أهلا وسهلا بك إلى منتديات طموحنا.



النخب في الجزائر

النخب في الجزائر يبدو أن ملاحظة الخصائص التحوُّلية لأحد الأوساط الاجتماعية هو سبيل الكشف عن مختلف هياكله بشكل أفضل من تحليل هذه الهياكل أثناء مرحلة استقرار هذا الوسط. وعلى



النخب في الجزائر


النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي النخب في الجزائر

     
    النخب في الجزائر

    يبدو أن ملاحظة الخصائص التحوُّلية لأحد الأوساط الاجتماعية هو سبيل الكشف عن مختلف هياكله بشكل أفضل من تحليل هذه الهياكل أثناء مرحلة استقرار هذا الوسط. وعلى صعيد الأنظمة التعليمية، اقترح بيير بورديو Pierre Bordieu وجون كلود باسورون Jean Claude Passeron التمييز بين الفترات التكوينية أو البنيوية من جهة وبين الفترات الحرجة التي يمكن أن تمر بها هذه الأنظمة من جهة أخرى.
    والفترة البنيوية هي تلك التي تتم خلالها عملية مواءمة بين مختلف مكوِّنات النظام، هي عملية تتكرر بمجرد حدوثها لأول مرة، كإحداث مواءمة بين الوسط الاجتماعي "المتوسط" للمعلمين من جهة ووسط الطلاب من جهة أخرى، أو بين الخلفيات الثقافية لهاتين الفئتين، أو كذلك بين عدد الطلاب وأماكن وجودهم وبين نسبة عدد الطلاب للمعلمين…إلخ. لكن الفترات الحرجة هي تلك التي تتسم باختلال توازن هذا النظام نتيجة لوصول أعداد هائلة من المعلمين والطلاب الذين يحملون ثقافة مغايرة لتلك التي كانت تسود آنفاً على أوسع نطاق، وكذلك نتيجة لوجود أشكال جديدة لشغل الأماكن المخصصة لهم بسبب الأعداد المتزايدة…إلخ.
    وقياساً على ذلك، فقد يكون من المُجدي تطبيق فكرة التمييز بين هذه الفترات على وسط النُخبة في الجزائر انطلاقاً من تكوينه منذ الاستقلال.
    ونعني هنا بوسط النُخبة مجموع الأشخاص الذين يمتلكون مستويات عليا من رؤوس الأموال على اختلاف أنواعها سواء على الصعيد السياسي أو الأسري أو الاقتصادي أو في مجال اختصاصهم أو ما إلى ذلك، وهم في أغلب الأحيان من الأعضاء غير العاديين في الجماعات المختلفة. ومن ثمَّ، يؤهلهم ذلك إلى الدخول بدرجات متفاوتة في علاقات تتسم على حدٍ سواء بالصراع والدعم المتبادل من أجل تحقيق الإفادة بأقصى درجة ممكنة من مزايا المراكز التي تم الوصول إليها من قبل. كما أن المستويات العليا لرؤوس الأموال تلك في مختلف القطاعات الاجتماعية التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص تتيح لمن استطاع منهم بلوغ مستويات أعلى، تخطي هذه القطاعات بشكل ما والدخول في نظام العلاقات الاجتماعية الذي يسود وسط النُخبة. ومن بين هذه القطاعات نذكر المؤسسات السياسية والمؤسسات العسكرية ومختلف فروع الاقتصاد العام أو الخاص والمؤسسات العلمية والثقافية والفنية…إلخ.
    ويبدو أنه من الممكن ملاحظة عملية الانتقال من الفترة البنيوية إلى المرحلة الحرجة، من خلال رصد تطور وسط النُخبة بالجزائر عند نهاية الثمانينات، حينما صار من المستحيل إخفاء قصور نظام الحزب الواحد والإدارة الشمولية المركزية للنظام الاقتصادي.
    لقد كنَّا نسعى في بادئ الأمر إلى إدخال تحليل لنظام القواعد الموضوعية التي تسود ديناميكية وتكوين محيط النُخبة منذ الاستقلال وحتى نهاية الثمانينات، ثم أخذنا نتساءل فيما بعد حول ما شهده هذا التكوين من تبعات نجمت عن التغيرات التي حدثت أو التي في سبيلها إلى الحدوث، في ظل ظروف تشكيل أنواع مختلفة من رؤوس الأموال المادية أو الرمزية داخل مختلف الأوساط الاجتماعية.
    ومن هنا، يتعين علينا طرح التساؤل التالي: هل تُعد هذه التغيرات تغيرات هيكلية بنيوية أم أنها مجرد تغيرات وضعية؟

    وسط النُخبة منذ الاستقلال وحتى نهاية الثمانينات: التكوين وتدرُّج المراتب
    إن حجم الدور الذي يضطلع به الوسط السياسي كمكان لتشكيل النُخبة بالنسبة لبقية الأوساط الأخرى كالأوساط الاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية وغيرها، قد يكون بلا شك مؤشراً على أهمية التراكم المادي والرمزي الذي ينتفع به المجتمع.
    ويمكننا القول إنه خلال العقود الثلاثة الأولى للاستقلال، انطلقت الفئة المُسيطرة على وسط النُخبة من داخل الوسط السياسي.
    وعند الاستقلال، لم تكن الفئات التي يتكون منها بوجه عام وسط النُخبة تحظى بثقلٍ كبير، سواء من حيث عدد أفرادها أو من حيث أهمية نوعية رؤوس الأموال التي تستثمرها، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال المفكرين ورؤساء الشركات الخاصة وكبار المُلاك الزراعيين والكوادر العليا بالدولة أو بالمؤسسات العامة المحلية…إلخ.
    ويمكننا كذلك الإشارة إلى نهاية الستينيات باعتبارها المرحلة التي شهدت تفوق رأس المال المُكتسب من المشاركة في الحركة الوطنية وفي مختلف أشكال الكفاح من أجل تحرير الوطن، على غيره من رؤوس الأموال الأخرى. وعلى الأقل حتى عام 1989، وإلى حد ما بعد هذا التاريخ، لم يكن الطريق السياسي العسكري هو أقصر الطرق فحسب لاختراق وسط النُخبة، بل كان أيضاً يستند على أشكال من الشرعية تتسم بفاعلية خاصة. فهذا النوع من رؤوس الأموال ظل طويلاً سبيل بلوغ أكثر المراكز أهمية في الوسط السياسي، وعلى نطاق أوسع في وسط النُخبة بأكمله. وجدير بالذكر أن الشخصيات التي سلكت هذا الطريق السياسي العسكري، من أجل دخول وسط النُخبة، كانت تحظى برصيد سياسي هائل وبقدر كبير من العلاقات الاجتماعية، رغم تواضع رصيدها من التعليم. وقد نجح معظم هؤلاء الأعضاء السابقين في منظمات الكفاح من أجل الاستقلال، في تقلُّد المناصب التي كانوا يطمحون إليها، ألا وهي تلك التي تتشكل منها مؤسسات الحكم في البلاد مثل الحكومات وإدارة حزب جبهة التحرير الوطنية وأعلى تنظيمات الجيش وكبرى الهيئات الدبلوماسية…إلخ. كما تم منح بعض الشخصيات العديد من المناصب الكبرى في المؤسسات الإدارية والاقتصادية، انطلاقاً من مركزهم السياسي، لا من مؤهلاتهم الجامعية أو خبرتهم المهنية.
    لقد شهدت بعض السُبل الأخرى لدخول وسط النُخبة تطوراً تدريجياً انبثق من اتساع وتدعيم الهياكل الإدارية وهياكل القطاع العام في المجال الاقتصادي. فعملية الارتقاء في هذه المجالات وبلوغ مستويات إدارية أعلى تستند بشكل كبير على مستوى وطبيعة التأهيل المُكتسب بالإضافة إلى بعض القدرات الأخرى. وشيئاً فشيئاً، صار على عاتق عدد كبير من حملة الشهادات الجامعية في مختلف التخصصات كالقانون والاقتصاد والاجتماع والهندسة بفروعها المختلفة…إلخ، تولي مسئولية إدارة وحدات إدارية واقتصادية واسعة النطاق. ويحظى أصحاب هذه المناصب العليا وفقاً للتسلسل الوظيفي الإداري أو الاقتصادي بمكاسب مادية معقولة في أغلب الأحيان، لكنهم يتمكنون على الأخص من تكوين رصيد هائل من العلاقات الاجتماعية التي تفتح أمامهم آفاق بلوغ وسط النُخبة.
    وهكذا، يتكون سريعاً داخل وسط النُخبة ذاته نوعاً من الطبقية التي ترسخ بشكل واضح، وتبدأ في إرساء بُنيان العلاقات التي تربط بين أفراد مجموعات هذا الوسط، انطلاقاً من وظيفة كل منهم والمركز الذي يشغله.
    يمثِّل النظام الحاكم بوجه خاص إحدى الطرق الفعَّالة للارتقاء داخل بُنيان وسط النُخبة؛ فهذا النظام ظل طويلاً انعكاساً مُصغراً لعالم النُخبة، نظراً لما شهده من وجود متزامن لفئتين من الوزراء: إحداهما تمثِّل القطب المُسيطر على الوسط السياسي، والأخرى تشمل الوزراء الذين ارتقوا في مناصب الإدارات العليا أو إدارات كبرى هيئات القطاع العام الاقتصادية. ويبدو أن بعض الأوساط الأخرى قد شهدت تكرار وجود مثل هاتين الفئتين من صفوة رجال السياسة، وذلك وفقاً لأفكار منطقية تتسم بقدر من الوضوح النسبي.
    ويبدو أن دخول عالم النُخبة عن طريق الحزب الواحد قد أسفر طويلاً عن بلوغ مراكز في الوسط السياسي تقل في مكانتها عن تلك التي بلغها من سلك طريق الجيش. إلا أنه يجب الإشارة إلى التقاء هذين الطريقين عند بعض مكونات رؤوس الأموال التي يستند عليها كل منهما في سبيله إلى وسط النُخبة؛ فالجيش والحزب هما أكثر المُستفيدين والمنتفعين برصيد الشرعية المنبثقة عن حركة كفاح التحرير الوطني. وينعكس الحجم الهائل لسلطة الجيش الحقيقية أو المُمكنة على مختلف مستويات الواقع الاجتماعي، من خلال تفوق الثقَّل الذي يحظى به رجال الجيش على ذلك الذي يتمتع به رجال الحزب في الوسط السياسي.
    ويحتل المجال السياسي، في وسط النُخبة، بهيكله الثلاثي مركزاً شديد السيطرة بالنسبة لغيره من فئات النُخب الأخرى. وقد كان هذا الأمر ينطبق كذلك حتى نهاية الثمانينات على نُخبة المُثقفين من الجامعيين والفنانين وأهم رؤساء المؤسسات الخاصة أو أكبر مستثمري القطاع الخاص وغيرهم. وإزاء هذا المحور المركزي من صفوة السياسيين، لم يجد صفوة المجالات الأخرى أمامهم سوى الاكتفاء إلى حد ما بمكانتهم الثانوية.
    ويمكن أن يقترب جزء من نفس الفئة المصطفاة من المستويات العليا لوسط النُخبة الكلي من دون الجزء الآخر. فنجد على سبيل المثال من بين نُخبة الجامعيين، تفوُّق أساتذة الطب على أساتذة الأدب من حيث اقترابهم من أعلى مستويات النُخب.
    وفيما يخص أساتذة الأدب، يجب علينا التمييز بين نوعية رؤوس الأموال التي يمتلكها كل من المستعربين والمتفرنسين، وكذلك بين مختلف الاستراتيجيات التي يطبقونها في علاقاتهم بوسط النُخبة.
    ويمكن اعتبار حركات الكفاح التي قادها المفكرون المستعربون، خلال عقدي السبعينيات والثمانينات، بمثابة جهود واعية أو غير واعية تهدف إلى الوصول برأس المال الذي يحملونه إلى أعلى درجات التقييم الاجتماعي الممكنة، ويتمثل أحد المكونات الأساسية لرأس المال هذا في معرفتهم باللغة العربية على وجه التحديد. وينطوي هذا التقييم على كسب عدد من المنافع المادية والرمزية المتوقعة، مع تفضيل بعضها على البعض الآخر وفقاً لتدرج المستويات التي تنجح تلك الفئة من رجال الفكر في بلوغها. ومن بين هؤلاء، كان هناك من يحق له التطلع إلى الانضمام لقيادات الحزب أو الحكومة، والدخول بالتالي إلى وسط النُخبة أو الاقتراب منه ، شريطة امتلاك رصيد كبير من الاشتراك في الحركة الوطنية، مهما صغر أو كبر الدور الذي اضطلع به، والاشتراك في التحرير الوطني، والحصول على عدد من الألقاب الجامعية الرسمية رفيعة المستوى، والوجود بصورة كبيرة في وسائل الإعلام، مع امتلاك رصيد من العلاقات الاجتماعية الهامة.
