.
    ويمكن وضع تصور للمشهد العراقي في المدى المنظور ضمن المحددات التالية:
    (1) أمريكيا: ستتحرك الإدارة الأمريكية الحالية في اتجاه تقليص حجم الوجود العسكري، في مقابل تعزيز الحضور السياسي من خلال القوى الحليفة لها داخل العراق، وستدفع باتجاه إقرار القواعد العسكرية، وجعل الوجود العسكري الأمريكي ضمانة لتفادي وقوع حرب أهلية، مما يقتضي تسعير الخلافات الطائفية بين حين وآخر والتلويح بأن الانسحاب الأمريكي سيؤدي إلى حالة فوضى شاملة في العراق، ولا يتوقع أن تسمح واشنطن بنشوء نظام مركزي قوي في بغداد، والعمل بدلا من ذلك على قيام نظام يستند إلى الترويكا التوافقية التي تستند عادة إلى الدعم الخارجي (يلاحظ النموذج اللبناني).
    (2) عراقيا (سياسة): سيستمر التجاذب القائم بين الشيعة والسنة والأكراد في سبيل الحصول على المكاسب السياسية، ولا يتوقع أن تتوصل الأطراف الثلاثة إلى توافق مرض لها، في ظل العوامل الخارجية، فالعلاقة بين الشيعة وإيران ستدفع في اتجاه تحريك هؤلاء لمزيد من التغلغل في أجهزة الدولة ونظام الحكم، بينما يسعى الأكراد لتوفير أكبر قدر من الضمانات التي تحول دون تعرضهم للتهميش مستقبلا، أما العرب السنة فسيتركز سعيهم المستقبلي على إيجاد مظلة سياسية جامعة لهم تشكل توافقا بين القوى السياسية والهيئات العلمية والدينية والإفادة من تنامي المقاومة في صفوفهم لتحقيق مكاسب سياسية ميدانية. كما ستشهد الساحة العراقية تجاذبا إضافيا تشارك فيه القوى التي تم تهميشها في مجلس الحكم سياسيا أو عرقيا مثل الأطراف العلمانية والدينية المتشددة، والتركمان والكلدآشوريين، مما يرجح أن تستمر حالة الاستقطاب على مدى السنوات الثلاث المقبلة على الأقل.
    (3) عراقيا (مقاومة): يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدا في عمليات المقاومة بين العرب السنة، فيما يرجح أن تنمو بذور لها في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، وسيبقى الانخراط الشيعي في المقاومة رهنا بموقف إيران التي تدفع الآن باتجاه العمل السياسي، ولا تسمح بالعمل المقاوم ما لم تدخل طهران نفسها في خلاف حاد مع الولايات المتحدة والدول الأوربية بشأن برنامجها النووي. ولذا فإن تأثير المقاومة رغم فاعليته سيبقى منحصرا في مناطق السنة، مما يستدعي إجراء نوع من المراجعة بحيث تهيئ المقاومة لنفسها خطابا سياسيا مقنعا وجامعا لعموم العراقيين ويستفيد من وضوح النوايا والخطط الأمريكية بشأن استمرار الهيمنة على مقدرات العراق.
    (4) عربيا (الجوار): يتوقع أن تزيد دول الجوار تدخلها في الشأن العراقي بأشكال مختلفة، من بينها نسج علاقات مع الجماعات والأحزاب العراقية، وفي بعض المراحل الدخول في لعبة التصفيات والانتقام، كما ستستمر القوى الرئيسة (تركيا، سوريا، وإيران) في رفض إقامة كيان كردي مستقل، غير أن تأثير تلك الأطراف مرهون بانحسار الدور الأمريكي العسكري، ويستبعد أن تلعب عواصم الجوار دورا محوريا في شكل الحكم المقبل في العراق، أو أن تشكل عامل استقرار له نظرا لضعف تأثيرها الميداني إلا في مناطق محددة.
    (5) عربيا (الجامعة ودول أخرى): رغم التحسن الملحوظ في دور الجامعة العربية في القضية العراقية، فإن دور الجامعة سيبقى على هامش التحرك الإقليمي والدولي بسبب الظروف الموضوعية التي تعاني منها الجامعة ومؤسساتها نتيجة حالة الشلل العربية، والخلافات بين دولها. كما أن مصر لن تكون طرفا رئيسا في المسألة العراقية نظرا لانشغالاتها الداخلية (الإصلاحات ومسألة خلافة الرئيس مبارك)، والعبء الناتج عن احتمال الانسحاب الإسرائيلي من غزة، واستئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني.
    (6) أوربيا: سيواصل محور "باريس - برلين" جهوده بالتعاون مع موسكو للدفع باتجاه تمكين الأمم المتحدة من لعب دور مركزي في قضية مستقبل العراق ونظام الحكم فيه، إلى جانب عدم تمكين واشنطن من احتكار المنافع الاقتصادية الناجمة عن احتلال العراق، لذا فإن حالة الشدّ والجذب ستسمر في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. ولا يتوقع أن تساهم أوربا عسكريا في العراق ما لم يكن ذلك في ظل توافق حول المسائل الأخرى.
    (7) جماعات العنف: ستشهد المرحلة المقبلة تدفق المزيد من العناصر المتشددة من عدة دول باتجاه العراق، ضمن عملية تصفية الحساب مع الولايات المتحدة، وسيقترن ذلك مع حالة الفوضى، فكلما انتفى الاستقرار فستجد تلك العناصر المجال مفتوحا لها للنشاط والتحرك باتجاه ضرب القوة الأمريكية الميدانية، ويعزا تمركز تلك الجماعات في العراق إلى الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبتها القيادة الأمريكية في عملية إدارة النزاع، وتفكيك الدولة العراقية ومؤسساتها.
    (8) متغيرات دولية: في حال عدم نجاح الرئيس بوش لولاية ثانية، وعودة الديمقراطيين للحكم، فإن الإدارة الجديدة ستجد صعوبة في التخلص من الإرث الذي خلفته إدارة بوش، ويتوقع أن تستمر في مواجهة ما تصفه بـ"الإرهاب"، أما بشأن العراق فسيكون ذلك لصالح تقليص الحضور العسكري إلى حد كبير في مقابل الحفاظ على النفوذ السياسي باعتبار العراق أصبح مدرجا ضمن مناطق النفوذ الحيوية للمصالح الأمريكية المستقبلية.
    بغداد تحتاج قوة مركزية "عراقية"
    إن المشهد العراقي سيبقى رهينة لحالة عدم الاستقرار الداخلية، والتجاذبات بين الأطراف المتنازعة، لذا فإن أي قوة مركزية "عراقية" ينبغي أن تنصب جهودها على تعزيز وحدتها، وتقوية صفوفها، ورفع كفاءة عناصرها، وتأمين أوسع طيف من التحالف السياسي الداخلي (جبهة وطنية واسعة تضم أحزاب ومنظمات وهيئات سياسية وفكرية وثقافية)، وإقامة روابط مع دول الجوار والبلدان العربية والمحيط الدولي، والسعي إلى حماية قياداتها من عملية التصفية، والعمل على الحفاظ على وحدة العراق الجغرافية، وتوافقه الشعبي، وطرح برامج تحظى بأكبر قدر من الإجماع الداخلي، وتفادي تسعير النزاعات الطائفية والعرقية، والحد من التدخلات الخارجية، وعدم تمكين قوى الاحتلال من الإمساك بمقدرات العراق، وتركها في حال من الارتباك السياسي والميداني، وتفعيل دور قوى المجتمع المدني لصالح بناء عراق تُصان فيه الحريات العامة وحقوق الأقليات كافة ويضمن قدرا وافرا من التعدد السياسي والتداول السلمي للسلطة.
    __________________________________________

    بداية النهاية للإمبراطورية الأمريكية
    نبيل شبيب
    علاوة على أن الأسلوب المتعجرف بصورة استعراضية وعلنية وهدف الهيمنة العالمية قد أصبحا في مقدّمة ما يميّز السياسة الأمريكية بعد الحرب الباردة؛ فقد اقترن بهما المنطلق العقائدي العسكري للحكومة الأمريكية الحالية المتمثل في "الصهيونية ذات الديباجة المسيحية"، وازدياد الاستهتار بالنظام العالمي والقانون الدولي، إلا في حدود استخدامهما كأداة للسياسة الأمريكية.
    وهنا يمكن اعتبار قضية العراق مجرد مثال تطبيقي صارخ، وبالتالي يمكن فهم خلفيّة مواقف القوى الدولية الرافضة للحرب الأمريكية، التي لا تنقطع في الوقت نفسه عن تأكيد التقائها مع الهدف "الرسمي" المعلن أمريكيًّا، وهو تجريد العراق من أسلحته، بغض النظر عن مشروعية ذلك أو عدم مشروعيته.
    صدرت المعارضة من جانب ألمانيا أولاً، وامتدت حتى باتت معارضة عالمية رسمية وشعبية واسعة النطاق، نتيجة إدراك المعترضين أن الخطر الأمريكي عليهم خطر كبير. لقد انتشر إدراك ما تنطوي عليه هذه السياسة الأمريكية من خطورة مستقبلية على المستوى العالمي، دون استثناء حليف أو صديق أو تابع أو خصم للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما دفع بلدانًا مثل ألمانيا وفرنسا على وجه التخصيص إلى اختيار التوقيت الراهن -المرتبط تلقائيًّا بقضية العراق لأنها هي القضية الآنية- من أجل الانتقال بالمواجهة مع "القطب الأمريكي الواحد" إلى العلن، عقب مرحلة مخاض بدأت على هذا الصعيد بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة.
    ظاهرة الابتزاز العلني
    بدا الطرف الأمريكي -ربما بسبب تأثره ذاتيًّا بمفعول منطلقاته العقائدية- وكأنه قد فوجئ بانتقال المواجهة مع الأوروبيين الغربيين إلى العلن، وأكثر من ذلك انطلاق الشرارة الأولى من ألمانيا وليس فرنسا مثلاً. وكان من مظاهر المفاجأة بقاء التصريحات الألمانية برفض الحرب الأمريكية ضد العراق لعدة أسابيع دون ردٍّ أمريكي على مستواها، وذلك لتفسيرها بأغراض الحملة الانتخابية بألمانيا آنذاك، حتى إذا ظهر بوضوح أنها سياسة ثابتة وليست "دعاية انتخابية عابرة"، جاء رد الفعل الأمريكي بطريقة توجيه الإهانات، مما لا يفسره خبراء الدبلوماسية الغربية إلا بالعجز عن التعامل الفعَّال مع الطرف الآخر.
    منذ ذلك الحين بدأت تظهر على مسرح السياسات الغربية -ولا سيما من الجانب الأمريكي- مظاهر الهبوط بالعلاقات الدبلوماسية وعقد الصفقات السياسية التقليدية في معالجة الأزمات، وتقدمت إلى مستوى التسابق على ابتزاز الأطراف الأخرى إغراء وترهيبًا، كما تحول هذا الابتزاز من ممارسته -كما مضى- وراء الكواليس إلى العلن؛ وهو ما بلغ ذروته في إطار المناقشات الدائرة بصدد استصدار قرار بالحرب ضد العراق من جانب مجلس الأمن الدولي. ولننظر في بعض الصور الجديدة:
    1 - في فترة ماضية كانت وسائل الإعلام تنشر أحيانًا بعض ما يتسرب إليها حول "اللهجة الأمريكية المتعجرفة" تجاه مسئولين من بلدان أخرى، فيبدو ذلك "فضيحة دبلوماسية". أما الآن فلا نكاد نجد أكثر من "خبر جانبي" يشير مثلاً إلى رفض الرئيس الأمريكي وبأسلوب علني مهين مجرد الالتقاء مع وفد وزاري يمثل "قمة" 22 دولة عربية، منها دول لا تستطيع القوات الأمريكية التحرك الفعَّال دون أرضها ومائها وأجوائها، ولا تستطيع آلة الحرب ولا آلة الاقتصاد الاستغناء عن نفطها.
    2 - في الماضي القريب كانت واشنطن حريصة على التفسير الدبلوماسي لتصريحٍ ما صدر بلهجة مزعجة، من قبيل ما أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أولبرايت بشأن تعيين قيادات جديدة للقوات الأطلسية في الجناح الأوروبي، أما الآن فباتت تتوالى التصريحات الأمريكية على أعلى المستويات عن "أوروبا القديمة"، ووضع ألمانيا في محور واحد مع كوبا وليبيا، وحتى الحليف البريطاني لم يفلت من عجرفة وزير الدفاع الأمريكي وهو يشير إلى إمكانية الاستغناء عن خدماته العسكرية!
    3 - كثيرًا ما اعتُبرت عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتدبير انقلاب أو اغتيال رئيس دولة جرائم بمفهوم القانون الدولي، فبقيت أسرارًا رسمية -وإن كانت مكشوفة- فإذا ألغي كتمانها رسميًّا اضطرت وزارة الخارجية الأمريكية إلى الاعتذار العلني عن ذلك، كما كان مؤخرًا في قضية الحكم الاستبدادي لبينوشيه في الأرجنتين، أو قضية آلليندي في تشيلي.
    أما الآن فيقف الرئيس الأمريكي نفسه ويتحدث عبر الإذاعة والتلفاز، بشكل سافر عن عزمه على تغيير البنية السياسية الهيكلية في منطقة بكاملها، ويعلن بوضوح أيضًا أنه يريد أن يجعل من صدام حسين درسًا لسواه من حكام الدول العربية!
    4 - عندما دار الحديث حول تنافس أمريكي فرنسي على أصوات الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي (غينيا، والكاميرون، وأنجولا) بدأت المقارنة بين حجم المساعدات المالية لكل من واشنطن وباريس، كما بدأ التذكير بكلمة السفير الأمريكي لليمن في فترة الإعداد لحرب الخليج الثانية "هذا أغلى قرار اتخذتموه"، وقصد به معارضة اليمن لتلك الحرب، وتلا ذلك قطع المساعدات المالية عن اليمن، فلم تستؤنف إلا بعد أن طوَّع اليمن نفسه لحرب الإرهاب الأمريكية.
    والواقع أنه إلى وقت قريب كانت "الصفقات الدبلوماسية" وما يرتبط بها من مدفوعات مالية، تجري وراء ستار، وإذا انكشف أمر بعضها فغالبًا ما يصدر النفي الرسمي بإصرار مهما كان واهيًا، أما الآن فالحديث علني عن توظيف صَرف المليارات المقررة في الأصل لدعم الاقتصاد التركي من قبل اشتعال قضية العراق، أو عن التهديد بعدم صرفها لابتزاز الموافقة على فتح جبهة عسكرية أمريكية ضد العراق على الأرض التركية. وشبيه بذلك الحديث العلني عن نقل القواعد العسكرية الأمريكية من ألمانيا إلى بلغاريا، مع ربط ذلك بالحديث عن "المليارات" التي ينفقها الجنود الأمريكيون في ألمانيا، وكذلك الحديث عن 70 مليون دولار أمريكي وجنود أمريكيين في الفلبين، وعن توظيف اتفاقات "حرية التجارة" مع المكسيك بموقفها في مجلس الأمن الدولي، وقائمة الأمثلة طويلة.
    مما يستوجب النظر أن بعض التصريحات التي تنطوي على ابتزاز واضح، ولا سيما تجاه الدول أعضاء مجلس الأمن، لم تَعُد تنشر في صيغة تسريب غير مقصود لوسائل الإعلام، أو توصف لاحقًا بزلّة لسان، أو يوكل بها إلى مسئولين حكوميين من الدرجة الثانية والثالثة، بل أصبح من هذه التصريحات ما يعلنه وزير الخارجية الأمريكي بنفسه، وهو سلوك يتناقض مع قواعد التعامل السياسي الدولي سابقًا، فنجد كولن باول يهدّد الدول الصديقة بصورة خاصة أنه لن يكون لها نصيب في "عراق ما بعد صدام" ما لم توافق مسبقًا على الحرب الأمريكية ضده. وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي بعد شيء من "الصبر الدبلوماسي" إلى التصريح رسميًّا بأن الاتحاد الأوروبي لن يشارك في عملية "إعادة إعمار العراق" إذا نشبت حرب تتجاوز مجلس الأمن الدولي؛ وهو ما يعني واقعيًّا التهديد بعدم المشاركة في تغطية النفقات المالية الضخمة التي تفرضها مرحلة رعاية الناجين من دمار الحرب، وتأمين بقاء المشرَّدين على قيد الحياة، ومحاولة إعادة الجهاز الإداري للعمل، وغير ذلك مما تقول دراسة للأمم المتحدة إنه سيتطلب أكثر من 30 مليار دولار سنويًّا ولأعوام عديدة.
    وهم الزعامة الانفرادية
    إذا كان التاريخ الأمريكي قام ابتداء على أساس منطق القوّة وفرض الواقع القائم اعتمادًا عليها.. فإن العنصر العقائدي الحديث نسبيًّا في التوجهات السياسية الأمريكية يلعب أيضًا دورًا حاسمًا في انتشار وهم حكم العالم الحديث بأسلوب الإمبراطوريات القديم..
    وبالمقابل لا ينبغي إغفال تعامل بعض الدول، ولا سيما في المنطقة العربية والإسلامية، مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ كان تعامل التبعية شبه المطلقة بدعوى غياب البديل على المستوى الدولي، وكأن الأصل الطبيعي في السياسات الواقعية الحديثة ليس الاستقلال، وإنما التبعية لطرف دولي ما. هذا التعامل ساهم في تعزيز الوهم الإمبراطوري الأمريكي.
    وبالمقابل نجد أن الدول الأخرى رفضت هذا الأسلوب، بما في ذلك الدول الأوروبية، وهذا في وقت مبكر، كما يشير الإصرار الأوروبي أكثر من مرة على المضي في مشاريع تثبيت دعائم "القانون الدولي" من خلال مزيد من الاتفاقات الدولية العامة الملزمة، ومزيد من المنظمات العالمية، رغم المعارضة الأمريكية المتزايدة، بالضغوط المباشرة تارة، وبالامتناع عن المشاركة تارة أخرى، وبإجراءات مضادّة تارة ثالثة. ومن ذلك اتفاقية نزع الألغام الأرضية المضادّة للأشخاص، ومفاوضات ميثاق دولي حول المناخ العالمي، وتشكيل محكمة جزائية (أو جنائية) دولية. وغير ذلك، مما يمكن القول إنه يمثل قطعًا إضافية في نسيج القانون الدولي والنظام العالمي، وتقابله المعارضة الأمريكية المتزايدة مع التنصّل من مبادئ وقواعد ملزمة سابقة في القانون الدولي، فضلاً عن الانسحاب من منظمات دولية، وأحيانًا التعامل معها بأسلوب أدّى إلى الامتناع عن تكرار انتخابها فيها كما كان مع مفوضية حقوق الإنسان، ومع مجلس التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
    ومع كل خطوة عالمية دون مشاركة أمريكية من هذه الخطوات كان "مستقبل القانون الدولي ومستقبل النظام العالمي" يُطرح أوروبيًّا بمنظور السؤال التقليدي الباقي من حقبة الحرب الباردة: "هل يمكن التحرّك دون أمريكا؟".
    ولا يمكن القول بوجود جواب قاطع في هذه الأثناء، ولكن يمكن القول بوجود جهات عديدة تطرح بالمقابل السؤال: "هل يمكن لأمريكا أن تتحرّك دون بقية العالم؟".
    لقد كشفت التطورات المرافقة للتعامل مع قضية العدوان الأمريكي ضدّ العراق أن سياسة الهيمنة الأمريكية لن تسفر عن نظام عالمي خاضع لقبضتها، ولا عن منظمات دولية خاضعة لها، أو عن قانون دولي تخرقه باستمرار، وإنما ستسفر عن ازدياد حجم العزلة الأمريكية عالميًّا إلى درجة ستؤدي داخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى غلبة تيار الاعتدال الأمريكي على التيار المتطرف عقائديًّا أو مصلحيًّا في اتجاه الهيمنة العالمية. وهذا ما يتطلَّع إليه الأوروبيون وسواهم.
    فترة التحول القلق
    وتبدو المرحلة الراهنة ما بين طبول الحرب والقصف الوحشي للجبال في أفغانستان وطبول الحرب والقصف الوحشي المنتظر للمدن الآهلة بالسكان في العراق مرحلةً انتقالية على أكثر من صعيد:
    فبعد الطفرة الكبيرة وراء انتشار تصوّر استقرار الوضع العالمي الجديد على زعامة أمريكية انفرادية، تأتي قبل تحقيق ذلك الاستقرار مرحلة ثانية تتميّز بانشقاق كبير وسط شريحة الحلفاء التقليديين، وكذلك وسط شريحة الدول التي كانت أقرب إلى التبعية تحت عناوين الصداقة والعلاقات الودية.
    ولا يوجد ما يستدعي هنا مناقشةَ تصوّرات غير ناضجة، مؤدّاها مثلاً أن بلغاريا يمكن أن تعوّض ألمانيا في الصيغة السياسية والأمنية الأمريكية المرتكزة على القارة الأوروبية، أو أن قطر يمكن أن تعوّض السعودية فيما كانت تعتمد واشنطن عليه في المنطقة العربية وجوارها. إذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أسفرت عن استعداد أوروبا بمجموعها للمضي وراء السياسات الأمريكية، واستعداد العدد الأكبر من الدول العربية للمشاركة في حرب الخليج الثانية بقيادة أمريكية؛ فإن ما تطرحه المرحلة الراهنة -بغضّ النظر عن أن قضية العراق "الآنية" تحتل محورها- إنما هو بداية خسارة "مرتكزات" أمريكية أساسية لا يمكن للهيمنة الأمريكية العالمية أن تتحقق دونها، أو أن تتحقّق بقوّة مماثلة اعتمادًا على مرتكزات أضعف.
    بغض النظر عن وقوع الحرب العدوانية الأمريكية على العراق، أو التراجع أمريكيًّا عنها ممّا يمثل سياسيًّا هزيمة أشبه بهزيمة فيتنام عسكريًّا، أو هزيمة هيروشيما وناجازاكي أخلاقيًّا.. فلن يكون السؤال المطروح في المرحلة المقبلة هو السؤال التقليدي في السنوات الماضية، بصدد زعامة انفرادية أو نظام عالمي متعدّد الأقطاب؛ فقد بات ذلك شبه محسوم في تقدير خبراء السياسات الدولية. إنما السؤال عن السبل الفضلى لمواجهة الهيجان الأمريكي المسلح، بأسلوب يمنعه من تدمير حصيلة التقدّم البشري، والقليل المتحقق على صعيد تثبيت مرجعية -ناهيك عن شرعية- دولية لنظام عالمي، وقد يوصل في نهاية المطاف إلى تحسين النظام العالمي، وإضافة بعض المشروعية عليه بمفهوم الشرعية الدولية القائمة على مبادئ القانون الدولي، وليس على هيمنة القوة والابتزازات المادية على صناعة القرار الدولي.

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. التحول الديمقراطي:مفاهيم و مداخل نظرية
    بواسطة saimouka في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 17-03-2017, 14:16
  2. بحث حول التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية
    بواسطة الافق الجميل في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 25-02-2012, 00:30
  3. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-03-2011, 12:08
  4. عوامل التحول الديمقراطي في مصر
    بواسطة كبرياء أنثى في المنتدى العلوم السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-02-2011, 10:31

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •