أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



بحث حول الليبيرالية

الليبرالية التي نسعى لها كانت الليبرالية ولا تزال تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار



بحث حول الليبيرالية


النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي بحث حول الليبيرالية

     
    الليبرالية


    التي نسعى لها



    كانت الليبرالية ولا تزال تعكس آمال الطبقات المتوسطة الصاعدة التي تتضارب مصالحها مع السلطة الملكية المطلقة والأرستقراطية من ملاك الأراضي، وكانت الأفكار الليبرالية أفكارا جذرية تسعى إلى الإصلاح الجذري وفي بعض الأوقات إلى التغيير الثوري. فالثورة الإنجليزية في القرن 17 والثورات الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن 18 كانت تحمل مقومات ليبرالية رغم أن المصطلح لم يستخدم حينذاك بالمفهوم السياسي. وقد عارض الليبراليون السلطة المطلقة للحكم الملكي والذي قام على مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، ونادى الليبراليون بالحكم الدستوري ثم لاحقا بالحكومة التمثيلية أو البرلمانية. وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب "المولد". كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين .

    نهاية التاريخ

    عندما كتب فوكوياما كتابه (نهاية التاريخ) معلنا انتصار الليبرالية و تشكل النظام العالمي الجديد ثار الناس في وجهه وارسلو جام غضبهم عليه، لاكن الرجل وان بالغ قليلا؛ لكن بالتحليل البسيط نجد ان خصائص الليبرالية تجعلها مؤهلة لقيادة العالم وخصوصا في طور الطريق الثالث ،فقد استطاعت الليبرالية التوافق مع جميع المجتمعات التي طبقت فيها ، و نأت بنفسها من اتخاذ موقف ايدولوجي تجاه الدين فتداركت اخطاء الشيوعيين في تبني مواقف معادية للديانات السماوية و العقائد ، وركزت على تبنى خطى الاصلاح الحقيقي لحياة البشر و الانحراف الناتج عن الدكتاتورية و احتكار السلطة ووسائل الانتاج و سعت لسعادة البشرية ....
    ويعتبر القرن 19 في كثير من الجوانب قرنا ليبراليا، حيث انتصرت الأفكار الليبرالية مع انتشار التصنيع في البلدان الغربية. ويؤيد الليبراليون النظام الاقتصادي الصناعي واقتصاد السوق الخالي من تدخل الحكومة، حيث يسمح فيه بمباشرة الأعمال للحصول على الربح وتسود فيه التجارة الحرة بين الدول بدون قيود. فهذا النظام -نظام الرأسمالية الصناعية- نشأ في البداية في إنجلترا في منصف القرن 18، وأصبح راسخا في أوائل القرن 19، ثم انتشر في أمريكا الشمالية ثم غرب أوربا وتدريجيا طبق في أوربا الشرقية.
    وقد حاول النموذج الرأسمالي الصناعي أثناء القرن العشرين التغلغل في الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة أن التنمية الاجتماعية والسياسية تم تعريفها بالمنظور الاقتصادي الغربي المتمثل في نظرية التقدم المادي.
    ولقد نجحت اليابان في تطبيق الرأسمالية، ولكنها قامت على التعاونية وليست الفردية؛ فالصناعة اليابانية تتأسس على الأفكار التقليدية من وفاء للجماعة والشعور بالواجب الأخلاقي وليس السعي لتحقيق المصلحة الذاتية للفرد وحسب.
    وقد اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار وقيم الليبرالية، وهي نظم دستورية حيث تحد الدساتير من سلطة الحكومة وتحافظ على الحريات المدنية، كما أنها تمثيلية أو برلمانية أي أن الصعود إلى المناصب السياسية يتم من خلال انتخابات تنافسية.
    وقد شهد التحول للديمقراطية الغربية صعودا في بعض الدول النامية في الثمانينيات، ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت محاولات تحول ديمقراطي أيضا في أوربا الشرقية.

    فالليبرالية ليست فقط أيديولوجية بل ما وراء - أيديولوجية ****-Ideology، فهي مجموعة من القواعد تضع أرضية للنقاش السياسي والفكري، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس والجماعات حسب تعريفهم هم الفرداني لما هو جيد، وذلك دون أن تضع أو تفرض أي مفهوم للصلاح أو الفضيلة. وفي مواجهة الانتقاد القائل بأن الليبرالية محايدة من الناحية الأخلاقية يؤكد جميع المنظرين الليبراليين أن أفكارها وقيمها لهذا السبب ذات جاذبية عالمية، فلا أحد يخاف قدوم الليبرالية؛ لأنها تتعامل مع مصالح أعضاء المجتمع بتساوٍ، ويؤكدون أن الليبرالية ليست أبدا فلسفة "افعل ما بدا لك!"، فبالرغم من أن الليبرالية تشجع الانفتاح والمناقشة وحرية الإرادة فهي تتسم كذلك باتجاه أخلاقي قوي، ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة و التي سوف تعرض في سياق الحديث عن المبادئ السامية لليبرالية (الفرد ،،الحرية ،، العقل ،، العدالة ،، التسامح )


    نشأة الليبرالية وجذورها :

    من الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ

    نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
    وهي لم " تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
    فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها"( )

    وتذهب معظم الكتابات إلى أن استخدام مصطلح "ليبرالي" بدأ منذ القرن 14، ولكنه كان يحتمل معاني متعددة ودلالات شتى، فالكلمة اللاتينية liber تشير إلى طبقة الرجال الأحرار، أي أنهم ليسوا فلاحين مملوكين أو عبيدا. والكلمة كانت ترادف "الكريم" أي "ليبرالي" أو سخي في تقديمه لمعونات المعايش للآخرين. وفي المواقف الاجتماعية كانت الكلمة تعني "متفتحا" أو ذا عقل وأفق فكري رحب. وترتبط الكلمة كثيرا بدلالات الحرية والاختيار.

    ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية
    ففي خطبة بركليس (495-429ق.م) الشهيرة، التي أبّن فيها قتلى أثينا، الذين سقطوا في بداية الحرب ضد أسبرطه، صياغة بليغة لمبدأ مساواة جميع المواطنين أمام القانون، كما أن فيها تعبيرا واضحا عن أهمية الفرد ومسؤوليته السياسية كذلك فإن بروثاغوراس (485-399 ق.م) جعل الفرد مقياس كل شيء، وشارك ديموقريطس (460-370 ق.م) قناعته بأن القوانين والمؤسسات هي من صنع الإنسان، وأن الإنسان بالتالي، مسئول عنها ويبقى سقراط (470-399 ق.م) في حياته وتعاليمه نموذجا فذا للإيمان بقدرة العقل وأهميته، ولضرورة إخضاع معتقداتنا للنقد والتدقيق، في جو من الحرية والانفتاح..


    لكن الليبرالية بمفهومها السياسي لم تظهر إلا في أوائل القرن 19، وأول استخدام كان في أسبانيا في عام 1812، وبحلول الأربعينيات من ذلك القرن كان المصطلح قد صار واسع الانتشار في أوربا؛ ليشير إلى مجموعة من الأفكار السياسية المختلفة. ولكن في إنجلترا انتشر المصطلح ببطء برغم أن الأعضاء ذوي الشعر المستعار Whigs (أعضاء حزب بريطاني مؤيد للإصلاح) أطلقوا على أنفسهم "الليبراليون" أثناء الثلاثينيات من القرن 18، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون Gladstone التي تولت الحكم عام 1868.

    ويقول البعض لم تظهر الليبرالية كمذهب سياسي قبل القرن 19، ولكنها قامت كأيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ذلك بـ300 عام، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوربا والذي حل محله المجتمع الرأسمالي أو مجتمع السوق.

    ويتجسد الموقف الأخلاقي لليبرالية في التزامها بمجموعة من القيم والمبادئ المتميزة، وأهم محاورها يدور حول ما يلي:

    الفرد ،،الحرية ،، العقل ،، العدالة ،، التسامح

    الفرد

    عندما انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا أوسع من الخيارات والإمكانات الاجتماعية، وأتيح لهم لأول مرة التفكير الفردي المطلق وبشكل شخصي بحت، فمثلا الفلاح المملوك الذي عاشت وعملت أسرته في نفس قطعة الأرض أصبح الآن رجلا حرا لديه القدرة على اختيار عمله وصاحب العمل، وأن يترك الأرض ليبحث عن عمل آخر في المدن الكبيرة.
    ومع سقوط معطيات الحياة الإقطاعية ظهر أسلوب جديد من التفكير، فالتفسير العقلاني والعلمي بدأ تدريجيا يحل مكان النظريات الدينية التقليدية وأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره وليس الحفاظ على تضامن الجماعات الاجتماعية.
    وقد انتشرت نظريات الحقوق الطبيعية في القرنين 17 و18 التي وظفت الخطاب الديني بشكل إيجابي ولم تتحدث عن قطيعة معه البتة، وذهبت إلى أن الله وهب الأفراد حقوقا طبيعية، يعرفها جون لوك بأنها "الحرية والحياة والملكية"؛ فالفرد وحده يمتلك هذه الحقوق . ويعتبر أصحاب نظريات "الحقوق الطبيعية" أن وظيفة المجتمع يجب أن تكون حماية مصالح واحتياجات الفرد، وقد عبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804) عن اعتقاد مشابه لذلك بشأن كرامة ومساواة الأفراد.