    ويبدو أن تنوع سُبل الدخول إلى وسط النُخبة يرتبط بشدة بنوع رأس المال الذي تستند عليه عملية الدخول في هذا الوسط، فنوعية رأس المال تحدد أي المراكز يمكن شغلها داخل جماعات النُخب التي تتعدد مراتبها وتتنافس فيما بينها مع اختلاف حدة هذا التنافس. وقد كان من الممكن التحقق تجريبياً من هذه الملاحظة، عن طريق إجراء بعض الدراسات كدراسة مسيرة الأفراد داخل وسط النُخبة، ولا سيما صفوة السياسيين وكبار قادة كبرى مؤسسات قطاع الدولة مثل SONATRACH و SIDER وغيرهما من المؤسسات الأخرى. وبلا شك كنا سنكتشف آنذاك ظهور بعض الحواجز التي لا يمكن أن يتخطاها هؤلاء الأشخاص عند ارتقائهم في قلب مجتمع النُخب.
    إن مختلف أنواع رؤوس الأموال التي كان يتمكن الأفراد والجماعات من تكوينها أو توارثها في المجتمع الجزائري، كأحد نواتج كيان تاريخي أو بُنيان هيكلي اجتماعي واقتصادي، لم تكن تتساوى خلال السبعينيات والثمانينات من حيث قيمتها الاجتماعية، ولم تكن تشكل سوى نادراً أساساً تستند عليه عملية الوصول إلى وسط النُخبة.
    وهناك مدلول واضح للوضع القائم على وجود جماعة مُسيطرة على المجتمع الفكري والجامعي والفني بالجزائر. فقد تجمعت العديد من العوامل من أجل الحد من القيمة الاجتماعية لرأس مالها العيني، ومن ثمَّ إضعاف وضع أبرز ممثليها داخل وسط النُخبة. وهكذا، يبدو الموقف داخل هذا الوسط مرهوناً بالثقل الاجتماعي الحقيقي للوسط العيني الذي ننتمي إليه، والذي يتمثل في جمهور "المستهلكين" الحقيقيين أو المُفترضين للإنتاج الفكري والذين صار عددهم محدوداً نتيجة لبعض الأسباب التاريخية، مما أسفر بالتالي عن الحد من ثقلهم الاجتماعي. ومن ثمَّ، فإن الانضمام إلى مؤسسات أو منظمات سياسية أو اقتصادية أو إدارية هو السبيل الوحيد أمام فئة المفكرين لدخول وسط النُخبة على الصعيد المحلي، وامتلاك سلطة ذات تأثير واضح داخل هذا الوسط. إلا أنه قد ذاع صيت العديد من المفكرين والفنانين باعتبارهم من المعارضين داخل ما يمكن أن نطلق عليه اسم وسط النُخبة المضاد. ومن هذا المنطلق، يمكننا إعادة النظر في مسيرة حياة عدد من الشخصيات مثل مولود مامري وكاتب ياسين ومالك حداد الذي تقلَّد منصباً كبيراً بعد مرور وقت طويل، وكذلك رشيد ميموني وعبد الله مازوني…إلخ. وتحمل مسيرة كل واحد من هذه الشخصيات دلالات واضحة تنعكس من خلال سماتهم المشتركة وما تنطوي عليه حياتهم من مختلف أشكال مقاومة التسلط.
    إن طريقة تكوين وسط النُخبة وشروط الانضمام إليه كانت حتى نهاية الثمانينات سبباً في إضعاف كيان النُخب المحلية. وإن حكم البلاد السياسي والإداري والاقتصادي وفقاً للنظام الرأسي الطبقي المركزي قد حدَّ من تكوين عناصر ديناميكية محلية على المستوى الأفقي، مما قلل بالتالي من إمكانية تكوين أنواعاً هامة من رؤوس الأموال على الصعيد المحلي. ومهما بلغت القيمة "المطلقة" للمال هذا على المستوى المحلي، فإنها تنخفض بالقطع بمجرد تواجدها أمام رؤوس الأموال التي يمتلكها صفوة المستوى المركزي، وهو ما لا يمكن تجنب حدوثه بأي حال من الأحوال.
    وقد أوضح إبراهيم صالحي في نص موضوعه حول تطور كوادر ونُخب ولاية تيزي أوزو، أنه بعد مرور حوالي عشر سنوات لم يشهد خلالها هذا الإقليم ظهور صفوة محلية لها أهمية تُذكر، حيث لم يكن يمتلك بعد هياكل التأهيل والتوظيف اللازمة للوظائف رفيعة المستوى، تبدَّل الحال بحلول منتصف السبعينيات، حينما أسفر بوجه خاص تشكيل قطاع عام صناعي وإنشاء منشآت جامعية عن تجمع عدد من الكوادر عالية المستوى والذين ترجع أصولهم في معظم الأحيان إلى تلك الولاية. إلا أنه من الملاحظ أن تشكيل هذه النُخبة لم يكن أمراً ذاتياً، لأنه كان مرهوناً للغاية بالقرارات الاقتصادية والإدارية التي يتم اتخاذها داخل قيادات البلاد الرئيسية. ولا جرم أن تقييم الثقل الاجتماعي لأفراد تلك النُخبة المحلية، ولا سيما من أجل الحكم على قدرتهم اللازمة لإدخال جزء منهم في وسط نُخبة البلاد بأكملها، يستلزم التعرض لعناصر تشكيل هذا الكيان مثل رؤساء القطاع الخاص وكبار التجَّار ووجهاء المهن الحرة أو المؤسسات التقليدية كالجمعيات الدينية والزوايا وقيادات الحزب المحلية…إلخ، والتطرق كذلك إلى مختلف أنواع رؤوس الأموال التي يمكن بأي شكل من الأشكال إشراك الآخرين فيها.
    ورغم تنوع الطرق التي أتاحت حتى نهاية الثمانينات لبعض الأشخاص الذين يملكون رؤوس أموال اجتماعية معينة، شغل مواقع محددة داخل وسط النُخبة، فقد سادت حالة استقرار نسبي ارتبطت بمرحلة تكوين هذا الوسط. وقد امتد هذا الاستقرار ليشمل في الأساس طبيعة الطرق المؤدية إلى وسط النُخبة والشروط الاجتماعية اللازمة لدخوله.
    منذ نهاية الستينيات، تم تشكيل مكونات عالم النُخبة ووضع هيكل العلاقات التي تربط بين مختلف عناصره وتحقيق استقرارها النسبي، فقد شهد هذا العالم مرحلة تكوين طويلة نسبياً تم خلالها إرساء بعض العادات اليومية وترسيخ الأوضاع بين أفراده أو ما يشبه "العرف" في تعامل الأفراد مع بعضهم البعض والارتباط بعلاقات مصاهرة من أجل زيادة الفاعلية الاجتماعية للرصيد الاجتماعي للعائلات المعنية، وما إلى ذلك من أمور أخرى أدت إلى استحداث قواعد غير معلنة سادت نشاط هذا العالم. واتسمت فترة الاستقرار بقدر من الطول أتاح حدوث تطور تدريجي على الصعيد الاجتماعي. وقد تزخر دراسة الاستراتيجيات المدرسية التي وضعها أفراد ينتمون لمختلف أجزاء مجتمع النُخبة لصالح أبنائهم، بعدد من الاكتشافات ليس فحسب حول فشل أو نجاح هذه الاستراتيجيات، ولكن أيضاً حول الصلة التي تربط بين نوع رأس المال الذي يمتلكه الآباء وبين الخصائص الثقافية أو بالأحرى الخصائص النفسية التربوية للاستثمارات التعليمية التي يلجأ إليها الآباء من أجل تحقيق صالح أبنائهم.

    هل التغيرات التي طرأت على وسط النُخبة بعد عام 1988 هي تغيرات هيكلية أم وضعية؟




    هل أسفرت التغيرات المؤسسية والاقتصادية التي وقعت تدريجياً خلال عقد الثمانينات عن حدوث تعديلات هامة في شروط الانضمام إلى وسط النُخبة، أو في تكوين هذا الوسط، أو بالأخص في هيكل العلاقات التي تربط بين مختلف عناصره، أو كذلك في علاقة هذا الوسط بغيره من الأوساط الاجتماعية الأخرى؟
    يمكننا على أقل تقدير تناول أربعة مجالات شهدت تغيرات أسهمت أو من شأنها الإسهام في إحداث تعديلات لا في تكوين وسط النُخبة فحسب، بل في بُنيانه الهيكلي بأكمله. وتنحصر هذه المجالات في التعددية الحزبية وتدهور القطاع العام في النواحي الاقتصادية وصعود الصحافة الخاصة، بالإضافة إلى ما ترتب على إعلاء قيمة بعض أنواع رؤوس الأموال وانخفاض قيمة البعض الآخر، نتيجة لتطورات العولمة الاقتصادية والثقافية.
    إن التخلي عن نظام الحزب الواحد وغيره من الأمور الأخرى قد أتاح إمكانية إرساء سبل جديدة للدخول في وسط النُخبة الذي يمكن بلوغه بواسطة المجال السياسي. وبعبارة أخرى، صار على ما يبدو من الممكن حشد بعض أنواع رؤوس الأموال التي كان يصعب تقديرها تحت النظام القديم، من أجل الشروع في عملية الارتقاء الواعدة. ومن بين رؤوس الأموال التي يبدو أنه قد تم استغلالها إلى حد ما، يمكننا أن نذكر على سبيل المثال امتلاك شبكة ثرية من العلاقات الاجتماعية نتيجة لممارسة إحدى المهن الحرة، أو امتلاك ثروة هائلة نسبياً، أو كذلك إعادة إحياء تاريخ سياسي تعرض للقمع والاحتجاب خلف منطق الحزب الواحد، أو الإيفاء إلى أشكال متنوعة من الارتباط بالإسلام مثل تلك التي تتصل بالحركة الإسلامية المعاصرة، أو التمسك بالهياكل الدينية التقليدية…إلخ. ونحن نعلم جيداً أنه عقب فترة انتشاء، ظهر خلالها عدد كبير من الأحزاب، سرعان ما انخفض بشدة عدد تلك التي تمكنت من الحفاظ على وجودها الرسمي. ولا نمتلك للأسف أية تحليلات للمدلولات الاجتماعية لظاهرة ظهور العديد من الأحزاب عند بداية الثمانينات، ثم انخفاض عددها بشكل سريع. إلا أنها قد أدت في نهاية الأمر إلى بث روح جديدة أو إحداث اتساع محدود للغاية داخل طبقة ووسط نُخبة السياسيين الجزائريين. لكن كل الظواهر تشير إلى غلبة الاتجاهات المحافظة لنُخبة السياسيين على الاتجاهات المُجددة، ولا سيما فيما يخص إفراز عناصر جديدة من داخل الكيان الاجتماعي لهذه النُخبة.
    وعلاوة على ذلك، يبدو أن الطريق الاقتصادي لبلوغ وسط النُخبة قد شهد تغيرات هائلة. ولم تعد المنشآت العامة في ذات الإطار الذي وجَّه العديد من الأشخاص بداية من الحصول على أعلى الشهادات الجامعية كشهادات كبرى المدارس الفرنسية، ثم تولي إدارة إحدى الشركات الاقتصادية الهامة، وأخيراً دخول المجال السياسي من خلال تقلُّد إحدى الوظائف الوزارية في أغلب الأحيان. وهكذا، يتكون سبيلاً فرعياً آخر تزداد فاعليته في بلوغ وسط النُخبة ويحظى بتعزيز قطاع الاقتصاد الخاص.
    لقد ازداد عدد الأشخاص الذين أخذ رأس مالهم الاقتصادي في الازدياد خلال العشر سنوات الأخيرة، بل وازداد أيضاً رصيدهم من العلاقات الاجتماعية. ورغم أن التمثيل المباشر والواضح لتلك الفئة من النُخب ما زال محدوداً في المجال السياسي ، فإن كل الظواهر تؤكد ما تتمتع به من تأثير هائل على هذا المجال بشكل غير مباشر. وقد يتعين علينا متابعة العمليات المختلفة التي تُضاف بموجبها أنواع أخرى من رؤوس الأموال إلى رأس المال الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، ما هي الاستراتيجيات التي يتبناها هؤلاء الأشخاص في تعليم أبنائهم المدرسي أو في عملية تربيتهم بأكملها؟ وهل تهدف هذه الاستراتيجيات في الأساس إلى إخضاع رأس المال هذا لبعض العمليات التحويلية، أم أنها تنطوي أيضاً على الرغبة في إنجاح مشروع تحديث كيفية إدارة رأس المال الاقتصادي المتراكم؟
    لقد أسفرت غلبة القطاع الخاص على القطاع العام في المجال الاقتصادي عن "هجرة" الكوادر إليه. ويختفي إلى حد ما الكم الهائل لتلك الكوادر وراء ستار نظام الإحالة على المعاش الذي تنتفع به الكوادر الإدارية والاقتصادية بل وكوادر الجيش؛ فهذا النظام يتيح لهم مغادرة القطاع العام في وقت مبكر نسبياً يسمح للبعض منهم بالانضمام إلى القطاع الخاص.
    لكن يبدو أن القطاع الخاص الاقتصادي لا يتسم بنفس فاعلية القطاع العام كسبيل لدخول الكوادر العليا في وسط النُخب. إلا أنه قد يتعين علينا ملاحظة الأشكال المتعددة لعلاقات التعارف الداخلي والتحالف وتوزيع أعمال تدعيم مختلف رؤوس الأموال وغيرها من العلاقات الأخرى التي تجد طريقها إلى حيز الوجود بدون أي نوع من أنواع الدعاية، مما يحول دون ظهورها بجلاء أمام الجميع، ولا سيما أنها نتاج ممارسات عملية تتولد عن أوضاع ملموسة، أكثر من كونها تعتمد على استراتيجيات مُعدة سلفاً لأهداف مُحددة.
    ويمتد كذلك تأثير نمو القطاع الخاص في مجال الاقتصاد إلى وسائل الإعلام، ولا سيما الصحافة المقروءة. فقد اكتسبت مجموعات رئاسة الصحف اليومية الخاصة قدرة خاصة اكتسبوها من مخاطبة أعداد كبيرة من القراء، مما أهَّلَهم إلى امتلاك قوة متزايدة سمحت لهم نوعاً ما بدخول الوسط السياسي، ثم اجتيازه كطريق لبلوغ وسط النُخبة. وقد استندت هذه القوة الهائلة على رأس مال مستقل نسبياً عن هياكل الدولة، مما يوضح التشابه بين وضع رؤساء المؤسسات الاقتصادية الخاصة داخل وسط النُخب من جهة وبين وضع رؤساء كبرى الصحف اليومية من جهة أخرى.
    ترتبط مختلف الشخصيات والمجموعات التي يتشكل منها وسط النُخبة في الجزائر بمجموعة من علاقات التبعية التي تحدد الاستراتيجيات الخاصة بكل هؤلاء، والتي تهدف إلى الدفاع عن المواقع التي تم بلوغها والعمل على تعزيزها، أو تهدف كذلك إلى بلوغ مراتب أعلى في بُنيان هذا الوسط من خلال زيادة فاعلية مختلف مكونات رؤوس الأموال التي يمتلكها كل منهم مثل شبكة العلاقات العامة وعلاقات المصاهرة وتنمية رؤوس أموالهم من الممتلكات المادية والرمزية…إلخ.
    ومن أجل إظهار نوعية آليات الدخول في وسط النُخبة، ثم آليات الدفاع عن المواقع المُكتسبة وتعزيزها، يجب التحقق من دراسة المسارات النموذجية لبعض الجماعات أو الأشخاص الذين تمكنوا من الربط بشكل متبادل بين بعض المتغيرات مثل درجة الأقدمية في هذا الوسط والمواقع التي مازالوا يشغلونها والوضع الاجتماعي للأشخاص المعنيين وأفراد أسرهم وأشكال تحويل رأس المال…إلخ. وما هي العلاقات التي تربط بوجه خاص بين قدامى أعضاء وسط النُخب والأعضاء الجدد الذين انتفعوا بالتغييرات التي طرأت على شروط الانضمام إلى هذا الوسط عقب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها الجزائر منذ ما يقرب من عقد من الزمان؟
    إن بعض التغيرات التي طرأت على شروط دخول وسط النُخب وعلى قواعد اللعبة التي يمارسها زعماء أو محركو هذا النظام، قد تعرضت بدرجات متفاوتة لتأثير الانفتاح بصورة أكبر على الديناميكيات الاقتصادية والثقافية الدولية والتي أحاطت بالجزائر من كل جانب. وحسبنا النظر إلى نتائج "الانفتاح الاقتصادي والإعلامي" على قيمة رأس المال المتمثل في معرفة اللغة العربية التي كانت تُعد طويلاً كأحد العناصر الأساسية في استراتيجيات المفكرين أو المثقفين حول التأهيل المستعرب بصفة أساسية. إلا أننا نلاحظ أنه يتعين على شباب الخريجين من حملة المؤهلات العليا الاتجاه أكثر نحو القطاع الخاص من أجل إيجاد وظائف، وهذا القطاع يتكون من مؤسسات ذات علاقات قوية بالاقتصاد العالمي الذي يدعوها إلى توطيد صلتها به.
    وأخيراً، نأمل في زيادة إجراء الدراسات الوافية حول الجوانب الاجتماعية والاجتماعية التاريخية الخاصة بمختلف فئات وسط النُخبة؛ حيث نعتقد أن تلك الدراسات قد تنجح أثناء إجرائها أو عند تحليل النتائج التي توصلت إليها في الاستناد على معرفة شديدة الدقة لهيكل وديناميكية العلاقات التي تربط بين مختلف جماعات وأفراد وسط النُخب.

    hgkof td hg[.hzv


  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    41,771
    الجنس
    ذكر
    وظيفتي
    موظف بقطاع التجارة
    هواياتي
    كرة القدم، الشطرنج، كتابة الخواطر، المطالعة
    شعاري
    كن جميلا ترى الوجود جميلا

    افتراضي رد: النخب في الجزائر

    الهـوامـش

    P.Bourdieu et J.C.Passeron, La Reproduction, Editions de Minuit, Paris, 1970, p.113.
    إن الفوائد العلمية والمنهجية لدراسة النُخبة، انطلاقاً من الوسط المحيط بهم، تكمن بوجه خاص في كون تلك الدراسة تفرض نوعاً من المعالجة التي تستند على العلاقات بين الأفراد، ولا تستلزم فحسب تناول طبيعة نوع رؤوس الأموال التي أتاحت الدخول في هذا الوسط، بل تمتد إلى دراسة القيمة النسبية لها والصراعات الشعورية واللاشعورية التي تهدف إلى زيادة قيمتها.
    أسفر اختلاف أسلوب كبار كوادر الجيش عن وجود منافسة شديدة بين أتباع أركان حرب ولايات جيش التحرير الوطني ALN من جهة، وبين الذين تلقوا تأهيلاً حديثاً في مختلف مؤسسات التأهيل العسكري بالعديد من البلدان من جهة أخرى، إلا أن هذه المنافسة قد انتهت بغلبة المجموعة الثانية (cf. Mahfoud Bennoune) .
    ارتفع تدريجياً وبشكل بطيء نسبياً مستوى تعليم الكوادر العليا الجزائرية منذ عام 1962. في عام 1963،كان 20% من الكوادر العليا من غير المتعلمين، و30% منهم لم يتلقوا سوى التعليم الابتدائي، ولم يصل سوى 11% منهم فحسب على تعليم عال. بينــما فـي عــــام 1980، تحــوَّلت الـ20% إلى 0.4% والـ30% إلى 20.6% وارتفعت الـ11% إلى 57.4% (cf, M’hamed Boukhobza, Ruptures et transformations sociales en Algérie,OPU, Alger, 1989, 2T, volume I ).
    Cf. Haddab Mustaph, Les intellectuels et le statut des langues en Algérie, thèse d’Etat, Paris VII,1993
    يجب بلا شك اعتبار تلك الحركات النضالية الموجهة إلى إعلاء القيمة الاجتماعية للرصيد المُكتسب السبب فيما نُسب، على خلاف الواقع، من ثقل سياسي هائل لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولنشاطاتها وقدرتها على التعبئة للكفاح من أجل تحرير الوطن. وإن المكانة الاجتماعية التي حظي بها عدد كبير من أساتذة الجامعة المستعربين الذين انضموا إلى تلك الجماعة أو اقتربوا منها كانت تستند إلى حد ما على القيمة الرمزية التي اكتسبها هذا التنظيم. وقد حاولنا من خلال ما ذكرناه أعلاه التأكيد على أنه رغم عدم تمكُّن هذه الجمعية من الحفاظ على وجودها الرسمي عقب الاستقلال، فإنها استمرت في كونها شبكة كبيرة تقوم على التكافل والتضامن ولها نشاط هائل شديد التأثير في العديد القطاعات المختلفة كالتعليم والإعلام والنشر والشئون الدينية وغيرها من القطاعات الأخرى، مما أتاح للعديد من أعضاء هذه الجمعية تقلُّد مراكز مؤثرة في وسط النُخبة. ويتعين علينا التعمُّق في تحليل ودراسة مسيرة العديد من هؤلاء الأشخاص مثل أحمد طالب ومحمد طالبي وعبد الرحمن شيبان وزهور أونيسي على سبيل المثال.
    يمكننا بهذا الصدد على سبيل المثال الاطلاع على التحليل الذي عرض له محمد عشماوي بشأن مسيرة ابن أحد قدامى ضباط جيش التحرير الوطني بإحدى الولايات شبه الصحراوية، لأنه حظي برصيد اجتماعي كبير هو حصيلة نفوذ والده وشبكة علاقاته الاجتماعية بالإضافة إلى حصوله على مؤهل جامعي متميز وبعض الخبرة بمجال الأعمال، وهو رأس مال يتيح له البدء في عمله كنائب سياسي (Mohamed Hachemaoui, Le député: agent de la médiation clientélaire, Colloque de Timimoun, du 20 au 25 mars 2002).
    Brahim Salhi : Elites entre modernisation et retraditionnalistion…, Colloque de Timimoun, mars, 2002.
    للشروع في تحليل العلاقة بين تطور وضع كبرى المدارس الجزائرية وأصل كوادر إدارة الهيئات الاقتصادية والإدارية، يتم الرجوع إلى Haddab Mustapha, L’évolution du statut des cadres en Algérie et ses effets sur les institutions de formation, in Actes du colloque de Stockholm, du 24 ou 25 septembre 1993 sur les élites: formation, reconversion, internationalisation.



 

 

المواضيع المتشابهه

  1. افضل فيديو ممكن تشوفو عن الجزائر (( السياحة في الجزائر))
    بواسطة آڸچنرآڸ في المنتدى السياحة في الجزائر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-02-2016, 21:54
  2. دائرة من اقدم دوائر الجزائر لاكن معضم سكان الجزائر
    بواسطة ÂDěl Dâ SïLvà في المنتدى السياحة في الجزائر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 30-06-2015, 02:15

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •