نظام الحكم في الإسلام

نظام الحكم في الإسلام – كما هو واضح من مسماه – نظام يقوم على شريعة الإسلام ، تنفيذًا وتطبيقًا ، إنه يخدم شريعة الإسلام ويخضع لها ، فهو يحكم بها ، ويُحكم أيضًا بها .
ويطلق على هذا النظام اسم الخلافة أو الإمامة .
وقد يختلط مفهوم الخلافة بمسميات أخرى ، كالولاية ، والإمارة ، والسلطان ، والملك ، حتى يعتقد البعض أنها مترادفات ، وأنها ترمي جميعًا إلى معنى واحد ؛ هو قيادة الأمة .
والحق أن للخلافة مدلول خاص لا يتطابق كثيرًا مع هذه الألفاظ التي تفيد عموم الولاية ، وإذا كانت الخلافة ولاية ، فهي ولاية من نوع خاص كما سيتضح لنا فيما بعد .
معنى الولاية والإمارة والسلطان والملك :

الولاية تطلق ويراد بها النصرة ، وتطلق على الإمارة ، والسلطان من ولي الشيء وولي عليه ولاية وولاية .
وذهب البعض إلى أنها – بالكسر – الإمارة ، وبالفتح النصرة . قال الزجاج : الولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة ، ليفصل بـين المعنيـين .
ومن أسماء اللَّه تعالى (( الولي )) ، وهو الناصر ، وقيل : المتولي لأمر العالم والخلائق ؛ القائم بها ، ومن أسمائه عز وجل (( الوالي )) ، وهو مالك الأشياء جميعها ، المتصرف فيها .
قال ابن الأثير : وكأن الولاية تشعر بالتدبـير والقدرة والفعل وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الولي( ) .
والإمارة والإمرة كولاية ، والتأمير : تولية الإمارة ، وأمير الأعمى قائده ؛ لأنه يملك أمره ، والأمير : الملك لنفاذ أمره ، أولو الأمر : الرؤساء والعلماء( ) .
والسلطان هو المتسلط ، من السلاطة والقهر ، والاسم سلطة . والسلطان الحجة والبرهان ، والتسلط إطلاق السلطان . قال أبو بكر : في السلطان قولان : أحدهما أن يكون سمي سلطانًا لتسليطه ، والآخر أن يكون سمي سلطانًا ؛ لأنه حجة من حجج اللَّه . ولذلك قيل للأمراء سلاطين من تسلطهم ، أو لأنهم الذين تقام بهم الحجة والحقوق( ) .
والملك والملكوت هو العز والسلطان .
وملك اللَّه تعالى وملكوته : سلطانه وعظمته .
ولفلان ملكوت العراق ، أي : عزه وسلطانه وملكه .
والملك والمُلك والمليك والمالك : ذو الملك .
وملّك القوم فلانًا على أنفسهم وأملكوه : صيروه ملكًا( ) .
وواضح أن هذه الألفاظ تفيد عموم القدرة والتدبير والتصرف ؛ لذا كان للمولى تبارك وتعالى كمالها ، وكان للبشر منها ما يناسب قدرتهم .
معنى الخلافة :

جاء في (( اللسان )) : واستخلف فلانًا من فلان : جعله مكانه . وخلف فلان فلانًا إذا كان خليفته .
يُقال : خلفه في قومه خلافة K وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي J [ سورة الأعراف ، آية رقم 142 ] .
واستخلفته أنا : جعلته خليفتي ، واستخلفه : جعله خليفة .
والخليفة الذي يستخلف ممن قبله ، والجمع خلائف وخلفاء .
والخلافة : الإمارة ، وهي الخليفي ، وفي حديث عمر : (( لولا الخليفي لأذنت )) ، وهو مصدر يدل على الكثرة ، يريد به كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها .
والخليفة : السلطان الأعظم ، وقد يؤنث .
وقال الفراء في قوله تعالى : K هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ J [ سورة فاطر ، آية رقم : 39 ] : جعل أمة محمد خلائف كل الأمم ، وقيل : خلائف في الأرض يخلف بعضكم بعضًا( ) .
وواضح أن كلمة خلافة تشير إلى قيام شخص محل شخص آخر أو قيام جماعة مقام جماعة أخرى .
وليس في معنى الكلمة أية إشارة إلى ما جاء في معاني الألفاظ السابقة من القدرة والتصرف والتدبـير .
ولقد ظهر في الفقه الإسلامي اتجاه يرى أن الخلافة نيابة عن اللَّه تعالى( ) .
قال الزجاج : جاز أن يقال للأئمة خلفاء اللَّه في أرضه ، بقول اللَّه عز وجل : K يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ J ( ) .
ولكن هذا الاتجاد لقي معارضة شديدة ؛ لأنه يتنافى مع كمال اللَّه تعالى ، فاللَّه تعالى حاضر لا يغيب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والخليفة هو من كان خلفًا عن غيره ، والمراد بالخليفة أنه خلف من كان قبله من الخلق ، والخلف فيه مناسبة ، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول اللَّه S ؛ لأنه خلفه على أمته بعد موته ، وكما كان النبي S إذا سافر لحج أو عمرة أو غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة .
وقد ظن بعض القائلين الغالطين أن الخليفة عن اللَّه مثل نائب اللَّه ، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفًا .
واللَّه لا يجوز له خليفة ، ولهذا لما قالوا لأبي بكر : يا خليفة اللَّه ، قال : لست بخليفة اللَّه ، ولكني خليفة رسول اللَّه S ، وحسبي ذلك . بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره ، قال النبي S : (( اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأرض … )) .
والخليفة إنما يكون عند عدما لمستخلف بموت أو غيـبة ، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف ، وكل هذه المعاني منتفية في حق اللَّه تعالى وهو منزه عنها ، فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب .
ولا يجوز أن يكون أحد خلفًا منه ، ولا يقوم مقامه ؛ لأنه سمى له ولا كفء له ، فمن جعل له خليفة فهو مشرك به( ) .
معنى الإمامة :

جاء في (( لسان العرب ))( ) : أم القوم وأم بهم : تقدمهم ، وهي الإمامة .
والإمام : كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين .
قال الجوهري : الإمام الذي يقتدى به ، وجمعه : أيمة .
وإمام كل شيء قيمه ، والمصلح له ، والقرآن إمام المسلمين ، وسيدنا محمد S إمام الأئمة ، والخليفة إمام الرعية ، وإمام الجند قائدهم .
وهذا أيم من هذا وأوم من هذا : أي أحسن إمامة منه .
ويقال : فلان حسن الإمة : أي حسن القيام بإمامته إذا صلى بنا . والإمام : المثال .
والإمام : الخيط الذي يمد على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه .
والدليل إمام السفر .
وقال الراغب : الإمام : المؤتم به ، إنسان كان يقتدى بقوله أو فعله ، أو كتابًا أو غير ذلك ، محقًا كان أو مبطلاً( ) .
ويلاحظ أن كلمة الإمامة قد وردت في أكثر آيات الكتاب دالة على الهداية إلى الخير ، ولكنها استعملت أيضًا على أنها تفيد معنى الشر ، ولهذا قال صاحب (( اللسان )) : الإمام كل من ائتم به قوم ، كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين ، وكذلك قال الراغب : الإمام المؤتم به محقًا كان أو مبطلاً .
ولكن الكلمة إذا أطلقت فإنها تفيد معنى الهداية إلى الخير ، كما في قوله تعالى : K إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا J [ سورة البقرة ، آية رقم : 124 ] ، وقوله : K وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا J [ سورة السجدة ، آية رقم : 24 ]( ) ، أما حين يراد بها معنى الشر فإنها تأتي مقيدة به ، كما في قوله تعالى : K فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ J [سورة التوبة ، آية رقم 12]( ) .
وإذا كان القرآن الكريم قد وصف الأنبـياء والهداة المتقين بأنهم أئمة ، فلعل إطلاق اسم الإمامة على نظام الحكم الإسلامي يتضمن الإشارة إلى أن هذا النظام نظام هداية ورشاد .
إن لفظ الإمامة يعني الاقتداء والاتباع الواجب على جميع الأمة للإمام القائد الذي يمسك بزمام الأمور ، فهو إمام الصلاة ، وإمام الحجيج ، وإمام المجاهدين .
ولفظ الخلافة يعني حلول الإمام – الخليفة – محل رسول اللَّه S في قيادة الأمة ، إنه يقوم في مقام النبي S في كل شيء ما عدا تلقي الوحي الذي هو من خصائص النبوة .
إن بين الاسمين صلة وثيقة تجمع بينهما ، إنهما يرميان في الشرع والاصطلاح إلى معنى واحد هو قيادة الأمة الإسلامية بشرع اللَّه تعالى ، تأسيًا واقتداء برسول اللَّه S ، وخلافة عنه .
لقد تعددت التعريفات التي أطلقها الفقهاء على الخلافة – الإمامة – وإن كانت جميعها ترمي إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه ، وسوف نذكر بعض هذه التعريفات على سبيل المثال :
1- الإمامة رياسة تامة ، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة ، في مهمات الدين والدنيا( ) .
2- رياسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ، ليس فوقها يد( ).
3- الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به( ) .
4- حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها – إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة – فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين ، وسياسية الدنيا به( ) .
وواضح أن كل هذه التعريفات قد ركزت على أمور هامة تميز الخلافة كنظام للحكم عن غيرها من هذه الأمور :
1- عموم الولاية ، فهي رياسة عامة وتامة تـتعلق بالخاصة والعامة وهي حمل للكافة .
وفي هذا العموم إشارة إلى وحدة الخلافة ، فولاية الخلافة عامة على دار الإسلام .
2- عموم الغاية . فغايتها حفظ الدين – حراسة الدين – وسياسة الأمة به أو سياسة الدنيا به .
وفي هذا العموم إشارة إلى أن اختصاصات الخليفة عامة ، تجمع بـين أمور الدين والدنيا .
3- القيام مقام صاحب الشرع في قيادة الأمة به ، فهي خلافة النبوة على حد تعبـير الماوردي ، أو خلافة عن صاحب الشرع على حد تعبـير ابن خلدون .
4- تنفيذ الشرع الإسلامي ، فهي تحكم بشرع اللَّه ، وتُحكم به ، فلا يجوز الخروج عليه بحال ، فهي رياسة عامة بحكم الشرع ، وهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي .
وعلى هذا فالخلافة – الإمامة – هي الحكومة الإسلامية الشرعية . أو بعبارة تعين المعنى وتحدده هي الحكومة التي تكون الشريعة الإسلامية قانونها الأكبر – الدستور – وقانونها العادي ، والتي تستمد سند شرعيتها من الشريعة ، والتي يخضع لسلطانها كل المسلمين على الإقليم الإسلامي الكبـير .
وإذا كانت الإمامة تساوي الخلافة عند أهل السنة ، فإن الشيعة يذهبون إلى أن الإمامة أخص من الخلافة فهي أكمل ؛ لأن الإمام عندهم هو صاحب الحق الشرعي في ولاية أمر المسلمين ، سواء تولى بالفعل أم لا ، أما الخليفة فهو صاحب السلطة الفعلية ، أما إذا تولى الإمام السلطة فعلاً ، فهو إمام وخليفة كما عند أهل السنة( ) .
الخلافة الصحيحة والخلافة الناقصة :

من الجدير بالذكر أن نميز في هذا الصدد بـين نظام الخلافة الصحيحة أو خلافة النبوة ، وبـين نظام الخلافة الناقصة أو خلافة الملك ؛ لأن عدم التميـيز بين النظامين يسبـب خلطًا ووهمًا ، مما يساعد على عدم فهم طبيعة النظام الذي نحن بصدده .
وهذا التميـيز ليس بدعًا ، فقد وردت به النصوص ، وأجمع عليه المسلمون ، قال رسول اللَّه S : (( خلافة النبوة ثلاثة سنة ، ثم يؤتى اللَّه ملكه – الملك – من يشاء ))( ) .
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن خلافة الخلفاء الراشدين هي خلافة النبوة ، وأن من بعدهم من الخلفاء كانوا ملوكًا ، أو بتعبـير أدق خلافتهم خلافة ملك .
وخلافة الملك خلافة ناقصة ، أو هي خلافة ضرورية ، يقبلها المسلمون حين يعجزون عن تحقيق الخلافة الراشدة ، وهذا يكون لنقص في الراعي والرعية جميعًا ، فإنه كما تكونون يولى عليكم .
وقد استفاض وتقرر ما قد أمر به النبي S من طاعة الأمراء في غير معصية اللَّه ، ومناصحتهم ، والصبر عليهم في حكمهم ، وقسمهم ، والغزو معهم ، والصلاة خلفهم ، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم ، فإنه من باب التعاون على البر والتقوى ، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم وإعانـتهم على ظلمهم وطاعتهم في معصية اللَّه ، ونحو ذلك مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان( ).
وخلافة الملك غير جائزة في الأصل ، وذلك لأن خلافة النبوة واجبة ، وقد قال النبي S : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديـين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة )) .
بعد قوله : (( فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثير ))( ) .
فهذا أمر وحض على لزوم سنة الخلفاء الراشدين ، وأمر بالاستمساك بها ، وتحذير من المحدثات المخالفة ، وهذا الأمر والنهي من النبي S دليل بيّن في والوجوب( ) .
وأيضًا فكون النبي S استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب( ) .
إن أساس نظام الخلافة الناقصة كما سبق أن بـينا هو فكرة الضرورة ، فالضرة تجعل المحظور جائزًا ، فحكومة الخلافة الناقصة جائزة طالما أنها تمثل أخف الضررين ، فقيام حكومة خلافة ناقصة أخف ضررًا من غياب كامل للحكومة الإسلامية – للخلافة الصحيحة .
ومعلوم أن الضرورة تقدر بقدرها ، وينـبني على ذلك أمران :
الأول : أن تلتزم الحكومة الناقصة بتطبيق كل قواعد الحكومة الصحيحة التي لا تعطلها الضرورة .
الثاني : أن الحكومة الناقصة لا تستمر إلا طالما وجدت حالة الضرورة التي سبـبتها فقط ، وتـزل بزوال هذه الضرورة( ) .
ومن الضرورات التي تفرض الخلافة الناقصة :

- التغلب وهو أن يفرض شخص أو جماعة سيطرتهم بالقوة .
- وغياب مستوفي الشروط ، فيضطر الناخبون لاختيار من لم تتوفر فيه الشروط كاملة( ) .
والخلافة الناقصة ليست ملكًا خالصًا ، كالملك الطبـيعي الذي حمل على الكافة على مقتضى الغرض والشهوة ، والملك السياسي الذي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ، وليست خلافة كاملة راشدة – خلافة نبوة – وإنما هي مزيج بـين الخلافة والملك ؛ لأجل ذلك كانت تسميتها خلافة ملك .
ويجوز تسمية من بعد الراشدين خلفاء ، وإن كانوا ملوكًا ، ولم يكونوا خلفاء الأنبـياء ، بدليل قول النبي S : (( … وستكون خلفاء فتكثر )) . قالوا : فماذا تأمرنا ؟ قال : (( فوا بـبـيعة الأول فالأول ))( ). فقوله : (( فتكثر )) دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرًا ، وقوله : (( فوا بـبـيعة الأول فالأول )) دل على أنهم يختلفون ، والراشدون لم يختلفوا( ) .
وأصرح من ذلك قول النبي S : (( إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ))( ) ، والراشدون كانوا أربعة .
وفي الأثر أن عمر بن الخطاب سأل سلمان الفارسي : أملك أنا أم خليفة ؟ فقال سلمان : إن أنت جبـيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر ، ثم وضعته في غير حقه ، فأنت ملك غير خليفة .
وفي رواية أخرى أن عمر قال : واللَّه ما أدري أخليفة أنا أم ملك ؟
فقيل له : أن الخليفة لا يأخذ إلا حقًّا ، ولا يضعه إلا في حق( ).
ومما هو جدير بالذكر أنـنا نحاول في هذه الدراسة أن نـتـناول نظام الخلافة الصحيحة دون نظام الخلافة الناقصة ، وهذا لا يعني أنـنا لا نشير في بعض الأحيان إلى نظام الخلافة الناقصة ، إن نظام الخلافة الصحيحة هو المثل الأعلى الذي نصبو إليه ، ونطمع في تحقيقه ، إنه النظام الذي وعد اللَّه به المؤمنين الذين استكملوا الإيمان بالعمل الصالح ، إنه النظام الذي أسسه النبي S وأرسى قواعده ، وبلغ الذروة في عهده خلفائه الراشدين ، وما تحقيقه بـبعيد ، وما ذلك على اللَّه بعزيز .
(( تكون النبوة فيكم ما شاء اللَّه أن تكون ، ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ، ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء اللَّه أن يكون ، ثم يرفعها اللَّه إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكًا جبريًا ، فتكون ما شاء اللَّه أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ))( ).


---------------------
التهميش:

( ) لسان العرب ، ابن منظور ، ج 6 ص 4920 بتصرف . دار المعارف .
( ) لسان العرب ج 1 ص 128 بتصرف . وانظر : مختار الصحاح ط نظارة المعارف العمومية سنة 1904 م ص 36 .
( ) لسان العرب ج 3 ، ص 2065 .



( ) لسان العرب ج 4 ص 4266
( ) لسان العرب ج 1 ص 1235 .
( ) ذهب الأستاذ المودودي إلى أن الإنسان خليفة اللَّه في الأرض ، والمراد بالخلافة في الأرض خلافة حكومة الأرض ومملكتها ، ففي الخلافة يتبدى معنى الحاكمية والسلطان باعتبار أنها خلافة إلهية ونيابة عن الحاكم الأعلى ، فالإنسان هو خليفة اللَّه في أرضه بما تحمله من أمانة التكليف : K إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً J [ سورة الأحزاب : 72 ] .
فلفظ الأمانة يوضح مفهوم الخلافة ومعناها ، وكلا اللفظين يلقى الضوء على وضع الإنسان الصحيح بالنسبة إلى نظام العالم ، فهو حاكم الأرض ، لكنه حكمه لها ليس في ذاته وأصله ، بل هو حكم مفوض إليه Delegated .
ومن ثم عبر اللَّه عن سلطانه المفوضة إلى الإنسان بلفظ الأمانة ، وعلى هذا سمى اللَّه من يستخدم هذه السلطات المفوضة إليه من جانبه تعالى (( خليفة )) . الحكومة الإسلامية ص 87: ص 93 ، ن المختار الإسلامي .
وعلى هذا الأساس أقام المودودي نظريته في الخلافة ، فاللَّه تعالى هو الخالق والسيد الحاكم ، والذين يقومون بتنفيذ قانون السماء ما هم إلا نوب عن الحاكم الحقيقي ، وهذا موقف أولي الأمر في الإسلام والذين وعدهم اللَّه تعالى بالاستخلاف في الأرض : K وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا J [ سورة النور : 55 ] .
وفي هذه الآية يبدو أمران عظيمان :
الأول : أن الإسلام يستعمل لفظ الخلافة بدل الحاكمية ، وإذا كانت الحاكمية للَّه خاصة ، فكل من قام بالحاكم في الأرض وفق شريعة الإسلام يكون خليفة للحاكم الأعلى .
الثاني : أن اللَّه قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف ، ولم يحدد أحدًا بعينه ، فالمؤمنون كلهم خلفاء اللَّه خلافة عامة ، وهذه الخلافة العامة لا يختص بها فرد أو أسره أو طبقة ، بل كل مسلم خليفة ، وهو مسئول أمام ربه ، كما قال النبي S : (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته )) . ثم ذكر الإمام والرجل العادي حتى المرأة والعبد .
( البخاري ك الأحكام ب 1 ج رقم 7138، ومسلم ك الإمارة ب 5 ح رقم 1829) .
ومن هنا يبدو أن اللَّه قد خول المؤمنين حاكمية شعبية مقيدة بسلطة اللَّه القاهرة وحكمه الذي لا يغلب ، ولا تتألف السلطة التنفيذية إلا بآراء المسلمين ، وبـيدهم يكون عزلها من منصبها ، ومن هنا تبدو الصبغة الديمقراطية ، وتزول شبهة الثوقراطية .
فالخليفة نائب عن الأمة – مجموع الخلفاء عن اللَّه – ليقودها بمقضتى شرع اللَّه إلى ما فيه مصلحتها الدنيوية والأخروية ، فليس للخليفة ، بل وليس لجميع الأمة الخروج على مقتضى الشرع وإلا زالت عنهم صفة الخلافة العامة ، ولذلك فلو خرج الخليفة على مقتضى الشرع وجب الخروج عليه على جميع الأمة .
( بتصرف من كتاب نظرية الإسلامية السياسية ص 17 : ص 25 ) .
وقد رتب الدكتور القطب طبلية على هذه النظرية نتائج منها :
أن وعد اللَّه الذين آمنوا بالاستخلاف وعدًا عامًا يشمل جميع المكلفين ، فلا يمكن تخصيصه واعتباره خاصًا بالرجال دون النساء ، وعلى هذا فإن حق التصويت يكون ثابتًا لكل بالغ عاقل ذكرًا كان أو أنثى .
وهذا العام الذي جاءت به الآية الكريمة يقيده الخاص الذي جاء في الحديث : (( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة )) . أخرجه البخاري ك الفتن ح 7099 .
والقاعدة أن تقيـيد الخاص للعام يكون في أضيق الحدود ، فلا تحرم المرأة في نطاق الحقوق السياسية – فيما يرى – إلا من رئاسة الدولة ، وكذلك من رئاسة الوزراء في النظام البرلماني .
( د . القطب طبلية – الوسيط في النظام الإسلامي – الحلقة الثالثة : الإسلام والدولة ص 45، ط أولى سنة 1982 ، ن دار الاتحاد العربي ) .
( ) لسان العرب ج 2 ص 1235 .
( ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – جمع وترتيب عبد الرحمن محمد بن قاسما لعاصمي النجدي الحنبلي – المجلد الخامس والثلاثون طبع بإشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين ص 43 – 45 .
( ) ابن منظور ج 1 ص 133 .
( ) الراغب الأصفهاني ، المفردات في غريب القرآن ص 24 ، ن دار المعرفة ، بيروت .
( ) وانظر الآية الخامسة من سورة القصص .
( ) وانظر الآية رقم 41 من سورة القصص .
( ) الجويني ، غياث الأمم في التياث الظلم ص 15 ، ط أولى سنة 1400 هـ ، ن دار الدعوة بالإسكندرية ، تحقيق د . مصطفى حلمي ، ود . فؤاد عبد المنعم .
( ) أحمد بن يحيى المرتضى ، البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأنصار ج5 ص 374 نقلاً عن كتاب الدكتور القطب طبلية ، المرجع السابق .
( ) الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 5 ، ن دار الفكر ، ط سنة 1893 .
( ) ابن خلدون – مقدمة ابن خلدون ص 19 . ن دار القلم ، بيروت ، ط خامسة سنة 1984م
( ) د . محمد ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية ص 108، ن دار المعارف .
( ) أبو داود ك السنة ب 8 ، والترمذي ك الفتن ب 48 ح 226 وحسنه ، وأحمد ج4 ص273، ج5 ص 44 ، 50، ونقل المروزي عن أحمد أنه حديث صحيح .
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ج 35 ، ص 20، 21 .
( ) أخرجه الأربعة إلا النسائي ، وأخرجه أحمد 4/126، والدارمي في المقدمة ب15، وأبو داود ك 29 السنة – ب 5 ، وابن ماجه ، المقدمة ب 6 ، ح رقم 42 ، والترمذي ك العلم- ب16 ح رقم 2816 ، وقال : حديث حسن صحيح ج 4 ص 149 .
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ج 35، ص 22 .
( ) ابن تيمية ، المرجع السابق ، أشار إلى رواية أبي بكرة رضي اللَّه عنه أن النبي S استاء للرؤيا ، فقال : (( خلافة نبوة ، ثم يؤتي اللَّه الملك من يشاء )) ص 22 .
( ) د . عبد الرزاق السنهوري – فقه الخلافة وتطورها ، ص 258 ، ترجمة عن الأصل الفرنسي قامت بها ابنـته الدكتورة نادية ، ونشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1989م ، وقد عرض سيادته لفكرة الخلافة الناقصة عرضًا وافيًا ، وقد ترفـنا في النقل عنه .
( ) سوف يتضح ذلك تفصيلاً في مباحث القسم الثاني من هذه الرسالة .
( ) مسلم ك الإمارة ، ب 10 الأمر بالوفاء بـبـيعة الخلفاء الأول فالأول ح رقم 1842.
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ج 35 ، 20 .
( ) مسلم ك الإمارة ، ب 1 الناس تبع لقريش ح رقم 1821 وما بعدها .
( ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ج 3 قسم 1 ص 221 .
( ) أخرجه أحمد في المسند 4/273 .
قال الهيثمي : رواه أحمد والبزار أتم منه والطبراني بـبعضه في الأوسط ورجاله ثقات . مجمع الزوائد 5/189، والحديث صحيحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1 ص8 ح رقم ( 5 ) .

k/hl hgp;l td hgYsghl