    و يؤمن الليبرليون الجدد بأن الأفراد لديهم مسئولية اجتماعية إزاء بعضهم البعض خاصة الأفراد غير القادرين على رعاية أنفسهم (كالمسنين والمستضعفين والمعوقين). وسواء اعتبرت الليبرالية الفرد أنانيا أو غير أناني؛ فقد اجتمع الليبراليون على الرغبة في خلق مجتمع يكون فيه كل فرد قادرا على تنمية وتطوير قدراته لأقصى درجة ممكنة ، وبذلك يعطون أولوية للأخلاق الجماعية على حقوق واحتياجات ومصالح الفرد. هذا الموقف السابق يُعَد بمثابة موقف متميز عما ينادي به الليبراليون الكلاسيكيون واليمين المتشدد من الأنانية الفردية التي ترتكز على المصالح الشخصية والاعتماد على النفس، بينما بلور الليبراليون الجدد هذا المفهوم بتأكيدهم على أهمية المسئولية الاجتماعية والإيثار جنبا إلى جنب مع مسئوليات الدولة الاجتماعية تجاه الأفراد.
    و يرفض الليبراليين الحرية المطلقة، فإذا كانت الحرية غير محددة المعالم فهي تصبح "ترخيصا يسمح بالإساءة للآخرين. وفي كتابه "عن الحريةOn Liberty "، يقول جون ستيوارت ميل: "إن المبرر الوحيد لممارسة القوة بشكل صحيح تجاه أي عضو في المجتمع المتحضر والتي تكون ضد إرادته هو منع الضرر عن الآخرين".
    وكان "ميل" مؤيدا لمذهب التحررية، وممارسة أدنى حد من القيود على حرية الفرد. كما أنه فرق بين "الاهتمام بالمصلحة الشخصية" و"الاهتمام بالآخر" وهو ما يمثل حدا على حرية الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، كما يسعى الليبراليون الجدد إلى مفهوم أكثر إيجابية للحرية، وحسب تعريف أيزيا برلين Isaiah Berlin هي القدرة على أن يكون الفرد سيد نفسه ومستقل بذاته، وتتطلب السيادة على الذات أن يكون الفرد قادرا على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه وتفهمه وعلى الوصول إلى الإنجاز والرضا.

    الحرية

    وترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل؛ إذ يعتبر المذهب الليبرالي جزءا من مشروع التنوير، فالفكرة المركزية والرئيسية في رؤية التنوير هي تحرير البشرية من قيود "الخرافة والجهل" وإطلاق العنان لعصر العقل، وكان من أهم المفكرين في عصر التنوير جان جاك روسو بفرنسا وإيمانويل كانط بألمانيا وآدم سميث وجيرمي بانثام بإنجلترا. وقد أثرت عقلانية عصر التنوير في المذهب الليبرالي في كثير من الموضوعات، فهي في المقام الأول دعمت الاعتقاد في مركزية الفرد وحريته، فبقدر عقلانية الإنسان ككائن رشيد يكون قادرا على تحديد مصلحته والسعي وراء منفعته الشخصية. ولا يؤمن الليبراليون بأن الإنسان معصوم من الخطأ، ولكن الليبرالية دعمت الفرد بقوة في مواجهة "الأبوية". ورأت أنها لا تمنع الأفراد من اختيارهم الشخصي الحر وحسب، بل إنها لا تساعدهم على التعلم من الأخطاء، كما أنها تتيح لأصحاب السلطة الأبوية إساءة استخدام وضعهم لتحقيق أغراضهم الخاصة.
    وقد ورث الليبراليون عن العقلانية التنويرية أيضا إيمانها الشديد بفكرة "التقدم" التي تعني لديهم التوسع في المعرفة فيمكن الناس من خلال الثورة العلمية ليس فقط فهم وتفسير العالم بل تشكيله أيضا للأفضل. وبإيجاز تعطي سلطة العقل الإنسان القدرة على تحمل مسئولية الإنسان عن نفسه وحياته وتقرير مصيره، وبذلك تحرر العقلانية الفرد من قبضة "الماضي" ومن ثقل "العادات والتقاليد"، ويتقدم كل جيل عن الجيل الذي سبقه فيزداد ميراث المعرفة والفهم تصاعديا. وهو ما يفسر التأكيد الليبرالي على التعليم، فيمكن للناس تحسين أوضاعهم من خلال الحصول على المعرفة وهجر "الخرافات" و"التعصب"، فالتعليم في حد ذاته خير، فهو وسيلة حيوية للارتقاء والتنمية الذاتية للفرد.
    وإذا كان التعليم على واسع النطاق فهو يحقق إنجازات تاريخية واجتماعية.
    ولعبت العقلانية دورا هاما في التركيز على أهمية المناقشة والمناظرة والجدل. وبينما يحمل الليبراليون عموما نظرة تفاؤلية بصدد الطبيعة الإنسانية ويرون الإنسان كائنا عاقلا؛ فإنهم لم يذهبوا إلى حد وصف الإنسان بالمثالية والكمال؛ لأنهم أدركوا جيدا تأثير المصالح الشخصية وصفات الأنانية، وأن النتيجة الحتمية لذلك هي التنافس والصراع؛ لذا يتعارك الأفراد من أجل الموارد النادرة، وتتنافس الأعمال لزيادة الأرباح، وتناضل الأمم من أجل الأمن أو الحصول على ميزة إستراتيجية وهكذا. ولكن يفضل الليبراليون تسوية هذه الصراعات من خلال المناقشة والتفاوض. ومن أهم ميزات العقل أنه يعطي أساسا جيدا لتقييم المطالب والدعاوى المتنافسة إذا كانت منطقية.
    ويمكن القول بأن العقلانية هي الاعتقاد في أن العالم لديه تكوين منطقي يمكن كشفه من خلال الممارسة العقلية للفرد والبحث النقدي، ومن حيث النظر المعرفي فالعقلانية هي تدفق المعرفة من العقل باتجاه العالم وليس العكس، والتجربة مجرد أداة. وأبرز من كتب في العقل والمعرفة كانط؛ وهو ما يختلف عن المنحى التجريبي الذي ساد لدى الليبراليين وكان مؤسسا على فكر ديكارت.
    ومن حيث المبدأ العام تؤكد العقلانية على قدرة الفرد على فهم وتفسير الظواهر وعلى حل المشكلات. لكن العقلانية لا تلقن الغايات لسلوك الإنسان، بل تقترح أساليب الوصول إلى تلك الغايات دون الاعتماد على العرف أو التقليد أو اتباع الأهواء والرغبات.
    العدالة

    ترمز العدالة إلى نوع خاص من الحكم الأخلاقي يتعلق بالثواب والعقاب؛ فالعدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحقه. والعدالة الاجتماعية تعني توزيع المنافع المادية في المجتمع مثل الأجور والأرباح، وتوفير متساوٍ للاحتياجات الأساسية من إسكان ورعاية طبية... إلخ.
    وتقوم النظرية الليبرالية للعدالة على الالتزام الصارم بالمساواة بشكل شكلي. وإذا كان التعامل مع الناس في المقام الأول يقوم على اعتبارهم أفرادا، فإن لهم الحق في نفس الحقوق ونفس الاحترام. ويؤمن الليبراليون بالعالمية Universalism، أي أن كل الناس في كل مكان لديهم معالم مشتركة أو عالمية فهم يتساوون في القيمة الأخلاقية، ويتمتع كل الأفراد والناس بحقوق متساوية بحكم إنسانيتهم، فلهم حقوق طبيعية وإنسانية. فيجب ألا تقتصر الحقوق على طبقة ما أو جنس محدد، وبالتالي يرفض الليبراليون بشدة أية امتيازات يتمتع بها جماعة دون الأخرى على أساس من النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ويجب أن يكون الناس متساوين أمام القانون وأن يتمتعوا بحقوق سياسية ومدنية واحدة.
    وينادي الليبراليون بالمساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي وتحسين وضعه بجهده ودأبه. وذلك لا يعني أن تكون المساواة مطلقة بتدخل من الدولة كما في الاشتراكية؛ لأن الناس لم يولدوا متساوين، بل تختلف مهاراتهم ومواهبهم وبعضهم أكثر استعدادا لبعض الأعمال من غيرهم، ولكن يجب أن تكون أوضاع المعيشة والظروف الاجتماعية الأساسية الدنيا واحدة للجميع.. فمن الضروري مكافأة من يستحق ويجتهد، فالحوافز تساعد الأفراد على العطاء وتحقيق الذات وتنمية المواهب؛ لذلك فالمساواة من المنظور الليبرالي هي أن يكون لدى كل الأفراد فرصة متساوية لتنمية قدراتهم ومهاراتهم غير المتكافئة.
    وتحدث الليبراليون عن حكم من يستحق Meritocracy (أي حكم ذوي الإمكانيات والموهبة)؛ فالمجتمع الذي يحكمه هؤلاء -وليس الحكم القائم على عوامل خارج إرادة البشر مثل الحظ أو الفرصة- يعتبر مجتمعا عادلا لأن معاملة الناس فيه ليست بحكم الجنس أو لون البشرة أو الدين، بل تكون حسب قدراتهم واستعدادهم للعمل. والمكانة والثروة الموروثة لا تتفق مع مبادئ الحكم بالاستحقاق، لكن معظم الليبراليون يقبلون فكرة الميراث؛ لأنه على الجانب الآخر منع توارث الثروة يعني التدخل في حق الفرد صاحب المال في التصرف في ملكه حسب اختياره الشخصي، وذلك يمثل إساءة لمبادئ الحرية.
    ويختلف المفكرون الليبراليون في كيفية تطبيق العدالة الاجتماعية؛ ففي كتابه "نظرية في العدالة" يرى جون رولز أن الناس في حاجة إلى مكافأة عن العمل الذي يقومون به؛ لذلك تكون بعض الأساليب الاقتصادية المتباينة ضرورية لتعطي حافزا للأفراد، ولكنه يرى أن يطبق ذلك فقط لمصلحة الطبقات الأكثر فقرا وأقل ميزة في المجتمع. وفي رأيه أن العدالة الاجتماعية تفهم كمرادف لمفهوم القسط Fairness وباتجاه المساواة. فالثروة في المجتمع العادل يجب أن يعاد توزيعها من خلال نظام للشئون الاجتماعية وذلك لمصلحة الأقل غنى. وعلى النقيض يأتي روبرت نوزيك في كتابه "اللاسلطوية والدولة واليوتوبيا"؛ ليكون صدى للأفكار التحررية التي تبناها جون لوك في القرن 17. ويذهب نوزيك إلى أن أي توزيع للثروة حتى لو كان غير عادل فإنه يعتبر -اجتماعيا- عدلا طالما طبقت قواعد معينة "للحفاظ على العدالة" والتي تتضمن شرط الحصول على الملك بطريقة عادلة في المقام الأول -بدون سرقة أو تعدي على حقوق الآخرين- وأن تكون قد انتقلت بشكل عادل من شخص عاقل إلى آخر عاقل أيضا. وبناء على هذا يؤكد نوزيك على أهمية ألا ينتهك حق الملكية باسم العدالة الاجتماعية، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الثروة.
    تلك الآراء المتباينة حول العدالة الاجتماعية تكشف عن تعارض ضمني داخل الفكر الليبرالي حول أفضل الأوضاع لتحقيق المجتمع العادل. ويعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن استبدال النظام الإقطاعي بالسوق والمجتمع الرأسمالي يساعد على إيجاد مناخ اجتماعي يمكن أن يزدهر فيه الفرد وينمي قدراته، فكل الناس سواء في عين القانون يتمتعون بفرصة متساوية للصعود في المجتمع. وقد رأى الليبراليون الجدد أن الرأسمالية غير المقيدة أدت إلى ظهور أشكال جديدة من غياب العدالة الاجتماعية وذلك بتمييز البعض على حسب البعض الآخر؛ لذلك يفضلون تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية من أجل ضمان وحماية الفرصة المتساوية، وبالتالي تحقيق مجتمع عادل.
    التسامح

    فولتير

    تتسم أخلاقيات الليبرالية الاجتماعية بقبول التنوع الأخلاقي والثقافي والسياسي. فقد ردد الليبراليون كثيرا المقولة الشهيرة لفولتير (1694 - 1778) "أنا أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله!". فالحريات الأساسية التي تدعم النظم السياسية الديمقراطية -حرية التعبير والعبادة الدينية والتجمع... إلخ- كلها ضمانات لانتشار التسامح كثقافة. ويتفق معظم المعلقين السياسيين على أن الليبرالية تمضي يدا بيد مع التعددية، فيعتبر تعدد القيم والآراء والمصالح في حد ذاته قيمة وفضيلة. ونقيضه هو القمع السياسي أو انتشار الطاعة العمياء. لذلك ومن حيث المبدأ فإن الليبراليين ضد الرقابة أو أي وسيلة لمنع حرية التعبير في المجتمع، وضد أي ثوابت أيا كانت.
    وهذا يفسر الاستياء العميق الذي شعر به الليبراليون في الغرب من الفتوى التي أدلى بها الإمام آية الله خوميني عام 1989 بإعدام الكاتب الإنجليزي سلمان رشدي عندما نشر كتابه "آيات شيطانية" والذي رأى فيه المسلمون إهانة لعقيدتهم الدينية.
    ويعني التسامح التقبل، أي الاستعداد لترك الناس يفكرون ويتكلمون ويتصرفون بأسلوب قد لا يتفق المرء معه. ويعتبر التسامح لدى الليبراليين خلقا مثاليا ومبدأ اجتماعيا. ومن جانب آخر تمثل هذه القيمة هدف الاستقلال الفردي، وتضع قاعدة تحكم سلوك الأفراد مع بعضهم البعض.
    وتعتبر كتابات جون ميلتون وجون لوك في القرن الـ17 حول الدفاع عن الحرية الدينية للمذاهب المختلفة أولى إرهاصات دعم الليبراليين لقيمة التسامح تجاه الآراء المخالفة. وفي كتابه "رسالة حول التسامح" رأى لوك أنه ما دمنا قبلنا أن وظيفة الحكومة هي حماية أسلوب الحياة والحرية والملكية؛ فالحكومة ليس لها الحق في التدخل في رعاية أرواح العباد؛ فذلك يلقي الضوء على تمييز الليبراليين الواضح بين ما هو "خاص" وما هو "عام". فيجب أن يمتد التسامح ليشمل الأمور الخاصة التي رأوا أنها تشمل الدين ومسائل الأخلاق التي يجب أن تترك للفرد.
    وبالرغم من ذلك لم يكن مفهوم البعض -ومنهم لوك على سبيل المثال- للتسامح مطلقا؛ فهو لم يكن على استعداد لتطبيق التسامح على الكاثوليك الرومان، وكانوا في نظره خطرا على الهيمنة القومية بسبب مبايعتهم للبابا الذي هو أجنبي، كما يؤيد الليبراليون المعاصرون القوانين التي تمنع وتصادر الآراء المؤيدة للعنصرية مثلا، والقوانين ضد تشكيل الأحزاب السياسية المعادية للديمقراطية، ويرون أن انتشار تلك الآراء أو نجاح تلك الأحزاب يهدد مناخ التسامح الليبرالي. وعمليا نجد أنه في حين يساند الليبراليون حق المسلمين في نقد مضمون كتاب سلمان رشدي "آيات شيطانية"، فقد كانوا يؤيدون مقاضاة من يدافع علنا عن إعدام سلمان رشدي.
    ويتعلق مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع -في رأي الليبراليين- بقواعد المجتمع السوي غير الممزق بالنزاعات والصراعات. وبرغم أن الأفراد والجماعات الاجتماعية تسعى إلى تحقيق مصالح مختلفة، إلا أن هناك توازنا كامنا بين المصالح المتنافسة كما ذهب آدم سميث في حديثه عن "اليد الخفية"؛ فمثلا تختلف مصالح العمال وأصحاب الأعمال: فالعمال يريدون أجورا أفضل وساعات أقل وتحسين ظروف العمل - وأصحاب العمل يرغبون في زيادة أرباحهم عن طريق المحافظة على تكلفة الإنتاج المنخفضة والتي تشمل الأجور، ولكن يحتاج العمال إلى العمل وأصحاب العمل يحتاجون للعمالة، فتلك المصالح المتنافسة تكمل بعضها البعض، أو بمعنى آخر تعتبر كل مجموعة هامة لتحقيق أهداف المجموعة الأخرى. وقد يسعى الأفراد والجماعات وراء مصالحهم الذاتية، ولكن الموازنة الطبيعية تفرض نفسها. وقد أثر مبدأ الموازنة في تطور الأفكار الليبرالية من عدة جهات؛ فجعل بعض الليبراليين يوقنون بأن التوازن الطبيعي سيظهر في الحياة الاقتصادية، ويؤمنون بتوازن المصالح بين الجماعات المتنافسة في النظام السياسي، ويدافعون عن تصور أن السلام والانسجام ممكن بين شعوب العالم.
    وهذا التركيز على التنوع والتسامح تعرض للكثير من النقد؛ فتصوير أنصار الليبرالية لها بأنها محايدة أخلاقيا ولا تفرض أي قيم أو عقائد معينة، بل فقط تخلق الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أناس ذوو الأولويات الأخلاقية والمادية المختلفة في سلام ونجاح يجعلها تتجنب القيم المطلقة غير القابلة للتفاوض وغير قادرة على مواجهة واقع النزاع؛ فيكون القيد الوحيد على التنوع هو أن يكون كل طرف مؤهلا لتقبل آراء وتصرفات الآخرين، وهكذا يكون التسامح هو القيمة الجوهرية الوحيدة لدى الليبراليين. ويتمثل خطر هذا الوضع في أنه يؤدي إلى مجتمع خالٍ من الأخلاق وغير قادر على كبح جماح الجشع والأنانية. لذلك عاب المحافظون على الليبرالية أنها تقوم بدعم نسبية الأخلاق والثقافة، وفي نظرهم يؤدي غياب القيم الأساسية التي يقوم عليها بنيان المجتمع لجعل التفاعل المنظم والمتحضر مستحيلا لغياب الإجماع الأساسي اللازم لأي مجتمع. والنتيجة هي أن الناس يعلمون جيدا حقوقهم، ولكن لا يعترفون بأي واجب أو مسئولية. وفي العقود الأخيرة من القرن 20 تعرضت الليبرالية الفردية إلى نقد من قبل حركة المجتمعية السريعة الانتشار.


    ولا شك أن التطورات التاريخية في القرنين 19 و20 قد أثرت في مضمون الأيديولوجية الليبرالية، فتغيرت ملامح الليبرالية مع نجاح الهيمنة السياسية والاقتصادية لدى الطبقات المتوسطة الصاعدة، كما أن السمت الثوري لليبرالية في بواكيرها منذ القرن السادس عشر تجاه واقعها تلاشى مع كل نجاح ليبرالي، فأصبحت الليبرالية أكثر محافظة وأقل سعيا للتغير والإصلاح وتميل للحفاظ على المؤسسات القائمة الليبرالية. ومنذ أواخر القرن 19 ومع تقدم الصناعة والتصنيع بدأ الليبراليون في إعادة النظر ومراجعة الأفكار والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية لتنشأ ليبرالية.. جديدة.

    و هذا يقودنا الى المبحث القادم وهو اليبرالية من طور الكلاسيكية الى طور التجديد.

    فبينما كان الليبراليون الأوائل يؤمنون بتدخل الحكومة المحدود جدا في حياة المواطنين، يعتقد الليبراليون الجدد أن الحكومة مسئولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والإسكان والمعاشات والتعليم، بجانب إدارة أو على الأقل تنظيم الاقتصاد. ومن ثَم أصبح هناك خطان من التفكير الليبرالي: الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة. ولذلك رأى بعض المحللين أن الليبرالية ليست أيديولوجية متماسكة، فهي تضم تناقضات بشأن دور الدولة، ولكن يمكن القول هنا إن الليبرالية في التحليل الأخير -مثل جميع الأيديولوجيات السياسية- قد تعرضت للتطور في مبادئها الرئيسية، وذلك مع التغيرات التاريخية المحيطة، فلا يوجد أيديولوجية سياسية جامدة أو متوحدة، فكلها تحتوي على مجموعة من الآراء والاجتهادات التي قد تتعارض أو تتناقض. وبالرغم من ذلك هناك تماسك ووحدة ضمنية في قلب الفكر الليبرالي، وذلك في الالتزام الأساسي بحرية الفرد والمبادئ التي تترتب على مذهب الفردية.

    أولاً : الليبرالية الكلاسيكية :

    يعتبر جوك لوك ( 1704م ) أبرز فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، ونظريته تتعلق بالليبرالية السياسية، وتنطلق نظريته من فكرة العقد الاجتماعي في تصوره لوجود الدولة، وهذا في حد ذاته هدم لنظرية الحق الإلهي التي تتزعمها الكنيسة.
    وقد تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بأن السلطة أو الحكومة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن بسحب السلطة الثقة فيها.
    ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.



    وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق "هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة "هراء على ركائز" واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.
    ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة "صحة" اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد" في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.
    فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.
    فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا

    وقد أبرز آدم سميث (1790م) الليبرالية الاقتصادية وهي الحرية المطلقة في المال دون تقييد أو تدخل من الدولة.
    وقد تكونت الديمقراطية والرأسماليّة من خلال هذه الليبرالية، فهي روح المذهبين وأساس تكوينها، وهي مستوحاة من شعار الثورة الفرنسية " دعه يعمل " وهذه في الحرية الاقتصادية " دعه يمر " في الحرية السياسية.
    ويعتبر كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.
    كتب آدم سميث كتابه في وقت فرضت فيه الحكومة قيودا صارمة على النشاط الاقتصادي؛ فكانت المركنتلية النظام الاقتصادي المسيطر في القرنين 16 و17 حيث تدخلت الحكومات في الحياة الاقتصادية من أجل تشجيع التصدير والحد من الاستيراد. وجاء سميث ليقول بأن الاقتصاد يكون في أوج نشاطه مع عدم تدخل الحكومة. ففي رأيه الاقتصاد هو السوق أو سلسلة من الأسواق المتعلقة بعضها ببعض. وتعمل السوق حسب رغبات وقرارات الأفراد الأحرار، وإن الحرية في السوق هي حرية الاختيار: مقدرة المنتج على اختيار السلعة التي يصنعها، ومقدرة العمال على اختيار أصحاب الأعمال، ومقدرة المستهلك على اختيار السلع والخدمات للشراء. فالعلاقات في هذه السوق بين صاحب العمل والموظفين، وبين البائعين والمستهلكين علاقات تطوعية أو عقدية.
    ويفترض الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأفراد يسعون وراء تحقيق مصالحهم الشخصية ماديا بدافع الرغبة في التمتع باللذة أو السعادة، وذلك عن طريق تكوين واستهلاك الثروة. وتقوم النظرية الاقتصادية لحد كبير على فكرة "الرجل الاقتصادي"، وهي أن الإنسان يسعى إلى أكبر قدر من المنفعة وذلك بالكسب المادي.
    وقد استخدم الاقتصاديون في المراحل اللاحقة فكرة "اليد الخفية" لشرح كيف أن المشكلات الاقتصادية -مثل البطالة والتضخم والعجز في ميزان المدفوعات- يمكن القضاء عليها من خلال آليات السوق؛ فمثلا تأتي البطالة نتيجة زيادة عدد المؤهلين للعمل عن الوظائف المتاحة أي عرض العمال يزيد عن الطلب لها. فتخفض قوى السوق من سعر العمالة أي أجورهم ، فمع انخفاض الأجور يمكن لصاحب العمل تعيين عدد أكبر من العمال وبالتالي تقل البطالة. لذلك تكون قوى السوق قادرة على القضاء على البطالة بدون تدخل الحكومة شريطة أن مستوى الأجور يكون مرنا مثل الأسعار الأخرى. وتؤدي السوق الحرة إلى كفاية اقتصادية، فمن أجل الربح لا بد أن تكون التكلفة منخفضة فالإسراف وعدم الكفاءة لا سبيل لهم في العمل الإنتاجي. في نفس الوقت تمنع المنافسة إمكانية الحصول على أرباح مبالغ فيها. إذا كانت الأرباح عالية بشكل غير عادي في مجال معين فذلك سيشجع المنتجين على دخول ذلك المجال، فبالتالي سيزيد الناتج وينخفض مستوى الأسعار والأرباح. وتنجذب الموارد الاقتصادية نحو أكثر الاستخدامات ربحا أي نحو مجال الإنتاج المتنامي والمزدهر وليس غير ذلك. وتعمل السوق بشكل إيجابي؛ لأنها دائما تسعى لتحقيق رغبات المستهلك، فالمستهلك هو المسيطر على زمام الأمور، ولكي تحافظ المؤسسات على ربحها العالي لا بد أن تعرف جيدا وتوفي حاجات ورغبات المستهلك. وبذلك وبشكل طبيعي تتحرك قوى السوق نحو رفع كفاءة وقوة الاقتصاد الذي يستجيب ذاتيا لأي تغيير في طلب المستهلك.

    ثانياً : الليبرالية المعاصرة او الحديثة :

    " تعرضت الليبرالية في القرن العشرين لتغيّر ذي دلالة في توكيداتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ العديد من الليبراليين يفكرون في شروط حرية انتهاز الفرص أكثر من التفكير في شروط من هذا القيد أو ذاك. وانتهوا إلى أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشراً.
    ويحبذ الليبراليون اليوم التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد من أجل صالح المنفعة العامة. وفي الواقع، فإنهم يؤيدون برامج الحكومة لتوفير ضمان اقتصادي، وللتخفف من معاناة الإنسان.
    وهذه البرامج تتضمن : التأمين ضد البطالة ، قوانين الحد الأدنى من الأجور ، ومعاشات كبار السن ، والتأمين الصحي.
    تعلقت الليبرالية الحديثة بالتقدم في التنمية الصناعية والتي جلبت معها ثروات مهولة للبعض، ولكن صاحبها انتشار العشوائيات والفقر والجهل والمرض. وأصبح من الصعب التغاضي عن التباين الاجتماعي المتمثل في أوضاع طبقة العمال التي أصبحت الطبقة المحرومة من جراء الأجور المنخفضة والبطالة، وتدني ظروف العمل والظروف المعيشية. وكانت لهذه الأوضاع الأثر على الليبرالية البريطانية منذ أواخر القرن 19، ولم تظهر آثارها في الدول الأخرى إلا فيما بعد؛ فمثلا في أمريكا لم تتأثر الليبرالية الأمريكية بها إلا في الثلاثينيات عند حدوث أزمة الركود الاقتصادي. ففي ظل تلك التغييرات التاريخية كان من الصعب أن يتمسك الليبراليون بمقولة: إن الرأسمالية الصناعية جلبت معها الرخاء والحرية للجميع. ونتيجة لذلك بدأ مراجعة المبادئ الأولى التي تزعم أن السعي وراء المصالح الشخصية بدون قيود يؤدي إلى وجود مجتمع يتمتع بالعدالة الاجتماعية. وتزايد الهجوم على الفردية الاقتصادية وأعاد الليبراليون النظر في موقفهم إزاء الدولة. وأصبحت النظرية الكلاسيكية بخصوص الدور المحدود للحكومة غير قادرة على حل مشكلات التفاوت الاجتماعي وغياب العدل في المجتمع المدني. ومن ثَم بدأ الليبراليون الجدد في تشجيع سياسة التدخل الحكومي والدور الفعال للدولة.
    ويشارك الليبراليون الجدد الكلاسيكيين في تفضيل الأفراد المعتمدين على أنفسهم والمسئولين عن حياتهم، ولكن الاختلاف في أن ذلك يحدث فقط تحت أوضاع اجتماعية تسوق إلى ذلك. وترتكز الليبرالية الحديثة على مساعدة الأفراد من أجل تمكينهم من مساعدة أنفسهم.
    وشهد القرن 20 تنامي تدخل الحكومة في معظم الدول الغربية وكثير من الدول النامية في السوق لضمان الرفاهة في حدها الأدنى والذي في الغالب أخذ شكل تقديم الدعم للمواطنين للقضاء على الفقر والمرض والجهل. وإذا كانت الدولة المحدودة تمثل ما كانت عليه الدولة في القرن 19، أصبحت الدولة الحديثة في القرن 20 دولة رفاهة وذلك لأسباب تاريخية وأيديولوجية. كانت الحكومات تسعى وراء تحقيق النهوض القومي وزيادة قوى العمل الصحية وتعزيز جيوش قوية؛ كما تعرضت الحكومة في الانتخابات لضغوط من أجل الإصلاح الاجتماعي الصادرة من عناصر شعبية حديثة التصويت مثل العمال وفي بعض الأحيان الفلاحين. ولا يقتصر الجدل السياسي على نشر الخدمات والرفاهة الاجتماعية على أيديولوجية واحدة دون غيرها، ولكن تم تناولها بطرق مختلفة من قبل الاشتراكيين والليبراليين والمحافظين وأنصار الحركة النسائية حتى الفاشيين. طرح الليبراليون الجدد فكرة الرفاهة على النقيض التام مع الكلاسيكيين الذين مجدوا مبدأ مساعدة الذات والمسئولية الفردية. وكانت المساواة في الفرص حجة الليبراليين الجدد في الدفاع عن الرفاهة الاجتماعية. فإذا كان هناك أفراد أو جماعات محرومة بسبب ظروفهم الاجتماعية، فعلى الحكومة مسئولية اجتماعية للقضاء على هذا الحرمان. وتنعكس هذه المسئولية في تنمية دولة الرفاهة. ولا تقلص زيادة مسئوليات الحكومة من حقوق الفرد بل توسعها؛ فمثلا اكتسب المواطنون مجموعة من الحقوق الاجتماعية كالحق في العمل والحق في التعليم والحق في إسكان لائق. وكان الليبراليون الكلاسيكيون يؤمنون بأن الحقوق الوحيدة التي يستحقها المواطن هي الحقوق السلبية التي تعتمد على تقييد نفوذ الحكومة مثل الحق في التعبير والحق في العبادة الدينية؛ حيث إنها تمثل "عالما خاصا" يجب ألا تقترب منه الحكومة. من الجانب الآخر نجد أن حقوق الرفاهة هي حقوق إيجابية من قبل الحكومة عن طريق توفير المعاشات والمنح والعلاج والتعليم المجاني.
    وأثناء القرن 20 كان للحكومات والأحزاب الليبرالية عادة الريادة في مناصرة قضية الرفاهة في المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى على يد حكومة أسكيث الليبرالية التي طبقت نظام المعاشات للمسنين والتأمينات الصحية وتأمينات البطالة. وعندما توسعت دولة الرفاهة في المملكة المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في عهد حكومة أتلي العمالية كانت قائمة على تقرير بفيريدج لعام 1942، وهو برنامج عمل تقدم به الليبرالي الحديث وليم بيفريدج (1879 - 1963)، ويقترح هذا التقرير إيجاد نظام شامل للأمن الاجتماعي يضم كل المواطنين "من المهد إلى اللحد". وقام الحزب الليبرالي في كندا بحملة لتبني سياسات للرفاهة شاملة، بينما أيد الحزب المحافظ التقدمي مبادئ المسئولية الفردية والعمل الحر.
    وتطورت الرفاهة الليبرالية في الولايات المتحدة في الثلاثينيات في عهد روزفلت. وبقت الفردية الاقتصادية ومساعدة الذات مسيطرة في القرن 20 حتى جاء روزفلت بـ"البرنامج الجديد" كإعانة عامة للعاطلين والمسنين والأطفال والأرامل والمكفوفين. واستمرت ليبرالية البرنامج الجديد بعد موت روزفلت في عام 1945 ووصلت ذروتها في الستينيات بسياسات جون كيندي التي تسمى "الحدود الجديدة" وبرنامج "المجتمع الكبير" في عهد ليندن جونسون الذي ركز فيه على تحسين الحقوق المدنية لدى السود الأمريكيين وكذا مواجهة الفقر والقذارة في المدن الأمريكية. كما نشأت التفرقة الإيجابية في الولايات المتحدة والتي يطلق عليها "العمل الإيجابي" لتعهدها الليبرالي في تكافؤ الفرص. وهنا يعامل الأفراد أو الجماعات باعتبارات خاصة تعويضا عن ظروف اجتماعية عائقة. ففي الولايات المتحدة تم تبني المبدأ في نطاق واسع منذ الستينيات لتوفير الفرص الاجتماعية للسود ذوي الدخول المنخفضة ومعدلات البطالة المرتفعة والإسكان الفقير. ويمكن في أمريكا للطلبة السود الالتحاق بالتعليم العالي بمؤهلات أقل من نظائرهم البيض. ومن الطبيعي يمكن تطبيق مبدأ التفرقة الإيجابية على العوائق الاجتماعية الأخرى الناتجة عن الجنس والسن والإعاقة الجسدية.
    وبالإضافة إلى توفير الرفاهة الاجتماعية سعت الحكومات الغربية في القرن 20 إلى تحقيق الرخاء وذلك "بإدارة" اقتصادهم. ويأتي ذلك مرة أخرى ضد التفكير الليبرالي الكلاسيكي، لا سيما السوق الحرة التي تعمل ذاتيا، ومبدأ "دعه يعمل"، أو سياسة عدم التدخل التي صرف النظر عنها من جراء تزايد الاقتصاد الرأسمالي الصناعي تعقيدا وعدم قدرته على تحقيق الرخاء إذا تُرك يعمل ذاتيا. وقد أدى الركود الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات الذي تسببه انهيار بورصة وول ستريت عام 1929 إلى معدلات عالية في البطالة في العالم الصناعي وكثير من الدول النامية. وكان ذلك تأكيدا لفشل السوق الحرة. وسارعت كل الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بتبني سياسات التدخل الاقتصادي لتجنب الرجوع إلى معدلات البطالة فيما قبل الحرب.
    وكانت تلك السياسات مستوحاة لحد كبير من كتاب "النظرية العامة عن العمالة والمصلحة والمال (1936)" لجون ماينارد كينز الذي هاجم فكرة السوق الذي يعمل ذاتيا. وفي نظر الكلاسيكيين هناك حلول للمشكلات الاقتصادية فتنخفض البطالة مع انخفاض الأجور ولكنها تستمر على ما عليها إذا كانت مستويات الأجور غير مرنة، وذلك عادة يحدث ضغوط الاتحادات العمالية. فحرفيا حسب هذا الرأي يقيم العمال أنفسهم خارج وظيفتهم. وجاء كينز يقول: إن مستوى النشاط الاقتصادي، وبالتالي العمل يحدد حسب الحجم الكلي للطلب -الطلب الإجمالي- في الاقتصاد: إذا انخفضت الأجور تقل قوة الشراء في الاقتصاد، وبالتالي الطلب الإجمالي. وإذا قل المال في يد الناس قل إنتاج السلع والبضائع، وحينئذ تتحرك السوق الحرة لولبيا نحو الركود ولا يمكنها النهوض بنفسها. وذلك ما حدث في الثلاثينيات على حد قول كينز، وعلى خلاف ما سبقها من الدورات التجارية لم ينتهِ الركود الكبير إلى الارتفاع "الطبيعي" في الثروات الاقتصادية. ويرى كينز أن الحكومات يمكن أن تدير اقتصاداتها من خلال الطلب الإجمالي، فالصرف الحكومي عبارة عن إدخال مجالات جديدة من الطلب في الاقتصاد، فمثلا بناء المدارس يخلق فرص عمل للبناءين ويوجد الطلب على مواد البناء، مما يكون له الأثر في الاقتصاد فهؤلاء البناءون سيكون لهم القدرة أكثر على الشراء. وذلك ما يطلق عليه كينز "الأثر المضاعف". أما الضرائب فهي تعتبر "ارتدادا" في الاقتصاد؛ لأنها تقلل من الطلب الإجمالي وتخمد النشاط الاقتصادي.. وفي أوقات البطالة اقترح كينز أن الحكومة عليها أن "تنعش" الاقتصاد من خلال زيادة المصروفات العامة أو خفض الضرائب؛ فذلك يحل مشكلة البطالة، ولكن ليس "باليد الرأسمالية الخفية"، بل بتدخل الحكومة من خلال العجز في الميزانية؛ أي أن الحكومة تنفق أكثر مما لديها من موارد. وتمكن طريقة كينز في إدارة الطلب الحكومة من التحكم في العمل ومستويات النمو، وبالتالي ضمان الرخاء العام.
    ومع توفير نظام الرفاهة الاجتماعية اعتبرت الليبرالية الحديثة إدارة الاقتصاد عملا بنّاء يعمل على تعزيز الرخاء والتوافق في المجتمع المدني. ولم يرفض كينز الرأسمالية ولكنه كان منقذها؛ ففي رأيه عدم تقييد المشروعات الخاصة شيء غير مُجدٍ في المجتمعات الصناعية المعقدة. وكان "البرنامج الجديد" في عهد روزفلت أول تطبيق لفكر كينز، ولكن تعهد روزفلت لميزانية متوازنة؛ حيث إن رفض زيادة الإنفاق الحكومي على الأشغال العامة من أجل رفع إيرادات الضرائب أدى إلى انخفاض تدريجي في معدلات البطالة. وفي الواقع انتهى الركود الكبير بالتوسع الملحوظ والمنتشر في المجال العسكري استعدادا للحرب، ولم يكن ذلك مقصودا لعلاج مشكلة البطالة. وبدا هذا الوضع جليا في ألمانيا عندما انخفضت معدلات البطالة إلى النصف في 18 شهرا بعد تعيين هتلر مستشارا في عام 1933. وتم معالجة البطالة في الفترة بين الحربين بدون قصد بالطريقة الكينزية.
    وعلى صعيد آخر بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية رسخت مبادئ كينز على نطاق واسع لتصبح تقليدا اقتصاديا في الغرب بدلا من سياسة "دعه يعمل" القديمة. وبالفعل استخدمت كل الدول سياسة الإدارة الاقتصادية في إعادة البناء الاقتصادي في الفترة ما بعد الحرب وفي التخطيط والنمو المستقبلي. وكان الفضل للكينزية التي كانت السبب الرئيسي في الازدهار الاقتصادي الطويل في الخمسينيات والستينيات؛ حيث الانتشار الواسع في الثراء، وذلك على الأقل في الدول الغربية. وانتصرت في تلك الفترة مبادئ كينز على مبادئ المحافظين والاشتراكيين حتى الليبراليين.


    ونلاحظ أن أبرز نقطة في التمايز بين الطورين السابقين هو في مدى تدخل الدولة في تنظيم الحريات ، ففي الليبرالية الكلايسيكية لا تتدخل الدولة في الحريات بل الواجب عليها حمايتها ليحقق الفرد حريته الخاصة بالطريقة التي يريد دون وصاية عليه ، أما في الليبرالية المعاصرة فقد تغير ذلك وطلبوا تدخل الدولة لتنظيم الحريات وإزالة العقبات التي تكون سبباً في عدم التمتع بتلك الحريات.
    وهذه نقطة جوهرية تؤكد لنا أن الليبرالية اختلفت من عصر إلى عصر ، ومن فيلسوف إلى آخر ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ ، وهذا يجعل مفهومها غامضاً كما تقدم.

    الليبرالية السياسية :

    وهي من المبادئ النظرية لليبرالية خاصة في فرنسا، وهذا ما جاء به بنيامين كونستانت Benjamin Constant في القرن التاسع عشر، عندما دعى إلى فكرة الفصل الضروري بين السلطات من أجل ضمان الحريات العامة .
    وفي موسوعة لالاند الفلسفية: " الليبرالية: مذهب سياسي يرى أن من المستحسن أن تزاد إلى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية بالنسبة إلى السلطة الإجرائية التنفيذية ، وأن يعطى للمواطنين أكبر قد من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم".( )
    أما نظام الديمقراطية الليبرالية فيعرف قبل كل شئ من خلال المشاركة المباشرة أو غير المباشرة للمواطنين في الحياة السياسية.مع هذا يمكن اعتبار النظام الذي يسعى للحفاظ وللدفاع عن الحريات الفردية أنه نظام ديمقراطي كما كان سائداً في الغرب في نهاية القرن السادس عشر.الحريات السياسية ( حرية الصحافة، حرية الاجتماع، والاعتقاد، والتعبير، لن تكون مصانة ومضمونة إلا في الأنظمة السياسية التمثيلية، التي تملك دستوراً وبرلماناً مستقلا يمثل المواطنين عن طريق الانتخاب، وهؤلاء المنتخبون سوف يكون لهم وحدهم الحق في تشريع القوانين والضرائب أيضاً. أما الحريات الاقتصادية عندما تتواجد بشكل ثنائي مع الحرية السياسية. سيكون هناك سبيل أفضل للمبادرات الفردية ومعها الملكية الخاصة. وفيما يتعلق بالحرية الاجتماعية التي تشكل النصف الأخر للحرية السياسية، تتفق مع النظرية القائلة أن الدولة يجب ألا تتدخل في العلاقات الاجتماعية،وبشكل خاص بين أرباب العمل وأصحاب الدخل,
    الشكل السياسي للسلطة أو للنظام يمكن أن يختلف من دولة إلى أخرى، هناك ديمقراطيات ملكية وأخرى جمهورية ولكن في كل مكان من هذه الديمقراطية هناك مبادئ أساسية لا يمكن الحياد عنها.

    fpe p,g hggdfdvhgdm


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: بحث حول الليبيرالية

    ثانياً : اليبرالية الاقتصادية

    الليبرالية الاقتصادية: " مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ، ولا وظائف تجارية ، وأنها لا يحقّ لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم. بهذا المعنى يقال غالباً ليبرالية اقتصادية"( ).
    ويلاحظ أن هذا التعريف واقع على الليبرالية الكلاسيكية قبل التحول الكبير الذي تم في الليبرالية الجديدة على نحو ما سيأتي.
    ويقول البعلبكي " ويطلق لفظ الليبرالية أيضاً على سياسة اقتصادية نشأت في القرن التاسع عشر متأثرة بآراء آدم سميث بخاصة ، وأكدت على حرية التجارة وحرية المنافسة ، وعارضت تدخل الدولة في الاقتصاد"( ).
    والليبرالية الاقتصادية وثيقة الصلة بالليبرالية السياسية ، ويعتقد الليبراليون أن الحكومة التي تحكم بالحد الأدنى يكون حكمها هو الأفضل.. ويرون أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه إذا ما ترك يعمل بمفرده حراً ، ويرون أن تنظيمات الحكومة ليست ضرورية( ).
    وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية هو نظام " الرأسمالية " التي رتّب أفكاره عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه ( ثروة الأمم ).
    ويدخل في الحرية التي يطالب بها الليبراليون حرية حركة المال والتجارة ، وحرية العمل وحرية التعاقد ، وحرية ممارسة أي مهنة أو نشاط اقتصادي آخذاً من الشعار الشهير للثورة الفرنسية " دعه يعمل دعه يمر."
    والذي يحكم قواعد اللعبة الاقتصادية وقيمها هو سوق العرض والطلب دون أي تقييد حكومي أو نقابة عمالية. فللعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجرة التي يريد( ).
    ولكن سبق أن ذكرنا أن المفهوم الليبرالي تغير وبرزت الليبرالية الجديدة عل السطح بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة والكساد وذلك لتمركز رأس المال وظهور الاحتكارات الصناعية الضخمة ، وانهيار قاعدة الصرف بالذهب وأزمة الثورات العمالية في ألمانيا مما جعل الحكومات تتدخل لإنعاش الاقتصاد فتغيرت الأيديولوجية الليبرالية إلى القول بأهمية تدخل الحكومة لتنظيم السوق( ).
    وقد فصّل صاحب كتاب " الليبرالية المتوحشة " كيفية تدخل الدولة لإنعاش الاقتصاد وإصلاح السوق ، وبهذه المرحلة تغيب شمس الليبرالية الكلاسيكية حيث أبطل الواقع فكرة إصلاح السوق لنفسه لتبرز إلى السطح الليبرالية الجديدة بقوة.

    الطريق الثالث


    الطريق الثالث كما ظهرت فكرته لأول مرة عام 1936 على يد الكاتب السويدي "arquis Child " هو طريق الوسط بين مفهومي الليبرالية الاقتصادية والاشتراكية الماركسية، فهو أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي.
    وتنبع جاذبية هذا المفهوم من كونه لا يتبنّى السقف الأعلى أو الحد الأقصى لكل نظرية، أي أنه جسر بين الأيدولوجيات. وعلى الرغم من أن الاشتراكية الثورية لم تحظَ بأي قبول داخل الولايات المتحدة فإن القيم والمثل الاشتراكية - خاصة قيمة العدل الاجتماعي - تغلغلت بشكل قوي في توجهات الديمقراطيين الليبراليين واليساريين على حد سواء، كما لا يخفى على معظم المفكرين حقيقة إصابة المجتمعات الأوروبية والمجتمع الأمريكي بخسائر من جرّاء تطبيق الأفكار الليبرالية المحضة. وبغضّ النظر عن النتائج المؤسفة من جرّاء تطبيق القيم الاشتراكية في ظل النظم المركزية الشيوعية، فإنها تظل لها جاذبيتها في وجدان الأغلبية من المستضعفين.
    لماذا تجدّد طرحه؟

    هناك عدد من العوامل والظروف الدولية والمحلية ساعدت على طرح هذا المفهوم مجددًا، أبرزها:
    - سقوط القطبية الثنائية بتهاوي الاتحاد السوفييتي وسيادة الولايات المتحدة على مسرح الأحداث العالمي، متجاوزة الأطراف الأخرى، ليس فقط الدول النامية ولكن بعض الدول الأوروبية كذلك.
    - الوعي بخطورة سياسات الجات على الدول النامية والدول الصناعية الجديدة خاصة الآسيوية، وسعي بعض الدول الأوروبية لتفادي كارثة دولية تتمثل في صراع قد ينشب بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وذلك بمحاولة إيجاد حوار بين دول العالم الثالث والدول المتقدمة لعلاج المشاكل التي تواجه الجميع في عالم واحد، وهو ما جسّدته الأحداث الأخيرة في سياتل 2000 وغيرها.
    3 - ظاهرة الدمج بين الشركات العملاقة والوحدات الكبيرة على حساب الأسواق المحلية، والشعور بالحاجة إلى دولة قوية ومجتمع قوي في آن واحد، أي صيغة جديدة لعلاقة شراكة وليس تنافس بين الدولة وقوى المجتمع.
    4 - انحسار دور مجموعة عدم الانحياز وتضاؤل الفكرة ذاتها، وانكماش مجموعة الـ 77 بحيث اقتصرت مؤخرًا على 15 دولة تمثل ثلاث قارات (آسيا – أفريقيا – أمريكا اللاتينية)، وأخفقت تلك الدول في عرض مطالبها في مفاوضاوت الجات، كما أن بعض الدول النامية كان الغبن عليها كبيرًا؛ إذ لم تجد من يمثلها التمثيل الذي يحقق مطالبها في مواجهة الدول المتقدمة؛ لذلك فقد تولّدت لدى هذه الدول الحاجة لتبني مبدأ يتجاوز سلبيات التخطيط المركزي ومساوئ الرأسمالية، وأثرهما على الطبقات الفقيرة تحديدًا.
    مظاهر الصعود

    هناك عدة مظاهر لصعود الطريق الثالث كخيار بين الحركات الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا المتمسكة بشكل معلن بمفهوم العدالة الذي كانت تعبّر عنه الشيوعية، ورافضة لحدوث تحولات اجتماعية تهمش الطبقات الفقيرة، خاصة من اللاجئين والمهاجرين من الدول النامية.
    كذلك نلحظ تغلغل المفهوم في أدبيات وخطاب الأحزاب المسيحية الديمقراطية اليمينية سواء في ألمانيا الأحزاب المسيحية أو في إيطاليا في الفاتيكان؛ لوجود اهتمام لدى هذه الأحزاب الدينية هناك للتقليل من حدة آثار الرأسمالية الشرسة؛ لذلك نجد أيضًا أن معظم أحزاب يمين الوسط قد تبنت تصورًا لدولة الرفاهة الحديثة في مقابل مصالحة الأحزاب السياسية الأخرى مع الرأسمالية والسوق الحر.
    ويجد المتأمل للساحة الأوروبية أن معظم الأحزاب السياسية التي تسيطر على مقاليد الحكم حاليًا هي أحزاب يسارية ترفع مبدأ الاشتراكية الديمقراطية وضرورة التغير المستمر بشكل سلمي، بدءًا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، مرورًا بالحزب الاشتراكي في فرنسا، ثم حزب العمال في إنجلترا (العمال الجديد كما يقول بلير)، وهي يسارية جديدة تتخلى عن الدوجماتية، وتطور رؤاها بما يتفق مع الطريق الثالث، وتقدم أطروحات هامة في مجال المرأة ومجال البيئة.
    ومع قوة المجتمع المدني في هذه الدول واتساع هامش الحريات وحرية الصحافة، أوصل الناخبون غير الموالين لأي أيدلوجية هذه الأحزاب التي يطلق عليها "الوسط الجديد" والتي تعتنق الفكر الاشتراكي الديمقراطي إلى مقاعد البرلمان بأغلبية لافتة، فبالنسبة لرجل الشارع فإن هذا الطريق هو الذي يطبق - حسب تعبير Bodo Hombach المستشار الخاص لشرودر - مبدأ المساواة في البداية والمساواة في النهاية، أي المساواة في الفرص وفي الدخل، حتى وإن كان ذلك حلمًا يسعى الجميع بجد لتحقيقه.

    اقتصاد بلا أيدلوجية

    يسعى المفهوم لتحقيق غايات أساسية:

    - وضع اقتصاد بعض الدول على المسار الصحيح، من حيث تغليب الصالح الاقتصادي الوطني بعيدًا عن الارتباط بأيدلوجية بعينها، أي تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا (وهو ما رآه المعارضون تحريرًا في ظل السيادة الرأسمالية الشرسة بما يعني الوقوع الحتمي في براثنها).
    - تمكين بعض الدول الآخذة في النمو من الفرص التي يتيحها هذا الأسلوب، كأسلوب بديل في ظل الأحادية الموجودة والرأسمالية الطاغية.
    - اتباع نهج اقتصادي واجتماعي يمكّن من مواجهة التأثيرات السلبية للأحادية السياسية والاقتصادية للحصول على حد أدنى من المكاسب الديمقراطية في الواقع الاستبدادي.
    - تعظيم درجة تخصيص الموارد وخاصة الناجمة عن الخصخصة لصالح البعد الاجتماعي من جهة، وأيضًا تعظيم زيادة قاعدة التملك للطبقات العاملة ومحدودة الدخل في الوحدات التي تتم خصخصتها (وهو ما يثور الخلاف بشأن إمكانية تحققه في ظل سياسات التكيف الهيكلي التي يدرّها البنك وصندوق النقد الدولي).
    - تبني المبادئ التي تنادي بأن دور الدولة يجب أن يوجّه أساسًا لخدمة الأهداف الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية، أي وضع الدول أمام مسؤولياتها في الرفاهية الواجبة تجاه مواطنيها.
    هل حدث تقدم؟!

    يمكن القول: إن الدول الأوروبية في المقام الأول - وعلى رأسها الدول الاسكندنافية وألمانيا وإنجلترا وفرنسا - تحاول إيجاد الحلول اللازمة للتقدم على هذا الطريق، وفي ما يراه بعض المراقبين محاولة من الأنظمة الرأسمالية لتطوير نفسها وسدّ فجوات التطبيق وثغراته.
    والطريق الثالث عند هذه الدول يُعَدّ مقياسًا يتم به قياس مدى نجاحها في المواءمة بين متطلبات الاقتصاد، والحد من تنافس ومبادرة وحريات فردية، ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية من خدمات تعليم وصحة وتأمين اجتماعي وإعانة المسنين والمتبطلين.
    ومما لا شك فيه أن هذه الدول وجدت نفسها في مأزق حقيقي، فهي ما زالت عاجزة عن الحفاظ على معدل إنتاج ملائم، وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل جديدة، وأيضًا تدبير نفقات تمويل الخدمات الاجتماعية، خاصة الذين لا يشاركون في سوق العمل، مما شكل عبئًا كبيرًا على كاهلها، وتبرز هذه الأزمة في دول مثل فرنسا وألمانيا، أخذًا في الاعتبار هبوط الميزان الديمغرافي لصالح من هم فوق 65 سنة والمهاجرين الذين لا يجدون فرصة عمل مناسبة ويدخلون في البطالة.
    الاختلاف حول طريقة الوصول

    ولا يزال مفهوم الطريق الثالث في حاجة إلى مهلة زمنية حتى يتم تفعليه وحتى يمكن تطبيق مبادئه بشكل براجماتي لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل ليس فقط في دول العالم المتقدم، بل أيضًا في دول العالم النامي؛ فالوسط الجديد يحتاج إلى الدولة، ولكن أي شكل من أشكال الدولة؟
    هناك من يراها الدولة التي تتبنى النهج الاشتراكي الديمقراطي، وتؤمن بالمنافسة العالمية؛ لأن المعلومات في مجال التكنولوجيا، كما أنها تؤمن بالابتكار، وتحدّ من سطوة جهازها البيروقراطي، وتلجأ إلى حلول مبتكرة، فإنها تستلهمها من قوى المجتمع المختلفة للتوفيق بين الحاجات المتصارعة.
    ولا يمكن القول بأي حال من الأحوال: إن هذه الأمنيات سوف تتحقق بمعزل عن مشاركة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية، فالأحزاب السياسية يجب في المرحلة القادمة أن تعكس مصالح الطبقة الوسطى، وأن تتبنى برامج براجماتية وتطور قدرات بحيث تجتذب الأجيال الشابة.
    كما على الدولة القيام بوضع سياسات عامة تطرح حلولاً جديدة، مثل: تحرير سياسة العمل لتسمح بالعمل الجزئي أو الموسمي أو العمل المنزلي، ومشاركة صاحب العمل في أعباء الضمانات الاجتماعية، وأن تزيد من مسؤوليتها في مجال إعادة التدريب والتعليم.
    ولكن على الجانب الآخر يرى بعض الاقتصاديين أن الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة يتمثل في رفع يد الدولة عن الاقتصاد حتى تتمكن من تمويل نفقاتها الاجتماعية، بعبارة أخرى أن تقوم الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من هذه الأزمة، وتتمثل هذه الإجراءات في الآتي:
    - تحرير المشروعات الخاصة من أية قيود تفرضها الحكومات بغض النظر عن الآثار الاجتماعية التي ستنجم عن ذلك.
    - مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار العالميَّين.
    - حرية كاملة لحركة رأس المال والسلع والخدمات.
    - تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، ولا تشمل تلك الخدمات فقط خدمات الصحة والتعليم، بل تمتد إلى أدوار الدولة الأساسية في الحفاظ على الأمن، وتعبيد الطرق، والإمداد بالمياه، وهي الأدوار التي ظلت تلازم الدولة حتى في ظل سيادة مفهوم العولمة.
    - إلغاء مفهوم الخدمة العامة أو الخدمة الاجتماعية وإحلال محله مفهوم المسؤولية الفردية، وذلك من خلال الضغط على الطبقات الدنيا؛ لتبحث عن حلولها لمشاكلها التعليمية والصحية، وتأمين نفسها بعيدًا عن موارد الدولة.
    ويتضح مما سبق أن هذه الليبرالية الجديدة وإن كان أنصارها يدعون أنها في المدى الطويل تخدم فكرة تطبيق الطريق الثالث أو الاشتراكية الديمقراطية في تدبيرها التمويل اللازم لنفقات الدولة الاجتماعية، فإنها تعبر عن ضغط من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليّين.
    هذه الليبرالية الجديدة ظهرت آثارها بشكل واضح في الضغط الذي مُورس على دول مثل شيلي والمكسيك من أجل خفض أجور العمال بمعدلات تتراوح بين 40 - 50%، في الوقت الذي زادت فيه تكلفة المعيشة بمعدل 80%، ونتج عن ذلك إفلاس أكثر من 20 ألف مشروع صغير ومتوسط.
    بل حتى في الولايات المتحدة تضغط الشركات متعددة الجنسيات، مستهدفة الحد من الإنفاق على برامج الرفاهة الاجتماعية والهجوم على حقوق العمال، ويخشى الشعب الأمريكي أن يكون العقد الاجتماعي للجمهوريين في الألفية الثالثة هو ليبرالية جديدة محضة، فالليبراليون الجدد يبذلون مجهودًا كبيرًا للحدّ من برامج الحماية الاجتماعية للأطفال وللمسنين وللمتبطلين، أي المعاناة إلى ما لا نهاية.

    الطريق الثالث للدول النامية

    المأزق الذي تعيشه الدول النامية منذ نصف قرن هو عدم قدرتها على استلهام نموذج سياسي اقتصادي يلائم ظروفها وطبيعتها، مع ثبوت فشل تبنّيها لسياسات اشتراكية ماركسية وليبرالية ديمقراطية؛ لغياب العوامل والمكونات اللازمة لترسيخ أي من هاتين النظريتين.
    لقد بدأت الدول النامية تخطو خطواتها الأولى نحو الانفتاح على الأسواق العالمية وتحرير اقتصادها وخصخصة مشاريعها، خاصة عقب انهيار النظام الاشتراكي وفقدانها الحماس للأفكار والقيم الاشتراكية، وفي الوقت الذي تحاول فيه أن تلعب دورًا في الاقتصاد العالمي، وأن تشارك في فعالياته نجدها تحاول جاهدة الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الاجتماعية في حدودها الدنيا، أي الحفاظ على دولة الرفاهة مع عدم التخلف عن ركب الاقتصاد العالمي.
    فمن الناحية النظرية يبدو هذا الطريق مجديًا لهذه الدول، محققا لآمالها وطموحاتها بدون الالتزام بالانحياز لأي فكر وأيدولوجية ما.
    أما من الناحية البراجماتية(النفعية)، فإن هذه الفكرة قد يصعب تحقيقها دون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل أكبر لدور الأحزاب السياسية، وإحياء الطبقة الوسطى بحيث تعبّر الأحزاب عن احتياجاتها وفكرها، دون الضغط على موازنة الدولة أو جرّها للعب الدور الرئيسي المركزي والحاكم في الاقتصاد الوطني مرة أخرى، وفي الوقت ذاته دون دفعها إلى مزيد من الاقتراض بحيث تصبح مثقلة بالديون ومطالبة بسداد فوائدها المرتفعة عن طريق الاستقطاع مرة أخرى من نفقات دولة الرفاهة.


    ليس دفاعا عن الليبرالية

    بعض الإسلاميين وخصومهم يخلطون بين العلمانية وبين الليبرالية، فلا يلزم من كون الإنسان علمانياً أن يكون ليبرالياً، إذ العلمانية موقف أيديولوجي فكري من الدين أو النص أو المقدس، فالعلماني قد يكون ديكتاتورياً –وهذا الغالب- وقد يتحالف مع الشيطان، ومع الديكتاتور، ومع أي جهة كانت، ما دامت تساعده في إدارة رحى معركته ضد الدين أو ضد المتدينين. لذا فلا وجود موضوعي لليبرالية عربية، ولا أدل على ذلك من غياب ممارسة حقيقية للتسامح واحترام المخالف، وغياب أي مشروع إصلاحي مدني حقيقي، ينفع المواطن العربي في عالمنا العربي المتألم! إن سلوك العلماني العربي جعل "الليبرالية" كلمة مكروهة مشوهة تحتقرها الجماهير الصارخة بآلامها، لأنها تشاهد بأم أعينها خيانة النخب العلمانية العربية لهمومها وآمالها، ولا تجد من هذه النخب إلا تحالفاً وتبريراً للدكتاتور، مع أن هذه النخب المتخمة بالعلمنة تصيح صباح مساء قائلة: قدسوا الحرية كي لا يدوسكم الطغاة! وهم كل يوم بل كل لحظة يدوسون هموم الشعوب، ويتحالفون مع الشيطان الأصغر والأكبر، كي يتمكنوا من أغراضهم الخاصة، ونزواتهم الشخصية. العقلاء –يا سادة- مع اختلافهم وتباين توجهاتهم فإنهم قد يحترمون من يخالفهم إذا رأوه صادقاً مع نفسه ومبادئه. إن الليبرالي الذي يؤمن بمبادئه ويمارسها حقيقة، ويدافع عن كرامة الناس وحقوقهم، ويتسامح مع خصومه، ويتقبلهم، يضع له خصومه حساباً لأنهم يعلمون أنه مؤمن حقيقة بقضيته. ومن يتأمل الصحابي الكريم "عمرو بن العاص" الذي يقول عن الروم.. ما ورد في صحيح مسلم ما قد يبـيّن بعض طباع هؤلاء الناس، مع إنصافهم. فقد روى مسلم عن المستورد القرشي أنه قال عند "عمرو بن العاص" رضي الله عنه‏:‏(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏تقوم الساعة والروم أكثر الناس‏"‏‏.‏ فقال له عمرو‏:‏ أبصر ما تقول‏.‏ قال‏:‏ أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً ‏
    إنهم لأحلم الناس عند فتنة‏.‏
    وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة‏.‏
    و أوشكهم كرة بعد فرة‏.‏
    وخيرهم لمسكين و يتيم وضعيف‏.‏
    وخامسة حسنة وجميلة‏:‏ و أمنعهم من ظلم الملوك).

    هل كان عمرو بن العاص امبرياليا عميلا؟ ، هل تقاضى تمويلا ؟! هل هددته امريكا بنزع السلطة منه في مصر و دخولها على طريقة عاصفة الصحراء ؟ فتأملوا كلام هذا الصحابي العظيم رضي الله عنه، وكيف أنصفهم وشهد لهم بما هم أهله، مع كفرهم وعداوتهم، وتأملوا في المقابل المثقف العلماني العربي فستجدونه –في أكثر الأحيان- متسلطاً دكتاتوراً محارباً للدين في أصوله وتفاصيله، لا يهمه مسكين أو يتيم، بل سليط اللسان بذيء الألفاظ، إذا خاصم فجر، عنده كل القابلية لأن يطعن في أعراض خصومه بالبهتان، تجده يمارس أشد أنواع الإقصاء، فهو دغمائي، سادي –كما يعبرون- ليس عنده أي قابلية لأن يتسامح. لقد شوه العلمانيين العرب صور الديمقراطية و الليبرالية في اذهان الناس البسطاء الذي يكون الوازع الديني لهم جزءا من فطرتهم التي تربوا عليها ، وهذا مالا يفهمه الساسة لا العرب ولا الغربيين، العلماني العربي قوي شجاع حينما يتكلم عن الله سبحانه، وعن دينه، يدعي بطولة رخيصة، فإذا ثارت الجماهير المؤمنة صارخة متألمة من أجل ربها ودينها مسلمين و مسيحيين ، صاح العلماني العربي: أين الحرية؟ أين التسامح؟ أين قبول الرأي الأخر؟! إن الجماهير مقتت من يطنطن بالحرية وتراه لا يمارس حريته إلا حينما يتحدث عن الله ودينه، لكنه لا يتحدث بهذه الحرية حينما سرقت اللقمة الصغيرة من أفواه ملايين الشعوب، ولم يتحدث عن الأيتام، عن الفساد، عن مشاريع حقيقية ينتفع بها الإنسان.

    الليبرالية في حد ذاتها فكر كما بينا من قبل لا يجوز حصره على افراد قد يخطئوا في تطبيقه او افهمه وذلك ليس دفاعا عن الليبرالية ولكن لنكون منصفين .

    -------------------------
    كتاب مفردات الثقافة السياسية –محمد قطب

 

 

المواضيع المتشابهه

  1. تبسيط النظريات الأساسية في العلاقات الدولية ثانيا الليبيرالية
    بواسطة keynes-dz في المنتدى تخصص علاقات دولية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 23-07-2015, 14:33

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •